المتحدث الإقليمي للخارجية الأميركية: العالم ليس مؤهلاً للاستغناء عن الوقود الأحفوري

وربرغ قال لـ «الشرق الأوسط» إن مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» رسالة سعودية مهمة

المتحدث الإقليمي باسم الخارجية الأميركية خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»
المتحدث الإقليمي باسم الخارجية الأميركية خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»
TT

المتحدث الإقليمي للخارجية الأميركية: العالم ليس مؤهلاً للاستغناء عن الوقود الأحفوري

المتحدث الإقليمي باسم الخارجية الأميركية خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»
المتحدث الإقليمي باسم الخارجية الأميركية خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»

وصف المتحدث الإقليمي باسم الخارجية الأميركية لشؤن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سام وربرغ، «مبادرة الشرق الأوسط الأخضر» بأنها «رسالة سعودية مهمة، تؤكد اهتمام الرياض بقضية التغيرات المناخية».
وقال وربرغ في حوار مع «الشرق الأوسط»، على هامش مشاركته في قمة المناخ (كوب27)، «لا أريد أن أقارن بين المبادرات التي أطلقتها دول غير منتجة للنفط، والمبادرة السعودية، ولكن عندما تأتي هذه المبادرة من دولة تنتج 10 ملايين برميل من النفط يومياً، فهي رسالة لها طابع خاص وذات أهمية كبيرة».
وحول ما وصفه بعض الخبراء بالتناقض بين الحديث الأميركي عن تغير المناخ، ودعوة واشنطن من ناحية أخرى الدول المنتجة للنفط لزيادة إنتاجها. قال «نحن نعيش في تناقض، فنحن نعاني من التغيرات المناخية ونلمس آثارها، لكن في الوقت ذاته، كبشر لدينا احتياجات غذائية ونريد أن نذهب لأعمالنا ونسافر إلى الخارج، وكل ذلك يعتمد على الوقود الأحفوري، فالعالم ليس مؤهلاً الآن للاستغناء عن الوقود الأحفوري، وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا هذه الحقيقة، والأفكار التي تطالب بذلك، هي (أفكار متطرفة)، فلا يمكن للرئيس الأميركي جو بايدن، رغم اهتمامه بمشكلة تغير المناخ، أن يأخذ قراراً مثل هذا يضر بالأنشطة الصناعة وقطاعات من العاملين في مهن تعتمد على الوقود الأحفوري، مثل سائقي الشاحنات مثلاً».

الوقود الأحفوري والبنية التحتية

وأضاف، أن «الدول الصناعية الكبرى والدول المنتجة للنفط، كما ظهر في كلماتهم بقمة (كوب27) يدركون أن المستقبل للطاقة المتجددة؛ لذلك فإن التحدي في هذه المرحلة الانتقالية هو كيف يتم تأمين الوقود الأحفوري من دون بنية تحتية دائمة، كأن تكون هناك مثلاً بنية تحتية لإنتاج الغاز، يمكن تحويلها لاحقاً لإنتاج الوقود الهيدروجيني».
ووصف وربرغ التوتر الراهن في العلاقات مع السعودية، على خلفية قرار «أوبك بلس» بتخفيض إنتاج النفط، بأنه «سحابة صيف»، مشدداً على عمق العلاقات مع السعودية، والتي يُعدّ ملف الطاقة «جزءاً بسيطاً منها».
وقال، إن «العلاقات مع السعودية قديمة، فلدى واشنطن مصالح مشتركة مع الرياض منذ 80 عاماً، وزادت هذه المصالح في الوقت الراهن، حيث يجمعهما عمل مشترك لتحقيق الاستقرار الإقليمي و(مكافحة الإرهاب)، وإنهاء الحرب في اليمن»، مشيداً في هذا الإطار «بالجهود التي تبذلها الرياض لوقف الحرب، رغم الصواريخ التي يرسلها الحوثيون إلى الأراضي السعودية».
وبسؤاله عن الانسحاب الصيني من التنسيق المشترك مع واشنطن في قضية تغير المناخ. قال، إن «هذا عقاب للدول الفقيرة والنامية، وليس لأميركا»، موضحاً أن الرئيس الأميركي، أخذ ما يلزم من إجراءات لحماية المواطن الأميركي، لكن الانسحاب الصيني من التنسيق يضرّ بالدول الفقيرة، مشيراً إلى أن «واشنطن وبكين تقع عليهما مسؤولية كبيرة، باعتبارهما أصحاب النصيب الأكبر من الانبعاثات».

الصين أكبر تحدٍ لأميركا

وأشار وربرغ إلى أن «إدارة بايدن تدرك جيداً أن الصين هي أكبر تحدٍ لأميركا، وأحياناً ستكون هناك علاقة تنافسية معها، لكن في الوقت نفسه هذا لا يمنع من التعاون معها في القضايا التي تهم العالم، مثل تغير المناخ، وجائحة (كوفيد– 19)».
وتابع «كنا في المسار السليم في (كوب26)، وتوصلنا إلى اتفاقيات مشتركة، ولكن لأسباب سياسية غير مناخية، تم وقف التعاون المشترك في هذا المجال، و(كوب27) هو فرصة لاستعادة هذا المسار في العلاقات»، مضيفاً «لدينا تواصل مع الوفد الصيني المشارك في القمة، ولكنه لم يصل إلى مستوى استعادة التنسيق الكامل في هذا الملف، ونأمل في استعادته، كما نأمل أيضاً أن نرى تنفيذ الصين للالتزامات المناخية التي قطعتها على نفسها، فحتى الآن لا نرى تفاصيل ومعلومات تشير إلى الوفاء بهذه الالتزامات».
عن تأثير التواصل القائم حالياً مع الصين في ملف تغيرات المناخ خلال القمة على فرص نجاحها. قال، إنه «من المبكر جداً التكهن بنتيجة، ولكن ما أستطيع تأكيده هو أن التواصل في هذا الملف من أولوياتنا».
ووصف وربرغ الجدل المثار حالياً حول تحديد الملوث الأكبر «الصين أم أميركا»، بأنه «عديم الفائدة». وأكد، أن «الشيء المهم والثابت علمياً أن هناك تغيراً في المناخ تسبب فيه النشاط البشري، وواشنطن لا تنكر التزاماتها في هذا الملف، والرئيس الأميركي دائماً ما يقول (إن لدينا مسؤولية)، وانعكس ذلك على تقديم أكبر تمويل مناخي في تاريخ أميركا من خلال قانون إعادة التضخم، وأتصور أن طرح هذا الجدل له علاقة بملف (الخسائر والأضرار)، حيث يهدف إلى تحديد الدولة الأكثر تلويثا لتتحمل النسبة الأكبر في تمويل الخسائر والأضرار، ولكن هذه المناقشة سابقة لأوانها، حيث بدأنا فقط في (كوب27) إدراج هذا الملف على جدول الأعمال».
ورفض المتحدث الإقليمي باسم الخارجية الأميركية استخدام مصطلح «تعويض» عند الحديث عن تمويل الخسائر والأضرار. وقال، إن «(اتفاقية باريس) لا تستخدم كلمة تعويض؛ لذلك فإن هذا الموقف ليس موقفاً أميركياً؛ لكنه موقف المجتمع الدولي الذي أقرّ ووافق على الاتفاقية».
ولفت إلى أن مصطلح «التعويض» سيثير الكثير من الأسئلة التي قد تعرقل أي نقاش، مثل «هل التعويض عن أضرار غازات الاحتباس الحراري يشمل الفترة من بداية الثورة الصناعية حتى الآن أم منذ الخمسينات؟، وهل ستدفع هذه التعويضات دول مثل الصين والهند؟، وما هي الأنشطة المثيرة لأكثر الانبعاثات؟، ومن سيتحمل هذه التعويضات؟، هل مثلاً سأطلب من المواطن الأميركي أن يتحمل معاناة مواطن في إحدى الدول الجزرية مع تغير المناخ؟، وهل هذا المواطن الأميركي لا يعاني هو الآخر من تغيرات المناخ، وبالتالي يستحق التعويض».
وقال، إن «هذا التحفظ لا يخص أميركا وحدها؛ لكنه يوجد عند الأوروبيين أيضاً؛ لذلك فإن الأسلم هو عدم إثارة مصطلحات تعرقل التفاوض؛ لأننا بالفعل في (كوب27) نخوض مفاوضات شاقة يتم خلالها التوقف عند صياغة كل كلمة».

صندوق تمويل الخسائر والأضرار

حول بعض الحلول المطروحة مثل وجود صندوق لتمويل الخسائر والأضرار. شرح وربرغ «سمعنا حلولاً كثيرة بلا تفاصيل، وننتظر التفاصيل، لكن السؤال ما هي الحاجة إلى إنشاء مؤسسات تمويلية جديدة في ظل وجود مؤسسات دولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ومؤسسات أميركية مثل الوكالة الأميركية للتنمية».
وبسؤاله عن تأثير انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي على مواقف بلاده من قضية «تغير المناخ». أوضح وربرغ، أنه «لم يعد هناك مجال لإنكار التغيرات المناخية، فهذه كانت قضية الثمانينات وتم حسمها، فهناك مشكلة باتت واضحة، وقد تم تحديدها واقتراح الحلول لها، ووصلنا لمرحلة الحديث حول تمويل هذه الحلول».
واعتبر أن موقف إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب من القضية «استثناء» لا يجب القياس عليه، لكن هناك اتفاقاً بشكل عام بين الأحزاب الأميركية على خطورتها، التي يستشعرها العالم كله، وهو ما يكشف عنه عدد الحضور في (كوب27)، وتساءل مستنكراً «هل ستأخذ الولايات المتحددة موقف معاكس لكل العالم مع تغير الحزب الحاكم؟».
وأضاف «أصبح لدينا الوعي الآن أكثر من أي وقت مضى بخطورة التغيرات المناخية، فتأثيراتها لم تفرق بين الأغنياء والفقراء، ومنذ سنوات استقبلت أميركا إعصار (كاترينا) المدمر، الذي سبب خسائر في الأرواح والممتلكات».
بشأن ما طرحته بعض الدول الأفريقية في «كوب27» من شعورها بالغبن من مطالبتها بالتوقف عن إنتاج النفط لتحقيق الأهداف البيئية. أكد وربرغ، أن «الولايات المتحدة استفادت كثيراً من إنتاج النفط، ومن الصعب أن نطلب من الدول الفقيرة التوقف عن إنتاجه دون أن نوفر لها التمويل المناسب وندعمها تكنولوجياً للتحول إلى الطاقة البديلة، وهذا هو أساس مبادرة (الانتقال العادل للطاقة) التي تتبناها أميركا».
ويرى وربرغ، أنه من السابق لأوانه التوقع بمسار المفاوضات في (كوب27)، لكنه شدد على أن «الولايات المتحدة الأميركية تريد لهذه القمة أن تركز على (التنفيذ)، ففي القمم السابقة تعهدت دول كثيرة ببعض الالتزامات، ولم يتم تنفيذها»، مضيفاً «نريد أيضاً أن تعمل هذه القمة على تعزيز التنسيق الدولي في مجال تغير المناخ بريادة الولايات المتحدة الأميركية، التي تولي أهمية كبيرة بالقضية؛ فالوفد المشارك بالقمة هو الأكبر في أي قمة شهدتها خلال تاريخي الدبلوماسي، فإضافة إلى عدد الوفد الذي يبلغ 100 دبلوماسي، فإن المشاركين ممثلين للوزارات والهيئات الحكومية كافة، وهذا يعكس اهتماماً كبيراً بالقمة».

بايدن يؤكد الحضور
والمشاركة في قمة المناخ
بسؤاله عن مشاركة الرئيس بايدن في القمة يوم 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي. قال، إن «الرئيس كان حريصاً على المشاركة، ولم يعتذر مثل رؤساء آخرين، لأهمية القضية، تعبيراً من الرئيس عن احترامه للجهود التي بذلتها مصر في تنظيم القمة، وتأكيداً على عمق العلاقات الاستراتيجية التي تربط البلدين»، موضحاً أن «تفاصيل مشاركة الرئيس لم تُعلن، لكن المعروف منها حتى الآن أنه ستكون له كلمة في القمة، ولقاء ثنائي مع الرئيسي عبد الفتاح السيسي».
وحول إمكانية تضامن الرئيس بايدن مع دعوة الرئيسي السيسي خلال القمة بوقف الحرب في أوكرانيا. قال «من المؤكد ستكون الحرب الأوكرانية - الروسية موضوعاً مهماً على مائدة الحوار الثنائي بين الرئيسين، ونحن نرى في أميركا مثل الرئيس السيسي أن (المسار الدبلوماسي هو الحل الوحيد للمشكلة)؛ ولكن إذا لم يتحقق هذا الحل، واستمر بوتين في العدوان على الشعب الأوكراني، فستستمر أميركا وأوروبا في دعم الشعب الأوكراني».
ووصف في هذا السياق، التلميح الروسي باستخدام الأسلحة النووية، بأنه خطاب «غير مسؤول ويقوّض أمن العالم». وقال، إنه «رغم هذا الخطاب، كانت أميركا حريصة على (ضبط النفس) فيما يتعلق بالحديث عن استخدام القوة النووية».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.