المتطرفون.. مشكلة تواجه المثقفين العرب المغتربين

يشبهون أوروبيّي العصور الوسطى الغابرة وقد خرجوا من قبورهم

المتطرفون.. مشكلة تواجه المثقفين العرب المغتربين
TT

المتطرفون.. مشكلة تواجه المثقفين العرب المغتربين

المتطرفون.. مشكلة تواجه المثقفين العرب المغتربين

من المؤسف أن وسائل الإعلام لا تتحدث عن الهجرة والمهاجرين إلا في أوقات الانتخابات عندما تحمى النفوس كثيرا. وعندئذ يستغل اليمين المتطرف هذه الظاهرة لتعبئة الرأي العام ضد العمال المغتربين أو العرب والمسلمين والأفارقة السود أيضا. نقول ذلك في حين أن دراسة موضوع حساس وخطير كموضوع الهجرة تحتاج إلى برودة أعصاب لمعالجته. السؤال المطروح بداية هو التالي: كم عدد المهاجرين في فرنسا؟ طبقا لبعض الإحصاءات يمكن القول بأنه يوجد في فرنسا نحو خمسة ملايين عربي أو مسلم مغترب. وهذا يعني أنهم يشكلون نسبة 8 في المائة من عدد سكان فرنسا. ونسبة أربعين في المائة من هؤلاء يحملون الجنسية الفرنسية؛ أي نحو المليوني نسمة. أما أولئك الذين لا يحملون الجنسية الفرنسية فيصل عددهم إلى 2.96 مليون نسمة؛ أي نسبة 60 في المائة من كل المهاجرين. بالطبع فهذه الأرقام تقريبية.
ينبغي العلم بأن الهجرات الوافدة إلى فرنسا للعيش فيها قديمة العهد؛ ففي القرون الوسطى كما في العصور الحديثة استقبلت فرنسا أناسا من مختلف الأنواع والأصناف. ولكن موجات الهجرة لم تكبر ولم تأخذ كل أبعادها إلا في نهاية القرن التاسع عشر مع الثورة الصناعية؛ فقد احتاجت فرنسا عندئذ إلى أيدٍ عاملة كثيرة لإدارة عجلات المصانع كما يقال. وبما أن فرنسا عانت آنذاك من نقص في الولادات، وبالتالي من تدهور في عدد السكان، فإنها اضطرت لاستقبال الموجة الكبرى الأولى من موجات الهجرة. وقد استمرت من عام 1870 حتى عام 1910. وبعد الحرب العالمية الأولى وسقوط مليون ونصف المليون قتيل في ساح الوغى، اضطرت فرنسا من جديد لاستقبال موجة ثانية من الهجرة الأجنبية نظرا لنقص الرجال لديها. وأصبحت عندئذ البلد الثاني لاستقبال المهاجرين في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية. ولكن هذه الهجرات الأولى كانت أوروبية في معظمها؛ أي إيطالية، وإسبانية، وبرتغالية، وبولونية، إلخ. لم يكن هناك عرب أو مسلمون إلا القليل.
ولكن بعد الحرب العالمية الثانية أيضا اضطرت فرنسا إلى استقبال الموجة الثالثة من الهجرة لنفس السبب، ثم لأن اليد العاملة الأجنبية أرخص ولا تسبب مشكلات واحتجاجات ومطالبات، على عكس العامل الفرنسي. وكانت الهجرة هذه المرة في معظمها من دول شمال أفريقيا وبعض دول أفريقيا السوداء. بمعنى آخر فإنها كانت عربية إسلامية أمازيغية في معظمها. وهي التي تشكل الآن التحدي الأكبر للمجتمع الفرنسي بعد أن وصلت هذه الهجرة إلى مستوى الجيل الثاني والثالث بل وحتى الرابع.
إن اليمين المتطرف يستخدم مشكلة المغتربين كسلاح فعال للحصول على أصوات الناخبين الفرنسيين. وللأسف فإن متطرفي الجالية يقدمون له الحجج على طبق من ذهب؛ فهو يحذر السكان من خطورة الأجانب عليهم وأنهم يأكلون خبزهم اليومي. ويرفع اليمين المتطرف الشعار التالي: فرنسا للفرنسيين. وهناك حجة أخرى يستخدمها ألا وهي أن الهجرات السابقة؛ أي الإيطالية والبولونية والبرتغالية، كانت مسيحية أوروبية، وبالتالي يسهل امتصاصها ودمجها في المجتمع لأنها تنتمي إلى نفس الحضارة والدين. هذا في حين أن الهجرات الأخيرة كانت مغاربية أو عربية إسلامية أو أفريقية، وبالتالي فيستعصي دمجها داخل الحضارة الفرنسية. ولكن هذا اليمين المتطرف ينسى أن الشعب الفرنسي كان يستخدم ضد موجات المهاجرين الأولى - وهي أوروبية - نفس المحاجات السلبية التي يستخدمها الآن ضد العرب والمسلمين. فقد كان يكره الإيطاليين ويتهمهم بأنهم جاءوا لسرقة خبزه اليومي، وأنهم متخلفون، وسخون، لا يحبون فرنسا. ويكفي أن نفتح جرائد تلك الحقبة التي تعود إلى أوائل القرن العشرين لكي نتأكد من ذلك. عندئذ سنجد نفس الشتائم واللعنات التي استخدمت ضد الإيطاليين تُستخدم ضد المغاربة حاليا. وهذا ما يؤكده المطرب الشهير إيف مونتان الذي هو من أصل إيطالي. انظروا الكتاب الجميل الذي صدر عنه بعنوان «كما ترى. لم أنس ولن أنسى».. بالطبع بعد أن أصبح نجما عالميا لم يعد أحد يمارس ضده أو ضد عائلته أي عنصرية، بل على العكس أصبحوا يفتخرون به ويتباهون. ولكن قبل ذلك؟
وبالتالي فما أشبه الليلة بالبارحة! ثم من قال بأن المسلمين أو العرب لا يندمجون في المجتمع الفرنسي أو الأوروبي عموما؟ الكثيرون اندمجوا بمئات الآلاف حاليا. فهناك العمال المحترفون، والأطباء، والصيادلة، وأساتذة الجامعات، والمهندسون، ورؤساء الشركات، بل وحتى النواب والوزراء! وزيرة التربية والتعليم في فرنسا حاليا مغربية: نجاة فالو بلقاسم. وعمدة مدينة روتردام في هولندا السيد أحمد أبو طالب هو مغربي أيضا، إلخ.. وروتردام مدينة ضخمة وليست بلدة صغيرة.. وبالتالي فوصوله إلى سدة السلطة فيها يعتبر شبه معجزة. وهذا يعني أن المسلم الحضاري المستنير قادر على قيادة أوروبا وليس فقط على الاندماج فيها. إنه مؤهل للتفاعل مع مجتمع الحداثة إذا ما أتيحت له الفرصة لكي يثبت جدارته وكفاءاته. وقد تصدى أحمد أبو طالب مؤخرا للمتطرفين داخل الجالية قائلا: «إما أن تقبلوا بالقوانين الهولندية والأوروبية عموما، وإما أن تغادروا هذه البلاد فورا، فلا أحد يجبركم على البقاء فيها أو العيش في ظل قوانينها». وأضاف: «عندما تصبح مواطنا هولنديا فهذا يعني أنك قبلت ضمنيا بالدستور الهولندي والقيم الأساسية للمجتمع التنويري الحديث. وهي قيم حضارية لا تكفيرية. إنها تقر بحق الاختلاف في الرأي والمعتقد. فهنا توجد عدة أديان وعدة مذاهب لا دين واحد أو مذهب واحد، وكلها تتعايش بشكل سلمي وأخوي؛ فلا أحد يكفر أحدا أو يعتدي على أحد لأنه لا ينتمي إلى دينه أو طائفته ومذهبه. والجميع لهم الحق في ممارسة طقوسهم وشعائرهم دون استثناء، سواء أكانوا مسيحيين من سكان البلاد الأصليين أو مسلمين أو يهودا أو بوذيين.. إلخ. كما يحق لهم عدم ممارستها على الإطلاق دون أن يخشوا على وظيفتهم أو حياتهم أو حقوقهم المدنية. فالتدين أو عدم التدين مسألة شخصية، ولكن ليس الإخلال بالواجب. هنا يكمن مكتسب الحداثة الذي لا يقدر بثمن. وبالتالي فكفانا أوصياء على الدين أو متاجرون به». ثم وصف المتطرفين الهولنديين الذين يذهبون إلى منطقة الشرق الأوسط لمشاركة الدواعش القتل والذبح بأنهم خانوا المبادئ الإنسانية وقيم العالم المتحضر. وقال لا شيء يبرر قطع رؤوس الأبرياء باسم الله! الإسلام الوسطي العقلاني الصحيح لا يقر هذا إطلاقا. والمسلمون لا يمكن أن يقبلوا بأن تُستغل عقيدتهم بمثل هذا الشكل الفاضح. ولحسن الحظ فإن غالبية المسلمين في هولندا لا تصطف خلف هذا الفكر الهمجي المتطرف. هذا كلام رجل عاقل ومسؤول وحريص على مصلحة جالياتنا المهاجرة ويعرف كيف يدافع عنها بشكل مقنع وحضاري.
لكن ينبغي الاعتراف بأن المسألة أعوص من ذلك وأكبر بكثير. إنها تتجاوزنا جميعا ولا حل لها في المدى المنظور. ينبغي العلم بأن الأصولية الظلامية الداعشية وغير الداعشية تمثل أكبر مشكلة للفكر العربي، وقد تكسر ظهره للوهلة الأولى. وبالتالي فمواجهتها قد تستغرق عشرات السنين. ولن تكون المعركة الفكرية أقل شراسة من المعركة العسكرية الدائرة حاليا. ولكن المسار الحضاري الذي هضمته الشعوب الأوروبية خلال ثلاثة قرون لا يمكن أن تهضمه الشعوب العربية أو الإسلامية خلال ثلاثة عقود!
أحيانا يخيل إلي أن المتطرفين الذين حطت بهم الطائرة فجأة في مجتمعات الحداثة أو ما بعد الحداثة يشبهون أوروبيّي العصور الوسطى الغابرة وقد خرجوا من قبورهم بقدرة قادر ورأوا ما رأوه فصعقوا وجن جنونهم. ما هذا المجتمع الكافر؟ ما هذا المجتمع المتحرر من كل دين أو تدين؟ الكنائس فارغة وقد تحولت إلى ما يشبه المتاحف! لقد اختفى الدين المسيحي كليا من الساحة العامة للمجتمع. ما هذا المجتمع المليء بالحريات الدينية والسياسية بل وحتى الجنسية؟ هل يعقل هذا؟ (تذكروا سيد قطب عندما سافر إلى أميركا ورأى ما رآه وكانت الصدمة المروعة!). ولذلك لووا أعناقهم وفضلوا العودة إلى قبورهم سالمين، ناجين بأرواحهم من هذا المجتمع الشيطاني النجس الرجس. أبالغ بطبيعة الحال بل وأهلوس إلى حد ما، ولكن فقط لتوضيح الصورة. ألا تعلمون بأن الظلامية المسيحية، وبخاصة في نسختها البابوية الكاثوليكية، حاربت الحداثة طيلة ثلاثة قرون متواصلة؟ فلماذا لا تحاربها ظلاميتنا الداعشية طيلة أربعين أو خمسين سنة على الأقل. إنكم واهمون إذا ما اعتقدتم أننا سنخرج من هذه المحنة في ظرف سنوات معدودات. نحن دخلنا الآن في نفق مظلم نرى بداياته ولا نرى نهاياته. ولا أقول ذلك لتثبيط عزيمتكم أو للتمتع بإحباطكم والتلذذ بتعذيبكم وإنما فقط على سبيل «تشاؤم الفكر وتفاؤل الإرادة» كما يقال. فأنا شخصيا لن أستسلم حتى ولو بلغ السيل الزبى. وقد وطنت نفسي على المقاومة حتى النفس الأخير. هنا تكمن مقاومتي الحقيقية، قضيتي الأساسية. والله ستكون روحي رخيصة في سبيلها. أنا مسؤول عنها شخصيا أمام ملايين العرب والمسلمين.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.