القاضي الذي أعدم صدام: الأكراد والشيعة اعتبروني بطلا.. واليوم السنة

القاضي السابق منير حداد يدخن في مكتبه وهو يروي مسيرة عودته إلى المحاماة (نيويورك تايمز)
القاضي السابق منير حداد يدخن في مكتبه وهو يروي مسيرة عودته إلى المحاماة (نيويورك تايمز)
TT

القاضي الذي أعدم صدام: الأكراد والشيعة اعتبروني بطلا.. واليوم السنة

القاضي السابق منير حداد يدخن في مكتبه وهو يروي مسيرة عودته إلى المحاماة (نيويورك تايمز)
القاضي السابق منير حداد يدخن في مكتبه وهو يروي مسيرة عودته إلى المحاماة (نيويورك تايمز)

كان المسدس على طاولة القهوة أمام منير حداد، الذي كان يتابع نزالا في المصارعة على شاشة التلفزيون. ومع دخول أحد الزائرين طلب من مساعده إبعاد السلاح، الذي أثار وجوده حرجه، لكنه قال حينئذ إن سلاحه يصحبه في كل مكان، حتى في دورة المياه.
أشار منير بفخر إلى صورة له على الحائط يقف فيها بجوار أنتوني كيندي، قاضي المحكمة العليا الأميركية، وأشار إلى مجموعة أخرى من الصور التي زين بها حائط مكتبه، كان من بينها صور له مع أمراء وآيات الله وسفراء، لكن إحداها كانت أكثر تميزا عن غيرها.. في هذه الصورة يقف حداد مبتسما، مرتديا زي قاض ينظر من خلف مكتب إلى رجل لا يظهر وجهه، لكن هويته لا يمكن أن يخطئها أحد، إنه صدام حسين.
قال حداد عن نفسه إنه الشخص الذي شنق صدام حسين؛ فرغم قيام فرقة بتنفيذ عملية إعدام الديكتاتور، فإن حداد لعب دورا بارزا، فقد ترأس جلسة المحاكمة، وفي الساعات الأولى من صباح أحد أيام عام 2006، في غرفة بمبنى الاستخبارات العسكرية السابق، قرأ حداد أمر تنفيذ الحكم بحق صدام، ثم صحبه إلى المقصلة.
منذ ذلك الحين، اتخذت حياة حداد، الكردي الشيعي، مسارا غير متوقع؛ فهو الآن يمارس المحاماة، بعد طرده من عمله بالقضاء، كحال الكثير من الموظفين المؤهلين، من قبل الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة واستبدل به، بحسب قوله، أتباع حزب سياسي. رسخ حداد قدميه في مهنة المحاماة ويدافع عن أعداد لا تحصى من السنة المعتقلين بتهم يقول نشطاء حقوق الإنسان إنها اتهامات زائفة بالإرهاب. يقول حداد: «كنت بطلا عند الأكراد والشيعة بسبب الدور الذي لعبته في محاكمة صدام حسين. الآن أنا بطل بالنسبة للسنة».
تمكن حداد من جني ثروة أيضا. وقال بفخر، معددا الأماكن التي يمتلك فيها منازل مثل بيروت ودبي وبرشلونة وألمانيا: «لقد أصبحت مليونيرا، واشتريت الأسبوع الماضي منزلا في هولندا»، مشيرا إلى أنه يمتلك الكثير من المال، لكنه لا يزال يعمل لأن «زوجته وابنته تريدان كل شيء».
تعيش عائلة حداد في كردستان، حيث الحياة أكثر سهولة وأمنا عنها في المناطق الأخرى في العراق، وحيث اتصلت به ابنته قبل فترة تطلب منه شراء سيارة جيب بقيمة 40.000 دولار، قال إنه سيشتريها من بغداد ويرسلها إليها. وبينما كان يتحدث، تذكر أنه سيغادر إلى بيروت في غضون بضعة أيام، ليبيع عقارا هناك بسبب مخاوفه من أن تؤدي الحرب في سوريا إلى تراجع أسعار العقارات هناك، فسحب من جيبه رزمة من الدولارات، وأخذ بعضها منها واستدعى مساعدا له وطلب منه أن يحجز له تذكرة إلى بيروت.
تطلعنا قصة حداد على حقيقتين بشأن العراق الحديث، ألا وهما استبعاد التكنوقراط المتعلمين من العمل الحكومي لتعيين مسؤولين موالين لأحزاب يدينون بالولاء لرئيس الوزراء القوي، والثروة الكبيرة التي يكنز منها الأشخاص النافذون في مجتمع يعيش غالبيته في فقر مدقع.
ومع تزايد وتيرة العنف في العراق، ردت الحكومة باتخاذ إجراءات هي الأكثر قمعا حتى في المناطق السنية، موسعة دائرة الاشتباه في ملاحقة المشتبه بهم في الإرهاب لتعتقل الأبرياء والمدانين على حد سواء، وهو ما يجعل هاتف حداد، الذي ازدهر عمله كثيرا، لا يتوقف عن الرنين، إذ تأتيه الاتصالات من الأنبار والموصل وتكريت، تلك المناطق السنية التي تغص فيها السجون بالمعتقلين من الشباب. ومن خلال جهود حداد، جرى الإفراج أخيرا عن أبو حسين، ضابط شرطة سني في سامراء، من السجن بعد اعتقاله لعام بتهم الإرهاب التي قال إنها ملفقة ومن تدبير مخبر سري غير معروف. هذا الأمر شائع في العراق. فالكثير من العراقيين الذين اعتادوا تقديم المعلومات إلى الجيش الأميركي مقابل المال يكسبون قوتهم من الإبلاغ عن جيرانهم. والمشكلة، كما يقول ناشطو حقوق الإنسان والمسؤولون العراقيون، هي أن المعلومات تكون كاذبة في كثير من الأحيان.
وبعد اعتقاله، أشار عليه أحد الأصدقاء بالاستعانة بخدمات حداد. يتذكر أبو حسين ذلك بالقول: «قالوا لي إنه الوحيد الذي يدافع عن المظلومين، فالقانون العراقي يحمي هؤلاء المخبرين، لكنه لا يحمي الأبرياء». وأضاف: «إنه رجل شيعي لكنه يدافع عن السنة، فهو يعرف الصواب والخطأ، والطائفة لا تشكل أهمية بالنسبة له».
أشار حداد إلى أنه يتولى عددا محدودا من القضايا التي يقتنع بأن المتهم فيها بريء. ومن ثم، فإن مجرد اختياره لتمثيل عميل معين، ناهيك عن شهرته وسمعته المكتسبة من محاكمة صدام حسين، تكفي في بعض الأحيان لضمان الحصول على البراءة للمتهم.
كحال الكثير من الشيعة والأكراد المتعلمين الذين تعرضوا للاضطهاد والظلم في ظل النظام السابق، غادر حداد البلاد في التسعينات بعد خروجه من السجن ومقتل اثنين من أشقائه على يد الحكومة. ليعمل بالمحاماة في سلطنة عمان، حيث كان شخصية بارزة هناك ولديه سائق ومنزل ضخم. وكحال الكثير من المنفيين أيضا، عاد حداد إلى العراق في عام 2003 طمعا في أن يلعب دورا في بناء العراق الجديد، غير أن الكثيرين عادوا من حيث أتوا بسبب العنف المستمر والفساد، تاركين فراغا كبيرا كان من المفترض أن تشكل فيه الطبقة الوسطى المتعلمة أساسا لمجتمع جديد. لكن حداد فضل البقاء في العراق، حتى بعد طرده من الحكومة في عام 2008 - لرفضه التضييق على عمله القضائي من قبل رئيس الوزراء نوري المالكي، والمسؤولين في الدائرة الداخلية الذين وصفهم حداد بـ«الجهلة». وقال حداد: «سأعيش وأموت في العراق». بدلا من ذلك وجد مهمة جديدة، يرى أنها ناجحة بقدر كونه أحد كبار أعضاء الهيئة القضائية في البلاد. وقال: «لقد شهدنا وعانينا الظلم الذي وقع ضدنا. ولن نقبل الظلم الذي يقع على الغير. فالظلم لا يمكن أن يبني دولة».
ويرى بعض المسؤولين العراقيين أن حداد مثال نادر على المهنية في النظام القضائي الذي يعج بالفساد وعدم الكفاءة، ويعتبره البعض بطلا في الدفاع عن قضايا حقوق الإنسان في العراق. ويقول مهدي الجنابي، محام سني: «إنه شخص محايد للغاية. ويتعامل بحيادية بالغة مع القانون بعيدا عن الطائفية والحزبية. وهدفه الحقيقي هو تطبيق القانون والدستور، ودائما ما يضع في حسبانه حقوق الإنسان وينظر إلى الأفراد كعراقيين فقط». وقد نجا حداد قبل عامين من محاولة اغتيال وسط بغداد يعتقد أنها نفذت من قبل مسلح على صلة بالحكومة. ويقول عن ذلك: «أنا شيعي، لكني أدافع عن السنة، وقد تسبب ذلك في صنع عداوات كبيرة بالنسبة لي، وأنا سعيد بهذه الكراهية التي يحملها أعدائي لي لأنها تعني أنني شخص ناجح».
ولقد جلب عليه حبه للعمل والثروة ازدراء الحكومة التي كان يعمل بها من قبل، فقال: «كان المالكي صديقا لي، لكني الآن أعتقد أن المالكي مجنون، فقد السيطرة ويسعى إلى تدمير العراق، يقسم السنة والشيعة والأكراد». وأضاف حداد، الذي كرر الشكوى من الميول الاستبدادية لرئيس الوزراء العراقي التي عبر عنها محللون ودبلوماسيون: «المالكي يتدخل في كل شيء. إنه مشكلة العراق».
* خدمة «نيويورك تايمز»



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.