تشاد: عشرات القتلى خلال احتجاجات تطالب برحيل الجنرال ديبي

بعد أيام من تنصيبه رئيساً للبلاد وتمديد فترة حكمه الانتقالية

سحب الدخان تتصاعد خلال احتجاجات تطالب بتنحي الرئيس في العاصمة التشادية نجامينا أمس (رويترز)
سحب الدخان تتصاعد خلال احتجاجات تطالب بتنحي الرئيس في العاصمة التشادية نجامينا أمس (رويترز)
TT

تشاد: عشرات القتلى خلال احتجاجات تطالب برحيل الجنرال ديبي

سحب الدخان تتصاعد خلال احتجاجات تطالب بتنحي الرئيس في العاصمة التشادية نجامينا أمس (رويترز)
سحب الدخان تتصاعد خلال احتجاجات تطالب بتنحي الرئيس في العاصمة التشادية نجامينا أمس (رويترز)

عاشت العاصمة التشادية نجامينا، أمس (الخميس)، يوماً عصيباً إثر مقتل عشرات الأشخاص خلال صدامات بين قوات الأمن ومحتجين غاضبين من المعارضة يرفضون قرار الجنرال محمد ديبي (38 عاماً) البقاء في الحكم لعامين إضافيين في مرحلة انتقالية جديدة، بعد نهاية مرحلة انتقالية أولى بدأت عام 2021 حين تولى الحكم إثر وفاة والده المشير إدريس ديبي.
المدينة التي يقارب عدد سكانها المليونين استيقظت على أصوات محتجين، أغلبهم من الشباب الغاضبين، يحملون الأعلام الوطنية التشادية، ويطالبون برحيل الجنرال ديبي، تلبية لنداء أحزاب معارضة قررت كسر قانون الطوارئ والتظاهر يوم 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2022، الموعد الذي كان من المفترض أن تنتهي فيه مرحلة انتقالية، أعلن ديبي فور وصوله إلى الحكم أنه في نهايتها سيسلم السلطة إلى المدنيين.
لكن ديبي الذي حكم البلاد بمجلس عسكري «انتقالي» ضم 15 جنرالاً، نظم ما سماه «الحوار الوطني الشامل والسيادي» يوم 20 أغسطس (آب) الماضي واختتم نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، شاركت فيه أحزاب سياسية وهيئات من المجتمع المدني، لكن أحزاباً معارضة وهيئات أخرى قاطعته، لأن الجنرال ديبي لم يعلن موقفاً صريحاً من ترشحه للانتخابات التي سيسفر عنها الحوار.
وأسفر الحوار عن خريطة طريق لمرحلة انتقالية جديدة، مدتها عامان، ونصّب الجنرال ديبي رئيساً للبلاد خلال هذين العامين، على أن يكون مرشحاً للانتخابات الرئاسية المقبلة، بالإضافة إلى حل المجلس العسكري الانتقالي وتوسعة المجلس التشريعي، وتخصيص 45 مقعداً فيه للحركات المسلحة التي وقّعت «اتفاقية الدوحة للسلام في تشاد». وأثارت مخرجات الحوار غضب المعارضة، التي قالت إن شكوكها حول نوايا الجنرال ديبي تأكدت، وهكذا دعت هيئات، من ضمنها حزب «صناع التغيير» و«واكيت تاما» و«الوطنيون»، للاحتجاج على المخرجات، متهمة الجنرال ديبي بالسعي للبقاء في الحكم أطول فترة ممكنة، على غرار والده الذي حكم تشاد لأكثر من 30 عاماً، واتهمته بأنه لم يكن وفياً لكلمته بتسليم السلطة للمدنيين.
لكن احتجاجات المعارضة التي رفضت السلطات الترخيص لها، سرعان ما تحولت إلى صدامات دامية مع قوات الأمن والشرطة، فيما تحولت الأحياء الجنوبية من العاصمة نجامينا إلى ما يشبه ساحة حرب، وتصاعدت أعمدة الدخان، ودوّت أصوات الرصاص والقنابل المسيلة للدموع، قبل أن يعود هدوء حذر إلى المدينة مع منتصف النهار.
في غضون ذلك، تضاربت الأنباء حول الحصيلة، في ظل الحديث عن 30 قتيلاً، من ضمنهم صحافي و10 من أفراد الشرطة. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن عزيز محمد صالح، المتحدث باسم الحكومة، قوله إن «مظاهرة محظورة تحولت إلى تمرد. سقط نحو 30 قتيلاً، بينهم نحو 10 من عناصر قوات الأمن، وعدد كبير من الجرحى. لقد هاجم المتظاهرون مباني عامة، مقر المحافظة، مقر حزب رئيس الوزراء ومقر رئيس الجمعية الوطنية».
وأضافت الوكالة أن أحد مراسليها في نجامينا شاهد 5 جثث، اثنتان منها مغطاتان بالعلم الوطني التشادي و3 بأغطية بيضاء ملطخة بالدماء، على أرض المستشفى الواقع في الدائرة السابعة مركز المظاهرات في العاصمة، وقال جوزف أمبيل، وهو رئيس مستشفى «اتحاد شاغوا» إن هؤلاء الخمسة «قتلوا بالرصاص».
من جانبها، أعلنت جمعية الصليب الأحمر التشادي أنها نشرت «عشرات الفرق» في المناطق المتوترة في العاصمة، وقال رئيس الجمعية الخلا أحمد السنوسي: «نقدم الإسعافات الأولية، وننقل عشرات الجرحى بالسيارة إلى المستشفيات».
وقالت إذاعة «سيفود» المحلية إن صحافياً يعمل فيها يدعى «أوريجي نارسيس» توفي إثر إصابته بطلق ناري خلال تغطيته للمظاهرات، ونقلت عن شاهد عيان قوله: «لقد سقط أمامي على الفور، حين أصابته الرصاصة»، فيما لم يعرف مصدر الطلق الناري، رغم أن أصابع الاتهام تتجه نحو قوات الأمن.
وبثّ ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر العنف الذي تخلل الاحتجاجات، يظهر في بعضها محتجون وهم يضرمون النيران في إطارات السيارات ويغلقون الشوارع، كما استهدف بعض المحتجين مقرات حكومية وهيئات سياسية موالية للسلطة، من أبرزها مقر حزب رئيس الوزراء صالح كيبزابو، الذي تعرض للتخريب والنهب، وأضرمت النيران في أجزاء منه. كما قال مصدر صحافي محلي إن محتجين استهدفوا سيارة تابعة للحكومة كانت تمر من أحد الشوارع، وأوسعوا السائق ضرباً وسلبوه ما بحوزته، ثم أضرموا النيران في السيارة، وأضاف المصدر أن السائق في وضعية حرجة بالمستشفى.
ولمواجهة المحتجين الغاضبين، أقامت قوات الأمن حواجز في الشوارع الرئيسية، واستخدمت القنابل المسيلة للدموع، كما سمع دوي الرصاص الحي في كثير من الأحياء، فيما قال حزب «صناع التغيير» المعارض إن قوات الأمن استخدمت الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع ضد المتظاهرين الرافضين لسيطرة الجيش على الحكم. في المقابل، تقول السلطة إن المعارضة «تخطط لعصيان شعبي ومسلح، بدعم من قوى خارجية».
ومع حلول منتصف النهار، عاد هدوء حذر إلى مدينة نجامينا استمر حتى ساعات المساء، فكانت الشوارع شبه خالية من المارة، وأغلقت الأسواق والمدارس، وعمّت حالة من الذعر والحزن في أوساط السكان، والجميع يترقب معرفة الحصيلة النهائية للصدامات بين الأمن والمتظاهرين، في ظل الحديث عن عدد كبير من المصابين.
في غضون ذلك، بدأت تصدر ردود فعل دولية منددة باستخدام القوة ضد المتظاهرين، وكان في مقدمة المنددين مفوض الاتحاد الأفريقي موسى فقي محمد، وهو دبلوماسي تشادي، دعا عبر موقع التواصل الاجتماعي إلى «الهدوء»، وقال في تغريدة على «تويتر»: «أعبر عن تنديدي بالقمع العنيف للمتظاهرين الذي خلف قتلى في تشاد، وأطالب جميع الأطراف باحترام حياة الناس وممتلكاتهم، وتغليب السلام من أجل تجاوز الأزمة».
السفارة الفرنسية في نجامينا التي راجت شائعات تتهمها بالتورط في أعمال العنف، قالت: «وقعت أعمال عنف أليمة في نجامينا، قوبلت بأسلحة قاتلة ضد المتظاهرين، وهو ما تندد به فرنسا»، ولكن السفارة نفت أيضاً ما قالت إنها «معلومات تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي تزعم ضلوع فرنسا في هذه الأحداث».
من جانبه، قال المقرر الأممي الخاص المعني بالحريات وتكوين الجمعيات، كليمان فول، إنه «يتابع بقلق ما يحدث في تشاد»، داعياً قوات الأمن إلى «الهدوء»، وأضاف المسؤول الأممي أن «أي نزوع إلى العنف ضد المتظاهرين يعرض صاحبه للمتابعة، تماشياً مع القوانين الدولية».
وفيما يعيش البلدُ على وقع الاضطرابات السياسية، كانت السلطات قد أعلنت أول من أمس (الأربعاء) «حالة طوارئ» بسبب فيضانات تضرب البلاد منذ أسابيع. وقال الرئيس ديبي، في خطاب عبر التلفزيون، إن الفيضانات اجتاحت مناطق في جنوب تشاد ووسطها، بعد هطول أمطار غزيرة تضرر منها «أكثر من مليون شخص»، وقال ديبي: «سيتم فرض حالة طوارئ لاحتواء وإدارة حالة الكارثة الطبيعية بشكل أفضل»، ولكن المعارضة تربط حالة الطوارئ بالوضع السياسي.
تشاد التي استقلت عن فرنسا عام 1960 تحملُ معها تاريخاً طويلاً من العنف السياسي، وسنوات من الجمر راح ضحيتها مئات القتلى، شكلت واحدة من أشهر محاكمات الإرث الإنساني في أفريقيا خلال العقود الأخيرة، حين حوكم الرئيس التشادي الراحل حسين حبري في العاصمة السنغالية دكار، بتهمة ارتكاب جرائم إنسانية.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: ما بين 10 آلاف و20 ألفاً فرّوا من السودان إلى تشاد

العالم العربي الأمم المتحدة: ما بين 10 آلاف و20 ألفاً فرّوا من السودان إلى تشاد

الأمم المتحدة: ما بين 10 آلاف و20 ألفاً فرّوا من السودان إلى تشاد

فرّ ما بين 10 آلاف و20 ألف شخص من المعارك الجارية في السودان بحثاً عن ملاذ في تشاد المجاورة، وفقاً لفرق تابعة لمفوضية الأمم المتّحدة السامية لشؤون اللاجئين موجودة على الحدود. ووفق وكالة الصحافة الفرنسية، قالت المفوضية، في بيان اليوم (الخميس)، إنّ «غالبية الوافدين هم من النساء والأطفال... تعمل المفوضية عن كثب مع الحكومة التشادية وشركائها لتقييم احتياجاتهم وإعداد استجابة مشتركة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الخليج مباحثات سعودية ـ تشادية تناقش آفاق التعاون والمسائل المشتركة

مباحثات سعودية ـ تشادية تناقش آفاق التعاون والمسائل المشتركة

التقى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في جدة، (الاثنين)، محمد إدريس ديبي رئيس المجلس العسكري الانتقالي في تشاد، وجرى خلال اللقاء استعراض أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين وآفاق التعاون في مختلف المجالات، إلى جانب بحث عدد من المسائل ذات الاهتمام المشترك. حضر اللقاء من الجانب السعودي، الأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز وزير الدولة عضو مجلس الوزراء، والأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية، والدكتور مساعد العيبان وزير الدولة عضو مجلس الوزراء مستشار الأمن الوطني، والمهندس خالد الفالح وزير الاستثمار، وأحمد قطان المستشار بالديوان الملكي، وعامر ال

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج لقاء سعودي - تشادي يبحث المسائل المشتركة

لقاء سعودي - تشادي يبحث المسائل المشتركة

بحث الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، الاثنين، مع محمد إدريس ديبي، رئيس المجلس العسكري الانتقالي في تشاد، المسائل ذات الاهتمام المشترك. جاء ذلك خلال لقاء جمعهما في جدة، واستعرضا فيه أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين وآفاق التعاون في مختلف المجالات.

«الشرق الأوسط» (جدة)
العالم تشاد: مخاوف من تضرر المساعدات الإنسانية بعد الأزمة مع ألمانيا

تشاد: مخاوف من تضرر المساعدات الإنسانية بعد الأزمة مع ألمانيا

أثارت الأزمة الدبلوماسية بين تشاد وألمانيا في أعقاب الطرد المتبادل لسفيري البلدين، مخاوف عميقة بشأن انعكاسات الأزمة على المساعدات الإنسانية التي تقدمها دول ومؤسسات غربية مانحة لتشاد، التي تعد من بين أكثر دول العالم فقرا، كما تستضيف ما يزيد على مليون من اللاجئين والنازحين. وتبادل البلدان اللذان تجمعهما علاقات دبلوماسية منذ عام 1960 طرد السفيرين خلال الأيام القليلة الماضية، إذ طلبت ألمانيا (الثلاثاء) من سفيرة تشاد لديها، مريم علي موسى، مغادرة البلاد خلال 48 ساعة، وذلك رداً على تحرك مماثل قامت به الدولة الواقعة في وسط أفريقيا (الجمعة). ونقلت وكالة «رويترز» عن وزارة الخارجية الألمانية قولها إن الخ

العالم تشاد تطرد سفير ألمانيا بحجة «سلوكه الفظ»

تشاد تطرد سفير ألمانيا بحجة «سلوكه الفظ»

طرد السفير الألماني في تشاد الذي أعلنته الحكومة «شخصا غير مرغوب فيه» بسبب «سلوكه الفظّ»، مساء السبت، بحسب ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤولين في العاصمة التشادية نجامينا. وكانت الحكومة التشادية أعلنت الجمعة أنها طلبت من السفير الألماني مغادرة البلاد خلال 48 ساعة، بسبب «عدم احترامه الممارسات الدبلوماسية». وقال وزير الخارجية التشادي، محمد صالح النظيف، إن «سفير ألمانيا في تشاد يان كريستيان غوردون كريكه سافر على متن طائرة (إير فرانس) مساء السبت». وأكد المتحدث باسم الحكومة عزيز محمد صالح مغادرة السفير.

«الشرق الأوسط» (نجامينا)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟