تشاد: عشرات القتلى خلال احتجاجات تطالب برحيل الجنرال ديبي

بعد أيام من تنصيبه رئيساً للبلاد وتمديد فترة حكمه الانتقالية

سحب الدخان تتصاعد خلال احتجاجات تطالب بتنحي الرئيس في العاصمة التشادية نجامينا أمس (رويترز)
سحب الدخان تتصاعد خلال احتجاجات تطالب بتنحي الرئيس في العاصمة التشادية نجامينا أمس (رويترز)
TT

تشاد: عشرات القتلى خلال احتجاجات تطالب برحيل الجنرال ديبي

سحب الدخان تتصاعد خلال احتجاجات تطالب بتنحي الرئيس في العاصمة التشادية نجامينا أمس (رويترز)
سحب الدخان تتصاعد خلال احتجاجات تطالب بتنحي الرئيس في العاصمة التشادية نجامينا أمس (رويترز)

عاشت العاصمة التشادية نجامينا، أمس (الخميس)، يوماً عصيباً إثر مقتل عشرات الأشخاص خلال صدامات بين قوات الأمن ومحتجين غاضبين من المعارضة يرفضون قرار الجنرال محمد ديبي (38 عاماً) البقاء في الحكم لعامين إضافيين في مرحلة انتقالية جديدة، بعد نهاية مرحلة انتقالية أولى بدأت عام 2021 حين تولى الحكم إثر وفاة والده المشير إدريس ديبي.
المدينة التي يقارب عدد سكانها المليونين استيقظت على أصوات محتجين، أغلبهم من الشباب الغاضبين، يحملون الأعلام الوطنية التشادية، ويطالبون برحيل الجنرال ديبي، تلبية لنداء أحزاب معارضة قررت كسر قانون الطوارئ والتظاهر يوم 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2022، الموعد الذي كان من المفترض أن تنتهي فيه مرحلة انتقالية، أعلن ديبي فور وصوله إلى الحكم أنه في نهايتها سيسلم السلطة إلى المدنيين.
لكن ديبي الذي حكم البلاد بمجلس عسكري «انتقالي» ضم 15 جنرالاً، نظم ما سماه «الحوار الوطني الشامل والسيادي» يوم 20 أغسطس (آب) الماضي واختتم نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، شاركت فيه أحزاب سياسية وهيئات من المجتمع المدني، لكن أحزاباً معارضة وهيئات أخرى قاطعته، لأن الجنرال ديبي لم يعلن موقفاً صريحاً من ترشحه للانتخابات التي سيسفر عنها الحوار.
وأسفر الحوار عن خريطة طريق لمرحلة انتقالية جديدة، مدتها عامان، ونصّب الجنرال ديبي رئيساً للبلاد خلال هذين العامين، على أن يكون مرشحاً للانتخابات الرئاسية المقبلة، بالإضافة إلى حل المجلس العسكري الانتقالي وتوسعة المجلس التشريعي، وتخصيص 45 مقعداً فيه للحركات المسلحة التي وقّعت «اتفاقية الدوحة للسلام في تشاد». وأثارت مخرجات الحوار غضب المعارضة، التي قالت إن شكوكها حول نوايا الجنرال ديبي تأكدت، وهكذا دعت هيئات، من ضمنها حزب «صناع التغيير» و«واكيت تاما» و«الوطنيون»، للاحتجاج على المخرجات، متهمة الجنرال ديبي بالسعي للبقاء في الحكم أطول فترة ممكنة، على غرار والده الذي حكم تشاد لأكثر من 30 عاماً، واتهمته بأنه لم يكن وفياً لكلمته بتسليم السلطة للمدنيين.
لكن احتجاجات المعارضة التي رفضت السلطات الترخيص لها، سرعان ما تحولت إلى صدامات دامية مع قوات الأمن والشرطة، فيما تحولت الأحياء الجنوبية من العاصمة نجامينا إلى ما يشبه ساحة حرب، وتصاعدت أعمدة الدخان، ودوّت أصوات الرصاص والقنابل المسيلة للدموع، قبل أن يعود هدوء حذر إلى المدينة مع منتصف النهار.
في غضون ذلك، تضاربت الأنباء حول الحصيلة، في ظل الحديث عن 30 قتيلاً، من ضمنهم صحافي و10 من أفراد الشرطة. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن عزيز محمد صالح، المتحدث باسم الحكومة، قوله إن «مظاهرة محظورة تحولت إلى تمرد. سقط نحو 30 قتيلاً، بينهم نحو 10 من عناصر قوات الأمن، وعدد كبير من الجرحى. لقد هاجم المتظاهرون مباني عامة، مقر المحافظة، مقر حزب رئيس الوزراء ومقر رئيس الجمعية الوطنية».
وأضافت الوكالة أن أحد مراسليها في نجامينا شاهد 5 جثث، اثنتان منها مغطاتان بالعلم الوطني التشادي و3 بأغطية بيضاء ملطخة بالدماء، على أرض المستشفى الواقع في الدائرة السابعة مركز المظاهرات في العاصمة، وقال جوزف أمبيل، وهو رئيس مستشفى «اتحاد شاغوا» إن هؤلاء الخمسة «قتلوا بالرصاص».
من جانبها، أعلنت جمعية الصليب الأحمر التشادي أنها نشرت «عشرات الفرق» في المناطق المتوترة في العاصمة، وقال رئيس الجمعية الخلا أحمد السنوسي: «نقدم الإسعافات الأولية، وننقل عشرات الجرحى بالسيارة إلى المستشفيات».
وقالت إذاعة «سيفود» المحلية إن صحافياً يعمل فيها يدعى «أوريجي نارسيس» توفي إثر إصابته بطلق ناري خلال تغطيته للمظاهرات، ونقلت عن شاهد عيان قوله: «لقد سقط أمامي على الفور، حين أصابته الرصاصة»، فيما لم يعرف مصدر الطلق الناري، رغم أن أصابع الاتهام تتجه نحو قوات الأمن.
وبثّ ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر العنف الذي تخلل الاحتجاجات، يظهر في بعضها محتجون وهم يضرمون النيران في إطارات السيارات ويغلقون الشوارع، كما استهدف بعض المحتجين مقرات حكومية وهيئات سياسية موالية للسلطة، من أبرزها مقر حزب رئيس الوزراء صالح كيبزابو، الذي تعرض للتخريب والنهب، وأضرمت النيران في أجزاء منه. كما قال مصدر صحافي محلي إن محتجين استهدفوا سيارة تابعة للحكومة كانت تمر من أحد الشوارع، وأوسعوا السائق ضرباً وسلبوه ما بحوزته، ثم أضرموا النيران في السيارة، وأضاف المصدر أن السائق في وضعية حرجة بالمستشفى.
ولمواجهة المحتجين الغاضبين، أقامت قوات الأمن حواجز في الشوارع الرئيسية، واستخدمت القنابل المسيلة للدموع، كما سمع دوي الرصاص الحي في كثير من الأحياء، فيما قال حزب «صناع التغيير» المعارض إن قوات الأمن استخدمت الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع ضد المتظاهرين الرافضين لسيطرة الجيش على الحكم. في المقابل، تقول السلطة إن المعارضة «تخطط لعصيان شعبي ومسلح، بدعم من قوى خارجية».
ومع حلول منتصف النهار، عاد هدوء حذر إلى مدينة نجامينا استمر حتى ساعات المساء، فكانت الشوارع شبه خالية من المارة، وأغلقت الأسواق والمدارس، وعمّت حالة من الذعر والحزن في أوساط السكان، والجميع يترقب معرفة الحصيلة النهائية للصدامات بين الأمن والمتظاهرين، في ظل الحديث عن عدد كبير من المصابين.
في غضون ذلك، بدأت تصدر ردود فعل دولية منددة باستخدام القوة ضد المتظاهرين، وكان في مقدمة المنددين مفوض الاتحاد الأفريقي موسى فقي محمد، وهو دبلوماسي تشادي، دعا عبر موقع التواصل الاجتماعي إلى «الهدوء»، وقال في تغريدة على «تويتر»: «أعبر عن تنديدي بالقمع العنيف للمتظاهرين الذي خلف قتلى في تشاد، وأطالب جميع الأطراف باحترام حياة الناس وممتلكاتهم، وتغليب السلام من أجل تجاوز الأزمة».
السفارة الفرنسية في نجامينا التي راجت شائعات تتهمها بالتورط في أعمال العنف، قالت: «وقعت أعمال عنف أليمة في نجامينا، قوبلت بأسلحة قاتلة ضد المتظاهرين، وهو ما تندد به فرنسا»، ولكن السفارة نفت أيضاً ما قالت إنها «معلومات تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي تزعم ضلوع فرنسا في هذه الأحداث».
من جانبه، قال المقرر الأممي الخاص المعني بالحريات وتكوين الجمعيات، كليمان فول، إنه «يتابع بقلق ما يحدث في تشاد»، داعياً قوات الأمن إلى «الهدوء»، وأضاف المسؤول الأممي أن «أي نزوع إلى العنف ضد المتظاهرين يعرض صاحبه للمتابعة، تماشياً مع القوانين الدولية».
وفيما يعيش البلدُ على وقع الاضطرابات السياسية، كانت السلطات قد أعلنت أول من أمس (الأربعاء) «حالة طوارئ» بسبب فيضانات تضرب البلاد منذ أسابيع. وقال الرئيس ديبي، في خطاب عبر التلفزيون، إن الفيضانات اجتاحت مناطق في جنوب تشاد ووسطها، بعد هطول أمطار غزيرة تضرر منها «أكثر من مليون شخص»، وقال ديبي: «سيتم فرض حالة طوارئ لاحتواء وإدارة حالة الكارثة الطبيعية بشكل أفضل»، ولكن المعارضة تربط حالة الطوارئ بالوضع السياسي.
تشاد التي استقلت عن فرنسا عام 1960 تحملُ معها تاريخاً طويلاً من العنف السياسي، وسنوات من الجمر راح ضحيتها مئات القتلى، شكلت واحدة من أشهر محاكمات الإرث الإنساني في أفريقيا خلال العقود الأخيرة، حين حوكم الرئيس التشادي الراحل حسين حبري في العاصمة السنغالية دكار، بتهمة ارتكاب جرائم إنسانية.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: ما بين 10 آلاف و20 ألفاً فرّوا من السودان إلى تشاد

العالم العربي الأمم المتحدة: ما بين 10 آلاف و20 ألفاً فرّوا من السودان إلى تشاد

الأمم المتحدة: ما بين 10 آلاف و20 ألفاً فرّوا من السودان إلى تشاد

فرّ ما بين 10 آلاف و20 ألف شخص من المعارك الجارية في السودان بحثاً عن ملاذ في تشاد المجاورة، وفقاً لفرق تابعة لمفوضية الأمم المتّحدة السامية لشؤون اللاجئين موجودة على الحدود. ووفق وكالة الصحافة الفرنسية، قالت المفوضية، في بيان اليوم (الخميس)، إنّ «غالبية الوافدين هم من النساء والأطفال... تعمل المفوضية عن كثب مع الحكومة التشادية وشركائها لتقييم احتياجاتهم وإعداد استجابة مشتركة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الخليج مباحثات سعودية ـ تشادية تناقش آفاق التعاون والمسائل المشتركة

مباحثات سعودية ـ تشادية تناقش آفاق التعاون والمسائل المشتركة

التقى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في جدة، (الاثنين)، محمد إدريس ديبي رئيس المجلس العسكري الانتقالي في تشاد، وجرى خلال اللقاء استعراض أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين وآفاق التعاون في مختلف المجالات، إلى جانب بحث عدد من المسائل ذات الاهتمام المشترك. حضر اللقاء من الجانب السعودي، الأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز وزير الدولة عضو مجلس الوزراء، والأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية، والدكتور مساعد العيبان وزير الدولة عضو مجلس الوزراء مستشار الأمن الوطني، والمهندس خالد الفالح وزير الاستثمار، وأحمد قطان المستشار بالديوان الملكي، وعامر ال

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج لقاء سعودي - تشادي يبحث المسائل المشتركة

لقاء سعودي - تشادي يبحث المسائل المشتركة

بحث الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، الاثنين، مع محمد إدريس ديبي، رئيس المجلس العسكري الانتقالي في تشاد، المسائل ذات الاهتمام المشترك. جاء ذلك خلال لقاء جمعهما في جدة، واستعرضا فيه أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين وآفاق التعاون في مختلف المجالات.

«الشرق الأوسط» (جدة)
العالم تشاد: مخاوف من تضرر المساعدات الإنسانية بعد الأزمة مع ألمانيا

تشاد: مخاوف من تضرر المساعدات الإنسانية بعد الأزمة مع ألمانيا

أثارت الأزمة الدبلوماسية بين تشاد وألمانيا في أعقاب الطرد المتبادل لسفيري البلدين، مخاوف عميقة بشأن انعكاسات الأزمة على المساعدات الإنسانية التي تقدمها دول ومؤسسات غربية مانحة لتشاد، التي تعد من بين أكثر دول العالم فقرا، كما تستضيف ما يزيد على مليون من اللاجئين والنازحين. وتبادل البلدان اللذان تجمعهما علاقات دبلوماسية منذ عام 1960 طرد السفيرين خلال الأيام القليلة الماضية، إذ طلبت ألمانيا (الثلاثاء) من سفيرة تشاد لديها، مريم علي موسى، مغادرة البلاد خلال 48 ساعة، وذلك رداً على تحرك مماثل قامت به الدولة الواقعة في وسط أفريقيا (الجمعة). ونقلت وكالة «رويترز» عن وزارة الخارجية الألمانية قولها إن الخ

العالم تشاد تطرد سفير ألمانيا بحجة «سلوكه الفظ»

تشاد تطرد سفير ألمانيا بحجة «سلوكه الفظ»

طرد السفير الألماني في تشاد الذي أعلنته الحكومة «شخصا غير مرغوب فيه» بسبب «سلوكه الفظّ»، مساء السبت، بحسب ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤولين في العاصمة التشادية نجامينا. وكانت الحكومة التشادية أعلنت الجمعة أنها طلبت من السفير الألماني مغادرة البلاد خلال 48 ساعة، بسبب «عدم احترامه الممارسات الدبلوماسية». وقال وزير الخارجية التشادي، محمد صالح النظيف، إن «سفير ألمانيا في تشاد يان كريستيان غوردون كريكه سافر على متن طائرة (إير فرانس) مساء السبت». وأكد المتحدث باسم الحكومة عزيز محمد صالح مغادرة السفير.

«الشرق الأوسط» (نجامينا)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».