مقاربة مغايرة من سياسي أوروبي لمستقبل التجربة الأميركيّة

التاريخ عند ماسيس لا ينتهي... بل بدأ للتوّ

مقاربة مغايرة من سياسي أوروبي لمستقبل التجربة الأميركيّة
TT

مقاربة مغايرة من سياسي أوروبي لمستقبل التجربة الأميركيّة

مقاربة مغايرة من سياسي أوروبي لمستقبل التجربة الأميركيّة

إذا تأمل المرء عناوين الكتب المعنيّة باستطلاع مستقبل التجربة الأميركيّة، التي صدرت خلال العقد الأخير، لا فرق أكانت نتاج فكر الاقتصاد السياسي، أو من إبداعات الروائيين، فسيجد دون شك ثيمة واحدة غالبة تجمع بينها كخيط ذهبيّ؛ هذه أمّة تتجه للانحدار.
أول المنذرين كان بروس أكيرمان في «انحطاط وسقوط الجمهوريّة الأميركيّة – 2010» الذي اعتبر أن نظام الترشيح الرئاسي القائم سينتج مزيداً من الرؤساء الشعبويين من خارج المؤسسة السياسيّة الذين سيصلون إلى المنصب التنفيذي الأهم في الولايات المتحدة من خلال حشد الرأي العام وراء أجندات متطرفة وغير واقعيّة، وأن هؤلاء سيعتمدون في إداراتهم على ولاء المقربين لا كفاءة البيروقراط، وسيعمدون إلى التلاعب بالدّستور أو إيجاد الذرائع لتجاوزه وهكذا سيسقط النظام بفساد أعلى رأسه. ومن الملاحظ أن أكيرمان كان يكتب قبل 5 سنوات كاملة من انتخاب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب.
ويبدو أن سياق الأحداث في الولايات المتحدة مكّن لتشاؤم أكيرمان من الغلبة على المزاج الجمعي الذي شرع يتقبل بشكل متزايد سرديّة الانحطاط المحتّم لمجمل التجربة، فأصبحت روايات ديستوبيا أميركيّة مثل «تروبيك أوف كانساس – 2017» لكريستوفر براون، و«حرب أميركيّة - 2018» لعمر العقّاد الأكثر مبيعاً؛ حيث تتحوّل الولايات المتحدة في خضمّها إلى أكبر دولة فاشلة في العالم، يحكمها رئيس فاشيّ، وتغطي سماءها درونات قاتلة، وتسيطر على شوارعها الميليشيات، وتتحول ملاعبها الرياضيّة إلى سجون ضخمة، وتندلع فيها حروب أهليّة، فيما تضطر المكسيك لحفظ أمن حدودها إلى غزو ولاية تكساس الجنوبيّة.
وإذا كان منهج أكيرمان وروائيّي الديستوبيا الجديدة وصف انحطاط أميركا من بوابة السياسة، فإن آخرين، مثل ديفيد كليون في مقالته ذائعة الصيت «الإمبراطوريّة الأميركيّة رجل القرن الحادي والعشرين المريض» (انظر دورية الفورين بوليسي عدد 2 أبريل – نيسان 2019) اعتبروا أن فشل التجربة الأميركيّة مرده دور النخب المتنفذة التي حوّلت الجمهوريّة إلى منصّة معولمة للفساد وسوقاً تتبارى فيه أطراف مشبوهة من جهات العالم الأربع على شراء الذمم والتأثير على القرارات، في الوقت الذي تحولت فيه الشركات الأميركيّة الكبرى إلى متعددة جنسيات، تتوزع عملياتها عبر الكوكب، ويديرها تنفيذيون تترابط مصالحهم وولاءاتهم مع تنفيذيين زملاء لهم من جنسيات متعددة أكثر مما يجمعهم ببقية الأميركيين. وكتب تيرلر كوين في «انحطاط وسقوط الإمبراطوريّة الأميركيّة – 2018» أنّ مقتل النظام الأميركي سيكون من بوابة الاقتصاد تحديداً؛ حيث تباطأ نمو الإنتاجيّة وتضخمت الديون الفيدراليّة ولم يعد أمام الحكومات سوى اللجوء إلى تعظيم الضرائب أو تقليل الإنفاق العام على نحو أضعف قدرة البلاد على تجديد بنيتها التحتيّة أو المحافظة على تفوقها التكنولوجيّ.
في مواجهة كلّ هذا الصخب المتشائم حول مستقبل التجربة الأميركيّة، تأتي من الجهة الأخرى للأطلسي مقاربة مغايرة تماماً من البرتغالي برونو ماسيس الذي يرفض حتميّة سقوط روما المعاصرة، ويذهب إلى حد التبشير بإرهاصات ولادة جديدة للتاريخ الأميركيّ، واستحالة انتهاء هيمنة الولايات المتحدّة حتى في ظل سقوط الغرب الأوروبي أو صعود القوى الآسيويّة (الصين والهند) أو كليهما معاً.
شغل ماسيس منصب وزير الدولة البرتغالي للشؤون الأوروبية من عام 2013 إلى عام 2015 وهو الآن زميل غير مقيم في معهد هدسون ومؤلف لعدة كتب ترصد آفاق مستقبل القوى الكبرى، لعل أهمها «فجر أورآسيا... على درب النظام العالمي الجديد – 2018»، و«الحزام والطريق... نظام عالمي صيني – 2018»، إضافة إلى كتابه الذي رشّح للقائمة الطويلة لجائزة أورويل للعام 2021، «التاريخ قد بدأ للتوّ... ولادة أميركا الجديدة» (2020).
يتعمق ماسيس في مسألة الوجود الغربي بعمومها، ويرى معالم لا تنكر لانحطاط أوروبا الغربية الضعيفة والمتحللة، لكنّه يندفع بحماسة لمواجهة الفكرة الزاعمة بأن أميركا ستحذو في الانحطاط حذو القارة القديمة الأم، إذ يعتقد أنّ الولايات المتحدة تشهد تحولاً، وقد وصلت إلى مشارف ولادة جديدة أو أنها تسير بالفعل تجاه نقطة انطلاق ستدفعها إلى الأمام، مدعياً أنه «بالنسبة لأميركا، فإن عصر بناء الأمة قد انتهى، ولقد بدأ عصر بناء العالم». نظريّة ماسيس هنا تستند إلى حقيقة عمليّة واحدة، وهي أن الولايات المتحدة بالفعل القوّة العظمى الوحيدة في العالم، فيما أوروبا تتراجع، وروسيا تفتقد للقدرة على تأسيس ثقافة متباينة مع الغرب، وتقصر الصين إلى الآن عن مقارعة الجبروت الأميركي، وإن كنت هي القوّة الوحيدة التي قد تفعل ذلك مستقبلاً بحكم منظومة قيمها القويّة التي تمنع ذوبانها في الثقافة الأميركيّة.
ماسيس يرى أن هذه الولادة الجديدة للتجربة الأميركيّة ستخلق صيغة عيش ذات خصائص ليست غربيّة بالمفهوم الكلاسيكي، وإنما تكتفي باستلهام التراث الأوروبي كمكون واحد من جملة مكونات فحسب، وبعكس ما يرى المؤرخون التقليديون الذين طالما اعتبروا الولايات المتحدة جناحاً غربياً وامتداداً طبيعياً للتجربة الأوروبيّة. ولذا، وفق ماسيس فإن سقوط المشروع الغربي في نسخته الأوروبيّة لا ينسحب بالضرورة على الجانب الأميركيّ، والأخير قادر تماماً على المباعدة بنفسه عن آثار ذلك السقوط.
يستقرئ ماسيس صيغة المجتمع الليبرالي الأميركيّة التي تسمح لكثير من المذاهب المختلفة والمتناقضة بالازدهار، شريطة أن يتفقوا جميعاً في النهاية على بعض المبادئ السياسية الأساسية، بما يسمح بالحفاظ على النسيج الاجتماعي والاقتصادي في شكله القائم، لكن مع منح كل شخص حرية الخروج عن الأعراف في حياته الشخصيّة، وهي ليبرالية قد لا تتوافق كثيراً مع المزاج الأوروبي الذي يلمح هتلراً وراء كل مختلف، لكنّها كفيلة باستمرار دوران عجلة الرأسماليّة. ويرصد هنا ما يمكن تسميته بالظاهراتية السياسيّة في المجتمع حيث الجميع ينظر إلى العالم والآخرين بشكل درامي ويتعايش الجميع سياسيين ومواطنين معاً بوصف كل منهم صاحب حكاية رؤيوية سهلت من تعملقها في خيالاتهم وسائل التواصل الاجتماعيّ. ويقول ماسيس إن على الولايات المتحدة لتأبيد هيمنتها أن تضمن لكل جزء صغير من العالم إمكانيّة متابعة طريقة حياته الخاصة بذات النهج الليبرالي الأميركي دون التحوّل إلى أميركيين، وهذا يعني بالضرورة منع أي قوى كبرى من مدّ سيطرتها على مجتمعات أخرى، وبالتالي إلغاء إمكانيّة فرض منظومات قيم قد تتناقض مع الليبرالية الأميركيّة. وفي هذا السياق تبدو العمليّة الديمقراطيّة عند ماسيس أقرب إلى محاولة دوريّة للجمع بين عدة حكايا لشخصيات مختلفة في وقت واحد، وتحديد أيها يمتلك مجالاً للنمو، وأيّها يجب أن يلعب دوراً ثانوياً أو ينتقل إلى الخلفية، ما يخلق فضاء صحياً لإعادة توليد النخب وجدل الرؤى.
طَرْح ماسيس في «التاريخ قد بدأ للتوّ» طموح وشجاع، وإن رآه البعض أقرب إلى بضاعة تاجر أوهام نظريّة يروّج للنفوذ الأميركي، لا يقلّ في جموحه الفكري عن أنبياء الانحطاط على الجانب الآخر. لكن على أي حال، فإن تأملاته العميقة وطريقته في نسج صورة كبرى من تفاصيل صغرى متفرقة مثيرة للإعجاب، وما أن يدلّ قارئه على ظاهرة ما تحت السطح حتى تعلق بذهنه، ولا يعد بقادر على ألا يراها، ناهيك أن نثره قراءة ممتعة للغاية، ومثيرة للتفكير.


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب إقبال كبير على المعرض (رويترز)

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح

تصعيد جديد في التوترات التجارية الأميركية - الكندية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

تصعيد جديد في التوترات التجارية الأميركية - الكندية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداً صريحاً بوقف افتتاح جسر جوردي هاو الدولي، الذي يربط بين أونتاريو الكندية وميشيغان الأميركية، متهماً كندا بـ«معاملة غير عادلة» للولايات المتحدة على مدى عقود.

وقال ترمب في منشور طويل على منصته «تروث سوشيال»، مساء الاثنين: «كما يعلم الجميع، فقد عاملت كندا الولايات المتحدة معاملة غير عادلة للغاية لعقود. الآن، بدأت الأمور تتغير لصالح الولايات المتحدة، وبسرعة! تخيلوا، كندا تبني جسراً ضخماً بين أونتاريو وميشيغان. إنهم يملكون الجانبين الكندي والأميركي، وبالطبع، بنوه دون استخدام أي مواد أميركية تقريباً».

ووجه ترمب اتهامات للرئيس الأسبق باراك أوباما بإعطاء إعفاءات لكندا. وقال: «لقد منحهم الرئيس باراك حسين أوباما إعفاءً غبياً ليتمكنوا من التحايل على قانون 'اشترِ المنتجات الأميركية'، وعدم استخدام أي منتجات أميركية، بما في ذلك الفولاذ الأميركي. الآن، تتوقع الحكومة الكندية مني، بصفتي رئيس الولايات المتحدة، أن أسمح لهم 'باستغلال أمريكا'! ماذا ستحصل عليه الولايات المتحدة؟ لا شيء على الإطلاق!».

واشتكى الرئيس الأميركي أن كندا تضع قيوداً على المنتجات الأميركية. وقال إن «أونتاريو لا تسمح ببيع المشروبات الروحية والمشروبات الكحولية الأميركية الأخرى في متاجرها، فهي ممنوعة تماماً من ذلك، والآن، وفوق كل هذا، يريد رئيس الوزراء (مارك) كارني عقد صفقة مع الصين - التي ستلتهم كندا بالكامل - ولن نحصل إلا على الفتات! لا أعتقد ذلك. أول ما ستفعله الصين هو إنهاء جميع مباريات هوكي الجليد في كندا، وإلغاء كأس ستانلي نهائياً»، في إشارة لجائزة الفائز بدوري الهوكي.

وأضاف: «لقد كانت الرسوم الجمركية التي تفرضها كندا على منتجاتنا من الألبان غير مقبولة لسنوات عديدة، مما يعرض مزارعينا لمخاطر مالية كبيرة. لن أسمح بافتتاح هذا الجسر حتى يتم تعويض الولايات المتحدة بالكامل عن كل ما قدمناه لهم، والأهم من ذلك، أن تعامل كندا الولايات المتحدة بالعدل والاحترام الذي نستحقه. سنبدأ المفاوضات فوراً. مع كل ما قدمناه لهم، يجب أن نمتلك، ربما، نصف هذا المشروع على الأقل. ستكون الإيرادات الناتجة عن السوق الأميركية هائلة. شكراً لكم على اهتمامكم بهذا الأمر!».

تصعيد وخلافات

ويعكس المنشور تصعيداً جديداً في التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا، ويأتي في سياق خلافات متراكمة بين ترمب وكارني. حيث يهدد ترمب بوقف افتتاح الجسر، الذي يُعد أحد أكبر مشاريع البنية التحتية في أميركا الشمالية، إذا لم تحصل أميركا على تعويضات وملكية جزئية، مما يثير تساؤلات حول تأثير ذلك التهديد على العلاقات الثنائية والاقتصاد الإقليمي.

ويُعد جسر جوردي هاو الدولي، الذي سمي تيمناً بلاعب الهوكي الأسطوري، مشروعاً طموحاً يربط بين مدينة ويندسور في أونتاريو بكندا ومدينة ديترويت في ميشيغان بالولايات المتحدة، عبر نهر ديترويت.

ويبلغ طول الجسر 2.5 كيلومتر، وهو أطول جسر كابلي في أميركا الشمالية، مع عرض 37.5 متراً وارتفاع 220 متراً. ويتكون من ست مسارات مرورية، مع إمكانية توسيعه إلى ثمانية، إلى جانب ممر للمشاة والدراجات.

وقد بدأ البناء في هذا الجسر منذ عام 2018، بتكلفة إجمالية تصل إلى 4.4 مليار دولار أميركي، ممولاً بالكامل من الحكومة الكندية عبر هيئة جسر ويندسور-ديترويت (WDBA)، وهي شركة تابعة للحكومة الفيدرالية الكندية. ويشمل المشروع موانئ دخول جديدة على الجانبين، وتحسينات في الطرق السريعة في ميشيغان.

العمل جارٍ لاستكمال إنشاء جسر جوردي هاو الدولي تمهيداً لافتتاحه (أ.ب)

ومن المُتوقع افتتاح الجسر خلال العام الجاري بعد تأخيرات بسبب جائحة كورونا. ويهدف إلى تعزيز التجارة عبر الحدود، حيث يُعد ممر ويندسور-ديترويت أكبر ممر تجاري بين البلدين، يمر من خلاله نحو 25 في المائة من التجارة الثنائية البالغة قيمتها أكثر من 600 مليار دولار سنوياً.

ويُدار المشروع عبر شراكة عامة - خاصة مع كونسورتيوم «بريدجينج نورث أميركا»، الذي يشمل شركات مثل «فلور»، و«إيه سي إس»، و«أيكون»، ويستمر لـ36 عاماً تشمل التصميم، البناء، التمويل، التشغيل، والصيانة.

ومع ذلك، يشكو ترمب من أن الإعفاء الذي منحه أوباما سمح لكندا بتجنب استخدام مواد أميركية، مما يجعل الجسر «استغلالاً» لأميركا دون عوائد.

الخلافات بين ترمب وكارني

يأتي تهديد ترمب في سياق خلافات متراكمة مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، حيث فرض ترمب رسوماً جمركية على الصلب والألمنيوم الكنديين، مما أدى إلى إعادة التفاوض على «اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية» (NAFTA) في ولاية ترمب الأولى لتصبح «الاتفاقية بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا» (USMCA).

ومع ذلك، استمرت الخلافات في ولاية ترمب الثانية، مع اتهامات لكندا بعدم التعاون في مكافحة تهريب الفنتانيل والمهاجرين غير الشرعيين، وفرض تعريفات تصل إلى 50 في المائة على بعض المنتجات الكندية رداً على رسوم كندية على الكهرباء.

وتصاعدت الخلافات بصورة كبيرة مع تهديدات ترمب بضم كندا كـ«الولاية الأميركية الـ51»، مستخدماً «القوة الاقتصادية» للوصول إلى موارد كندا المعدنية، ومتهماً كارني بالسعي لصفقات مع الصين، التي وصفها ترمب بأنها «ستلتهم كندا».

وجاء رد كارني شديداً، معتبراً التهديدات «تهديداً للسيادة الكندية»، ودعا في خطاب خلال منتدى دافوس إلى اتحاد «القوى الوسطى» لمواجهة «الانقسام العالمي»، مما أثار غضب ترمب الذي سحب دعوة كارني لمجلس السلام الخاص بقطاع غزة.

كما أدت التعريفات إلى إلغاء كندا لتفويضات السيارات الكهربائية الأميركية، وفرض عقوبات متبادلة على الطاقة والتجارة.

وأشارت وكالة «بلومبرغ» إلى أن تهديد ترمب بوقف افتتاح الجسر يأتي جزءاً من استراتيجيته «أميركا أولاً»، التي تركز على تقليل العجز التجاري البالغ 100 مليار دولار مع كندا، وفرض شروط تجارية أفضل.

ومع ذلك، يبدو التهديد غير واقعي قانونياً، حيث تشرف وتمول الحكومة الكندية هذا المشروع.

وأكدت «بلومبرغ» نقلاً عن مسؤولين أن التعريفات لن توقف التقدم، خاصة أن الجسر مكتمل بنسبة كبيرة ويُمول من الرسوم المستقبلية. لكن التهديد من قبل الرئيس ترمب يعكس «عصراً جديداً» من التوتر، حيث يهدد بتحويل الجسر إلى «نصب تذكاري للماضي» بدلاً من رمز للتعاون.

وحذر تقرير «بلومبرغ» من أن التصعيد قد يؤدي إلى اضطراب في سلاسل التوريد، خاصة في قطاع السيارات والطاقة، حيث تعتمد ميشيغان على التجارة مع أونتاريو.

ومع ذلك، يرى محللون أن التهديد يهدف إلى إعادة التفاوض مستخدماً الجسر كورقة ضغط.

وبالنسبة لكندا، يعزز كارني من استقلاليتها عبر صفقات مع الصين، لكن ذلك يزيد من مخاطر التعريفات الأميركية، التي قد تصل إلى 100 في المائة إذا تمت الصفقة.

في النهاية، يعكس التهديد تحولاً في العلاقات الثنائية من الشراكة إلى المنافسة، مع مخاطر على الاستقرار الإقليمي إذا استمر التصعيد.


وزارة العدل الأميركية تسمح لأعضاء الكونغرس بالاطلاع على ملفات إبستين غير المنقحة

صور من وثائق قضية جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ف.ب)
صور من وثائق قضية جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ف.ب)
TT

وزارة العدل الأميركية تسمح لأعضاء الكونغرس بالاطلاع على ملفات إبستين غير المنقحة

صور من وثائق قضية جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ف.ب)
صور من وثائق قضية جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ف.ب)

سمحت وزارة العدل الأميركية لأعضاء الكونغرس بمراجعة ملفات قضية جيفري إبستين غير المنقحة، يوم الاثنين، بعد أن أعرب عدد من المشرعين عن قلقهم إزاء حجب بعض الأسماء الواردة في الوثائق المنشورة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان قانون شفافية ملفات إبستين الذي أقره الكونغرس بأغلبية ساحقة في نوفمبر (تشرين الثاني)، قد ألزم وزارة العدل بنشر جميع الوثائق التي بحوزتها والمتعلقة بالممول الأميركي المدان بالإتجار بالقاصرات.

وطلب القانون إخفاء الأسماء أو أي معلومات شخصية أخرى تكشف عن هوية ضحايا إبستين الذين يتجاوز عددهم الألف وفق مكتب التحقيقات الفيدرالي.

لكن القانون نص على أنه لا يجوز «حجب أي سجلات أو تأخير نشرها أو تنقيحها بدعوى الإحراج أو الإضرار بالسمعة أو الحساسية السياسية، بما في ذلك تجاه أي مسؤول حكومي أو شخصية عامة أو شخصية أجنبية مرموقة».

ويعد النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، رو خانا، من بين المشرعين الذين شككوا في بعض عمليات التنقيح التي طالت أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة.

ونشر خانا أمثلة على ذلك على صفحته على «فيسبوك»، حيث تم حجب اسم المرسل في رسالة بريد إلكتروني إلى إبستين بتاريخ 17 يناير (كانون الثاني) 2013 تقول: «وصلت برازيلية جديدة، جذابة وجميلة، عمرها 9 سنوات».

كما تم حجب اسم مرسل رسالة أخرى بتاريخ 11 مارس (آذار) تقول: «شكراً لك على هذه الليلة الممتعة. فتاتك الصغيرة كانت مشاغبة بعض الشيء».

وأكد خانا على ضرورة كشف أسماء مرسلي هذه الرسائل.

وأضاف: «إن التستر على سمعة هؤلاء الرجال النافذين يعد انتهاكاً صارخاً لقانون إبستين للشفافية».

ووُجد إبستين الذي كانت تربطه علاقات برجال أعمال وسياسيين ومشاهير وأكاديميين، ميتاً في زنزانته في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره محاكمته بتهمة الإتجار الجنسي بفتيات قاصرات.

وغيلين ماكسويل، صديقة إبستين السابقة، هي الشخص الوحيد الذي أدين بجريمة تتعلق بقضيته.

والاثنين، رفضت ماكسويل التي تمضي عقوبة بالسجن لمدة 20 عاماً، الإجابة عن أسئلة وجهتها إليها لجنة تابعة لمجلس النواب الأميركي. ونُقل عن محاميها أنها سترد على الأسئلة إذا حصلت على «عفو رئاسي» من الرئيس دونالد ترمب.

وحاول ترمب لأشهر منع نشر ملفات إبستين، لكنه رضخ لاحقاً تحت ضغط مشرعين جمهوريين.


الأمم المتحدة تطلب توضيحاً بشأن موعد سداد أميركا لمستحقاتها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 23 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 23 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

الأمم المتحدة تطلب توضيحاً بشأن موعد سداد أميركا لمستحقاتها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 23 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 23 سبتمبر (أ.ف.ب)

قالت الأمم المتحدة، اليوم الاثنين، إنها تترقب تفاصيل حول موعد سداد الولايات المتحدة لمستحقاتها المتأخرة من الميزانية، وذلك بعد وعد قطعته واشنطن الأسبوع الماضي بسداد دفعة أولية خلال أسابيع.

وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك في إفادة صحافية: «اطلعنا على البيانات، وبصراحة، فإن الأمين العام على تواصل مع السفير (مايك) والتس بشأن هذه المسألة منذ فترة طويلة». وأضاف: «قطاع مراقبة الميزانية لدينا على تواصل مع الولايات المتحدة، وقُدمت بعض المؤشرات. نحن ننتظر معرفة موعد السداد وحجم الدفعات بالتحديد».

وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أصدر تحذيراً بشأن الأوضاع المالية للمنظمة الدولية، في رسالة وجهها إلى الدول الأعضاء في 28 يناير (كانون الثاني)، قائلاً إن المنظمة التي تضم 193 دولة معرضة لخطر «انهيار مالي وشيك» بسبب عدم سداد الرسوم.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد الانتهاء من كلمته في الأمم المتحدة بنيويورك (أ.ف.ب)

وتراجعت واشنطن في عهد الرئيس دونالد ترمب عن العمل متعدد الأطراف على جبهات عديدة، وطالبت الأمم المتحدة بإصلاح أنظمتها وخفض نفقاتها.

وقال والتس، الذي يشغل منصب المبعوث الأميركي لدى الأمم المتحدة، لـ«رويترز» يوم الجمعة: «سترون بالتأكيد دفعة أولية من الأموال قريباً جداً... ستكون دفعة أولى كبيرة من رسومنا السنوية... لا أعتقد أن المبلغ النهائي حُدد بعد، لكنه سيُحدد في غضون أسابيع».

ويقول مسؤولون في الأمم المتحدة إن الولايات المتحدة مسؤولة عن أكثر من 95 في المائة من الرسوم المستحقة في ميزانية المنظمة الدولية. وبحلول فبراير (شباط)، أصبحت واشنطن تدين بمبلغ 2.19 مليار دولار، بالإضافة إلى 2.4 مليار دولار لبعثات حفظ السلام الحالية والسابقة و43.6 مليون دولار للمحاكم التابعة للأمم المتحدة.

وقال مسؤولون في الأمم المتحدة إن الولايات المتحدة لم تسدد رسومها في الميزانية العادية العام الماضي، وتدين بمبلغ 827 مليون دولار لهذا السبب، بالإضافة إلى 767 مليون دولار عن العام الجاري، بينما يتكوّن باقي الدين من متأخرات متراكمة من سنوات سابقة.