ترنس مالك يعود بفيلم روحاني عن المسيح

بدأ فيلمه قبل ثلاث سنوات ولم ينته بعد

لقطة من «طريق الريح» (الشرق الأوسط)
لقطة من «طريق الريح» (الشرق الأوسط)
TT

ترنس مالك يعود بفيلم روحاني عن المسيح

لقطة من «طريق الريح» (الشرق الأوسط)
لقطة من «طريق الريح» (الشرق الأوسط)

لم يحدد ترنس مالك بعد موعداً لعرض فيلمه الجديد «طريق الريح» (The Way of the Wind)، ناهيك عن أي من مهرجانات السينما سيستضيف فيلمه أولاً... كان الذي خرج منه بذهبية عن فيلمه السابق (2011) «شجرة الحياة» (Tree of Life) أو ڤنيسيا بعد عشرة أشهر، إذا ما استطاع هو ومنتجوه الانتظار أو برلين كون الفيلم من إنتاج ألماني.
كل ذلك عند مالك قد لا يكون مهمّاً. هو ليس بالمخرج المستعجل. هذا الفيلم بوشر به سنة 2019 وكتب له السيناريو أربع مرّات وغيّر بعض ممثليه مرتين على الأقل. بوصلة مالك لا تعمل كبوصلات الآخرين وبرنامجه الزمني يختلف.
منواله في السينما
ما هو معروف أن الفيلم روحاني التوجّه، وهو التوجّه ذاته الذي ساد العديد من أفلامه (بما في ذلك «شجرة الحياة» و«رحلة في الزمن»Voyage in Time) بوشر به تحت عنوان «الكوكب الأخير» (The Last Planet) لكنه اختار عبارة واردة في الإنجيل بعدما كان أمضى أربعة أشهر متنقلاً بين أماكن تصوير تمتد من آيسلندا إلى جنوب إيطاليا ومن المغرب إلى تركيا.
ما هو معروف كذلك أنه يدور حول المسيح (يقوم بدوره المجري جيزا روريغ الذي كان لعب بطولة Son of Soul سنة 2015) والشيطان (يؤديه البريطاني مارك رايلانس) ويجمع إلى جانبهما جوزف فاينس وبن كينغسلي وماتياس شوونيرتس وعلي سليمان وتوفيق برهام وماثيو كازوڤيتز من بين آخرين.


ترنس مالك (الشرق الأوسط)

الفترة التي قضاها الفيلم في حيّز التصوير ليست طويلة بالطبع بالنسبة لفيلم تاريخي، لكن الفترة التي يقضيها الفيلم في مرحلة ما بعد التصوير هي التي تطول كون المخرج معروفاً عنه اهتمامه بالدقّة المتناهية وبإحكام الطوق حول التفاصيل التي من شأنها أن تجعل الفيلم يواكب روحانيات فكرته وحكايته عبر كاميرا قد تنطلق لتصوّر بعيداً حتى عندما يكون المشهد مبنياً على ممثل أو أكثر. هذا ما عمد إليه في العديد من أفلامه بادئاً بممثله (أو ممثلته) وهو يتحدث ويسير في موقع طبيعي فإذا بالكاميرا تتركه لكي تتلقف المحيط الشاسع حوله وقد لا تعود إليه إلا في مشهد لاحق.
مدير تصويره هو جورج ودمر الذي صوّر له «شجرة الحياة» والموسيقى من تأليف إيليني كاراندرو التي وضعت موسيقا الراحل ثيو أنجليلوبوس «الأبدية ويوم» (Eternity and a Day).
فحوى كل ذلك أن المخرج سيعمد بلا ريب لمنواله من السينما ذات الأسلوب الشعري في التعبير. هذا ما كان حال «شجرة الحياة» (Tree of Life) الذي عاد به بعد ست سنوات أخرى من الغياب تلت فيلمه الرابع «العالم الجديد» The New World الذي أنجزه سنة 2005.


«شجرة الحياة» مع جيسيكا شستين (الشرق الأوسط)

«شجرة الحياة» فيلم شعري جداً ووجداني. هنا، وضمن رغبته عرض الحياة كما بدأت وكما هي اليوم وإيصال رسالة تواصل تلاحمي بين الإنسان في مختلف عصور وجوده، ينفصل عن الحكاية لأكثر من أربعين دقيقة (من أصل 139 دقيقة هي مدة الفيلم) متحدثاً بإيمان واضح عن إبداع الخالق وجمال ذلك الإبداع. يصوّر الكون البعيد وأعماق البحر ويجوب الأرض والكواكب والأزمنة ويذهب في كل اتجاه من شأنه تقديم صورة بانورامية للحياة كما نعرفها و- غالباً - كما لا نعرفها أيضاً.
فيلم فلسفي وشعري وجمالي وفني في آن ولاحقاً دراما عائلية تقع في خمسينات القرن الماضي وتدور عن الأب الصارم (براد بت) وعلاقته مع أكبر أبنائه جاك (شون بن) الذي نراه وقد أصبح (في الزمن الحاضر) شخصاً يعيش المدينة محمّـلاً بالأسئلة الغامضة التي عادة ما تدور في جوانب شخصيات المخرج الرجالية كلها. بذلك هو تحفة المخرج الفعلية إلى اليوم وأكثر أفلامه جمالاً بصرياً وكثافة في مفردات الشعر ومواصفاته.
جماليات اللحظة
ترنس مالك مخرج مقل بلا ريب. حقق أول أفلامه، Badlands، سنة 1973 ثم انتظر خمس سنوات ليحقق فيلمه الثاني «أيام الجنة» (Days of Heaven - لاحظ المنحى الديني في العنوان)، ثم عشر سنوات قبل أن يعود برائعته «الخط الأحمر الرفيع» (The Thin Red Line) وسبع سنوات قبل إخراج «العالم الجديد» ثم مرت ست سنوات بين هذا الفيلم و«شجرة الحياة».
فجأة تسارع إيقاعه: To the Wonder سنة 2012 ثم Knight of Cups سنة 2015 وبعد عام واحد عاد في Voyage of Time وفي 2017 حقق Song to Song ثم آخر أفلامه المعروضة، Hidden Life سنة 2019.
ما مارسه مالك في كل أفلامه هو قدر مرتفع من إعادة البحث في مكوّنات الصورة والتعبير من خلالها فقط. ليس إنه لا يهتم بالشخصيات، لكن الممثل عنده هو مرحلة مبدئية للوصول إلى اللغة الشعرية التي يريدها.
طبيعي والحال هكذا، أن تكون أفلامه بصريات سينمائية ممتعة بسبب رغبة مالك في تصوير الماء والشجر والسماء من حوله والعمق البشري في اليد الأخرى.
في هذا السياق، فإن طريقته في تقديم شخصياته هي البحث عما قد ينطلق منها وليس عما يؤلف ما ينطلق منها. إذ تلاحظ أفلامه واحداً تلو آخر تجده معنياً بالموقع الذي يمر فيه بطله في لحظة الحياة ذاتها أكثر مما هو معني بتفسيره.
هذا يعني أن مالك يفكر بجماليات اللحظة ونبوغها التعبيري؛ لأنه لا يريد (باستثناء حفنة من أفلامه بما فيها «عالم جديد» و«حياة مخبوءة») أن يحكي قصّة يسردها تبعاً للمعتاد، بل يريد أن يحكي حياة بكاملها مع ما توفره شخصياته من تطلّعات وجدانية وروحانية.
بذلك يتحدّى منظومة عمل عليها كُثر، وهي أن الفيلم هو نص والصورة هي علامات. ما نجح في إثباته أكثر من مرّة، ما سبق لتاركوڤسكي وبيلا تار وأنجيلوبولس أن برهنوا عليه، وهو أنه بالإمكان مزج النص بالصورة بحيث لا يمكن الفصل بينهما ولا تفضيل أحدهما على الآخر.
تبعاً لذلك، نجد أن «الخط الأحمر النحيف» الذي كان، افتراضاً، فيلماً حربياً عن جنود أميركيين في رحى المعركة خلال الحرب الأميركية - اليابانية، تبلور كفيلم سرد وجداني رغم أنه لم يهمل المشاهد الحربية التي تشد شخصياته إلى الواقع المواجه لأفكارها وروحانياتها.
أحداث «الخط الأحمر الرفيع» تقع فوق جزيرة غوادال في المحيط الأطلسي. يتم تعريفنا بشخصيات الفيلم من المجند ولش (شون بن) والكولونيل تول (نك نولتي) والمجند وت (جيم كافييزل). هؤلاء يمثلون الجوانب الأولى لخضم الشخصيات الأخرى التي تجد نفسها، في اليوم التالي، في أتون المعركة الطاحنة ضد القوات اليابانية المتمركزة جيداً في مواقع مدروسة. المعركة الأولى التي تقع قرب منتصف الفيلم هي ذروته على صعيد الحبكة. تجمع في دقائقها الطويلة واقعية القتال والموت وترتفع عما حققته السينما الحربية في معظم إنتاجاتها (من أفضل أفلام الحرب مباشرة بعد «القيامة الآن» لفرنسيس فورد كوبولا).
نص الفيلم يعود إلى رواية جيمس جونز. حواره والتعليق الصوتي من كتابة مالك ومصادره تمتد من الإلياذة إلى الميثالوجيات ومنها إلى الوجدانيات ما يجعل الفيلم بالضرورة معادياً للحرب بقدر ما فيلمه الأخير «حياة مخبوءة» معادٍ لها أيضاً.
«طريق الريح» هو ثاني فيلم من تمويل ألماني ينجزه مالك بعد فيلمه الأخير «حياة مخبوءة» الذي شهد عرضه الأول في مهرجان «كان» سنة 2019.


مقالات ذات صلة

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)
سينما دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً.

محمد رُضا (لندن)

خطة الـ150 يوماً... كيف استعاد ترمب سلاحه الجمركي عبر ثغرة قانونية لم تُختبر من قبل؟

ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
TT

خطة الـ150 يوماً... كيف استعاد ترمب سلاحه الجمركي عبر ثغرة قانونية لم تُختبر من قبل؟

ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

في تحرك استراتيجي سريع يهدف إلى احتواء تداعيات «الهزيمة القضائية» المدوية أمام المحكمة العليا، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، فرض رسوم جمركية عالمية جديدة بنسبة 15 في المائة على الواردات الداخلة إلى الولايات المتحدة كافة، لتدخل حيز التنفيذ فوراً. وتأتي هذه الخطوة لتعويض نظام الرسوم السابق الذي أبطلته المحكمة، حيث استند البيت الأبيض هذه المرة إلى أدوات قانونية نادرة الاستخدام تهدف في جوهرها إلى شراء الوقت وإعادة ترتيب أوراق الإدارة التجارية في مواجهة الخصوم والحلفاء، على حد سواء.

لجأ ترمب في هذا المسار الجديد إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، وهي أداة قانونية لم يسبق استخدامها لفرض رسوم جمركية واسعة النطاق من قبل. وتمنح هذه المادة الرئيس الحق في فرض رسوم تصل إلى 15 في المائة لمعالجة العجز التجاري الكبير أو مشكلات ميزان المدفوعات، لكنها تأتي مع قيود زمنية صارمة؛ إذ لا تسري هذه الرسوم إلا لمدة 150 يوماً فقط، ما لم يوافق الكونغرس على تمديدها، وهو أمر يرى الخبراء أنه سيمثل تحدياً سياسياً كبيراً للإدارة.

تحولات مثيرة

وعلى الرغم من إعلان نسبة الـ15 في المائة الجديدة، فإن التقديرات الاقتصادية الصادرة عن مختبر الموازنة في جامعة ييل، تشير إلى تحولات مثيرة في معدل التعريفة الفعلي. فبينما كان هذا المعدل يصل إلى 16 في المائة قبل حكم المحكمة العليا، انهار ليصل إلى 9.1 في المائة فور صدور الحكم، ومن المتوقع أن يرتفع مجدداً ليستقر عند 13.7 في المائة بعد تطبيق الرسوم الجديدة. وهذا يعني أن الضغط الجمركي الحالي، رغم قوته، فإنه يظل أقل بكثير من ذروته في العام الماضي، حين بلغت الرسوم على الصين وحدها نحو 145 في المائة بموجب النظام الذي تم إبطاله، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

المستهلك الأميركي الأكثر تضرراً

أما على صعيد التكلفة والمعيشة، فقد كشفت التقارير عن أن المستهلك الأميركي لا يزال الطرف الأكثر تضرراً من هذه الحروب التجارية. إذ أكد بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك أن الشركات والمستهلكين في الولايات المتحدة تحملوا أكثر من 90 في المائة من تكاليف الرسوم طوال عام 2025. وقد تجلى ذلك بوضوح في بيانات التضخم لشهر يناير (كانون الثاني)، التي أظهرت ارتفاعاً ملموساً في أسعار السلع المتأثرة بالرسوم، مثل الأجهزة المنزلية، والأثاث، والسيارات الجديدة؛ مما دفع بعض الشركات إلى تجميد التوظيف والاستثمارات؛ نتيجة حالة عدم اليقين السائدة.

وفي محاولة لتخفيف وطأة هذه الرسوم على الشركاء الاستراتيجيين، حافظ ترمب على مساحة للمناورة من خلال قائمة من الإعفاءات والاستثناءات. وتظل المنتجات المقبلة من كندا والمكسيك بمأمن تام بموجب اتفاقات التجارة الحرة القائمة، كما تشمل الاستثناءات السلع الضرورية للأمن القومي أو التي يصعب تصنيعها محلياً، بالإضافة إلى الأدوية، والمعادن الحرجة، والمنتجات الدفاعية، وذلك لضمان عدم تضرر القطاعات الحيوية داخل الولايات المتحدة.

وتمثل المادة 122 في نهاية المطاف مجرد بداية لاستراتيجية أوسع، حيث يخطط البيت الأبيض لاستخدام أدوات قانونية أكثر ديمومة في المستقبل القريب. ومن بين هذه الخيارات المادة 232 لفرض رسوم على قطاعات مُحدَّدة مثل الصلب والألمنيوم، والمادة 301 التي تتيح فرض رسوم دائمة في حال إثبات ممارسات تجارية غير عادلة. إن لجوء ترمب لهذا المسار القانوني غير المُختَبر هو بمثابة استراتيجية «شراء وقت» بامتياز، تهدف للحفاظ على زخم الضغوط التجارية العالمية ريثما يتم بناء إطار قانوني جديد يصمد أمام التحديات القضائية المرتقبة.


فقدان التاريخ السياسي لم يغيب المظاهر الدينية في المنطقة

مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)
مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)
TT

فقدان التاريخ السياسي لم يغيب المظاهر الدينية في المنطقة

مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)
مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)

يرى الدكتور راشد بن عساكر الباحث السعودي أن فقدان التاريخ السياسي وسط الجزيرة العربية لم يغيّر المظاهر الدينية، لافتاً إلى أن هناك المئات من الوثائق والأحكام والفتاوى المتشددة ظهرت قبل وبعد قيام الدولة السعودية.

ويشير العساكر في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أقدم وثيقة محلية جرى الوقوف عليها، إذ كُتبت عام 747هـ، 1346م وتُبين شدة التدين والالتزام بالمعتقد والمنهج النبوي وصحابته والسلف الصالح، «ثم نجد ما بين القرن الثامن والقرن الثاني عشر الهجري/الخامس عشر الميلادي، مئات الوثائق والأحكام والفتاوى والمسائل الشرعية المتبعة للكتاب والسنة النبوية منهجاً وتطبيقاً في المجتمع النجدي، وهى لعدد كبير من علماء نجد».

الباحث راشد بن عساكر

جمع بعضها الشيخ أحمد المنقور (ت 1125هـ / 1713م) في كتابه «الفواكه العديدة في المسائل المفيدة» في مجلدين كبيرين، ومن أبرز العلماء والمُفتين الشيخ أحمد بن عطوة التميمي (توفي 948 هـ / 1541م)، والشيخ العالم قاضى العارض إسماعيل بن رميح العريني (توفي بعد عام 969هـ / 1561م)، والشيخ سليمان بن علي بن مشرف (توفي 1079هـ / 1668م)، والعلامة الشيخ المحقق عثمان بن قائد الحنبلي (توفي عام 1685م) صاحب مؤلفات العقيدة والتوحيد والفقه كنجاة الخلف في اعتقاد السلف، وكتابه التوحيد، والذي اتجه إلى مصر وتولى ريادة المقام الحنبلي والإفتاء بها. ومنهم علماء الدرعية من أسرة الباهلي فقد خرج منهم عدة علماء؛ ومنهم أحمد بن موسى الباهلى، وسليمان الباهلي، وغيرهم، وعالم العارض الشيخ عبد الله بن محمد بن ذهلان (توفي 1099هـ / 1688م).

مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)

عشرات العلماء وطلاب العلم في المنطقة جُلّهم ركز على فقْد الأمن والاضطراب السياسي وليس على اندراس الدين ولغة التعميم، كما روّج له ابن غنام ومَن نقل عنه.

يقول شيخ مشايخ علماء نجد، السلفي الحنبلي أحمد بن عطوة التميمي (ت 948هـ / 1541م): «إن كبار نجد المُطاعين في قراهم الحاكمين عليهم، إذا اتفق كل واحد منهم وعدولَ قريته ووجوههم على بيع تركة وقضاء دَين على الوجه الشرعي، فإن الصادر منهم في ذلك أصح وأولى وألزم، وأثبت مما يصدر عن قضاتهم الذين عليهم وعلى تقليدهم دينهم وأموال المسلمين؛ ما يستحق خراب الشريعة، لا أكثر الله منهم, ولا مَن يمضى لأقوالهم وأسأل الله أن يطفئ شرهم عن مذهبنا وعن المسلمين» ( المنقور، الفواكه العديدة: 2/76).

وبنقل ابن عطوة مسائل عدة، ومنها مسائل شيخه أحمد العسكري عالم الشام (توفي عام 910 هـ / 1504م)، بعد سؤاله عن وضع أمراء البلدان النجدية وطريقة حكمهم بلدانهم بقوله: «وسألت شيخنا عن شيوخ بلدنا، بعد أن عرّفته حالهم، فأجاب: حكمهم كغيرهم من السلاطين في سائر الأوطان». (المنقور، الفواكه: 2/194). ثم ضرب مثالاً لواقعة حول جماعة أمَّروا أميراً عليهم من أهل نجد، فذكر أن ولايته صحيحة وحُكمه حُكم غيره من ولاة المسلمين. (الفواكه: 2/194). ويبين مفتي البلاد النجدية الشيخ عبد الله بن ذهلان كثرة قرى بلاد نجد وتعددها، وأن «كل نجد قرى»، وأن الخوف هو السائد في ذلك، بقوله: «إن ما بين قرى نجد هذا الزمن مخوف إلا مع جنب ونحوه. (المنقور، الفواكه العديدة: 2/36، 90)».

مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)

وسُئل عن فتوى منع خروج المرأة وامتناعها في حال السفر مع زوجها بسبب الخوف على النفس والمال، فهل تسقط نفقتها إذا رغبت بالمكوث، فأجاب: «فلو خافت إذا سافرت معه، فلها عليه النفقة مع عدم السفر للعذر، سواء كان الخوف على النفس، أو المال، أو هما. والظاهر أن ما بين قرى نجد هذا الزمن مخوف إلا مع جنب ونحوه» (المنقور، الفواكه العديدة: 2/36). والجنب: أي الذى يحميك من قبيلتك أو بلدك، من قومك البعيد أو القريب، فقد كانت نجد بلاداً وقبائل في صراعات وخوف فلا ينتقل شخص إلا بوجود شخص يذهب معه لحماية، لكونه من القبيلة نفسها فيدفع له مقابل تلك الحماية.

مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)

وقد عاب علماء نجد ووصفوا بعض الدجالين بأنهم يذكرون أن في بلاد نجد قبراً، كما ردوا على شبهتهم بقبر زيد بن الخطاب بأنه بُني مرتفعاً ووضع على جانب المقبرة، وقد جصّص بالنورة على ظاهره، إنما هو في حماية القبر من اختراق السيل الذى بجواره ضِمن مقبرة شعيب الدم.

وقد استعرض علماء نجد وحرصوا في فتاواهم على الالتزام بالدليل وتتبع السنة واتباع أقوال الأئمة، ومن يستعرض بعض فتاواهم مؤلفاتهم - وليس كلهما - يجد ذلك ظاهراً وبيناً، وأن من يدّعي وجود الشرك وانتشاره فإنما هو كذب ظاهر وتلبُّس بالزور. وردَّ عليه أحد العلماء بقوله: وكيف يكفر مَن يعمرون المساجد بذكر الله وطاعته ولهم جمعة وجماعة ويحرّمون ما حرَّم الله عليهم، ويستحلّون ما أحل الله لهم. وتبيّن لكل ذي عقل أن الذى نسبهم إلى الكفر والشرك كاذب وأنه رمامهم بشيء وهم بريئون».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».