القنوات الإذاعية والتلفزيونية التونسية «في بيت الطاعة»!

أمام ملامح مشهد إعلامي جديد

القنوات الإذاعية والتلفزيونية التونسية «في بيت الطاعة»!
TT

القنوات الإذاعية والتلفزيونية التونسية «في بيت الطاعة»!

القنوات الإذاعية والتلفزيونية التونسية «في بيت الطاعة»!

اقترن افتتاح السنة السياسية الجديدة في تونس، مطلع الشهر الجاري، بإعلان غالبية القنوات الإذاعية والتلفزيونية عن صعوبات مالية «غير مسبوقة»، وعن إلغاء البرامج الحوارية السياسية التعددية التي ميزت المشهد الإعلامي والسياسي التونسي منذ مطلع 2011. وهي خطوة انتقدتها نقابة الصحافيين التونسيين وهيئات حقوقية وفسرتها بـ«تضييق هامش الحريات الإعلامية» في البلاد.
في الوقت نفسه، كشفت تقارير هيئات رسمية ومستقلة فرض «عقوبات جديدة» ضد عدة قنوات تلفزيونية وإذاعية وإحالة مزيد من الصحافيين والفنيين والعاملين في قطاع الإعلام على البطالة، بعد عقد أسست فيه مئات المؤسسات الإعلامية التي وظّفت الآلاف منهم، وفي مرحلة تنافس خلالها رجال الأعمال والسياسيون على الاستثمار في قطاع الإعلام للتأثير بالانتخابات ومؤسسات صنع القرار. وفي ضوء هذا الواقع يتساءل متابعون عن كيفية تطور المشهد الإعلامي في تونس وسط استفحال الأزمة الاقتصادية، واعتماد الدستور الجديد، وصدور قرارات بسحب رخص قنوات وفرض خطايا مالية ضد أخرى بينها التلفزيون الرسمي للدولة والإذاعات الأكثر شعبية. كذلك تحوم علامات استفهام حول عودة أبرز القنوات الإذاعية والتلفزيونية إلى «بيت الطاعة» بعد عشر سنوات عرفت تراوحاً بين توسيع هامش الحريات من جهة، واتهام بعض الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية بقلة احترام «قواعد المهنة» وأيضاً بـ«الفلتان» وتجاوز كل «الخطوط الحمراء» الثقافية والأخلاقية والسياسية.


آمال بلحاج علي - صلاح الدين الدريدي - حافظ الغريبي

أجندات بعيدة عن المهنة
صلاح الدين الدريدي، الخبير الدولي في الإعلام والأستاذ في جامعة الصحافة وعلوم الأخبار التونسية، اعتبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «فشل» مؤسسات الإعلام التونسية عموماً، والقنوات التلفزيونية والإذاعية الخاصة خصوصاً، في تحقيق الأهداف التي رسمتها منذ 2011 «ناجم أساساً عن تدهور مستوى غالبية الصحافيين مهنياً»... وخضوعهم لـ«دورات تدريب صورية مولتها مؤسسات غربية لأسباب أمنية وسياسية، واستفادت منها بعض اللوبيات والمافيات داخل البلاد وخارجها»، حسب قوله.
وأكد الدريدي على كون «الأجندات الأجنبية» ومعضلة «المال السياسي والتمويلات الخارجية» من بين أسباب خلط الأوراق وإضعاف المستوى المهني للمشرفين على قطاع الإعلام والعاملين فيه منذ 2011. ومن ثم، ذكر أن «تضخم عدد القنوات الإذاعية والتلفزيونية والصحف الإلكترونية والورقية» بعد سقوط حكم الرئيس زين العابدين بن علي لم تصاحبه إصلاحات توفق بين «المهنية والحرية» وتبتعد عن التوظيف الحزبي والسياسي والمالي والشخصي «للسلطة الرابعة»، وعن مخطط إرجاعها إلى «بيت الطاعة» و«غلق قوسي الحرية».
«لوبيات» مالية سياسية
تسبب كل ذلك في موجات طرد لمئات الصحافيين والتقنيين والعمال من قنوات كانت تصنف «الأكثر مشاهدة أو استماعاً» كانت تابعة لمؤسسات يمتلك أغلب أسهمها رجال أعمال مقربون من الرئيس الأسبق بن علي وعائلته، حيث كان بينهم صهراه مروان المبروك وصخر الماطري والمستثمرون الخواص نبيل القروي والعربي نصره وسامي الفهري. ولقد انتقلت ملكية جانب من تلك الأسهم بعد ثورة 2011 إلى الحكومة أو إلى شخصيات مقربة من الرئيس السابق الباجي قائد السبسي، زعيم حزب «نداء تونس»، أو من زعيم حزب «قلب تونس» رجل الأعمال نبيل القروي، أو من رئيس البرلمان المنحل راشد الغنوشي ورجال أعمال جُدد لعبوا دوراً سياسياً إعلامياً كبيراً في العشرية الماضية منهم الرئيس السابق للنادي الرياضي الصفاقسي المنصف السلامي والسياسي المخضرم والمدير العام السابق في وزارة الداخلية عمر صحابو. ويضاف إلى هؤلاء عن ثلة من رجال وسيدات الأعمال الذين لا علاقة لهم بقطاع الإعلام أسسوا قنوات إذاعية وإلكترونية وطنية وجهوية تزايد تأثيرها على الشباب وعلى توجهات المجتمع والدولة، بينها قنوات «راديو ماد» و«كاب إف إم» و«أي إف أم» و«الديوان». وبجانبها عشرات القنوات الجهوية و«الجمعياتية» و«الحقوقية» التي تلقى بعضها علانية دعماً مالياً من مفوضية الاتحاد الأوروبي وصناديق أوروبية وأميركية وكندية. ومن هنا اتهم هشام السنوسي، نائب رئيس «الهيئة العليا للإعلام السمعي البصري»، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بعض القنوات الخاصة بالحصول على «تمويل مشبوه» من رجال أعمال فاسدين في الداخل، ومن شركات أجنبية عربية وتركية، «مع رفض تقديم تقارير مالية شفافة حول مسالك التمويل والصرف واحترام قوانين البلاد».

التمويل وتوزيع الإعلانات
في السياق ذاته، أوردت الإعلامية آمال بلحاج علي في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «معضلة توزيع الإعلانات العمومية على وسائل الإعلام زادت أزمات القطاع خطورة، واعتبرت أن القنوات الإذاعية والتلفزيونية والصحف التي انهارت وتمر بصعوبات (تحتاج إلى حل فوري لمعضلة التمويل عبر الإعلانات العمومية وحصتها من بقية الإعلانات)». وأردفت: «إذا لم تضمن وسيلة الإعلام حاجياتها من التمويل القانوني عبر الإعلانات، فإنها قد تلجأ إلى رجال أعمال لديهم أجندتهم الخاصة... أو إلى المال السياسي الداخلي والأجنبي، ما يمكن ينال من السيادة الوطنية للبلاد ومن مصداقية الإعلام والإعلاميين وإشعاعه محلياً وعالمياً».
الملاحظة نفسها أثارها مدير القناة التلفزيونية الخاصة «الجنوبية» أبو بكر الصغير في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قال فيه إن معظم القنوات الإذاعية والتلفزيونية لم تعد تتلقى تمويلاً مباشراً أو غير مباشر من الدولة ولم تحصل على «حصتها» من إعلانات الدولة، التي كانت توزع قبل 2011 من قبل هيئة حكومية تشرف عليها وزارة الإعلام ورئاسة الجمهورية... «لكن تلك الهيئة ووزارة الإعلام وقع حلهما مباشرة بعد سقوط حكم بن علي دون تأسيس آلية جديدة تشرف على هذا الملف».

معركة بقاء
وذهب حافظ الغريبي، مدير صحف مؤسسة «دار الصباح» سابقاً ونائب رئيس نقابة المؤسسات الصحافية، أبعد، معتبراً أن «المؤسسات الإعلامية تواجه معركة بقاء بأتم معنى الكلمة، في ظل شح الموارد وهجمة الرداءة مع وجوب الحفاظ على المهنية والمصداقية والاستقلالية».
وسجل الغريبي أن المشرفين على نقابة رجال الأعمال أصحاب المؤسسات الإعلامية يحاولون منذ أعوام «دق ناقوس الخطر والتنبيه لخطورة الوضع والإعداد لمعالجته من خلال تنظيم القطاع وتطوير تشريعاته... لكنهم لم يجدوا من الحكومات المتعاقبة إلا التسويف ومحاولة استغلال الإعلام خدمة لأهدافهم السياسية الضيقة... والدليل أن مشروع تعديل القانون المنظم للصحافة ينام في الرفوف منذ 2018، رغم قبول كل الأطراف به، وكذلك الحال لعديد المشاريع التي ساهم إعلاميون فيها خلال الأعوام الماضية رغم الظرف الصحي الصعب».
وما يُذكر أن البرلمان المنحل ناقش مشاريع عديدة لتعديل المشهد الإعلامي والصبغة القانونية للهيئات التي تشرف عليه، والتي أسست بعد ثورة 2011. بيد أن كل تلك المشاريع تعطلت بسبب حدة الخلافات حولها بين رؤساء النقابات والمنظمات المهنية وببعض الأطراف السياسية.

تمرد «المنظومة القديمة»
أخيراً، في حين تتبادل الأطراف المالية والسياسية المشرفة على قطاع الإعلام التونسي الاتهامات حول أسباب الانهيار المهني والمالي، يغلف الغموض مستقبل «الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري» التي يرأسها أستاذ الإعلام النوري اللجمي. إذ سحب منها دستور 25 يوليو (تموز) الماضي صفة «مؤسسة دستورية»، ويتحدث البعض عن احتمال حلها لأنها أصبحت في خلافات مع السلطة ومع قادة كثرة من المؤسسات التلفزيونية والإذاعية العريقة، بينها القناة الرسمية «الوطنية» وعدد من القنوات الخاصة مثل «الحوار التونسي» و«نسمة» و«حنبعل» و«الزيتونة». وتعقد المشهد بعدما تحدت مجموعة كبيرة من المؤسسات التي لم تحصل على ترخيص بالبث من هذه «الهيئة»، فقررت متابعة بثها عبر شركات دولية استوديوهات خارج البلاد. وفعلاً، نجحت هذه القنوات في أن تتواصل مع الجمهور التونسي ومع ضيوفها عبر الإنترنت وتأجير أجهزة إرسال عبر الأقمار الصناعية التي لا تخضع للسلطات المحلية، الأمر الذي يؤكد أن المفاهيم القديمة «للسيادة الوطنية» و«دور السلطة الرابعة» والمهنية والحياد قد تجاوزها الزمن في عصر الثورة الاتصالية والمعلوماتية الدولية وبعد تزايد تأثير «المالي السياسي» المحلي والأجنبي.


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.