الاقتصاد الروسي يمتصّ الصدمة ويتكيف مع العقوبات

مارة يسيرون أمام ملصق لجندي روسي يحمل شعار «المجد لأبطال روسيا» في محطة للحافلات وسط موسكو (أ.ف.ب)
مارة يسيرون أمام ملصق لجندي روسي يحمل شعار «المجد لأبطال روسيا» في محطة للحافلات وسط موسكو (أ.ف.ب)
TT

الاقتصاد الروسي يمتصّ الصدمة ويتكيف مع العقوبات

مارة يسيرون أمام ملصق لجندي روسي يحمل شعار «المجد لأبطال روسيا» في محطة للحافلات وسط موسكو (أ.ف.ب)
مارة يسيرون أمام ملصق لجندي روسي يحمل شعار «المجد لأبطال روسيا» في محطة للحافلات وسط موسكو (أ.ف.ب)

من تراجع البطالة إلى انخفاض التضخم وتقديرات للانكماش أقل من المتوقع، يُظهر الاقتصاد الروسي صموداً رغم العقوبات بفضل موارد الطاقة، لكن التحديات التي يتعين مواجهتها على الأمد الطويل تبقى كثيرة.
وتقول موسكو إن التضخم آخذ في التراجع فيما باتت كل الوظائف مشغولة، الأمر الذي يتعارض مع توقعات العديد من الخبراء الماليين بحدوث كارثة.
وقدم صندوق النقد الدولي الثلاثاء بعض الدعم لوجهة نظر روسيا، مشيراً إلى أن الركود سيكون أقل حدة مما كان متوقعاً بسبب صادرات النفط والطلب المحلي المستقر نسبياً.
وتوقع صندوق النقد أن ينكمش الاقتصاد الروسي بنسبة 3.4 في المائة فقط على مدار العام بأكمله، وهو رقم بعيد كل البعد عن التوقعات الدولية الكارثية في مارس (آذار)، عقب التدخل العسكري في أوكرانيا.
كذلك، أشارت المؤسسة الدولية في تقرير لها إلى «صمود صادرات النفط الخام والطلب المحلي مع دعم متزايد للسياسات المالية والنقدية واستعادة الثقة بالنظام المالي».
وكان الرئيس فلاديمير بوتين أكد في سبتمبر (أيلول) أمام صناع القرار الاقتصادي الروسي «تطبيع الوضع»، معتبراً أن «ذروة» الصعوبات أصبحت من «الماضي».
وبحسبه، ينعكس ذلك خصوصاً من خلال «معدل بطالة عند أدنى مستوياته»، أي عند 3.8 في المائة، و«انخفاض التضخم» إلى 13.7 في المائة خلال عام واحد، بعد تحطيم الأرقام القياسية في الربيع عقب أول دفعة من العقوبات الدولية.
وتقول إلينا ريباكوفا نائبة كبير الاقتصاديين في معهد التمويل الدولي (IIF) رداً على سؤال وكالة الصحافة الفرنسية: «يمكننا القول إن تأثير العقوبات الأولى قد مر، ولا سيما الآثار على القطاع المالي». وتضيف «نجحت روسيا في الاستعداد والتأقلم مع العقوبات».
أدى التباعد الدبلوماسي والاقتصادي مع الغرب إلى تسريع التقارب مع الصين، جارة روسيا التي تستهلك الكثير من الطاقة والتي تشترك معها بحدود تزيد على 4 آلاف كيلومتر.
وتقول نتاليا زوباريفيتش الخبيرة الاقتصادية في جامعة موسكو الحكومية لوكالة الصحافة الفرنسية، إنه في مواجهة سوق أوروبية بعيدة المنال عملياً، «تضطر الشركات إلى إيجاد بدائل في أسواق أخرى، ولا سيما في آسيا وتركيا».
وأعلنت موسكو وبكين عن رغبتهما في وضع عقود الغاز بينهما بالروبل واليوان، الأمر الذي يعد انتصاراً لروسيا عبر «إزالة الدولار» من اقتصادها.
فضلاً عن ذلك، أشادت موسكو بإعلان تحالف «أوبك+» الأسبوع الماضي عن رغبته في خفض إنتاجه النفطي بشكل حاد، الأمر الذي أثار استياء واشنطن، في الوقت الذي قد تستفيد فيه موسكو من ارتفاع أسعار الذهب الأسود.
ويأتي كل ذلك فيما ساهمت الصعوبات التي واجهها الأوروبيون ومجموعة الدول السبع لتحديد سعر النفط الروسي، في تذليل العقبات التي قد يواجهها الاقتصاد الروسي.
لكن من الناحية الهيكلية، سيجد الاقتصاد الروسي نفسه أكثر اعتماداً على مكاسب الطاقة المفاجئة، في حين أن القطاعات ذات القيمة المضافة العالية ستواجه المزيد من التراجع.
ومن المرجح أن تؤدي العزلة المتزايدة إلى إثقال كاهل الذين يعتمدون على الدول الأجنبية من الناحية التكنولوجية، لا سيما أن الوعود بالمنتجات الروسية البديلة لا تزال محصورة بالمستوى النظري.
ويأتي ذلك فيما تواجه روسيا نقصاً في الأجزاء اللازمة للتجميع أصاب إنتاج السيارات. ففي منتصف سبتمبر مثلاً، أغلقت شركة تويوتا اليابانية مصنع التجميع الخاص بها في سانت بطرسبرغ (شمال غرب)، بسبب نقص المكونات الإلكترونية.
وتقدر إلينا ريباكوفا أن «حوالي 50 في المائة من الشركات المتضررة من العقوبات لا تزال تجد صعوبة في العثور على موردين بديلين». ونتيجة لذلك، قررت روسيا تخفيف معايير السلامة والمعايير البيئية للمركبات المنتجة في البلاد.
لكن في وثيقة عمل صادرة عن وزارة الصناعة والتجارة الروسية تسرب مضمونها إلى الصحافة الروسية، أعرب المسؤولون أخيراً عن انزعاجهم من التأخير «10 إلى 15 عاماً» في صناعة التكنولوجيا الروسية، ومن «الاعتماد» على الإنتاج الأجنبي والنقص في العمالة.
يبقى هناك مصدر قلق آخر يتمثل في الحظر الأوروبي على النفط الروسي المقرر في الخامس من ديسمبر (كانون الأول)، والذي يسبق الحظر المقرر على المنتجات المكررة في فبراير (شباط) 2023، في الوقت الذي يعتمد فيه الاقتصاد الروسي بشكل خاص على الوقود.
وتجدر الإشارة إلى أنه بين يناير (كانون الثاني) وأغسطس (آب) 2022 كان أكثر من 40 في المائة من الإيرادات الفيدرالية يأتي من بيع الغاز والنفط، وفقاً لوزارة المال الروسية.


مقالات ذات صلة

أوكرانيا وروسيا تتبادلان الهجمات بالمسيّرات

أوروبا شرطيان أوكرانيان يعاينان سيارة محترقة في مدينة خاركيف بعد قصف روسي (د.ب.أ)

أوكرانيا وروسيا تتبادلان الهجمات بالمسيّرات

قال مسؤولون روس، اليوم السبت، إن موجات من الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيرة ​أدت إلى مقتل سبعة عمال في مستودع.

«الشرق الأوسط» (موسكو - أوديسا)
أوروبا وزير الدفاع المُقال ميخايلو فيدوروف (أ.ب)

موسكو تهدد باستهداف قوات «تحالف الراغبين»

هددت موسكو باستهداف أي قوات عسكرية تابعة لـ«تحالف الراغبين»، ورأت أن نشرها في أوكرانيا هو أمر غير مقبول، مؤكدة أن روسيا ستعدّهم أهدافاً عسكرية مشروعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا ميرتس وزيلينسكي وماكرون وستارمر (أ.ب)

برلين تقبل الانخراط في قوة الردع النووية الفرنسية

برلين تقبل الانخراط في قوة الردع النووية الفرنسية، وألمانيا ستشارك في 2026 بتدريب نووي فرنسي، وماكرون ينفي تمويلاً ألمانياً لبرنامج الردع النووي لبلاده.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا وزيرا الخارجية الأوكراني أندري سيبيها والتركي هاكان فيدان خلال مؤتمر صحافي في كييف الخميس (الخارجية التركية-إكس)

تركيا وأوكرانيا تؤكدان ضرورة عودة مسار إسطنبول لإنهاء الحرب مع روسيا

أبدت تركيا وأوكرانيا توافقاً بشأن ضرورة استعادة مسار مفاوضات إسطنبول الرامية إلى إنهاء حرب روسيا وأوكرانيا ومنع امتدادها إلى منطقة البحر الأسود

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا سيرغي كوريتسكي رئيس مجموعة «نافتوغاز» الحكومية للطاقة رئيساً للوزراء (أ.ف.ب)

موسكو تهدد باستهداف أي قوات عسكرية لـ«تحالف الراغبين» في أوكرانيا

موسكو تهدد باستهداف أي قوات عسكرية لـ«تحالف الراغبين» في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«أكوا» تقود الرهان السعودي على صادرات الهيدروجين الأخضر

مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر (نيوم)
مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر (نيوم)
TT

«أكوا» تقود الرهان السعودي على صادرات الهيدروجين الأخضر

مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر (نيوم)
مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر (نيوم)

تفتح السعودية فصلاً جديداً في استراتيجيتها لتنويع صادرات الطاقة، عبر إسناد مهمة تصدير الهيدروجين الأخضر ومشتقاته إلى «أكوا»، إلى جانب تطوير مشاريع الربط الكهربائي النظيف مع أوروبا، والعالم العربي.

وتعزز هذه الخطوة توجه المملكة نحو ترسيخ حضورها في أسواق الطاقة منخفضة الكربون، مستفيدةً من التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، والوقود النظيف، وفي مقدمتها مشروع «نيوم» للهيدروجين الأخضر، الذي يُعد من أكبر المشاريع من نوعه عالمياً، ويُنتظر أن يشكل ركيزة رئيسة للصادرات السعودية المستقبلية.

وبحسب إفصاح شركة «أكوا» إلى السوق المالية السعودية (تداول)، فقد صدرت موافقة حكومية بمنح الشركة الحق الحصري لتصدير الهيدروجين الأخضر، ومشتقاته، بما يشمل الأمونيا الخضراء، والميثانول الأخضر، والميثان الأخضر، إضافة إلى أنواع الوقود المصنعة باستخدام الهيدروجين الأخضر، في إطار دعم المستهدفات الوطنية في قطاع الطاقة النظيفة.

مبنى شركة «أكوا» (الشركة)

كما تضمّن التوجيه الحكومي تكليف الشركة بتطوير مشاريع إنتاج ونقل وتصدير الكهرباء المولدة من مصادر الطاقة المتجددة، وإنشاء خطوط الربط اللازمة لنقلها إلى الأسواق الأوروبية، والدول العربية، في خطوة من شأنها تعزيز موقع المملكة مركزاً إقليمياً وعالمياً للطاقة.

ويرى مستشار الطاقة والمدير السابق لقسم المعلومات في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، فؤاد الزاير، أن اختيار «أكوا» لهذه المهمة يتماشى مع حجمها، ومكانتها في القطاع، موضحاً أنها تعد أكبر شركة للطاقة وتحلية المياه في الشرق الأوسط، وتمتلك أصولاً تتجاوز 124 مليار دولار، وقدرات إنتاجية تقارب 98 غيغاواط، منها أكثر من 52 غيغاواط من مصادر الطاقة المتجددة، إضافة إلى محفظة مشاريع في 15 دولة.

وقال الزاير لـ«الشرق الأوسط» إن القرار يعزز موقع الشركة في قطاع الهيدروجين الأخضر الذي تراهن عليه المملكة بوصفه من أهم ركائز التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تأتي في وقت يترقب فيه العالم تشغيل أكبر مشروع للهيدروجين الأخضر في المملكة خلال العام الحالي، وهو ما سيدعم مكانة السعودية لاعباً رئيساً في سوق الوقود منخفض الانبعاثات.

وأضاف أن المملكة تمتلك مقومات تجعل الاستثمار في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر مجدياً اقتصادياً، في ظل وفرة موارد الطاقة الشمسية، والرياح، لافتاً إلى أن مستهدفات «رؤية 2030» تتضمن رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى نحو 50 في المائة من مزيج إنتاج الكهرباء بحلول نهاية العقد.

وأوضح الزاير أن قطاع الطاقة المتجددة يمثل أحد المحركات الرئيسة لتنويع الاقتصاد السعودي، وزيادة مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، مشيراً إلى أن المملكة تستهدف الوصول إلى 130 غيغاواط من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، مع خطط لتصدير الكهرباء الخضراء والهيدروجين إلى الأسواق الخارجية، بما يدعم النمو الاقتصادي، ويوفر فرص عمل جديدة.

وتعزز هذه التوجهات مكانة مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر الذي سيكون قادراً عند اكتماله على إنتاج نحو 600 طن يومياً من الهيدروجين الأخضر في صورة أمونيا خضراء، فيما يُتوقع أن تبدأ أولى شحنات التصدير في عام 2027، وهو ما يمهد لدخول المملكة سوق تجارة الهيدروجين العالمية على نطاق واسع.

مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر (أكوا)

السعودية تستهدف أسواق أوروبا

وفيما يتعلق بالأسواق المستهدفة، يرى الزاير أن أوروبا تمثل فرصة كبيرة للصادرات السعودية في ظل سعيها إلى تأمين مصادر طاقة منخفضة الكربون، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. وأشار إلى أن موقع المملكة الجغرافي ومشاريعها الضخمة في شمال غربي البلاد يمنحانها ميزة تنافسية للوصول إلى الأسواق الأوروبية.

وأضاف أن السعودية عززت حضورها الدولي في هذا المجال عبر اتفاقيات تعاون، وشراكات مع عدد من الدول، من بينها إيطاليا، وفرنسا، وكوريا الجنوبية، بهدف تطوير سلاسل إمداد، وبنية تحتية تدعم تجارة الهيدروجين الأخضر عالمياً.

وأكد أن المملكة تمتلك مزايا تنافسية إضافية تتمثل في انخفاض تكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، وتوافر مساحات واسعة لتطوير المشروعات الضخمة، مشيراً إلى أن دراسات أظهرت أن تكلفة إنتاج الهيدروجين في السعودية تقل بنحو 25 في المائة مقارنة بألمانيا، ما يعزز قدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية خلال السنوات المقبلة.

تحديات تواكب النمو

ومع تسارع نمو القطاع يبرز استكمال البنية التحتية، وتوسيع الاستثمارات من أهم المتطلبات الرئيسة لدعم الإنتاج والتصدير، وفق الزاير، الذي أشار إلى أهمية تطوير مرافق النقل، والتخزين، ومحطات التحليل الكهربائي.

محطة نور 3 للطاقة الشمسية المركزة في المغرب (أكوا)

وأضاف أن استمرار التوسع يتطلب أيضاً تطوير حلول لتوفير المياه في المناطق الجافة، إلى جانب تقنيات ولوجستيات متقدمة تضمن نقل الهيدروجين بكفاءة وأمان إلى الأسواق المستهدفة.

ومع ذلك، يرى الزاير أن تصدير الكهرباء المتجددة والهيدروجين الأخضر سيُحدث تحولاً في دور المملكة خلال العقد المقبل، موضحاً أن السعودية تسعى لأن تكون مورداً موثوقاً لجميع أنواع الطاقة، وليس للنفط فقط.

وأضاف أن التوسع في الطاقة المتجددة سيتيح خفض استهلاك النفط الخام في توليد الكهرباء محلياً، ما يتيح كميات أكبر للتصدير، وبالتوازي مع بناء مصادر دخل جديدة من الطاقة النظيفة.


الذهب في مهب التقلبات... هل تشتري الآن أم تنتظر؟

صائغ يفحص مشغولات ذهبية في إحدى مدن شرق السعودية (الشرق الأوسط)
صائغ يفحص مشغولات ذهبية في إحدى مدن شرق السعودية (الشرق الأوسط)
TT

الذهب في مهب التقلبات... هل تشتري الآن أم تنتظر؟

صائغ يفحص مشغولات ذهبية في إحدى مدن شرق السعودية (الشرق الأوسط)
صائغ يفحص مشغولات ذهبية في إحدى مدن شرق السعودية (الشرق الأوسط)

بين بريق الملاذ الآمن وتذبذب الأسواق العالمية، يقف المستهلك اليوم أمام معضلة اقتصادية كلاسيكية: هل حان الوقت لشراء الذهب، أم أن التريث هو الخيار الأذكى؟ ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية وتقلب توقعات الفائدة الأميركية، يعيد خبراء المال رسم خريطة الطريق للمدخرين والمستثمرين، مؤكدين أن الإجابة تعتمد بالدرجة الأولى على تحديد الهدف من الشراء، والفهم الدقيق للفارق الجوهري بين بريق السبائك وتفاصيل المجوهرات.

يؤكد خبراء المال لـ«الشرق الأوسط» أن الإجابة تختلف باختلاف الهدف، وأن الفارق بين السبائك والمشغولات الذهبية أكبر بكثير مما يعتقده عامة المستهلكين.

يرى أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في «ساكسو بنك»، أن المدخر طويل الأجل ينبغي ألا ينشغل كثيراً بمحاولة اقتناص أفضل نقطة للدخول، بل بالغاية الأساسية من امتلاك الذهب، موضحاً أن المعدن الأصفر لا يزال يمثل أداة فعالة لتنويع المحافظ الاستثمارية، والتحوط ضد التقلبات الجيوسياسية، وتراجع قيمة العملات، والتضخم طويل الأجل، وهي عوامل ما زالت تدعم الذهب رغم التصحيح الأخير في الأسعار.

ويشير هانسن إلى أن الصورة على المدى القصير تبدو أكثر تعقيداً؛ إذ يمر الذهب حالياً بمرحلة تماسك بعد تراجع تصحيحي، في وقت تواجه فيه الأسواق احتمالين متناقضين؛ فارتفاع أسعار الطاقة قد يبقي التضخم مرتفعاً، ويدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على سياساتها النقدية المتشددة، وهو ما يضغط عادة على الذهب عبر ارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار.

وفي المقابل، قد يؤدي استمرار أزمة الطاقة إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وزيادة اضطرابات الأسواق المالية، بما يعيد الطلب على الذهب باعتباره ملاذاً آمناً.

وبناءً على هذه المعطيات، يتوقع هانسن أن يتحرك الذهب ضمن نطاق يتراوح بين 3950 و4200 دولار للأوقية، معتبراً أن أفضل استراتيجية للادخار طويل الأجل تتمثل في الشراء التدريجي على مراحل، بدلاً من ضخ كامل السيولة في عملية شراء واحدة، بما يقلل مخاطر توقيت السوق ويتيح الاستفادة من أي موجة صعود مستقبلية.

مشغولات ذهبية معروضة في أحد محال الذهب بالسعودية (الشرق الأوسط)

ومن زاوية أخرى، يلفت هانسن إلى أن السعر العالمي يمثل أساس تسعير جميع المنتجات الذهبية، لكنه لا يشكل سوى جزء من السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك؛ فالسبائك والعملات الذهبية ترتبط مباشرة بالسعر الفوري، مع إضافة تكاليف التصنيع وهوامش التوزيع والشحن والتأمين والضرائب، إن وُجدت، ولذلك تنعكس عليها تحركات الأسواق العالمية بسرعة كبيرة.

أما المجوهرات، فيوضح أنها تختلف جذرياً؛ إذ إن جزءاً كبيراً من قيمتها يعود إلى التصميم والحرفية والعلامة التجارية والتسويق والأحجار الكريمة والتكاليف التشغيلية، وهي عناصر لا تتحرك مع أسعار الذهب في البورصات. ولهذا يكون تأثير ارتفاع أو انخفاض الذهب العالمي أقل وضوحاً على السعر النهائي للمشغولات؛ ما يجعل السبائك الخيار الأكثر كفاءة للمستثمر الذي يستهدف الاستفادة المباشرة من تحركات الأسعار، بينما تمثل المجوهرات منتجاً يجمع بين القيمة المالية والاستهلاكية.

التوقيت المثالي

ويتفق مادور كاكار، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «إليفيت للخدمات المالية»، مع هذه الرؤية، مؤكداً أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان اليوم هو التوقيت المثالي للشراء، بل ما إذا كان الذهب يستحق أن يكون جزءاً من المحفظة الاستثمارية، مشيراً إلى أن محاولة تحديد القاع السعري بدقة غالباً ما تكون رهاناً يخسره المستثمرون.

ويضيف أن الذهب لا يزال يُتداول دون ذروته الأخيرة، لكنه يحذر في الوقت نفسه من استمرار بعض الضغوط قصيرة الأجل، في ظل التضخم المرتفع، وتأجيل توقعات خفض أسعار الفائدة، وتصاعد الحديث عن احتمال عودة الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع الفائدة، وهي عوامل قد تدعم الدولار وعوائد السندات، وتضغط مؤقتاً على الذهب.

ورغم ذلك، يؤكد كاكار أن الأسس طويلة الأجل لم تتغير، مع استمرار البنوك المركزية في تنويع احتياطياتها، وتنامي الاتجاه العالمي لتقليل الاعتماد على الدولار، واستمرار التوترات الجيوسياسية، فضلاً عن توقعات مؤسسات مالية عالمية بارتفاع أسعار الذهب على المدى المتوسط. لذلك، فإنه يفضل بناء المراكز الاستثمارية تدريجياً عبر عمليات شراء منتظمة، بدلاً من انتظار السعر المثالي، مؤكداً أن الذهب يؤدي دوره التاريخي في حفظ القوة الشرائية وتنويع المخاطر أكثر من كونه أداة لتحقيق أرباح سريعة.

وفيما يتعلق بالفارق بين السبائك والمجوهرات، يوضح كاكار أن السبائك الاستثمارية من عيار 24 قيراطاً تعكس بصورة شبه مباشرة تحركات الأسعار العالمية، باستثناء هامش بسيط للموزع، بينما تتضمن المجوهرات عناصر تكلفة إضافية تشمل المصنعية والتصميم والعلامة التجارية والأحجار الكريمة والضرائب، وهو ما يقلل أثر تقلبات الذهب على السعر النهائي.

ويشير إلى أن هذا الفارق يتضح بصورة أكبر عند إعادة البيع؛ إذ تسترد السبائك قيمتها قريباً من السعر السائد في السوق، بينما تباع المجوهرات عادة وفق وزن الذهب الصافي فقط، دون استرداد تكاليف المصنعية، معتبراً أن السبائك تمثل استثماراً مالياً خالصاً، في حين تجمع المجوهرات بين الاستثمار والاستهلاك الشخصي والقيمة العاطفية.

سبائك الذهب بعد فحصها وتلميعها في مصفاة بسيدني (أ.ف.ب)

جدوى الشراء

من جانبه، يرى فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في شركة «سنشري فاينانشيال»، أن الارتفاعات الكبيرة التي شهدها الذهب خلال العام الماضي دفعت كثيراً من المستهلكين إلى التساؤل حول جدوى الشراء حالياً، لكنه يؤكد أن الذهب لا يزال خياراً مناسباً للراغبين في حفظ الثروة على المدى الطويل، حتى مع استمرار التقلبات قصيرة الأجل المرتبطة بأسعار الفائدة الأميركية والتطورات الجيوسياسية.

ويستند فاليشا في تفاؤله إلى استمرار الطلب القوي من البنوك المركزية، مشيراً إلى بيانات مجلس الذهب العالمي التي تُظهِر احتفاظها بمركز المشتري الصافي للذهب طوال السنوات الخمس عشرة الماضية، مع تجاوز مشترياتها ألف طن سنوياً خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، بما يعكس استمرار النظر إلى الذهب باعتباره أصلاً احتياطياً استراتيجياً يدعم الأسعار على المدى الطويل.

كما يشير إلى انتعاش الطلب الاستثماري العالمي؛ إذ ارتفع بنسبة 84 في المائة خلال عام 2025 ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 2175 طناً، مدعوماً بالتدفقات إلى صناديق المؤشرات المتداولة، إضافة إلى الطلب المستمر على السبائك والعملات الذهبية، في وقت تسهم فيه المخاوف الجيوسياسية وارتفاع الديون الحكومية والتوقعات بانخفاض أسعار الفائدة مستقبلاً في تعزيز جاذبية المعدن الأصفر.

ولا يستبعد فاليشا حدوث تراجعات مؤقتة، إذا واصل الدولار الأميركي صعوده أو تأجل خفض أسعار الفائدة، لكنه يعد هذه التحركات جزءاً طبيعياً من دورة الأسواق، مشدداً على أن المستثمر طويل الأجل لا يحتاج إلى انتظار اللحظة المثالية، وأن الشراء الدوري بمبالغ صغيرة يبقى أفضل وسيلة لتخفيف أثر التقلبات والاستفادة من القيمة التاريخية للذهب كملاذ آمن.

ويؤكد فاليشا أن أسعار السبائك والعملات الذهبية، المصنوعة غالباً من ذهب عيار 24 قيراطاً، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسعر العالمي، رغم إضافة تكلفة تصنيع محدودة، كما يمكن إعادة بيعها بأسعار قريبة من السعر السائد؛ ما يسمح للمستثمر بالاستفادة من معظم مكاسب السوق.

أما المشغولات الذهبية، فيشير إلى أن سعرها النهائي يتأثر بعوامل إضافية، تشمل المصنعية والضرائب، فضلاً عن كونها تُصنع غالباً من عيارات أقل مثل 22 و21 و18 قيراطاً، وهو ما يقلل نسبة الذهب الخالص فيها. وعند إعادة البيع، لا تُسترد عادة سوى قيمة الذهب الصافي، بينما تبقى تكاليف المصنعية والضرائب تكلفة لا يمكن استعادتها، ما يجعل العائد الاستثماري للمجوهرات أقل بكثير من السبائك.

جاذبية الذهب

وتتقاطع آراء الخبراء الثلاثة في فكرة واحدة؛ أن التقلبات الحالية لا تلغي جاذبية الذهب كأداة للادخار طويل الأجل، لكنها تدفع إلى تبني الشراء التدريجي بدلاً من محاولة اقتناص القاع السعري.

كما يميزون بوضوح بين الاستثمار في السبائك، الذي يعكس تحركات السوق بصورة مباشرة، وشراء المجوهرات، الذي يبقى قراراً يجمع بين الاعتبارات الاستثمارية والذوق الشخصي والقيمة العاطفية.


شركات نفط أجنبية ترى مستقبلاً واعداً في العراق وتوقع اتفاقات جديدة

الزيدي يلتقي بأعضاء مجلس إدارة «إكسون موبيل» بمقر الشركة في مدينة هيوستن - 17 يوليو 2026 (المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء العراقي - رويترز)
الزيدي يلتقي بأعضاء مجلس إدارة «إكسون موبيل» بمقر الشركة في مدينة هيوستن - 17 يوليو 2026 (المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء العراقي - رويترز)
TT

شركات نفط أجنبية ترى مستقبلاً واعداً في العراق وتوقع اتفاقات جديدة

الزيدي يلتقي بأعضاء مجلس إدارة «إكسون موبيل» بمقر الشركة في مدينة هيوستن - 17 يوليو 2026 (المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء العراقي - رويترز)
الزيدي يلتقي بأعضاء مجلس إدارة «إكسون موبيل» بمقر الشركة في مدينة هيوستن - 17 يوليو 2026 (المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء العراقي - رويترز)

وقعت شركات طاقة غربية مساء الجمعة، عشرات الاتفاقات مع مسؤولين عراقيين في مجالات النفط والغاز وخطوط الأنابيب، في الوقت الذي يسعى فيه العراق، العضو بمنظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، إلى تعميق علاقاته مع الولايات المتحدة وتطوير بدائل لمضيق هرمز لتصدير موارده من الطاقة إلى الأسواق العالمية.

وقال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، عبر مترجم، خلال قمة الأعمال الأميركية - العراقية التي استضافتها غرفة التجارة الأميركية، إن حكومته تتبنى سياسة «الباب المفتوح»، وذلك خلال فعالية شهدت توقيع مسؤولين عراقيين وشركات أميركية في قطاعات الطاقة والرعاية الصحية والتكنولوجيا، اتفاقات غير ملزمة ومذكرات تفاهم تتجاوز قيمتها 60 مليار دولار.

وأضاف الزيدي: «أي جهة لديها مشروع يمكنها أن تأتي وتتحدث إلينا. لن نجعل الأمر صعباً على أحد»، حسبما نقلت «رويترز».

وخيمت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران بظلالها على منطقة الشرق الأوسط.

وقال توم برّاك، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى المنطقة، إن الحرب تسببت من ناحية في فوضى وارتباك، لكنها جعلت العراق من ناحية أخرى «في طليعة تحالف أمني استراتيجي جديد» مع الولايات المتحدة وآخرين.

وزار الزيدي يوم الخميس المقر الرئيسي لشركة «شيفرون» في هيوستن، قبل أن يوقع مسؤولون عراقيون اتفاقات مع الشركة النفطية العملاقة للمضي قدماً في خطط دخولها المحتمل إلى حقلي «غرب القرنة 2» و«الناصرية» النفطيين.

وقال جيك سبيرينج، رئيس تطوير الأعمال المؤسسية في «شيفرون»، خلال الفعالية، إن الشركة ستستثمر في خط أنابيب يتيح تجنب المرور عبر مضيق هرمز، ويفتح مساراً بديلاً لصادرات النفط العراقية. وأضاف أن الخط قد ينقل النفط العراقي إلى الساحل الغربي لسوريا المطل على البحر المتوسط.

وتضررت صادرات العراق بشدة جراء الحرب، ويرجع ذلك في جانب منه إلى الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز الذي يمر عبره عادة نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية.

وقال سبيرينج إن الإمكانات الكبيرة لقطاع الطاقة العراقي قد تجعل العراق، على المدى الطويل، مركزاً إقليمياً في الشرق الأوسط يضاهي مراكز تداول الطاقة الأميركية المعروفة؛ مثل مركز «هنري هب للغاز الطبيعي» ومركز «كوشينج للنفط».

وأعلنت شركة «كونوكو فيليبس» أنها اتفقت على الاستحواذ على حصة تبلغ 42 في المائة في شركة «بي بي إنيرجي أوف كركوك»، لتنضم إلى شركة النفط البريطانية العملاقة «بي بي» في مشروع إعادة تطوير 4 حقول نفطية منتجة بشمال العراق.

«بي بي» ترى إمكانات كبيرة

قالت ميغ أونيل الرئيسة التنفيذية لشركة «بي بي»، إن العراق يتمتع «بإمكانات هائلة من منظور الموارد»، مضيفة أن هذه الشراكات تسهم في تعزيز أمن الطاقة العراقي والعالمي.

وتتمتع الشركة بتاريخ طويل في العراق؛ إذ شاركت في اكتشاف حقل كركوك عام 1927.

وقال رايان لانس الرئيس التنفيذي لشركة «كونوكو فيليبس»، إن شركته لا تمتلك التاريخ نفسه الذي تتمتع به «بي بي» في العراق، لكنها تملك خبرة واسعة في العمل ببيئات صعبة؛ مثل منطقة نورث سلوب في ولاية ألاسكا.

وأضاف: «نتطلع إلى جلب تقنياتنا وخبراتنا وكوادرنا ورؤوس أموالنا للمساهمة في دعم الشعب العراقي».

وخلال زيارته للولايات المتحدة، التي تستمر 5 أيام، التقى الزيدي بالرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض يوم الثلاثاء. وقال ترمب إن الولايات المتحدة ستبرم كثيراً من الصفقات مع العراق، بما يسهم في توفير فرص عمل في كلا البلدين.