كوريا الشمالية تطلق صاروخين جديدين وتحمِّل سيول وواشنطن المسؤولية

تعمق الخلافات في مجلس الأمن حول أسباب التصعيد

من اجتماع مجلس الأمن الأخير (رويترز)
من اجتماع مجلس الأمن الأخير (رويترز)
TT

كوريا الشمالية تطلق صاروخين جديدين وتحمِّل سيول وواشنطن المسؤولية

من اجتماع مجلس الأمن الأخير (رويترز)
من اجتماع مجلس الأمن الأخير (رويترز)

تراشقت الولايات المتحدة وحلفاؤها من جهة، وروسيا والصين من الجهة الأخرى، بالاتهامات خلال جلسة سجالية عقدها مجلس الأمن مساء أمس (الأربعاء)، ودلّت مجدداً على إخفاق أقوى المنتديات الدولية في اتخاذ موقف موحد حيال كيفية التعامل مع إطلاق كوريا الشمالية المزيد من الصواريخ الباليستية، واستعدادها لإجراء تجربة نووية جديدة، في انتهاك واضح لقرارات الأمم المتحدة.
وأطلقت كوريا الشمالية صباح اليوم (الخميس)، صاروخين باليستيين قصيري المدى باتجاه البحر، مؤكّدة أنّ تجاربها الصاروخية هذه هي «الإجراء المناسب للردّ» على المناورات العسكرية المشتركة بين كوريا الجنوبية والولايات المتّحدة. وأعلن الجيش الكوري الجنوبي في سيول، أنّ الصاروخين أُطلقا من مشارف بيونغ يانغ باتجاه «بحر الشرق» الذي يُعرف أيضاً باسم «بحر اليابان». وقطع الصاروخ الأول 350 كيلومتراً، وحلّق على ارتفاع أقصى يبلغ نحو 80 كيلومتراً، حسب تحليل الجيش الكوري الجنوبي. وحلق الصاروخ الثاني 800 كيلومتر على ارتفاع 60 كيلومتراً.
وأدان رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا، إطلاق الصاروخين، مؤكداً أن هذه التجربة السادسة من نوعها خلال أسبوعين «غير مقبولة إطلاقاً».
وكان الصاروخ «هواسونغ - 12» قد حلق (الثلاثاء) فوق اليابان وقطع نحو 4600 كيلومتر في أطول مسافة على الأرجح تسجلها بيونغ يانغ في تجاربها، حسب سيول وواشنطن. وكانت تلك المرة الأولى منذ خمس سنوات التي تحلق فيها قذيفة كورية شمالية فوق الأراضي اليابانية. ودفعت هذه التجربة طوكيو إلى تفعيل نظام الإنذار والطلب من سكان بعض المناطق الاحتماء.
وقالت بيونغ يانغ في بيان الخميس، إن عمليات الإطلاق هذه هي «إجراءات الرد الصحيحة للجيش الشعبي الكوري على المناورات العسكرية المشتركة بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة التي تؤدي إلى تصعيد للتوتر العسكري في شبه الجزيرة الكورية».
ورغم تحذيرات الدول التي طلبت انعقاد جلسة مجلس الأمن، وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والنروج وآيرلندا وألبانيا وغيرها، من أن عدم القدرة على التوافق في شأن العدد القياسي لإطلاق كوريا الشمالية للصواريخ هذا العام «كان بمثابة تشجيع لكوريا الشمالية»، أصرت روسيا والصين على أن التدريبات العسكرية التي تقودها أميركا في المنطقة دفعت كوريا الشمالية إلى عمليات الإطلاق، التي تفيد الأمم المتحدة بأنها بلغت 41 صاروخاً باليستياً حتى الآن هذا العام، بما فيها أحدث تسع عمليات في الأيام العشرة الأخيرة، علماً بأن المخاوف متزايدة من إجراء كوريا الشمالية تجربة نووية ستكون هي السابعة للدولة الشيوعية المعزولة.

دعوات بلينكن
وخلال زيارته تشيلي، قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، إن بلاده وكوريا الجنوبية واليابان تعمل بشكل وثيق «لإظهار وتعزيز قدراتنا الدفاعية والردعية في ضوء التهديد من كوريا الشمالية»، مكرراً دعوة واشنطن لبيونغ يانغ من أجل «العودة إلى الحوار». وأضاف أنه «إذا استمروا في هذا الطريق، فلن يؤدي ذلك إلا إلى زيادة الإدانة وزيادة العزلة وزيادة الخطوات التي تُتخذ رداً على أفعالهم».
وعُقدت الجلسة المفتوحة لمجلس الأمن في نيويورك من أجل النظر في تكرار التجارب الصاروخية من جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية، (الاسم الرسمي لكوريا الشمالية). واستمع أعضاء المجلس خلالها إلى إحاطة من الأمين العام المساعد للأمم المتحدة لـ«الشرق الأوسط» وآسيا والمحيط الهادئ خالد خياري، حول أحدث التطورات المتعلقة بالوضع في شبه الجزيرة الكورية.

«عمل طائش»
ووصف خياري إحدى عمليات الإطلاق الأخيرة بأنها «الأولى التي تطلق فيها كوريا الشمالية صاروخاً باليستياً فوق الأراضي اليابانية منذ 15 سبتمبر (أيلول) 2015»، معبراً عن «التنديد الشديد» بهذا «العمل الطائش» الذي يمثل «انتهاكاً واضحاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة». وحذر من أن هذا «يمكن أن يؤدي إلى تصعيد كبير للتوترات في المنطقة وخارجها»، مضيفاً أن «من دواعي القلق الشديد أن كوريا الشمالية تجاهلت مرة أخرى أي اعتبار لسلامة الطيران الدولي أو السلامة البحرية». وكرر مطالبة الأمين العام أنطونيو غوتيريش لكوريا الشمالية بـ«الوقف الفوري لأي أعمال مزعزعة للاستقرار والامتثال التام لالتزاماتها الدولية بموجب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة»، وحضها على «اتخاذ خطوات لاستئناف الحوار مع الأطراف الرئيسية المعنية بهدف تحقيق سلام مستدام وإخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية بشكل كامل ويمكن التحقق منه».
ونقل عن المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» رافاييل غروسي أن «هناك مؤشرات على أن موقع بونغيري للتجارب النووية لا يزال نشطاً ومستعداً لدعم تجربة نووية»، فضلاً عن أن الوكالة المتخصصة تواصل مراقبة نشاطات البناء في «مركز يونغ بيون للأبحاث النووية»، بالإضافة إلى مؤشرات على تشغيل المفاعل النووي بقدرة خمسة ميغاواط. ونقل عن الأمين العام «قلقه البالغ» من اعتماد مجلس الشعب الكوري الشمالي في سبتمبر الماضي قانوناً بعنوان «سياسة جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية في شأن القوى النووية»، مذكّراً بأن «زيادة دور الأسلحة النووية وأهميتها في المبادئ الأمنية يتعارض مع عقود من الجهود التي بذلها المجتمع الدولي لتقليل المخاطر النووية والقضاء عليها».
وشدد على أن «استمرار وجود الأسلحة النووية يزيد من خطر التصعيد غير المقصود أو سوء التقدير”. وحض كوريا الشمالية على «إعادة ضبط مسار الحوار والبناء على الجهود الدبلوماسية السابقة»، مؤكداً أن غوتيريش «يجدد تأكيد التزامه العمل مع كل الأطراف من أجل سلام مستدام ونزع السلاح النووي بشكل كامل وقابل للتحقق من شبه الجزيرة الكورية». وشجع الدول المعنية على الدخول في حوار مع كوريا الشمالية «من دون شروط مسبقة»، مشدداً على أن «وحدة مجلس الأمن في هذا الشأن ضرورية لتخفيف التوترات وتجاوز المأزق الدبلوماسي وتجنب دورة الفعل وردّ الفعل السلبية».

مناورات «غير مسؤولة»
وحملت نائبة المندوب الروسي آنا إيفستينييفا، على المناورات «غير المسؤولة» التي تقودها الولايات المتحدة، وتحالفاتها مع شركائها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، معتبرة أن هذا ما دفع كوريا الشمالية إلى اتخاذ إجراءات. وكذلك وصف نائب المندوب الصيني جينغ شوانغ، ما يحصل بأنها مواجهة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، مطالباً واشنطن باتباع «نهج أكثر تصالحاً» مع بيونغ يانغ.
في المقابل، رأت المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد، أن «عضوين دائمين في مجلس الأمن مكّنا كيم جونغ أون»، حاملةً على روسيا والصين لدعمهما الزعيم الكوري الشمالي. وأضافت أن عمليات إطلاق الصواريخ هذا العام حصلت من دون أي تدريبات عسكرية أميركية متزامنة أو أي محفزات واضحة أخرى، واصفة كوريا الشمالية بأنها «تصعد بمبادرة ذاتية». وقالت: «لن نتسامح مع أي دولة تلقي باللوم على أفعالنا الدفاعية (...) على أنها سبب متأصل لهذه التهديدات». وأكدت أن الولايات المتحدة «لن تقف مكتوفة لأن كوريا الشمالية تهدد بشكل مباشر الولايات المتحدة وحلفاءها».

«الصدقية على المحك»
قال نائب المندوب الياباني الدائم لدى الأمم المتحدة هيروشي مينامي، إنه «يجب أن يدرك هذا المجلس أنه يجري اختباره وأن صدقيته على المحك»، مطالباً المجلس بلا جدوى بالعودة إلى «موقفه الموحد السابق» في شأن إطلاق كوريا الشمالية للصواريخ.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».