تذكرة مترو باريس تودع محطاتها بعد 122 عاماً من العطاء

آلة بيع تذاكر المترو في باريس (شاترستوك)
آلة بيع تذاكر المترو في باريس (شاترستوك)
TT

تذكرة مترو باريس تودع محطاتها بعد 122 عاماً من العطاء

آلة بيع تذاكر المترو في باريس (شاترستوك)
آلة بيع تذاكر المترو في باريس (شاترستوك)

لطالما كانت تذكرة المترو الورقية العتيقة مصدر إلهام لصانعي الأفلام وكتاب الأغاني الفرنسيين، ولطالما استخدمت كفاصل بين صفحات الكتب، وها قد أوشكت اليوم، على الوصول إلى نهاية الخط.
تعمل هيئة النقل العام في باريس، على التخلص التدريجي من قطعة الكرتون المستطيلة التي أبقت مسافري العاصمة في حالة تنقل دائم على مدار الـ122 عاماً الماضية.
بعد 20 عاماً من نهاية استخدام التذكرة الورقية في قطار أنفاق نيويورك وبداية استخدام القطع المعدنية، ها هي تذكرة المترو التي يبلغ قيإسها 6.5 سم × 3 سم بشريطها المغناطيسي البني تبلغ رحلتها التاريخية الأخيرة بلا عودة. عبر القنال الإنجليزي، لا تزال لندن تسمح بشراء التذاكر الورقية الفردية ذهاباً وإياباً في شبكة الأنفاق الخاصة بها، ولكنها تفرض رسوماً تقترب من ضعف تكلفة تذكرة الذروة التي تعمل من دون لمس. وفق موقع «الغارديان» البريطاني.
كانت «سلطة النقل الإقليمية» في منطقة «إيل دو فرانس»، التي تعد باريس جزءاً منها، تأمل في انتهاء العمل بالتذكرة الورقية، لكن أزمة «كوفيد - 19»، والغزو الروسي لأوكرانيا، والنقص العالمي في الرقائق الدقيقة جميعها شكلت أسباباً في تأخير إدخال التكنولوجيا الحديثة.
في هذا السياق، قال لوران بروبست، المدير العام لشركة «إيل دو فرانس موبيليتيس» في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كنا في عجلة من أمرنا، لكن أزمة الرقائق أبطأتنا».
استخدمت تذكرة المترو لأول مرة في 19 يوليو (تموز) 1900. عند الساعة الواحدة ظهراً، عند افتتاح الخط الأول لـ«معرض باريس 1900» بتكلفة 25 سنتاً فقط للحصول على مقعد من الدرجة الأولى. وتبلغ تكلفة التذكرة الواحدة الآن 1.90 يورو.
في فيلم «Le Salaire de la Peur» إنتاج عام 1952، ظهر الممثل الإيطالي الفرنسي يافيس مونتاد يقدم تذكرة مترو باريسية رمز صداقة. وقبل ذلك بعامين، تحديداً في 1950، جاءت أغنية «بوينكونيور» (صانعو التذاكر) الذين اختفت وظائفهم مع وصول البوابات الدوارة الآلية لتحتفي بالعاملين في هذه المهنة. وتضمنت رواية ريموند كوينو «Zazie dans le Métro»، التي أُنتجت في فيلم من ستينات القرن الماضي للمخرج لويس مالي، بطاقة ورقية على غلاف دعاية الفيلم.
كتب غريغوار تونات، مؤلف كتاب «التاريخ القصير لتذكرة مترو باريس»، الذي نشر عام 2019. يقول: «منذ عام 1900، رافقت تذكرة المترو حياتنا اليومية. تلك القطعة الورقية التي كانت تقبع في أسفل جيوبنا، وفي محافظنا أو في منتصف صفحات كتبنا... ستختفي قريباً». واستطرد: «إنها أحد عناصر الحياة في باريس. عمرها قصير للغاية، نحو ساعة إلى ساعة ونصف، لكننا أصبحنا مرتبطين بها».
تعتقد سلطات النقل أن واحدة من كل 10 تذاكر تُفقد أو تُتلف أو تُنسى في أسفل الجيب أو في الحقيبة، لذلك يجري التخلص التدريجي من آلات إصدار التذاكر المنتشرة في شبكة المدينة. وبحلول عام 2025، ستكون تذكرة مترو باريس قد وصلت إلى محطتها الأخيرة، لتحل محلها تذاكر على الهواتف المحمولة أو بطاقات السفر.



UK to Unveil ‘Comprehensive’ Response to Israeli West Bank Settlement Plans in Coming Weeks

The new Israeli settlement “Dotan Valley”, as seen from Arraba whilst Israeli bulldozers uproots olive trees from Palestinian farms in Araba village near the west bank city of Jenin, 01 September 2026. (EPA)
The new Israeli settlement “Dotan Valley”, as seen from Arraba whilst Israeli bulldozers uproots olive trees from Palestinian farms in Araba village near the west bank city of Jenin, 01 September 2026. (EPA)
TT

UK to Unveil ‘Comprehensive’ Response to Israeli West Bank Settlement Plans in Coming Weeks

The new Israeli settlement “Dotan Valley”, as seen from Arraba whilst Israeli bulldozers uproots olive trees from Palestinian farms in Araba village near the west bank city of Jenin, 01 September 2026. (EPA)
The new Israeli settlement “Dotan Valley”, as seen from Arraba whilst Israeli bulldozers uproots olive trees from Palestinian farms in Araba village near the west bank city of Jenin, 01 September 2026. (EPA)

Britain will set out a "comprehensive" package of measures on Israeli settlements in the occupied West Bank in the coming weeks, Foreign Secretary Ed Miliband said on ‌Tuesday.

Miliband told ‌lawmakers that Israel's ‌E1 ⁠settlement project would cut ⁠across land which the Palestinians seek for a state and "risks making a Palestinian state unviable".

"This government will not acquiesce ⁠in the destruction of the ‌two-state ‌solution," he said. "We will act ‌and I will set out ‌a comprehensive set of measures in the coming weeks."

Britain and other European nations ‌have criticized Israel's plans, while Prime Minister Andy ⁠Burnham ⁠said before taking office that he was "looking at measures to ban trade in goods with illegal settlements".

The Times reported on Monday that US President Donald Trump's administration is "closely" tracking any plans to introduce a trade ban.


ماذا قال رفاق القذافي عن اختفاء موسى الصدر؟

الإمام موسى الصدر (أرشيفية)
الإمام موسى الصدر (أرشيفية)
TT

ماذا قال رفاق القذافي عن اختفاء موسى الصدر؟

الإمام موسى الصدر (أرشيفية)
الإمام موسى الصدر (أرشيفية)

رغم مرور خمسة عشر عاماً على سقوط نظام معمر القذافي، لم تتضح بعد خيوط اختفاء الإمام موسى الصدر، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، خلال زيارة إلى ليبيا في 31 أغسطس (آب) 1978. كان برفقة الصدر في الزيارة الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، ولم يُعثر على أي أثر للثلاثة. وحتى الساعة، لم تنشر الأجهزة اللبنانية حصيلة الاتصالات التي أجرتها مع القوى التي أدارت ليبيا بعد سقوط القذافي عام 2011. كان موضوع اختفاء الإمام الصدر بين المواضيع التي كنت أُثيرها مع المسؤولين الليبيين في حواراتي معهم عن القذافي وعهده وارتكاباته. وأُورد هنا شهادات سمعتها منهم.

العقيد معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)

عبد المنعم الهوني... تصفية طيّار القذافي

بعد «الفاتح من سبتمبر (أيلول)» 1969، تاريخ الانقلاب الذي قاد القذافي إلى السلطة، تولى عبد المنعم الهوني مناصب عدة. كان عضواً في مجلس الثورة وتولى إدارة المخابرات، وكذلك حقيبتا الداخلية والخارجية. سألت الهوني عن قضية الزعيم الشيعي اللبناني، فأجاب: «واضح أن الإمام الصدر تعرّض للتصفية. هذه القصة يقينية وهي قناعة كل الليبيين الذين التقيتهم. سأكشف لك عن مسألة. كان عديلي طياراً يقود طائرة القذافي واسمه نجم الدين اليازجي وكان برتبة مقدم. بعد فترة وجيزة من اختفاء الإمام الصدر تعرّض عديلي للتصفية. أفراد الأسرة قالوا إن لاغتياله علاقة بقصة الصدر فهو تولى نقل جثة الإمام لدفنها في جنوب ليبيا في منطقة سبها. ويقول الأقارب إن معرفته بقصة موسى الصدر دفعت الأجهزة الليبية إلى قتله لإخفاء السر، وهي مسائل تحدث في مثل هذا النوع من الجرائم».

جلود: الخميني اكتفى بطلب توضيح

عبد السلام جلود: فاتحت العقيد بالموضوع فقال: أتتهمني؟

بعد أيام من انتصار «الثورة الإيرانية» في 1979، زار وفد ليبي برئاسة «الرجل الثاني» في النظام، عبد السلام جلود، طهران للتهنئة، والتقى الإمام الخميني. سألت جلود إن كان الخميني تطرّق في اللقاء إلى موضوع اختفاء الصدر، فأجاب: «نعم. تمنى صدور توضيح حول ملابسات هذه المسألة، وكي لا تكون هناك أي عقبة أمام التعاون بين الثورتين. خلال وجودي في الفندق، نظّمت نظاهرة أمامه ضمت 37 شخصاً بقيادة شقيقة الصدر وزوجها وأطلقوا هتافات، لكن عناصر الأمن التابعين للثورة سارعوا إلى إبعادهم وتفريقهم». سألته إن كانت قضية الصدر شكّلت لاحقاً عائقاً في العلاقات مع طهران، فأجاب: «لا، وكما قلت لك سابقاً، أعطينا إيران صواريخ ولعبنا دوراً أساسياً في حصولها على الأسلحة» خلال الحرب مع العراق في ثمانينات القرن الماضي. أضاف: «اجتمعت بالصدر مرة واحدة في لبنان في منتصف السبعينات. ولم أكن أصلاً على علم بزيارته إلى ليبيا. حين عرفت باختفائه، تألّمت كثيراً لسببين؛ الأول يتعلق بشخصه وما يمثله. والثاني لأنني اعتبرت الفعل خسيساً؛ إذ ليس من عادات العربي أن يدعو أحداً إلى بيته أو بلده ثم يوقع به. لا الأخلاق العربية تقبل ولا القيم الإسلامية. كانت القصة غريبة وفُرض عليها تعتيم شديد». سألته إن كان فاتحَ القذافي بموضوع الصدر، فرد: «ألمحت مرة إلى الموضوع فاكتفى بالقول: أتتهمني؟ وتوقف الحديث». وعمّا قيل عن مشادة حصلت بين القذافي والصدر، قال: «لا أعرف التفاصيل. لكنني سمعت قبل سنوات أن ضابط الشرطة الذي انتحل شخصية الصدر وزار إيطاليا بجواز سفره بعد إخفائه وضع له معمّر حراسة مشددة خوفاً من اختطافه بعدما بدأ الحديث عن دوره هذا». ورداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن الصدر قُتل ودُفن، أجاب: «عقلي يقول لي هذا. يستحيل أن يكون مخفياً حتى الآن. طبعاً أنا كنت سمعت من القذافي قبل الحادثة ما يعبّر عن انزعاجه من قيام إيران بإرسال رجال دين لديهم نفوذ لدى الشيعة العرب. الحقيقة لم أكن أتصوَّر أن يصل الأمر إلى هذه الدرجة».

شلقم: جاء إلى ليبيا بتوصية من بومدين

مؤتمر صحافي للإمام موسى الصدر (مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات)

سألت وزير الخارجية الأسبق عبد الرحمن شلقم عن قصة الصدر، فأجاب بأنه قابله مرة واحدة حين جاء إلى القاهرة لإلقاء محاضرة وكان شلقم طالباً فيها. وأوضح أنه كان قيد الإقامة الجبرية حين جاء الصدر إلى ليبيا. وأضاف: «هناك أخبار أنه جاء إلى ليبيا بتوصية من الرئيس (الجزائري) هواري بومدين. وتردد أنه طلب مساعدة من الرئيس الجزائري فنصحه بلقاء القذافي. قيل إن خلافاً حصل بين القذافي والصدر على قضايا دينية. وهذا ممكن، فالقذافي سنّي مالكي والصدر شيعي. أثيرت لاحقاً مسألة أن شخصاً انتحل صفة الصدر وذهب إلى إيطاليا». وتابع: «ذات يوم كنتُ وزيراً للخارجية ونتمشى في باب العزيزية قال لي القذافي: يا عبد الرحمن أنت الطليان أصحابك وبينهم وزيرا الخارجية والداخلية. أريد فقط أن أعلم الحقيقة في موضوع موسى الصدر. بعد سقوط نظام القذافي راجت سيناريوهات كثيرة. ثمّة من تحدث عن دور محتمل في تصفية الصدر لصبري البنا (أبو نضال) زعيم ما كان يسمى (فتح - المجلس الثوري). تساءل كثيرون عما إذا كان حصل على مبلغ من المال وتسبب المبلغ في تعرضه لما تعرض له. سألت فلم يؤكد أحد قصّة المال. عبد المنعم الهوني يقول إن الصدر قُتل في ليبيا».

عبد السلام التريكي (أرشيفية - أ.ف.ب)

التريكي: جريمة غريبة

طرحت السؤال نفسه على وزير الخارجية الليبي الأسبق علي عبد السلام التريكي، فأجاب: «نتحدث هنا بأمانة. أنا لا علم لديّ بالتفاصيل. لم يأت الإمام الصدر إلى ليبيا من طريق (وزارة) الخارجية. الدور الوحيد للوزارة كان مقتصراً على دعوة نقلها القائم بالأعمال الليبي في بيروت إلى الصدر. بعد ذلك تم التنسيق مع جهات أخرى. أنا لم ألتق الصدر. ما كنت أسمعه هو أنه رجل مناضل وصاحب موقف قومي». وأضاف: «نحن في الخارجية لم نعرف كيف وصل ولا متى. لاحقاً وبعد تركي منصب وزير الخارجية، اهتمت الوزارة بإجراء اتصالات مع الإيطاليين، فقالت السلطات يومذاك إنه غادر طرابلس إلى روما. شاع لاحقاً أن نقاشاً حاداً حصل بين القذافي والصدر وأدى إلى ما أدى إليه. والقصة غريبة إذ لم تكن لهذه الحادثة الخطرة والمؤسفة أي فائدة لليبيا أو للعمل القومي، وألحقت الكثير من الأضرار. إنها جريمة غريبة لا أعرف لمصلحة من حصلت وفي أي سياق».

رواية المسماري أمين المراسم و«ظل العقيد»

رئيس الاستخبارات في عهد القذافي عبد الله السنوسي في أثناء محاكمته في ليبيا عام 2014 (أرشيفية - رويترز)

كان نوري المسماري أميناً للمراسم برتبة وزير دولة، وكان بمثابة «ظل العقيد» في إقامته وأسفاره. سألته عن موضوع الصدر وتركته يروي: «حدث شيء لم أقدّر أهميته في حينه. اتصل بي عبد الله السنوسي وكان يومها ضابطاً صغيراً في إدارة الاستخبارات الحربية ومكتبها في شارع الشط، وكانت تعمل برئاسة النقيب عبد الله الحجازي. طبعاً هذه رتبته آنذاك وهو ممن كان معمر القذافي يسميهم (الضباط الأحرار). سألني السنوسي: هل من الضروري أن تختم السلطات الإيطالية جواز سفر من يريد الدخول إلى أراضيها؟ أجبت: طبعاً، لا بد من ختمه. فهذه هي القواعد المعمول بها في أي دولة. أنهى المكالمة. كلَّمني السنوسي لاحقاً وقال لي: سأرسل لك جوازات سفر والمطلوب تأمين تأشيرات لأصحابها إلى إيطاليا. أعتقد أن الجوازات كانت ثلاثة ونحن نتكلم عن واقعة حصلت قبل عقود. أتاني جندي أرسله السنوسي وأعطاني الجوازات. لم يكن لديّ ما يدفع إلى الشكوك، لكنني فتحت الجوازات ووجدت أن واحداً منها هو للإمام موسى الصدر رحمه الله. لم تعلق الأسماء الأخرى بذاكرتي. اتصلت بالسفير الإيطالي وقلت إننا نريد تأشيرات لضيوف عندنا فأبدى ترحيبه. أرسلت الجوازات ولكن سرعان ما اتصل السنوسي مجدداً يسأل: هل انتهت؟ قلت له إن الأمر يحتاج إلى بعض الوقت وسأرسلها لك فور إعادتها إليّ. وهذا ما حصل. لاحقاً سمعت عن اختفاء الإمام الصدر فبقيت الواقعة في ذاكرتي خصوصاً أن السنوسي هو من أرسل الجوازات». أكد المسماري أن الصدر لم يغادر ليبيا، وأن الإيطاليين أبرياء وتعرضوا لخديعة. فقد دخل ثلاثة أشخاص بينهم ضابط طويل القامة ارتدى ثياب الصدر. تعمّد هؤلاء ترك جوازات الصدر ورفيقيه في الفندق ومعها سجادة صلاة الإمام وغادروا لاحقاً إلى إيطاليا بجوازات سفر دبلوماسية ليبية.

حقائق

لغز اختفاء موسى الصدر

الهوني: قتلوا عديلي الطيار بعدما نقل جثته إلى سبها

جلود: فاتحت العقيد بالموضوع فقال: أتتهمني؟ وأوقف الحديث

شلقم: القذافي طلب مني الاستفسار من الطليان عن الحقيقة

التريكي: دور الخارجية اقتصر على دعوته... وهي جريمة غريبة

المسماري: عبد الله السنوسي طلب مني إعداد تأشيرة الإمام إلى إيطاليا وكانت خدعة


«العيون الخضراء» يسبر أغوار متلازمة الاستسلام

لقطة من فيلم «العيون الخضراء» (إدارة مهرجان لوكارنو السينمائي)
لقطة من فيلم «العيون الخضراء» (إدارة مهرجان لوكارنو السينمائي)
TT

«العيون الخضراء» يسبر أغوار متلازمة الاستسلام

لقطة من فيلم «العيون الخضراء» (إدارة مهرجان لوكارنو السينمائي)
لقطة من فيلم «العيون الخضراء» (إدارة مهرجان لوكارنو السينمائي)

لا تترك الصدمات الكبرى أثرها بالطريقة نفسها على الجميع. فبينما يواجهها بعضهم بالغضب أو البكاء أو الهروب، يختار آخرون الانسحاب الكامل من العالم، وكأن الجسد نفسه يعلن عجزه عن احتمال المزيد، في هذه المساحة الغامضة، التي تتقاطع فيها المأساة الإنسانية مع الهشاشة النفسية، يتحرك الفيلم الفرنسي «العيون الخضراء» (Les Yeux Verts) للمخرجين الفرنسيين فاني لياتار وجيريمي ترويي، مقدماً تجربة لا تسعى إلى تفسير الألم بقدر ما تحاول الإصغاء إليه.

الفيلم الذي عُرض في مهرجان «لوكارنو السينمائي» بسويسرا يبتعد منذ مشاهده الأولى عن التعامل مع اللجوء أو التهجير بوصفهما قضية سياسية أو مادة للجدل، ويقترب منهما باعتبارهما تجربة شخصية يعيشها أفراد عاديون، فالحدث الكبير لا يظهر في صورة نشرات الأخبار أو خطابات السياسيين، وإنما ينعكس في تفاصيل بيت صغير مهدد بالفقد، وفي طفلة ترى شقيقها يغيب عنها تدريجياً من دون أن تستطيع فهم ما يحدث له.

الفيلم الفرنسي قدم معالجة إنسانية لمتلازمة الاستسلام (إدارة مهرجان لوكارنو السينمائي)

ومن هذه التفاصيل البسيطة، يبني الفيلم عالماً تتجاور فيه الحقيقة مع الحلم، والواقع مع الخيال، من دون أن يشعر المشاهد بوجود حدود فاصلة بينهما، وتدور أحداث العمل حول «تشايا»، الطفلة ذات الأحد عشر عاماً التي تعيش مع أسرتها في منطقة «لاند» الساحلية في جنوب غربي فرنسا.

وبعد أن تتلقى الأسرة قراراً بإخلاء المنزل الذي تعيش فيه، يدخل شقيقها الأكبر «نور» في نوم عميق وغامض لا ينجح أحد في تفسيره أو إيقاظه، وبينما يستسلم الكبار للعجز، ترفض «تشايا» تصديق أن شقيقها قد ابتعد عنها إلى الأبد، فتقرر أن تبحث عنه بنفسها، حتى لو اضطرها ذلك إلى دخول عالم أحلامه، لتبدأ رحلة تتحول فيها الطبيعة إلى مرآة للمشاعر، ويصبح الخيال الوسيلة الوحيدة لمقاومة واقع يبدو أقوى من الجميع.

مخرجا الفيلم تحدثا في لقاء مع «الشرق الأوسط»، عبر «زووم»، عن كواليس العمل، وقالت المخرجة الفرنسية فاني لياتار، إن القصة تعود إلى ما يقرب من 5 سنوات، حين شاهدت مع شريكها في الإخراج جيريمي ترويي تقريراً تلفزيونياً عما يعرف بـ«متلازمة الاستسلام»، وهي حالة نادرة تصيب بعض الأطفال الذين يعيشون صدمات قاسية، فيدخلون في حالة تشبه الغيبوبة تستمر لفترات طويلة، مشيرة إلى أن التقرير بالنسبة إليها لم يكن مجرد معلومة طبية، بل لحظة طرحت سؤالاً ظل يرافقها طويلاً وهو كيف يمكن لطفل أن يقرر، من دون وعي، أن ينسحب من الحياة؟

ذلك السؤال كان نقطة البداية، لكنه لم يكن نقطة النهاية، فقبل كتابة أي مشهد، بدأ الثنائي رحلة بحث طويلة لفهم الظاهرة، ليس من منظور الأطباء فقط، وإنما من خلال الأشخاص الذين عاشوا هذه التجربة.

الفيلم ركز على قضية محددة بعيون طفلة (إدارة مهرجان لوكارنو السينمائي)

وتوضح لياتار أن الفيلم لم يسعَ إلى تقديم تفسير علمي؛ لأن السينما بالنسبة إليها لا تقوم بدور الطب أو الصحافة، بل تمنح المشاهد فرصة للدخول إلى التجربة الإنسانية، ولهذا السبب، لم يكن هدفها أن يخرج الجمهور وهو يعرف معلومات أكثر عن متلازمة الاستسلام، وإنما أن يشعر بما يمكن أن يفعله الخوف المستمر داخل روح طفل.

ومن هنا جاء القرار الأهم، وهو أن تُروى الحكاية بالكامل تقريباً من خلال «تشايا»، فلم يكن ذلك مجرد اختيار درامي، وإنما رؤية متكاملة لطريقة السرد، فالمخرجة ترى أن الأطفال لا يعيشون الأحداث بالطريقة التي يراها الكبار، فهم لا يبحثون دائماً عن الأسباب، ولا ينشغلون بالتفسيرات السياسية أو القانونية، وإنما يحاولون فهم العالم من خلال مشاعرهم وخيالهم، ولذلك بدت «تشايا» الشخصية الوحيدة القادرة على حمل هذا العالم المليء بالغموض.

إذا كانت فاني لياتار قد انشغلت في بناء العالم العاطفي للفيلم، فإن شريكها الإخراجي جيريمي ترويي يرى أن التحدي الأكبر كان في تحويل هذا العالم إلى لغة سينمائية لا يشعر المشاهد معها أنه ينتقل بين فيلمين مختلفين، أحدهما واقعي والآخر خيالي.

ويؤكد ترويي أن البحث عن هذا التوازن رافق مراحل العمل كلها، منذ كتابة السيناريو وحتى المونتاج، فالواقع بالنسبة إليه لم يكن مجرد نقطة انطلاق، بل كان الأساس الذي يقوم عليه كل شيء؛ لذلك حرص هو وشريكته على أن تستند الأحداث إلى تجربة إنسانية حقيقية؛ لأن الفيلم يتناول حالة تعيشها بالفعل بعض الأسر التي تجد نفسها فجأة في مواجهة الخوف والاقتلاع وعدم اليقين.

ويشير إلى إدراكهما أن أي مبالغة في الجانب الفانتازي ستفقد الفيلم صدقه؛ لذلك جاء القرار بأن تنطلق الأحلام من المكان نفسه الذي تعيش فيه الشخصيات، الغابة هي الغابة، والبحر هو البحر، والمنزل هو المنزل، لكن هذه الأماكن تبدأ تدريجياً في التحول مع تحولات الحالة النفسية لـ«تشايا»، فيصبح العالم الذي تعرفه مألوفاً وغريباً في الوقت نفسه.

مخرجا الفيلم فاني لياتار وجيريمي ترويي (تصوير: مارغو أوبينيل)

ويقول المخرج الفرنسي إن الأحلام لم تُكتب باعتبارها عالماً مستقلاً، ولكنها انعكاس لذاكرة الطفلة ومخاوفها ورغبتها في إنقاذ شقيقها، ولهذا لا يشعر المشاهد بأنه غادر الواقع تماماً، بل بأنه ينظر إليه من زاوية مختلفة، زاوية تسمح للرموز والمجازات بأن تقول ما تعجز الكلمات عن التعبير عنه.

هذا الخيال، كما تراه لياتار، لا يعني الهروب من الواقع، بل مواجهته بطريقة مختلفة، فالطفلة لا تنكر أن شقيقها مريض، لكنها ترفض أن يكون ذلك نهاية القصة، ومن هنا تتحول الأحلام إلى مساحة للبحث، لا للاختباء، وإلى فعل مقاومة أكثر منها ملاذاً آمناً.

وتكشف المخرجة أن كتابة شخصية «تشايا» استغرقت وقتاً طويلاً؛ لأن التحدي كان يتمثل في تقديم طفلة حقيقية، لا بطلة خارقة. كانت تريد شخصية تخاف، وتتردد، وتفشل أحياناً، لكنها لا تتوقف عن المحاولة، فالقوة بالنسبة إليها ليست غياب الضعف، وإنما القدرة على الاستمرار رغم وجوده.

ويتحدث ترويي أيضاً عن المكانة التي تحتلها الطبيعة داخل الفيلم، معتبراً أنها ليست مجرد عنصر بصري جميل، وإنما امتداد للحالة النفسية للشخصيات، فالغابة ليست مكاناً للهروب فقط، بل مساحة تعيد تشكيل نفسها مع تغير مشاعر «تشايا»، بينما يصبح البحر رمزاً للحرية والخوف في الوقت نفسه.