هيثم المالح: فكرة «رئيس توافقي» لسوريا مطروحة

رئيس الدائرة القانونية في الائتلاف الوطني كشف في حوار مع «الشرق الأوسط» عن ضوء أخضر من جنيف لمراقبة حسابات المسؤولين السوريين

هيثم المالح في زيوريخ لتحريك ملفات قانونية ضد النظام السوري («الشرق الأوسط»)
هيثم المالح في زيوريخ لتحريك ملفات قانونية ضد النظام السوري («الشرق الأوسط»)
TT

هيثم المالح: فكرة «رئيس توافقي» لسوريا مطروحة

هيثم المالح في زيوريخ لتحريك ملفات قانونية ضد النظام السوري («الشرق الأوسط»)
هيثم المالح في زيوريخ لتحريك ملفات قانونية ضد النظام السوري («الشرق الأوسط»)

كشف القيادي في المعارضة السورية، هيثم المالح، عن استراتيجية لمرحلة ما بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، الذي أكد أن رحيله أصبح وشيكا بناء على ما تحققه القوات المناوئة له على الأرض من تقدم، رغم المساعدات الضخمة التي يتلقاها الأسد من عدة دول على رأسها إيران.
وقال في حوار مع «الشرق الأوسط» خلال جولة له في عدة مدن أوروبية، إنه يسعى إلى تسليط الأضواء على القضية السورية مجددًا، وإنه حصل، في جنيف، على ضوء أخضر لفرض مراقبة على حسابات المسؤولين السوريين في البنوك السويسرية يشمل أموال الأسد وأسرته، وزيارة لمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي، لكي تبدأ التحقيق في الجرائم التي وقعت ضد السوريين. ويشغل المالح حاليًا موقع رئيس الدائرة القانونية في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية.

* اليوم، بعد كل هذه السنوات، ماذا يمكن أن نقول عن مستقبل الثورة السورية؟
- الثورة السورية تسير إلى النصر، والنصر العسكري قبل السياسي. لا يوجد في الدنيا كلها نظام يستطيع أن يحارب شعبا بأكمله. والشعب السوري كله، إلا قلة قليلة منه، ضد الأسد، وبالتالي لا أمل لهذا النظام في الاستمرار أو البقاء.
* هل التطورات العسكرية على الأرض تعطي مؤشرات على هذا؟
- هناك الكثير من التطورات المهمة. فمنذ يومين جرت السيطرة على اللواء العسكري التابع للنظام في حوران. ومنطقة حوران والجولان شبه نظيفة من قوات النظام، باستثناء بقع طفيفة في بعض المعسكرات التي ليست لها قيمة تذكر. الأمر الآخر في الشمال في منطقة إدلب وأريحا.. المحافظة كلها محررة.
الآن لولا تدخل «داعش» في منطقة حلب لانتهى أمر حلب لصالح الثورة، ولأصبح شمال سوريا كله محررا من قوات الأسد. النظام يملك الآن قطعة من دمشق، لا دمشق كلها. هناك أقسام في دمشق بيد فصائل المعارضة.. والمنطقة الساحلية كذلك ليست كلها مع النظام. منطقة الجبال المشرفة على الساحل معظمها تحت سيطرة المعارضة.
* هل المعلومات عن دخول أفواج جديدة وكبيرة من المقاتلين الإيرانيين لدعم الأسد معلومات موثقة؟
- نعم موثقة.. كما أن حزب الله قال هذا الكلام علنا. طهران منذ أقل من أسبوع أدخلت إلى سوريا 6 آلاف مقاتل إيراني، وهي التي تدير المعارك في سوريا وليس النظام منذ عام 2013. قاسم سليماني (قائد فيلق القدس الإيراني) موجود في سوريا. حزب الله دخل سوريا أيضا وقيل إن الدخول لحماية المزارات الشيعية. هو دخل تحت ستار شعارات طائفية مقيتة. حزب الله دخل منذ بدايات 2013 بقوة. كما تعلم، احتلوا القصير ورفعوا علمهم فوق مساجد أهلها وهدموا مسجد خالد بن الوليد في حمص. في سوريا جرى حتى الآن هدم 2000 مسجد و40 كنيسة و3800 مدرسة، واستهدفت نصف المستشفيات ومعظم المراكز الصحية. وقُتل عدد كبير من الأطباء والممرضين والكوادر الطبية. لدينا 350 محاميا مفقودا. عدد المدنيين الذين استشهدوا يصل إلى 280 ألف سوري، بينهم تقريبا 35 ألفا بين طفل وامرأة. لدينا نحو 8 آلاف حالة اغتصاب.
بشار الأسد أصبح دمية بيد الإيرانيين. حافظ الأسد (الرئيس السوري الراحل، والد بشار) كان يستطيع أن يوازن الأمور إلى حد ما مع الإيرانيين، أما ابنه فلا. في 2010 كنت في السجن في سوريا. وجاء إلى الغرفة التي كنت فيها شخص من جهات السلطة، اعتقل بسبب الفساد ومكث أسبوعا وخرج، لكنه قال لي، يا أستاذ هيثم الشخصية النافذة في سوريا الآن التي لا يرد لها طلب، هو السفير الإيراني في دمشق.
* كيف تمكَّنت المعارضة من تحقيق هذا التقدم على الأرض.. هل وصلتهم أسلحة جديدة، أو مساعدات أو تدريبات؟
- الثوار يغنمون من جيش النظام كميات كبيرة من الأسلحة. لم يعد هناك جيش. هو عبارة عن شراذم. كما أنه لم يعد هناك خزان بشري ليأتي منه بالجنود. ولم يعد لديه المال.
في اليومين الأخيرين جرى التقاط اتصال هاتفي بين أحد قادة الوحدات بمنطقة إدلب ممن كانوا يفرون من المعركة، وبين بشار الأسد شخصيا، يقول له «يا سيدي لدي 800 عنصر مستعدون يرجعوا لكننا نريد ذخيرة». جيش النظام في حالة احتضار. انتهى. والفصائل المعارضة غنمت صواريخ في مناطق الثكنات العسكرية في حوران. الآن أصبح واضحا تماما أن النظام السوري انتهى. الشيء الأساسي الذي نعمل عليه اليوم هو تهيئة البديل لهذا النظام.
* وهل ترى أن تهيئة هذا البديل لإدارة دولة موحدة، أمر جاهز؟
- يوجد شبه مشروع لدولة جديدة تستوعب الجميع. نحن لا نعرف التفرقة. كان رئيس وزراء سوريا قبل الأسد مسيحي وهو فارس الخوري، وكان قبلها مسؤولا عن الأوقاف الإسلامية ولم يعترض أحد من السوريين وقتها. العقل السوري عقل رائع. نحن وسطيون. ولا نؤمن بمسألة التفرقة الطائفية والبغض والكره على أساس طائفي ديني. أنا قدت جمعية حقوق الإنسان في سوريا لدروتين انتخابيتين منذ 2001، وكان عندي في الجمعية علويون ودروز ويساريون ويمينيون وإسلاميون. بدأنا الجمعية بـ35 عضوا ثم وصلنا إلى 350 وغطينا سوريا كلها. كنا جميعا من مكونات الشعب السوري ونعمل معا.
* لكن الواقع على الأرض اليوم يقول إن هناك «الجيش الحر» وهناك جبهة النصرة وهناك «داعش» وهناك العلويون. توجد مخاوف من ثارات وتناحر مذهبي ومناطقي بعد سقوط النظام؟
- لا أنفي مثل هذه المخاوف. لا يوجد مجتمع في الدنيا خالٍ من مثل هذه الصراعات. حتى السويد فيها تطرف، وكذا فرنسا، وألمانيا فيها نازيون ومتطرفون. الكثير من دول العالم عانت. وعندك الحرب التي كانت قائمة بين الجيش الجمهوري الآيرلندي وبريطانيا، لديك المجازر التي وقعت في يوغسلافيا. كل شيء يمكن أن ينتهي إذا تعاون الناس على وأده.
* نفترض أن نظام بشار الأسد سقط بالفعل.. فكيف سيكون تعاملكم مع الطائفة العلوية؟
- الطائفة العلوية ليست كلها لونا واحدا. القسم الأكبر منها غير مستفيد من النظام. وهناك من كان جزءا من النظام واستفاد منه، هؤلاء هم الطبقة الحاكمة. أنا كنت دائما أسمي نظام الأسد «نظام الفساد والاستبداد». أي أنه يحوي الفاسدين من كل الطوائف، بمن في ذلك المسلمون السنة. مفتي الجمهورية المسلم السني يفتي بإبادة مناطق بأكملها. لو كان مثل هذا المفتي هنا في أوروبا لأحالوه للمحكمة، بتهمة التحريض على القتل والإرهاب. وفي المقابل يوجد علويون أصدقاء لي. منذ شهرين وأنا في القاهرة، هاتفت صديقي العلوي سليم خير بيك، كنا معا بالسجن وما زلنا نتواصل. نحن رفاق درب. قال لي آخر مرة هل تريد شيئا يا أبو أنس، قلت له إذا كان هناك من يمكن أن يذهب لبيتي ومكتبي، وخاصة أن لدي مكتبة كبيرة جدا وأرشيفا كبيرا أخشى عليه ولا أخشى على الحيطان، بل على الكتب والأوراق، فقال إن النظام صادر كل شيء وصادروا حسابي البنكي أيضا. أنا الآن لا أملك شيئا بعد ستين سنة عملا. في العام الماضي حكموا علي بالإعدام كإرهابي وصادروا كل ما أملك.
* السؤال مرة أخرى: هل توجد خطوات عملية لإيجاد نظام يخلف بشار الأسد؟
- لدينا مشروع (ضمن مشاريع أخرى طرحتها المعارضة)، يتألف من مجموعة نقاط. أولا: إعلان دستوري يتبنى دستور 1950 باعتباره صادرا عن البرلمان في ذلك الوقت. ثانيا: إنشاء نواة للجيش والشرطة الداخلية والقضاء. ونحن بحاجة إلى إصدار مراسيم بإنشاء هذه الأجهزة استنادا إلى دستور، وهذا الدستور هو دستور 1950. ثالثا: سنسعى إلى تشكيل حكومة انتقالية من تكنوقراط لا تنتمي لأحزاب حتى تدير البلاد إدارة حيادية. رابعا: سنسعى لاختيار رئيس مؤقت لسوريا على غرار تجربة تونس التي اختارت المنصف المرزوقي رئيسا للبلاد ريثما تتم المرحلة الانتقالية وكان اختيارا ناجحا.
* ما الهدف من جولتك هذه في الخارج حيث تزور عدة مدن أوروبية، جنيف وغيرها؟
- أسعى لتفعيل القضية السورية مجددا على المستويين الحقوقي والإنساني. والسعي لدى جهة إدارية في جنيف، من أجل مراقبة حسابات المسؤولين السوريين في البنوك السويسرية. لدي ضوء أخضر في هذا الجانب، وهذا جزء من عملي، وهو استرداد الأموال المنهوبة ويشمل ذلك حتى أموال الأسد وأسرته وكل ما جرى سرقته من أموال الشعب السوري. أنجزنا دراسة من 1500 صفحة لهذا الغرض وهو عمل كبير. ثم سأتوجه إلى لاهاي، حيث مقر محكمة الجنايات الدولية، لكي تبدأ التحقيق في الجرائم التي وقعت ضد السوريين، وهذا ممكن حتى قبل جلب المتهمين المقامة ضدهم الدعوى. هذا من اختصاص المدعية العامة للمحكمة. ونحن نضغط في هذا الاتجاه.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.