كيف يقيس العلماء نتائج اصطدام «دارت» بالكويكب «ديمورفوس»؟

بعد النجاح المبدئي لأول تجربة للدفاع الكوكبي

الكويكبان ديمورفوس وديديموس كما يتم رصدهما في أرصاد المراصد الفلكية
الكويكبان ديمورفوس وديديموس كما يتم رصدهما في أرصاد المراصد الفلكية
TT

كيف يقيس العلماء نتائج اصطدام «دارت» بالكويكب «ديمورفوس»؟

الكويكبان ديمورفوس وديديموس كما يتم رصدهما في أرصاد المراصد الفلكية
الكويكبان ديمورفوس وديديموس كما يتم رصدهما في أرصاد المراصد الفلكية

بردود فعل أشبه بمشاهدي أفلام الإثارة والتشويق في قاعات السينما، وقف العلماء في مختبر جامعة «جونز هوبكنز» للفيزياء التطبيقية بأميركا، الذين يديرون أول مهمة للدفاع الكوكبي في العالم، وهم يصفقون، بعد نجاح مركبة إعادة توجيه الكويكب المزدوج (دارت) في الاصطدام بالكويكب «ديمورفوس»، حيث تمثلت علامات نجاح المهمة في التقاط كاميرات المركبة صورة كشفت تفاصيل الكويكب، قبل أن يحدث الاصطدام، الذي انقطعت معه الصور التي كانت توفرها كاميرا المركبة مع اقترابها رويداً رويداً من الكويكب.
ولكن هل أنفقت وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» 330 مليون دولار على هذا المشروع، بهدف التقاط صور واضحة للكويكب قبل اصطدام المركبة «دارت» به؟ بالقطع لا، فما حدث فجر اليوم (الثلاثاء)، وما صاحبه من احتفالات، هو مرحلة يمكن تسميتها بمرحلة «السكرة»، لتأتي بعد ذلك «الفكرة»، والمتمثلة في قياس مدى نجاح المركبة «دارت» في تحقيق هدفها الذي أُطلقت من أجله قبل عشرة شهور، وهو إحداث تغيير في مدار الكويكب «ديمورفوس».
والكويكب «ديمورفوس»، هو جسم صغير قطره 530 قدماً (160 متراً)، يدور حول كويكب أكبر يبلغ ارتفاعه 2560 قدماً (780 متراً) يسمى «ديديموس»، ولا يشكّل أيٌّ من الكويكبين أي تهديد للأرض، والهدف الذي كانت تسعى له المهمة، هو اختبار قدرة المركبة «دارت» على تغيير مدار «ديمورفوس» حول «ديديموس» عند اصطدامها بالأول.
والتوقعات التي سبقت المهمة، هي أن يؤدي الاصطدام إلى تقصير مدار «ديمورفوس» بنحو 1%، أو ما يقرب من 10 دقائق، ويعني النجاح في تحقيق ذلك، أن العالم قادر مستقبلاً على تغيير مدار كويكب عندما يكون في مسار تصادم مع الأرض، وهذا هو السبب في أن تلك التجربة أطلق عليها «أول مهمة للدفاع الكوكبي».
ويقول ماجد أبو زهرة، رئيس الجمعية الفلكية بجدة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «القياس الدقيق لمدى انحراف الكويكب، هو أحد الأغراض الأساسية للاختبار، وسيكون مفاجئاً للمتابعين إذا لم يُحدث الاصطدام أي تغيير في المدار، ولكن المتوقع أنه سيحدث تغييراً يؤدي إلى تقصير مدار ديمورفوس نحو 10 دقائق، وقد تصدق هذه التوقعات أو تقل المدة أو تزيد، وهذا ما سيسعى العلماء لمعرفته خلال الأسابيع المقبلة من خلال القياسات التي ستوفرها التلسكوبات الأرضية».
وعند ملاحظة النظام الثاني المكون من كويكبي «ديديموس - ديمورفوس» من التلسكوبات الأرضية، يظهر الثنائي كنقطة صغيرة واحدة من الضوء وسط سماء مرصعة بالنجوم، وتضيء النقطة وتخفت بشكل دوري عندما يتحرك الكويكب ديمورفوس (160 متراً) حول ديديموس الأكبر (780 متراً)، الذي يخفيه مؤقتاً، ومن تواتر هذه الانخفاضات في السطوع تمكّن علماء الفلك من تحديد الفترة المدارية لكويكب «ديمورفوس» بدقة (11 ساعة و55 دقيقة)، ومن هذه الانخفاضات في السطوع سيتمكنون من حساب مقدار التغير في مدار «ديمورفوس» بعد تأثير اصطدام المركبة «دارت».
ويضيف أبو زهرة: «من المتوقع أن يؤدي الاصطدام إلى دفع الكويكب (ديمورفوس) بالقرب من (ديديموس)، مما يؤدي إلى تسريع فترة مداره لمدة تصل إلى عدة دقائق، سيتم تحديدها على وجه الدقة لاحقاً من خلال الأرصاد التي تتم بالتلسكوبات الأرضية».
ولن تظهر النتائج الدقيقة لحجم التأثير في تغيير المدار الذي أحدثته «دارت» إلا خلال شهرين على أقصى تقدير، كما توقعت إيلينا آدامز، أحد المسؤولين عن المهمة من جامعة «جونز هوبكنز» للفيزياء التطبيقية في مؤتمر صحافي (الثلاثاء)، لكنّ هناك تأثيراً آخر قد تظهر نتائجه سريعاً، وهي النتائج المباشرة لهذا الاصطدام.
وتوقع العلماء أن يؤدي الاصطدام إلى إحداث فوهة بركان، وإلقاء تيارات من الصخور والأوساخ في الفضاء، وستقع مهمة الكشف عن هذا التأثير على القمر الصناعي (ليشيا كيوب).
ويقول أبو زهرة: «بعد ثلاث دقائق من اصطدام المركبة (دارت) حلق القمر الصناعي (ليشيا كيوب) بالقرب من موقع الاصطدام، والتقط صور اندفاع عمود المادة المقذوفة عن تحطم المركبة (دارت) ثم أرسلها إلى الأرض، ومن المرجح أن يتم نشر الصور في 28 سبتمبر (أيلول) 2022، حيث يستغرق الأمر بعض الوقت للأقمار الصناعية من نوع (كيوب سات) الصغيرة للقيام بإرسال كامل البيانات».
وقبل المهمة أصر العلماء على أن (دارت) لن تحطم الكويكب ديمورفوس عند اصطدامها به، حيث يبلغ حجم المركبة الفضائية ما لا يقل (570 كيلوغراماً)، مقارنةً بالكويكب البالغ 11 مليار رطل (5 مليارات كيلوغرام)، ولكن يمكن أن يؤدي الاصطدام إلى إحداث فوهة بركان، وإلقاء تيارات من الصخور والأوساخ في الفضاء، بالإضافة إلى التأثير الأهم، وهو تقليص مداره الذي يستغرق 11 ساعة و55 دقيقة حول ديديموس.
وقالت لوري غليز، مديرة قسم علوم الكواكب في «ناسا»، بعد نجاح مهمة الاصطدام في مؤتمر صحافي: «الآن يبدأ العلم، سنرى بشكل حقيقي مدى فاعليتنا في تغيير مدار الكويكب».
ويشبه توم ستاتلر، عالم برنامج «دارت» في مكتب تنسيق الدفاع الكوكبي التابع لـ«ناسا»، الاصطدام بإلحاق الضرر بساعة يدك دون أن تشعر بذلك في أول يوم أو يومين، ولكن بعد بضعة أسابيع، ستبدأ في ملاحظة أنها لم تعد تحافظ على الوقت الصحيح بعد الآن، ويقول: «هذا ما نسعى لإحداثه في توقيت مدار الكويكب، لاختبار إمكانية تنفيذ ذلك مستقبلاً مع كويكب في مسار تصادمي مع الأرض، بدلاً من تفجيره، كما كانت تتخيل الأفلام».
وقالت ليندلي جونسون، مسؤول الدفاع الكوكبي في «ناسا»: «يوفر نجاح (دارت) إضافة مهمة إلى مجموعة الأدوات الأساسية التي يجب أن نحصل عليها لحماية الأرض من التأثير المدمر لكويكب، وهذا يوضح أننا لم نعد عاجزين عن منع هذا النوع من الكوارث الطبيعية».
ومن أجل هذا الهدف الذي تحدثت عنه جونسون لا يرى أبو زهرة، أن إنفاق 330 مليون دولار مبالغ فيه، وقال: «من المهم لحماية كوكب يضم 7.6 مليار إنسان، فهم التهديد المحتمل للكويكبات وأن يتم تعقبها ومناقشة ما يمكن أن نفعله إذا كان كويكب ما في مسار اصطدام قبل بضع سنوات من ذلك الحدث».
ولحسن الحظ، لا توجد كويكبات تهدد الأرض حالياً، ولكن الكثير من الكويكبات بحجم (ديمورفوس) لم يتم اكتشافها بعد، ويمكن لهذه الكويكبات أن تدمر مدينة إذا تحطمت.


مقالات ذات صلة

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

علوم تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وافقت «سبيس إكس» على الاستحواذ على شركة «إكس إيه آي» في صفقة قياسية تدمج شركة الصواريخ والأقمار الصناعية مع شركة الذكاء الاصطناعي (أ.ب) p-circle

ماسك: «سبيس إكس» ستبني مدينتين على القمر والمريخ

قال الملياردير إيلون ماسك إن شركة «سبيس إكس» حولت تركيزها إلى بناء «مدينة ذاتية النمو» على سطح القمر، مشيرا إلى أن من الممكن تحقيق ذلك خلال أقل من 10 سنوات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)

تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أمس الجمعة نقلا عن مصادر أن شركة «سبيس إكس» التابعة للملياردير إيلون ماسك أبلغت المستثمرين بأنها ستعطي الأولوية للوصول إلى القمر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق المشتري كما لم يُقَس من قبل (رويترز)

مفاجأة في عمق النظام الشمسي... المشتري أصغر ممّا اعتقده العلماء

كوكب المشتري، عملاق الغاز في مجموعتنا الشمسية، أصغر حجماً ممّا كان يعتقده العلماء سابقاً...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا لقطة تُظهر «محطة الفضاء الدولية» (رويترز)

نهاية «محطة الفضاء الدولية» قريباً تطوي ثلاثة عقود من التعاون الدولي

طُرحت فكرة محطة الفضاء الدولية لأول مرة في أعقاب الحرب الباردة لتجسّد حينها روح التعاون بين روسيا والولايات المتحدة القوتين المتنافستين في الفضاء

«الشرق الأوسط» (باريس)

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.