هل نواجه الكائنات «الغازيَة» بتحويلها إلى غذاء؟

خسائرها بمئات مليارات الدولارات سنوياً

صيادون فلسطينيون قرب أحد شواطئ جنوب غزة (أ.ف.ب)
صيادون فلسطينيون قرب أحد شواطئ جنوب غزة (أ.ف.ب)
TT

هل نواجه الكائنات «الغازيَة» بتحويلها إلى غذاء؟

صيادون فلسطينيون قرب أحد شواطئ جنوب غزة (أ.ف.ب)
صيادون فلسطينيون قرب أحد شواطئ جنوب غزة (أ.ف.ب)

وثّق العلماء خلال السنوات القليلة الماضية نزوح آلاف الأنواع من الكائنات الحية، بعيداً عن خط الاستواء، وصعوداً باتجاه أعالي الجبال، وغوصاً نحو أعماق البحار. فعلى محيط الدائرة القطبية الشمالية، انتشرت الشجيرات ذات الأوراق المتساقطة، مثل الصفصاف وبعض أنواع البلوط، في مناطق السهول المنخفضة (التندرا). وفي شرق البحر المتوسط، استوطنت الأسماك المعروفة بالببغاء والأرنب غابات أعشاب البحر. وقبالة شواطئ تكساس، وجدت بعض أنواع المرجان القادمة من البحر الكاريبي في الجنوب موئلاً لها.
ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه نتيجة الاحترار العالمي؛ حيث تسعى الأنواع الحية التي تعتمد عليها المجتمعات لتعزيز قيمها الاقتصادية والثقافية والترفيهية، إلى تغيير نطاقها الحيوي للبقاء على قيد الحياة. ويعتبر علماء الأحياء انتقال الأنواع إلى موائل جديدة غزوات محتملة لأنواع غريبة لها القدرة على تهديد النظم الإيكولوجية المحلية والأنواع المقيمة سلفاً. ويستتبع ذلك وضع نهج حماية للأنواع الأصيلة، ونهج ترصُّد ومراقبة للأنواع الغريبة يصل إلى حد مكافحتها عند إخلالها بالتوازن البيئي.
- خسائر بمئات المليارات
لا يُعطي تصنيف الأنواع الحية إلى أصيلة أو غريبة تصوراً واضحاً عن التفاعلات التي قد تنشأ بين الأحياء وأثرها الاقتصادي والبيئي. فالموطن الأصلي للقمح مثلاً هو الشرق الأوسط؛ لكن زراعته تنتشر الآن في أغلب أرجاء العالم، وبينما الموطن الأصلي للطماطم هو أميركا الجنوبية، فقد انتقلت كنوع غريب إلى أوروبا ثم إلى بلدان العالم القديم.
وتوجد في بيولوجيا الغزو «قاعدة العشرات» التي تنص على أن 10 في المائة فقط من الأنواع الغريبة تستقر في موائل جديدة، وأن 10 في المائة فقط من تلك الأنواع قد تسبب ضرراً غير مرغوب فيه، أكان للاقتصاد أو النظام البيئي أو صحة الإنسان. وعلى الرغم من هذه النسب المنخفضة، تُقدّر الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الأنواع الغازية بالمليارات سنوياً. وتشير دراسة أعدّها علماء فرنسيون إلى أن خسائر العالم خلال السنوات بين 1970 و2017 بسبب الأنواع الغازيَة كانت نحو 1.3 تريليون دولار، وبمعدل وسطي يبلغ 26.8 مليار دولار سنوياً.
ويُخفي هذا المعدّل اتجاهاً مثيراً للقلق؛ إذ إن الخسائر السنوية كانت تتضاعف بمقدار 3 مرات في كل عقد، وبلغت الكلفة السنوية للأنواع الغازية 162.7 مليار دولار في عام 2017، وهو العام الأخير للبيانات التي لحظها الباحثون في دراستهم التي صدرت أخيراً.
وتجد دراسة أخرى أعدّها باحثون في جامعة جنوب فلوريدا، ونُشرت مطلع هذه السنة، أن الكلفة السنوية للأنواع الغازية في الولايات المتحدة قفزت من ملياري دولار في ستينات القرن الماضي إلى نحو 21 مليار دولار خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. وتخلص دراسة ثالثة، صدرت منتصف هذه السنة في دورية «نيوبيوتا»، إلى أن الخسائر الناتجة عن الأنواع الغازية في أوروبا بلغت 23.58 مليار دولار في 2013، وارتفعت إلى نحو 140 مليار دولار في 2020.
ويعلل كثيرون هذه الزيادة المطردة بتغيُّر المناخ العالمي، واتساع حركة النقل العالمية، ونشوء ممرات للأنواع الحية بين النظم البيئية التي كانت منفصلة. وتساهم الأنشطة البشرية عموماً في انتشار الأنواع الغازية، وغالباً ما يحمل الناس أثناء سفرهم أنواعاً حية غير مرغوب فيها. ويمكن أن تتسلل الحشرات في ألواح الخشب والصناديق التي يتم شحنها حول العالم، وتستطيع بذور بعض أنواع نباتات الزينة الانتقال من المنازل إلى البرية لتصبح غازية، كما أن بعض الأنواع الغازية هي حيوانات أليفة جرى إطلاقها عمداً أو عرضاً في الطبيعة.
وتسبب الأنواع الغازية ضرراً للحياة البرية بعدة طرق. وتفتقر بعض الأنظمة البيئية إلى مفترسات طبيعية تستطيع مواجهة الأنواع الجديدة والعدوانية الغريبة، أو ضوابط تحول دون تكاثرها وانتشارها بسرعة وسيطرتها على المنطقة. وقد لا تكون الحياة البرية الأصلية طوّرت بعد دفاعات ضد الغزاة، أو أنها لا تستطيع منافسة الأنواع التي ليست لديها مفترسات طبيعية.
وتشمل التهديدات المباشرة للأنواع الغازية افتراس الأنواع المحلية، والتغلُّب على الأنواع المحلية للحصول على الغذاء أو الموارد الأخرى، والتسبب في المرض أو نقله، ومنع الأنواع المحلية من التكاثر، أو قتل صغار الأنواع المحلية. ويمكن للأنواع الغازية تغيير شبكة الغذاء في النظام البيئي عن طريق تدمير أو استبدال مصادر الغذاء المحلية. وقد تغيِّر الأنواع الغازية وفرة أو تنوُّع الأنواع التي تعتبر موطناً مهماً للحياة البرية أو المائية المحلية.
- القضاء على الغزاة بالتهامهم
بمجرد ظهور الأنواع الغازية وانتشارها، تصبح السيطرة عليها صعبة ومكلفة للغاية. ولذلك فإن أفضل الطرق للتعامل مع الأنواع الغازية هي إنشاء آليات فعّالة لمنع إدخالها في المقام الأول، وإقامة أنظمة مراقبة للكشف عن الإصابات الجديدة، والتحرك بسرعة للقضاء على الغزاة الذين يجري اكتشافهم مبكراً.
وتنطوي الطرق التقليدية في القضاء على الأنواع الغازية بالسموم والمبيدات على مخاطر كبيرة على البيئة والأنواع الحية الأصيلة. بينما يُبدي حماة البيئة مخاوفهم من تقنيات الهندسة الوراثية التي تتيح إنتاج أجيال عقيمة من الأنواع الغازية، أو من خلال زيادة أعداد الذكور بشكل كبير مقارنة بأعداد الإناث. ويبدو التعديل الوراثي واعداً لمواجهة الأنواع الغازية في الجُزُر التي توفّر ظروف احتواء مناسبة، كما في إمكانية القضاء على البعوض الغازي في جُزُر هاواي، أو للسيطرة على القوارض في الجُزُر التي استوطنها البشر حديثاً.
من الخيارات الأخرى لمواجهة الأنواع الغازية هو التهامها، وهو اتجاه عرفته البشرية منذ زمن طويل كما في حالة التغذّي على أسراب الجراد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قبل استخدام المبيدات. ومن العلماء المعاصرين الذين روّجوا فن الطهو كأداة لمكافحة الغزو كان جو رومان، أستاذ الحفاظ على البيئة في جامعة فيرمونت الذي عرض وجهة نظره قائلاً: «إذا كان بإمكاننا اصطياد الأنواع المحلية حتى الانقراض، كما فعلنا منذ دهور، فلماذا لا نسلّط شهيتنا النهمة ضد الغزاة؟».
وقد تبنّت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في الولايات المتحدة خيار التهام الغزاة؛ حيث أطلقت عام 2010 حملة «تغذّوا على دجاجة البحر» لمواجهة انتشار الأسماك الغازية في خليج المكسيك والكاريبي، لا سيما سمكة دجاجة البحر التي تعرف أيضاً باسم سمكة الأسد.
وتُعتبر سمكة دجاجة البحر واحدة من بين أنواع خطيرة عدّة غزت البحر المتوسط، قادمة من المحيط الهندي عبر قناة السويس. ويغطي جسم السمكة مجموعة من الأشواك السامّة، وهي سمكة مفترسة وشرهة، وتُعتبر من الأنواع التنافسية، وتسبب عديداً من المشكلات للنظام البيئي المحلي وحيوانات المنطقة الأصلية. ومنذ سنوات قليلة، بدأ الصيادون في لبنان وسوريا في اصطياد هذه السمكة وتقديمها وجبة شهية يتطلب تحضيرها بعض الحذر.
ومن الأسماك الغازية الأخرى في البحر المتوسط التي يمكن تناولها بحذر، سمكة القط الثعباني المخطط، وسمكة البطاطا (السيجان) نظراً لاحتوائها على غدد سامّة تتطلب الحيطة عند صيدها وتحضيرها. بينما تصنّف أسماك البالون ضمن الأنواع السامّة الغازية التي يُمنع عرضها للبيع في الأسواق، نظراً لسمّيتها الشديدة.
ومن أنواع المياه العذبة الغازية سمكة الكارب التي تُعرف بأسماء محلية مختلفة، كالمبروك والشبوط والناصري والبحري. وينافس الكارب الأسماك المحلية على العوالق والحشائش، فيقلل من أعدادها، كما يتّصف بقدرته العالية على البقاء في الظروف القاسية مقارنة بغيره من الأنواع، كما في حالات انخفاض الأوكسجين وارتفاع الملوّثات. ويُستهلك الكارب كأحد أنواع الأسماك المنخفضة الثمن، ولكن يجب تحاشي تناوله عند تكاثره ضمن الأوساط الملوّثة.
وفي عالم النبات، كانت شجيرة القبّار إلى وقت قريب بمثابة نوعٍ غازٍ في سوريا؛ حيث أخذت تنتشر في الأراضي الزراعية شبه الجافة، وبدأت تفرض نفسها نوعاً دائم الخضرة مقاوماً لظروف المناخ القاسية. والقبّار نبات بري شائك، يصل قطر أغصانه إلى المترين وتصعب إزالته. ونتيجة الطلب العالمي على براعمه الزهرية كصنف من المقبّلات، تحوّل هذا النوع الغازي إلى نبات اقتصادي. ويبلغ ثمن الكيلوغرام الواحد من براعم القبّار محلياً نحو 3 دولارات، ويجري تخزينها بالماء المملح تمهيداً لتصديرها إلى أوروبا.
حول العالم، توجد عشرات الأنواع الغازية التي يمكن التغذّي عليها، مثل سرطان الشاطئ الآسيوي، وروبيان النمر الآسيوي، ونبتة البقلة (الرجلة)، وسمك السلور الأزرق، والهندباء البرية (الطرخشقون)، وسمك البياض النيلي، وغيرها. ولكن هل التهام المشكلة هو حل كامل لها؟
يجادل علماء في أن ترويج التغذي على الأنواع الغازية قد لا يمثل مقاربة سليمة لحل المشكلة لأسباب مختلفة، أهمها هو أن إنشاء سوق للأنواع الغازية يمثّل حافزاً لحمايتها من أجل الحفاظ على السوق، وقد يدفع ذلك لنشر الغازي لزيادة الأرباح. في سوريا على سبيل المثال، بدأ بعض المزارعين منذ سنتين في إكثار شجيرة القبّار في أراضيهم وإحلالها بديلاً عن أشجار أصيلة كالزيتون واللوز.
إن الترويج لحل لم يتم اختباره في ظل الغياب التام للأدلة على فعاليته، والفوائد الاقتصادية الواعدة دون اعتبار للتكلفة المحتملة، يقود المجتمع للاعتقاد بأن حلاً سريعاً سيكون موجوداً لأي غازٍ. ولذلك يجب تثقيف المجتمع حول طرق إدارة الأنواع الغازية، وعدم الاكتفاء بالحلول «غير الناضجة».


مقالات ذات صلة

تحذيرات متزايدة من ظاهرة «النينيو»... هل تتأثر بها المنطقة العربية؟

يوميات الشرق المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أعلنت أن هناك احتمالاً بنسبة 80 % لتطور ظاهرة «النينيو» الدافئة بين شهري يونيو وأغسطس (أ.ف.ب)

تحذيرات متزايدة من ظاهرة «النينيو»... هل تتأثر بها المنطقة العربية؟

دعت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، في بيان لها، الثلاثاء، دول العالم المختلفة إلى الاستعداد لظاهرة «النينيو».

أحمد حسن بلح (القاهرة)
أوروبا شاب يقفز من فوق جسر إلى مياه النهر في ليل بشمال فرنسا (أ.ب)

انقطاع للمياه عن مناطق بإنجلترا بسبب موجة حارة غير مسبوقة

انقطعت المياه عن آلاف الأسر في جنوب شرق إنجلترا، أو انخفض ضغطها، خلال موجة حارة غير مسبوقة اجتاحت المنطقة هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق القيظ كشف عزلةً كانت تختبئ خلف الأبواب المغلقة (أ.ف.ب)

«الموت الاجتماعي» يزحف في فرنسا تحت حرارة الأربعين

مع القبة الحرارية الطارئة، تعيش باريس موسماً صيفياً احتفالياً قبل الأوان...

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم سائحة تحت مظلة اتقاءً لأشعة الشمس أمام دير جيرونيموس في منطقة بيليم بالعاصمة البرتغالية لشبونة أمس (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة: الحرارة العالمية ستبقى عند مستويات قياسية حتى 2030

توقعت الأمم المتحدة، اليوم الخميس، أن تبقى معدلات درجات الحرارة العالمية «بمستويات قياسية أو شبه قياسية» خلال فترة 2026 إلى 2030.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
يوميات الشرق سياح يمرون أمام بائع هدايا تذكارية أمام ساعة بيغ بن خلال موجة حرّ في لندن 25 مايو 2026 (رويترز)

بريطانيا تسجّل حرارة قياسية لشهر مايو بلغت 33.5 درجة

سجّلت بريطانيا، الاثنين، أعلى درجة حرارة لشهر مايو (أيار)، وفقاً لهيئة الأرصاد الجوية الوطنية، بعدما وصلت إلى 33.5 درجة قرب لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».