بسبب السلاح الروسي... سباق تسلح صامت في غرب أفريقيا

جنود من «الحركة الوطنية لتحرير أزواد» في مدينة كيدال بمالي 26 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من «الحركة الوطنية لتحرير أزواد» في مدينة كيدال بمالي 26 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

بسبب السلاح الروسي... سباق تسلح صامت في غرب أفريقيا

جنود من «الحركة الوطنية لتحرير أزواد» في مدينة كيدال بمالي 26 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من «الحركة الوطنية لتحرير أزواد» في مدينة كيدال بمالي 26 أغسطس (أ.ف.ب)

منذ منتصف القرن العشرين والخوف يدفع الحكومات في غرب أفريقيا إلى اقتناء مزيد من الأسلحة. خوفٌ على المقاعد والمناصب، وخوفٌ من المتمردين والجيران، وحتى الخوف من الشعب. إلا أن السنوات الأخيرة ضاعفت الخوفَ مع صعود الإرهاب، فتضاعفت معه الرغبة لدى هذه الحكومات في اقتناء مزيد من السّلاح، لتصبح المنطقة واحدة من أهم الأسواق التي يتنافسُ عليها تجارُه، وكانت دولة مالي المهددة في وجودها والأكثر خوفاً على مستقبلها، في قلب عاصفة الصراع بين تجار السّلاح ومروجيه.
مالي التي احتل تنظيم «القاعدة» قبل عشر سنوات أجزاء واسعة من أراضيها، وعاشت منذ ذلك الوقت حرباً شرسة لاستعادة الاستقرار دون جدوى، يحكمها اليوم بقوة السّلاح، ضباط أغلبهم من مواليد مطلع ثمانينات القرن الماضي، يصفهم خصومهم بالمغرورين عديمي الخبرة والتجربة، بينما يرى فيهم أنصارهم الأبطالَ الذين امتلكوا شجاعة أخذ زمام المبادرة وطرد المستعمر الفرنسي السابق بعد أن عاد تحت ذريعة «الحرب على الإرهاب».
ولكن هؤلاء الضباط في حقيقة الأمر إنما ألغوا صفقات سلاح كانت ستوقع مع الفرنسيين، وتوجهوا نحو روسيا لعقد شراكة عسكرية وأمنية، مكنتهم خلال عامين فقط من امتلاك تجهيزات عسكرية وأسلحة لم يكن الجيش المالي يحلم بها، مع خدمات خاصة تقدمها مجموعة «فاغنر» الروسية، دون أن تُعرف تفاصيل الصفقة، ولا ما ستدفعه مالي الفقيرة مقابل هذا السّلاح، غير أن موسكو بكل تأكيد ربحتْ موطئ قدم لها في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، حيث أصبحت تتمركزُ الحرب العالمية ضد الإرهاب، وحيث سوق الأسلحة النشطة والواعدة.
في منتصف شهر أبريل (نيسان) الماضي، جلس الكولونيل آسيمي غويتا رئيس مالي الانتقالي، كان بالقرب منه وزير دفاعه القوي الكولونيل ساديو كامرا، ليتصدرا احتفالية ضخمة بتسليم مروحيات عسكرية وأسلحة متنوعة مقبلة من موسكو، كان السفير الروسي إيغور غروميكو حاضراً إلى جانبهما، مستمتعاً بشمس باماكو الحارقة، ومزهواً بحجم التقدير الذي يحظى به في مدينة شيّدها الفرنسيون مطلع القرن العشرين، حين كانوا أسياد البلد، اليوم يحتفي الماليون بسفير موسكو بعد أن طردوا سفير باريس، وغادر آخر جندي فرنسي بلادهم.

عسكريون ماليون يتسلمون شحنة أسلحة روسية في 9 أغسطس (إ.ب.أ)

لا يهتم الماليون لدخول قادتهم الجدد في صراع جيو - استراتيجي أكبر من دولتهم الهشة والمهددة، وإنما يعقدون كثيراً من الأمل على السّلاح الروسي، من أجل قلب موازين القوة لصالح جيشهم في حربه ضد تنظيمي «القاعدة» و«داعش» اللذين يسيطران على مناطق من البلاد، ولكن هذا السّلاح من شأنه أن يغير المعادلة في شبه المنطقة، فقد أُشعل سباق تسلح صامت بين جيران مالي، وهم يخشون تكرار السيناريو الليبي، حين سقط سلاح القذافي قبل أكثر من عشر سنواتٍ، في أيدي جماعات إرهابية وإجرامية، أشعلت ليبيا وجيرانها في الساحل الأفريقي، حريق لا يزال مستمراً حتى اليوم، بل إن دائرة لهبه تتسع وتتسع.
> جيش مبادر
الضباط الشبان الذين يحكمون مالي، أعلنوا كثيراً من الوعود منذ البداية، ولكن وعدهم الأكبر كان إعادة بناء الجيش، حتى يكون جيشاً مبادراً وقادراً على الهجوم، بدل الاختباء وانتظار هجمات الإرهابيين ليقوم بعد ذلك بردّةِ فعلٍ باردة وبطيئة، كان شعارهم في ذلك «الصعود القوي»، وتحت ذلك الشعار أبرموا اتفاقياتهم مع روسيا، فلم يتأخر سلاح موسكو كثيراً.
السفير الروسي في باماكو أصبح أكثر حضوراً في الإعلام المحلي، وكثيراً ما يوجه إلى الماليين رسائل التطمين؛ تحدث مرة قائلاً إن «روسيا لن تدخر أي جهد في سبيل تعزيز تعاونها مع مالي، على الصعيد السياسي والأمني والعسكري، ولن يقف أي أحد في وجه صداقتنا وأخوتنا»، ثم أضاف: «روسيا ستقف دوماً إلى جانب مالي لمساعدتها، وأنا متأكد من أن مالي من جانبها سوف تساعدنا».
كان التحدي الأكبر أمام حكام مالي الجدد هو تحقيق نتائج على الأرض، لأن ذلك هو السبيل لإقناع شعبهم بأن استبدال الروس بالفرنسيين لم يكن خطأ ولا قراراً طائشاً، وهم الذين يدفعون ثمن قرارهم غالياً على شكل حصار اقتصادي وسياسي فرضته دول غرب أفريقيا المتحالفة مع فرنسا. وبالفعل تحققت سريعاً نتائج على الأرض، وبدأ الجيش المالي في شن هجمات فعالة ضد مقاتلي «القاعدة» و«داعش»، ولكن ذلك لا يعني تحقيق النصر، لأن الجماعات الإرهابية هي الأخرى غيرت استراتيجيتها، واقتربت أكثر من العاصمة باماكو، ذلك ما يؤكده سيديك آبَّا، وهو صحافي وكاتب من النيجر يقيم في فرنسا، مختص في ملفات الأمن والإرهاب في أفريقيا.
سيديك آبَّا الذي ألف كثيراً من الكتب حول التحديات الأمنية في منطقة غرب أفريقيا، من أشهرها كتابه «رحلة إلى عمق بوكو حرام»، قال في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن «التعاون الثنائي بين مالي وروسيا، سمح لسلطات مالي بالحصول على كثير من المعدات العسكرية، منها نصف دزينة من مروحيات سوكوي وميغ 35 وميغ 21، وطائرات شحن الجنود، إلى جانب كميات هائلة من الأسلحة الفردية، وبشكل خاص مدافع الكلاشنيكوف».
> الهجمات الإرهابية
وأكد الكاتب والصحافي النيجري أن السّلاح الروسي «مكن الجيش المالي من تحسين قدرته على التنقل، ليصبح أكثر حيوية وفاعلية، ما غير بعضَ الأمور في الميدان، إذ إنه قبل التعاون العسكري مع روسيا، كان الجيش في وضعية الدفاع عن النفس، تقبع وحداته في الثكنات مكتفية بصد الهجمات الإرهابية، ولكنها لا تبادر أبداً بالهجوم، ومنذ أن توجه الماليون نحو التعاون العسكري مع روسيا، وقطعوا خطوات ملموسة لتطوير هذا التعاون، خصوصاً فيما يتعلق بالقدرات الجوية والاستخباراتية، أصبح الجيش المالي يشن هجمات ضد قواعد الإرهابيين، وهذا بحد ذاته كان تغيراً كبيراً في موازين المواجهة على الميدان».
يضيف الصحافي الذي يتابع عن كثب التطورات على الأرض، أن جيش مالي حقق «بعض النتائج الإيجابية ميدانياً، على شكل انتصارات في وسط البلاد»، إلا أن الصحافي يبدي بعض التحفظ، مشيراً إلى أن «هذا التحسن في قدرات الجيش المالي لا يعني أن الوضع الأمني في منطقة الساحل قد تغير إلى الأحسن، لأنه حتى إن تحسنت الأمور في مالي، إن لم يشمل ذلك بقية الدول المجاورة، فالوضع سيبقى دوماً يسوده التعقيد».
التحسن الذي أدخله السلاح الروسي على قدرات جيش مالي، ووجود مقاتلي «فاغنر» إلى جانب الجنود الماليين، لا يزال غير كافٍ للقضاء على بؤر الإرهاب، وهنا يؤكد الصحافي سيديك آبَّا: «في الوقت الذي يحقق فيه الجيش المالي بعض الانتصارات والنتائج الإيجابية، لا يزال الوضع الأمني معقداً جداً في البلد، إذ إنه منذ أيام قليلة لاحظنا أن الجماعات الإرهابية حققت هي الأخرى توسعاً نحو مناطق جديدة، ونفذت هجمات قبل أيام معدودة في مناطق من مالي لم تكن أبداً داخل دائرة نفوذها، في محافظتي كوليكورو وخاي، جنوب البلاد»، ويضيف في السياق ذاته، أن «الملاحظة الثانية التي توقفنا عندها مؤخراً، هي أن المجموعات الإرهابية نفذت ست هجمات متزامنة في مدن مختلفة، وهو أمر لم يسبق أن حدث في مالي».
> سباق تسلح
النموذجُ الذي قدمته مالي، حين تخلت عن الشراكة التقليدية مع المستعمر الفرنسي السابق، واستبدلت به حضن الدب الروسي، يثير انتباه بقية دول الساحل وغرب أفريقيا التي تراقب التجربة المالية، وفي حالة ما إذا نجحت الأمور في مالي، فسيكون الوضعُ سيئاً بالنسبة للفرنسيين.
تلك هي الفكرة التي يدافعُ عنها مامادو سوادوغو، وهو خبير أمني من بوركينا فاسو، قال في حديث مع «الشرق الأوسط»، إنه لا يستبعدُ اتساع دائرة النفوذ الروسي في غرب أفريقيا، وأضاف: «بإمكان روسيا أن تخلق سوقاً كبرى لبيع سلاحها في المنطقة، إذ يمكننا اعتبار دولة مالي البوابة التي ستدخل منها هذه الأسلحة منطقة غرب أفريقيا، فهنالك عدة دول تراقب الوضع في مالي، وحين تتحقق نتائج ملموسة على الأرض ويقلب السلاح الروسي المعادلة، لا شك أنَّ هذه الدول ستحذو حذو باماكو».
إلا أن الخبير الأمني البوركينابي يستدركُ قائلاً إن «فرنسا تملك نفوذاً قوياً في غرب أفريقيا، حيث مستعمراتها السابقة، وإن كانت قد أخذت على حين غرّة في مالي، فإنها يقظة جداً الآن، وأي دولة تفكر في أن تسلك طريق مالي مستقبلاً ستواجه ضغوطاً قوية لن تكون قادرة على تحملها». ولكن الكاتب النيجري المختص في قضايا الأمن والإرهاب سيديك آبَّا، لديه رأي آخر، إذ يقول: «لست متأكداً من أن النموذج الذي اعتمدته سلطات مالي يثير اهتمام دول الساحل وغرب أفريقيا»، ويشرحُ سيديك آبَّا رأيه بالقول: «على سبيل المثال بوركينا فاسو قررت أن تسلك طريقاً مختلفاً، وهو الاعتماد على نفسها، فشكلت وحدات عسكرية خاصة بمحاربة الإرهاب، وأعادت تمركزها خارج العاصمة، تحديداً في المناطق الأكثر تضرراً من الهجمات».
ويضيف في السياق ذاته، أن «النيجر اختارت تعزيز شراكتها العسكرية والأمنية مع فرنسا، واستقبلت أكثر من ألف جندي فرنسي انسحبوا من مالي، كما توجهت النيجر إلى شراء الأسلحة التركية، فأبرمت صفقة لشراء مروحيات وطائرات من دون طيار تركية الصنع، نفس الطائرات بدأت بوركينا فاسو تخطط لشرائها».
ويؤكد سيديك آبَّا أن «لكل بلد مقاربته الخاصة، ولا أعتقد أن هنالك بلداناً في شبه المنطقة قد تقلد مالي في شراكتها مع موسكو، وأنا شبه متأكد من ذلك»، مشيراً في السياق ذاته إلى أن «السلاح الروسي ليس بالغريب على منطقة الساحل، رغم أن الحديث عنه زاد مؤخراً، ولكننا نعلم أن النيجر اقتنت في السابق مروحيات ميغ من موسكو لمحاربة تمرد الطوارق، وهنالك كميات كبيرة من السلاح الروسي في منطقة الساحل، لعبت أدواراً كبيرة في حركات التمرد والحروب، ومن هنا يمكنني القول إن السلاح الروسي لن يكونَ جزءاً من الحل، ولا أي سلاحٍ آخر».
وعبر الكاتب النيجري عن قلقه حيال سباق «التسلح الصامت» الدائر في غرب أفريقيا، وهو سباق سببه الأول رغبة القوى الدولية في بيع أسلحتها، وقال في هذا السياق، إن «منطقة غرب أفريقيا أصبحت سوقاً كبيرة للسلاح، ولكن هذا السلاح لم يغير أي شيء وإنما زاد من تعقيد الأوضاع الأمنية، إذ يكفي أن نعلم أن نيجيريا من أجل مواجهة جماعة بوكو حرام، أنفقت 1.3 مليار دولار على السلاح الأميركي، خلال حكم دونالد ترمب وما مضى من حكم جو بايدن».
> تهريب السلاح
وفي ظل القلق المتنامي من سباق التسلح الصامت في غرب أفريقيا، يعتقدُ الباحث الموريتاني المختص في الشأن الأفريقي محفوظ ولد السالك، أن الوضع يجعلُ مالي مقبلة على «السيناريو الأسوأ»، معتمداً على التجارب السابقة للسّلاح الروسي في أفريقيا، ويوضح في حديثه مع «الشرق الأوسط»، أنه «قياساً على بعض البلدان الأفريقية الأخرى، التي دخلتها مجموعة فاغنر، وحظيت بالدعم العسكري الروسي، على غرار ليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية وغيرها، فإن مالي مقبلة على سيناريو أكثر خطورة مما هو متوقع».
وأضاف في السياق ذاته، أن الدول التي سبق أن دخلها السلاح الروسي، ضمن سباق التسلح العالمي «تشهد نشاطاً كبيراً لمهربي السّلاح، وهذا ما فتح جبهات أمنية أخرى أشد خطورة، وأصبح السلاح نشاطاً تجارياً ومصدر تمويل مربحاً، تستفيد منه حتى الجماعات المسلحة نفسها، وهكذا تنتقل عدوى عدم الاستقرار إلى دول أخرى آمنة، وهذا السيناريو هو ما يُخشى تكراره في منطقة الساحل، بعد الوجود العسكري الروسي المتنامي في مالي».
ولم يستبعد الباحث الموريتاني أن تتحول دولة مالي في المستقبل القريب إلى «مصدر لتهريب السلاح»، وفي ذلك خطر كبير يثير قلق دول الجوار، وأضاف: «السّلاح الروسي المتفقد على مالي سيعمق الانتهاكات الإنسانية والحقوقية في البلد، ويذكي الصراع بين مكوناته الاجتماعية، وستكون (فاغنر) هي الرابحُ الأول حينها، فمن ناحية تستفيد من المتاجرة بالسلاح ونشاط التهريب في المنطقة، ومن ناحية أخرى تستفيد من استغلال موارد مالي الطبيعية، لأن ميزانية الدولة على المدى المتوسط لن تكون قادرة على توفير الـ10 ملايين دولار شهرياً، التي يتحدث الغرب عن أنها مبلغ الصفقة بين باماكو وفاغنر».
ويضيف ولد السالك أن «وسائل إعلام مالية قالت إن فاغنر تمتلك نسبة 78 في المائة من أسهم الشركة الوطنية المسؤولة عن تعدين الذهب وتكريره، كما قالت وسائل إعلام أميركية إن المجموعة الروسية ابتعثت جيولوجيين وخبراء للتنقيب إلى مالي، وكل ذلك يؤكد استغلال موارد مالي مقابل السّلاح، رغم أن فرنسا لم تكن بالطبع استثناء من ذلك، ولن يسلم منه أي حليف دولي آخر، الفرق فقط يكمن في الطرق والآليات»، على حد تعبيره.
> التدخل الدولي
أمام الوضع الأمني المتردي في منطقة الساحل، والمستقبل الغامض والمليء بالشك، لا تتقاعس حكومات دول غرب أفريقيا عن حضور معارض السلاح التي تقامُ عبر العالم سنوياً، وتعقد على هامشها صفقات واتفاقيات تُنفقُ فيها مليارات الدولار، في سباق محموم بدأ يظهر على شكل توتر في العلاقات بين دول المنطقة.
وقال الخبير الأمني البوركينابي مامادو سوادوغو في حديثه مع «الشرق الأوسط»، إن صراع القوى الدولية على سوق السلاح في غرب أفريقيا «أصبح يؤثر على العلاقات بين الدول، وشاهدنا كيف تدهورت العلاقات بين النيجر ومالي، حين قررت الأخيرة التوجه نحو موسكو بدل باريس، وقررت الأولى تعزيز شراكتها مع باريس، وهنا تحضر الأجندات الخارجية لتعقد الوضع على الأرض، لأن التنسيق الأمني بين مالي والنيجر توقف بشكل شبه تام، والمستفيد الأول هو الجماعات الإرهابية، الشيء نفسه حدث بين مالي وبوركينا فاسو، فالعلاقات ليست في أفضل حال، وشاهدنا أيضاً الأزمة التي وقعت بين مالي وكوت ديفوار». وأضاف الخبير الأمني والعسكري أن «الصراع الدولي ألقى بظلاله على شبه المنطقة، فالعلاقات بين دول غرب أفريقيا تعيش واحدة من أصعب فتراتها، وذلك من تداعيات الصراع بين المعسكر الغربي من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى».
أما الكاتب والصحافي النيجري سيديك آبَّا، فيعتقد أن على دول الساحل التوجه نحو «السلاح الأفريقي» كبديل للسلاح الغربي والروسي، مشيراً إلى أن هنالك عدة دول أفريقية تطورت فيها الصناعة العسكرية، على غرار مصر وجنوب أفريقيا، ولكن الكاتب النيجري يقدم فكرته ضمن ما يسميه مشروع «التضامن الأفريقي»، من خلال إيجاد حلول أفريقية للمشاكل الأفريقية. وأوضح الكاتب النيجري أن «التضامن الأفريقي هو الضامن الوحيد لمنع التدخلات الخارجية، التي من شأنها أن تجعل الدول الأفريقية في مواجهة، بعضها مع بعض، فعلى سبيل المثال فرنسا قد تعمل على الإيقاع بين مالي والنيجر، أو الإيقاع بين مالي وكوت ديفوار، وتركيا قد تقوم بالشيء نفسه، والصين أيضاً وروسيا، إنها لعبة المصالح التي تتحكم في كل شيء».
من جانبه، يعتقدُ الباحث الموريتاني المختص في الشأن الأفريقي محفوظ ولد السالك، أن «إيجاد مقاربة أفريقية محلية بعيدة عن الارتهان للأطراف الدولية، تعوقه الوسائل والقدرات، لأن أفريقيا غير قادرة على إنتاج سلاحها ومتطلباتها التنموية، وبالتالي ستظل دائماً بحاجة لسند دولي في معارك الأمن والتنمية والاستقرار».
ويخلص ولد السالك إلى أن «التدخل الأجنبي في أفريقيا يوفر حماية سياسية لكثير من الأنظمة السياسية، التي تريد البقاء في السلطة مهما كلفها ذلك، والثمنُ غالباً ما يكون مدفوعاً من الثروات القابعة في باطن الأرض، من ذهب ونفط وغاز».


مقالات ذات صلة

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

العالم إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

أعلنت السلطات المعينة من روسيا في القرم إسقاط طائرة مسيرة قرب قاعدة جوية في شبه الجزيرة التي ضمتها روسيا، في حادثة جديدة من الحوادث المماثلة في الأيام القليلة الماضية. وقال حاكم سيفاستوبول ميخائيل رازفوجاييف على منصة «تلغرام»: «هجوم آخر على سيفاستوبول. قرابة الساعة 7,00 مساء (16,00 ت غ) دمرت دفاعاتنا الجوية طائرة من دون طيار في منطقة قاعدة بيلبيك».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

حذّر مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل روسيا، اليوم الخميس، من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين الذي اتهمت موسكو كييف بشنّه، لتكثيف هجماتها في أوكرانيا. وقال بوريل خلال اجتماع لوزراء من دول الاتحاد مكلفين شؤون التنمي«ندعو روسيا الى عدم استخدام هذا الهجوم المفترض ذريعة لمواصلة التصعيد» في الحرب التي بدأتها مطلع العام 2022. وأشار الى أن «هذا الأمر يثير قلقنا... لأنه يمكن استخدامه لتبرير تعبئة مزيد من الجنود و(شنّ) مزيد من الهجمات ضد أوكرانيا». وأضاف «رأيت صورا واستمعت الى الرئيس (الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
العالم هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، صباح اليوم (الخميس)، نقلاً عن خدمات الطوارئ المحلية، أن حريقاً شب في جزء من مصفاة نفط في جنوب روسيا بعد هجوم بطائرة مسيرة. وقالت «تاس»، إن الحادث وقع في مصفاة «إلسكاي» قرب ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود. وأعلنت موسكو، الأربعاء، عن إحباط هجوم تفجيري استهدف الكرملين بطائرات مسيرة، وتوعدت برد حازم ومباشر متجاهلة إعلان القيادة الأوكرانية عدم صلتها بالهجوم. وحمل بيان أصدره الكرملين، اتهامات مباشرة للقيادة الأوكرانية بالوقوف وراء الهجوم، وأفاد بأن «النظام الأوكراني حاول استهداف الكرملين بطائرتين مسيرتين».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

تثير الهجمات وأعمال «التخريب» التي تكثّفت في روسيا في الأيام الأخيرة، مخاوف من إفساد الاحتفالات العسكرية في 9 مايو (أيار) التي تعتبر ضرورية للكرملين في خضم حربه في أوكرانيا. في الأيام الأخيرة، ذكّرت سلسلة من الحوادث روسيا بأنها معرّضة لضربات العدو، حتى على بعد مئات الكيلومترات من الجبهة الأوكرانية، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. تسببت «عبوات ناسفة»، الاثنين والثلاثاء، في إخراج قطارَي شحن عن مساريهما في منطقة محاذية لأوكرانيا، وهي حوادث لم يكن يبلغ عن وقوعها في روسيا قبل بدء الهجوم على كييف في 24 فبراير (شباط) 2022. وعلى مسافة بعيدة من الحدود مع أوكرانيا، تضرر خط لإمداد الكهرباء قرب بلدة في جنو

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.


«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.