نحو دروب آمنة للتسامح

البصيرة الإنسانية تحتم القول بالهوية المركبة

نحو دروب آمنة للتسامح
TT

نحو دروب آمنة للتسامح

نحو دروب آمنة للتسامح

العنف هو سلوك موجه نحو هدف معين بقصد الإيذاء، أو بنية الإيذاء. وقد يكون ماديا أو معنويا. وقد تكون أسبابه نابعة من الطبيعة الإنسانية، على أساس أن العدوان أمر متجذر وأصيل في الإنسان. لكن هناك من يرى أن العنف قد يكون محركه ثقافيا، فنسمع بالقتل باسم الدين أو العرق أو اللون أو اللغة. إضافة إلى ذلك، هناك من يرى سببا آخر للعنف، يتجلى في اعتقاد البعض بأنهم يملكون الحقيقة، مما يعطيهم شعورا بالاستعلاء على الكل، واعتبار الآخر على ضلال، ومن ثم وجب تقويمه وردعه ولو بالتصفية الجسدية. الأمر الذي ينطبق على الناطقين باسم السماء ممن يعطون لأنفسهم فقط، جواز الحديث باسم الله. أما الآخرون فهم قاصرون عن الاتصال بالسماء، يحتاجون التوجيه والتقويم والإرشاد إلى السبيل. بل المراقبة والعقاب لكل من زاغ عن الجادة، المعتقد أنها الصواب.
سنحاول في هذه المقالة الوقوف عند ظاهرة التطرف الديني التي غالبا ما تفضي إلى العنف بكل أنواعه، مركزين على جوانب الحل لهذه الظاهرة التي تنخر بعض المجتمعات، مستلهمين بعض المرجعيات الكبرى باعتبارها أفقا للتفكير، مثل جون لوك وكانط وجاكلين روس.

يعتقد بعض الناس أنهم مفوضون من الله مباشرة، وأنهم هم المؤهلون لإرشاد الناس إلى السماء. فيهبون أنفسهم سمة القداسة إلى درجة يصبح الخارج عنهم في غي وضلال. وقد يقتلونه بدم بارد باسم طهرانية مزعومة. وقد يزداد الأمر سوءا عندما يتملك هؤلاء الناس السلطة، فتصبح لهم مخالب للبطش بكل من يخالف توجههم أو مذهبهم. ولنا في تاريخ أوروبا وبالضبط إنجلترا القرن السادس عشر والسابع عشر، درس كبير يمكن الاستفادة منه، حيث ظهرت صراعات وتطاحنات ما بين الكاثوليك والبروتستانت بشكل تناوبي، تغذيها إمكانات السلطة لدى كل طرف، إلى درجة الاضطهاد والفتنة التي نجمت عنها تلك الحرب الأهلية المشهورة سنة 1642. الأمر الذي أدى ببعض الفلاسفة إلى التفكير في حلول لهذه الحروب باسم الدين، ومن بينهم الفيلسوف جون لوك، الذي سيكتب «رسالة في التسامح»، ويقصد التسامح الديني. وكانت البذرة الأساس لحرية المعتقد التي ستصبح ركنا ركينا في المنظومة الحقوقية للزمن الحديث، حيث سيؤكد فيها على فكرة أن: لكل واحد أن يختار ويسمح للآخر، وفي هدوء، أن يختار طريقه إلى السماء، من دون حقد أو ضغينة. كما سيدافع لوك عن استقلالية الفرد الدينية إلى أبعد مدى. فليس للحاكم المدني أي سلطة على أفراد شعبه فيما يتصل بالدين، لأن أمور الدين تخص الفرد والله فقط. يقول لوك: «كلها بين الله وبيني أنا». ويصرح أيضا بأنه: «ليس من المعقول أن يكل الناس إلى الحاكم المدني سلطة أن يختار لهم الطريق إلى النجاة، إنها مسألة خطيرة لا يمكن التسليم بها». فالحاكم مسؤول على المحافظة على الخيرات المدنية وهي: الحياة والحرية والمساواة وحق الملكية فقط، ولا شأن له بعالم الروح. بل يرى لوك أن المرء إذا ما أخطأ في العبادة، فإنه لا يضر بأحد آخر غيره. إذن لوك يرى أن نجاة الروح من اختصاص الفرد نفسه. فهو من هذه الناحية، حر طليق، وهو أعلم بالدرب الآمن لنجاته. إضافة إلى ذلك، يوصي لوك الحاكم المدني بألا يمنع الناس من ممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية. فالمخالف لنا في الدين يجب علينا عدم قهره باستخدام القوة ضده كي يغير دينه، بل علينا في مقابل ذلك، أن نقنعه بأن «يصير صديقا للدولة». وبهذا نجد أن أفكار لوك كانت دعامة أساسية نحو اللائكية، بجعله نجاة الروح خلاصا فرديا، وضمان الخيرات الدنيوية خلاصا جماعيا.
كانط: الدين التاريخي سبب في التطرف الديني
إن كانط لا يعول أبدا على الدين النظامي التاريخي. فهو مرتبط عنده بالضرورة بالصراع. لأن كل من لا يعترف به سوف يسمى كافرا، وتنزل عليه الكراهية. أما الذي يبتعد عنه قليلا، فهو ضال وينبغي تحاشيه. أما ومن يعترف به ويختلف عنه، فيما هو جوهري، فيسمى هرطقيا.
ويعول كانط على خلاف ذلك على الدين المحض، فهو الوحيد الأجدر في لم شمل البشرية وإبعادها عن العنف والتضارب. لهدا يدعو كانط إلى ضبط اللغة جيدا في مسألة الدين، والتي يجب فصلها عن المعتقد. فمن الأنسب أن نقول إن هذا الإنسان على معتقد المسيحية أو اليهودية أو الإسلام. فهذه حسب كانط، ليست دينا بل معتقدات، لأن الدين الحق واحد. وهو لا يرتكز على الوحي القادم من التاريخ، بل هو متعال يقوم على أساس العقل.
إن كانط لا يستنكف عن التذكير بالبون الشاسع ما بين الدين التاريخي العرضي والدين الأخلاقي المتعالي. فهو ومن دون ملل، يرسم الحدود الواضحة بين الشعائر التي هي مجرد «قشور» دينية مرهونة بظروف الزمان والمكان، ودين الأخلاق العقلي الشمولية، التي يمكن تبليغها وتعميمها لكل البشر، ما دام العقل هو أعدل قسمة بين الناس. كما أننا نجد أن كانط يوجه نعوتا جد سلبية للدين التاريخي، أو الدين النظامي. فمثلا يسميه بدين السخرة والارتزاق والذل، وليس إيمان الأحرار. فالإيمان الشعائري هو إيمان الكفارة التي تنوب عن، أي هو إيمان تسديد الدين بحيث يعتقد صاحبها أن السبيل إلى إرضاء الرب هو الاكتفاء بالعبادات. لكن حقيقة الأمر، هي أن هذه العبادات لا تمتلك أي قيمة خلقية لأنها أفعال قائمة على الخوف أو الرجاء، والتي يمكن لإنسان شرير أن يقوم بها. أما إيمان العقل، فهو إيمان خارج إطار تقنيات التعبد، بحيث يصبح للمرء إمكانية أن يكون مرضيا عنه من قبل الرب، بأن يسير في الحياة مستقبلا بسيرة حسنة. بمعنى آخر، يريد كانط أن يقول: إذا ما تساءلنا حول ما السبيل كي يرضى الله عنك؟ فالجواب هو أن تعمل بجهد وكد وفق سيرة حسنة، وأن تنصاع لقوانين العقل العملي باعتبارها أوامر إلهية مقدسة، وبعدها تنتظر الأمل الرباني.

* روس: الهوية المركبة والاعتراف بالمختلف
ينطلق المتطرف عموما وفي المجال الديني خصوصا، من اعتقاد مفاده أن مسألة الهوية الإنسانية تتسم، أو يجب أن تتسم، بالصفاء والطهر، وأن الآخر المختلف يدنسها. لذلك وجب اجتثاثه من الذات وطرده. فهو غريب ودخيل ومشوش لنقاء الهوية.
وقبل الخوض في موضوع الهوية الشائك والملغوم، نحتاج بداية، إلى تحديد من هو الغير الغريب؟ إنه غالبا نعت نطلقه على الأجنبي، والمتطفل، والمستعمر المهدد لاستقرار الجماعة وانسجامها، ولكن أيضا يطلق على المختلف عنا: دينا ولونا وعرقا ولغة وحزبا ونقابة. وإذا ما سألنا عما هو رد الفعل الطبيعي تجاه الغريب؟ فسيكون الجواب: الحذر والنفور والكراهية والحقد والنبذ والإقصاء والحرب. وهو مشهد يمكن تلمسه حتى في مملكة الحيوان، التي بالأكيد لنا ما يربطنا بها. ويكفي لذلك ضرب المثال التالي: أليس الديك المهيمن على الدجاجات يحارب أي ديك ذكر وافد عليه حد التقاتل. بل أليس الأسد عندما يهاجم عرين أسد آخر يأكل أشباله لأنهم لا يمتون بصلة إلى صلبه. لكن نحن الكائنات الإنسانية، وٳن كانت لنا حيوانية في شق، فنحن نخجل من ذلك، ونتوق إلى عالم ثقافي يرفع مستوى الإنسان إلى ما يستحقه. فنسعى إلى خلق الحق سياسيا. ونتوق إلى مملكة تسودها العدالة. كما أننا نريد بلوغ النبل الأخلاقي كأقصى تمظهر للإنسان. وإذا كان الأمر كذلك، فإن العدوان تجاه الغريب، الذي هو الجذر الأصيل في الإنسان، يجابه ويقاوم من طرف الإنسان نفسه. بعبارة أخرى، إذا كان الإنسان بالطبيعة يتجه نحو النفور من الغريب، فهو بالثقافة يتجه نحو التقرب منه. وهو ما يفسر لنا مساعي الأديان والحكماء نحو خلق عالم سلمي من التآخي ما بين بني آدم مهما كانت اختلافاتهم، التي غالبا لا يسمع صوتها لسوء الحظ.
سأقف في هذه المسألة عند موقف طريف لفيلسوفة بلغارية اسمها جوليا كريستيفا. وهي من مواليد 1941. وصاحبة كتاب عنوانه «غرباء في دواخلنا»، كتبته لتبرز أن من نسميه الغير الغريب الأجنبي، هو في حقيقة أمره يستوطن الذات. فالآخر ينطلق غريبا في بدايته عن ذواتنا، ليصبح بعد ذلك جزءا لا يتجزأ منها. فمثلا إذا سالت عن من هو المغربي؟ فيستحيل عليك أن تقول إنه عربي فقط، أو إنه أمازيغي فقط. فالهوية النقية الصافية الخالصة لا محل لها من الوجود. فالمغربي في عمقه، هو مزيج من عناصر عدة. إنه: أمازيغي، وعربي، وإسلامي، وأندلسي، وأفريقي. بل حتى غربي، على أساس أن في المغرب برلمانا ودستورا وحكومة ومنظمات حقوقية بالمقاييس الغربية. إذن، نعم نحن نتحرك بهوية واحدة، ولكنها هوية مخصبة وهجين من عناصر تشكلت مع التاريخ، وهو الأمر الذي جعل جوليا كريستيفا تقول: «الغريب يسكننا على نحو غريب».
إذا ما سلمنا بفكرة جوليا كريستيفا، نصل إلى النتيجة التالية: عوضا عن بغض الغريب الأجنبي وكرهه، وجب التسامح معه والقبول به. لأننا أصلا، نحمل الأجانب في دواخلنا. وإذا لم نفعل ذلك، فلنستعد لتمزق الذات الجماعية. وهذا ما يفسر لنا الحروب الطائفية داخل الذات نفسها. لأن الجماعة في هذه الحالة، لم تستوعب كون الأجنبي قابعا في نفس هذه الذات.
إذن، عندما يكبر الإنسان ويصل إلى سن الرشد، قد يسلك في حياته كما لو أنه يتملك هوية صافية ينعتها بالأنقى والأصفى، وبكل ما يمت إلى الطهرانية بصلة. فنجده يدافع باستماتة، عن هذه الهوية، ويعتبر كل ما عداها من الهويات ناقصا أو مهددا له، إلى درجة العنف حد التصفية الجسدية. لكن لو تأمل المرء ذاته، لاكتشف أن ما يسميه الغير المختلف، هو في حقيقته، يعتمل في جوفه، ولو لا شعوريا. فكل إنسان في حقيقته، لا يحمل طبقة واحدة يدعي أنها هي هويته، بل يحمل طبقات أخرى متراصة، منها البارز ومنها المخفي الذي يكاد يظهر، وكلها هويات قادمة من عمق التاريخ الذي جاء به الآخر، بأي سبيل يسمح بالتلاقح، أو التثاقف بين الذات والغير، سواء كان بالغزو أو عن طريق التجارة أو الترجمة.
ولتعضيد فكرة جوليا كريستيفا، سأستحضر الكاتب الشهير أمين معلوف، في مؤلفه «الهويات القاتلة» المكتوب بالفرنسية والمترجم إلى العربية، من طرف نبيل محسن، الذي يقول في مقدمته: إنه يجيب دائما عندما يسأل: هل يشعر، وهو الكاتب اللبناني الذي غادر لبنان منذ 1976. بالاستقرار في فرنسا؟ إنه لبناني أم فرنسي؟ بكونه «هذا وذاك»! ويؤكد على أن هذا الجواب ليس فيه حرص على التوازن والمساواة، وإنما لو أجاب عكس ذلك، فسيكون كاذبا. فأمين معلوف لديه دائما إحساس أنه على تخوم بلدين، وبلغتين أو ثلاث. وتجتاح ذاته تقاليد متعددة. وهذا كله هو هويته. ويضيف متسائلا: هل سأكون أكثر أصالة إن اقتطعت جزءا من ذاتي؟ فهو إذن لبناني وفرنسي معا. فالهوية وكما يردد دائما في كتابه الشيق، هي نعم هوية واحدة لكن بعناصر متعددة. والتنكر لهذه العناصر هو تمزيق للذات وفتح الباب للعنف على مصراعيه.



في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.