نحو دروب آمنة للتسامح

البصيرة الإنسانية تحتم القول بالهوية المركبة

نحو دروب آمنة للتسامح
TT

نحو دروب آمنة للتسامح

نحو دروب آمنة للتسامح

العنف هو سلوك موجه نحو هدف معين بقصد الإيذاء، أو بنية الإيذاء. وقد يكون ماديا أو معنويا. وقد تكون أسبابه نابعة من الطبيعة الإنسانية، على أساس أن العدوان أمر متجذر وأصيل في الإنسان. لكن هناك من يرى أن العنف قد يكون محركه ثقافيا، فنسمع بالقتل باسم الدين أو العرق أو اللون أو اللغة. إضافة إلى ذلك، هناك من يرى سببا آخر للعنف، يتجلى في اعتقاد البعض بأنهم يملكون الحقيقة، مما يعطيهم شعورا بالاستعلاء على الكل، واعتبار الآخر على ضلال، ومن ثم وجب تقويمه وردعه ولو بالتصفية الجسدية. الأمر الذي ينطبق على الناطقين باسم السماء ممن يعطون لأنفسهم فقط، جواز الحديث باسم الله. أما الآخرون فهم قاصرون عن الاتصال بالسماء، يحتاجون التوجيه والتقويم والإرشاد إلى السبيل. بل المراقبة والعقاب لكل من زاغ عن الجادة، المعتقد أنها الصواب.
سنحاول في هذه المقالة الوقوف عند ظاهرة التطرف الديني التي غالبا ما تفضي إلى العنف بكل أنواعه، مركزين على جوانب الحل لهذه الظاهرة التي تنخر بعض المجتمعات، مستلهمين بعض المرجعيات الكبرى باعتبارها أفقا للتفكير، مثل جون لوك وكانط وجاكلين روس.

يعتقد بعض الناس أنهم مفوضون من الله مباشرة، وأنهم هم المؤهلون لإرشاد الناس إلى السماء. فيهبون أنفسهم سمة القداسة إلى درجة يصبح الخارج عنهم في غي وضلال. وقد يقتلونه بدم بارد باسم طهرانية مزعومة. وقد يزداد الأمر سوءا عندما يتملك هؤلاء الناس السلطة، فتصبح لهم مخالب للبطش بكل من يخالف توجههم أو مذهبهم. ولنا في تاريخ أوروبا وبالضبط إنجلترا القرن السادس عشر والسابع عشر، درس كبير يمكن الاستفادة منه، حيث ظهرت صراعات وتطاحنات ما بين الكاثوليك والبروتستانت بشكل تناوبي، تغذيها إمكانات السلطة لدى كل طرف، إلى درجة الاضطهاد والفتنة التي نجمت عنها تلك الحرب الأهلية المشهورة سنة 1642. الأمر الذي أدى ببعض الفلاسفة إلى التفكير في حلول لهذه الحروب باسم الدين، ومن بينهم الفيلسوف جون لوك، الذي سيكتب «رسالة في التسامح»، ويقصد التسامح الديني. وكانت البذرة الأساس لحرية المعتقد التي ستصبح ركنا ركينا في المنظومة الحقوقية للزمن الحديث، حيث سيؤكد فيها على فكرة أن: لكل واحد أن يختار ويسمح للآخر، وفي هدوء، أن يختار طريقه إلى السماء، من دون حقد أو ضغينة. كما سيدافع لوك عن استقلالية الفرد الدينية إلى أبعد مدى. فليس للحاكم المدني أي سلطة على أفراد شعبه فيما يتصل بالدين، لأن أمور الدين تخص الفرد والله فقط. يقول لوك: «كلها بين الله وبيني أنا». ويصرح أيضا بأنه: «ليس من المعقول أن يكل الناس إلى الحاكم المدني سلطة أن يختار لهم الطريق إلى النجاة، إنها مسألة خطيرة لا يمكن التسليم بها». فالحاكم مسؤول على المحافظة على الخيرات المدنية وهي: الحياة والحرية والمساواة وحق الملكية فقط، ولا شأن له بعالم الروح. بل يرى لوك أن المرء إذا ما أخطأ في العبادة، فإنه لا يضر بأحد آخر غيره. إذن لوك يرى أن نجاة الروح من اختصاص الفرد نفسه. فهو من هذه الناحية، حر طليق، وهو أعلم بالدرب الآمن لنجاته. إضافة إلى ذلك، يوصي لوك الحاكم المدني بألا يمنع الناس من ممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية. فالمخالف لنا في الدين يجب علينا عدم قهره باستخدام القوة ضده كي يغير دينه، بل علينا في مقابل ذلك، أن نقنعه بأن «يصير صديقا للدولة». وبهذا نجد أن أفكار لوك كانت دعامة أساسية نحو اللائكية، بجعله نجاة الروح خلاصا فرديا، وضمان الخيرات الدنيوية خلاصا جماعيا.
كانط: الدين التاريخي سبب في التطرف الديني
إن كانط لا يعول أبدا على الدين النظامي التاريخي. فهو مرتبط عنده بالضرورة بالصراع. لأن كل من لا يعترف به سوف يسمى كافرا، وتنزل عليه الكراهية. أما الذي يبتعد عنه قليلا، فهو ضال وينبغي تحاشيه. أما ومن يعترف به ويختلف عنه، فيما هو جوهري، فيسمى هرطقيا.
ويعول كانط على خلاف ذلك على الدين المحض، فهو الوحيد الأجدر في لم شمل البشرية وإبعادها عن العنف والتضارب. لهدا يدعو كانط إلى ضبط اللغة جيدا في مسألة الدين، والتي يجب فصلها عن المعتقد. فمن الأنسب أن نقول إن هذا الإنسان على معتقد المسيحية أو اليهودية أو الإسلام. فهذه حسب كانط، ليست دينا بل معتقدات، لأن الدين الحق واحد. وهو لا يرتكز على الوحي القادم من التاريخ، بل هو متعال يقوم على أساس العقل.
إن كانط لا يستنكف عن التذكير بالبون الشاسع ما بين الدين التاريخي العرضي والدين الأخلاقي المتعالي. فهو ومن دون ملل، يرسم الحدود الواضحة بين الشعائر التي هي مجرد «قشور» دينية مرهونة بظروف الزمان والمكان، ودين الأخلاق العقلي الشمولية، التي يمكن تبليغها وتعميمها لكل البشر، ما دام العقل هو أعدل قسمة بين الناس. كما أننا نجد أن كانط يوجه نعوتا جد سلبية للدين التاريخي، أو الدين النظامي. فمثلا يسميه بدين السخرة والارتزاق والذل، وليس إيمان الأحرار. فالإيمان الشعائري هو إيمان الكفارة التي تنوب عن، أي هو إيمان تسديد الدين بحيث يعتقد صاحبها أن السبيل إلى إرضاء الرب هو الاكتفاء بالعبادات. لكن حقيقة الأمر، هي أن هذه العبادات لا تمتلك أي قيمة خلقية لأنها أفعال قائمة على الخوف أو الرجاء، والتي يمكن لإنسان شرير أن يقوم بها. أما إيمان العقل، فهو إيمان خارج إطار تقنيات التعبد، بحيث يصبح للمرء إمكانية أن يكون مرضيا عنه من قبل الرب، بأن يسير في الحياة مستقبلا بسيرة حسنة. بمعنى آخر، يريد كانط أن يقول: إذا ما تساءلنا حول ما السبيل كي يرضى الله عنك؟ فالجواب هو أن تعمل بجهد وكد وفق سيرة حسنة، وأن تنصاع لقوانين العقل العملي باعتبارها أوامر إلهية مقدسة، وبعدها تنتظر الأمل الرباني.

* روس: الهوية المركبة والاعتراف بالمختلف
ينطلق المتطرف عموما وفي المجال الديني خصوصا، من اعتقاد مفاده أن مسألة الهوية الإنسانية تتسم، أو يجب أن تتسم، بالصفاء والطهر، وأن الآخر المختلف يدنسها. لذلك وجب اجتثاثه من الذات وطرده. فهو غريب ودخيل ومشوش لنقاء الهوية.
وقبل الخوض في موضوع الهوية الشائك والملغوم، نحتاج بداية، إلى تحديد من هو الغير الغريب؟ إنه غالبا نعت نطلقه على الأجنبي، والمتطفل، والمستعمر المهدد لاستقرار الجماعة وانسجامها، ولكن أيضا يطلق على المختلف عنا: دينا ولونا وعرقا ولغة وحزبا ونقابة. وإذا ما سألنا عما هو رد الفعل الطبيعي تجاه الغريب؟ فسيكون الجواب: الحذر والنفور والكراهية والحقد والنبذ والإقصاء والحرب. وهو مشهد يمكن تلمسه حتى في مملكة الحيوان، التي بالأكيد لنا ما يربطنا بها. ويكفي لذلك ضرب المثال التالي: أليس الديك المهيمن على الدجاجات يحارب أي ديك ذكر وافد عليه حد التقاتل. بل أليس الأسد عندما يهاجم عرين أسد آخر يأكل أشباله لأنهم لا يمتون بصلة إلى صلبه. لكن نحن الكائنات الإنسانية، وٳن كانت لنا حيوانية في شق، فنحن نخجل من ذلك، ونتوق إلى عالم ثقافي يرفع مستوى الإنسان إلى ما يستحقه. فنسعى إلى خلق الحق سياسيا. ونتوق إلى مملكة تسودها العدالة. كما أننا نريد بلوغ النبل الأخلاقي كأقصى تمظهر للإنسان. وإذا كان الأمر كذلك، فإن العدوان تجاه الغريب، الذي هو الجذر الأصيل في الإنسان، يجابه ويقاوم من طرف الإنسان نفسه. بعبارة أخرى، إذا كان الإنسان بالطبيعة يتجه نحو النفور من الغريب، فهو بالثقافة يتجه نحو التقرب منه. وهو ما يفسر لنا مساعي الأديان والحكماء نحو خلق عالم سلمي من التآخي ما بين بني آدم مهما كانت اختلافاتهم، التي غالبا لا يسمع صوتها لسوء الحظ.
سأقف في هذه المسألة عند موقف طريف لفيلسوفة بلغارية اسمها جوليا كريستيفا. وهي من مواليد 1941. وصاحبة كتاب عنوانه «غرباء في دواخلنا»، كتبته لتبرز أن من نسميه الغير الغريب الأجنبي، هو في حقيقة أمره يستوطن الذات. فالآخر ينطلق غريبا في بدايته عن ذواتنا، ليصبح بعد ذلك جزءا لا يتجزأ منها. فمثلا إذا سالت عن من هو المغربي؟ فيستحيل عليك أن تقول إنه عربي فقط، أو إنه أمازيغي فقط. فالهوية النقية الصافية الخالصة لا محل لها من الوجود. فالمغربي في عمقه، هو مزيج من عناصر عدة. إنه: أمازيغي، وعربي، وإسلامي، وأندلسي، وأفريقي. بل حتى غربي، على أساس أن في المغرب برلمانا ودستورا وحكومة ومنظمات حقوقية بالمقاييس الغربية. إذن، نعم نحن نتحرك بهوية واحدة، ولكنها هوية مخصبة وهجين من عناصر تشكلت مع التاريخ، وهو الأمر الذي جعل جوليا كريستيفا تقول: «الغريب يسكننا على نحو غريب».
إذا ما سلمنا بفكرة جوليا كريستيفا، نصل إلى النتيجة التالية: عوضا عن بغض الغريب الأجنبي وكرهه، وجب التسامح معه والقبول به. لأننا أصلا، نحمل الأجانب في دواخلنا. وإذا لم نفعل ذلك، فلنستعد لتمزق الذات الجماعية. وهذا ما يفسر لنا الحروب الطائفية داخل الذات نفسها. لأن الجماعة في هذه الحالة، لم تستوعب كون الأجنبي قابعا في نفس هذه الذات.
إذن، عندما يكبر الإنسان ويصل إلى سن الرشد، قد يسلك في حياته كما لو أنه يتملك هوية صافية ينعتها بالأنقى والأصفى، وبكل ما يمت إلى الطهرانية بصلة. فنجده يدافع باستماتة، عن هذه الهوية، ويعتبر كل ما عداها من الهويات ناقصا أو مهددا له، إلى درجة العنف حد التصفية الجسدية. لكن لو تأمل المرء ذاته، لاكتشف أن ما يسميه الغير المختلف، هو في حقيقته، يعتمل في جوفه، ولو لا شعوريا. فكل إنسان في حقيقته، لا يحمل طبقة واحدة يدعي أنها هي هويته، بل يحمل طبقات أخرى متراصة، منها البارز ومنها المخفي الذي يكاد يظهر، وكلها هويات قادمة من عمق التاريخ الذي جاء به الآخر، بأي سبيل يسمح بالتلاقح، أو التثاقف بين الذات والغير، سواء كان بالغزو أو عن طريق التجارة أو الترجمة.
ولتعضيد فكرة جوليا كريستيفا، سأستحضر الكاتب الشهير أمين معلوف، في مؤلفه «الهويات القاتلة» المكتوب بالفرنسية والمترجم إلى العربية، من طرف نبيل محسن، الذي يقول في مقدمته: إنه يجيب دائما عندما يسأل: هل يشعر، وهو الكاتب اللبناني الذي غادر لبنان منذ 1976. بالاستقرار في فرنسا؟ إنه لبناني أم فرنسي؟ بكونه «هذا وذاك»! ويؤكد على أن هذا الجواب ليس فيه حرص على التوازن والمساواة، وإنما لو أجاب عكس ذلك، فسيكون كاذبا. فأمين معلوف لديه دائما إحساس أنه على تخوم بلدين، وبلغتين أو ثلاث. وتجتاح ذاته تقاليد متعددة. وهذا كله هو هويته. ويضيف متسائلا: هل سأكون أكثر أصالة إن اقتطعت جزءا من ذاتي؟ فهو إذن لبناني وفرنسي معا. فالهوية وكما يردد دائما في كتابه الشيق، هي نعم هوية واحدة لكن بعناصر متعددة. والتنكر لهذه العناصر هو تمزيق للذات وفتح الباب للعنف على مصراعيه.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.