لماذا يحلق الدوري الإنجليزي بعيداً عن الدوريات الأوروبية الأخرى؟

إنفاق غير مسبوق لأنديته... ونجوم ساطعة ومدربون عالميون يتسابقون على الانضمام إليه

هالاند… ماكينة أهداف جذبها الدوري الإنجليزي  (رويترز)
هالاند… ماكينة أهداف جذبها الدوري الإنجليزي (رويترز)
TT

لماذا يحلق الدوري الإنجليزي بعيداً عن الدوريات الأوروبية الأخرى؟

هالاند… ماكينة أهداف جذبها الدوري الإنجليزي  (رويترز)
هالاند… ماكينة أهداف جذبها الدوري الإنجليزي (رويترز)

هل تتذكرون الفترة التي تفشى فيها وباء «كورونا»؟ وهل تتذكرون أننا كنا نعتقد آنذاك أن كل شيء لن يعود مرة أخرى إلى ما كان عليه قبل هذا الوباء؟ وهل تتذكرون عندما كنا نعتقد أن الضرر الذي لحق بالأوضاع المالية لكرة القدم كان شديدا لدرجة أن أسعار انتقالات اللاعبين لن تتعافى أبدا؟ لقد كنا على حق إلى حد ما آنذاك، لكن خلال الصيف الجاري أنفقت أندية الدوري الإنجليزي الممتاز 2.25 مليار يورو (1.94 مليار جنيه إسترليني)، أكثر مما أنفقته أندية الدوري الإسباني الممتاز والدوري الإيطالي الممتاز والدوري الألماني الممتاز والدوري الفرنسي الممتاز مجتمعة.
بل إن صافي الإنفاق كان جديرا بالملاحظة بشكل أكبر، حيث بلغ صافي ما أنفقته أندية الدوري الإنجليزي الممتاز 1.35 مليار يورو، في حين جاء الدوري الإسباني الممتاز في المركز الثاني بفارق كبير مقابل 52.44 مليون يورو (ويعود السبب في ذلك إلى المبالغ المالية الكبيرة التي أنفقها برشلونة على تدعيم صفوفه بعد لجوئه إلى الرافعة المالية).
لقد أنفق نوتنغهام فورست أكثر مما أنفقته جميع أندية دوري الدرجة الأولى في إنجلترا، وجميع الأندية البرازيلية مجتمعة. ومع كل المخاوف بشأن ما إذا كان العدد الهائل للاعبين الجدد لنوتنغهام فورست سيتأقلمون مع بعضهم البعض أم لا، فربما تكون هذه هي الطريقة الوحيدة للأندية الصاعدة حديثا حتى تكون قادرة على المنافسة في الدوري الإنجليزي الممتاز. وإلا فما هو البديل؟ فمن يريد أن يكون مثل نادي بورنموث، الذي يُنظر إليه باحتقار لأنه أنفق 27 مليون يورو فقط، رغم أن هذا هو المبلغ الذي أنفقته جميع أندية الدوري اليوناني الممتاز على تدعيم صفوفها؟ من ناحية، يعد هذا أمرا مثيرا للغاية بالطبع، لأنه يجعلنا نرى لاعبين بارزين مثل إيرلينغ هالاند وداروين نونيز وكاسيميرو يلعبون في الدوري الإنجليزي الممتاز. وكل يوم، نشعر بالإثارة والمتعة ونحن نرى أنديتنا تتعاقد مع لاعبين جدد مقابل 20 مليون يورو أو 50 مليون يورو أو حتى 100 مليون يورو.
وتؤدي هذه الانتقالات الكبيرة إلى إحدى تلك الظواهر النادرة التي يبدو أنها تفيد الجميع؛ من اللاعبين الذين يحصلون على رواتب أعلى؛ ووكلاء اللاعبين الذين يحصلون على نسبة مالية من الصفقة؛ والمديرين الذين يمكنهم التباهي بعد التعاقد مع نجم بارز أو تهنئة أنفسهم على براعتهم في إفشال انتقال أحد اللاعبين البارزين إلى ناد منافس؛ والمسوقين الذين يمكنهم بناء مشروعات جديدة حول دماء جديدة؛ والمشجعين الذين يمكنهم أن يحلموا بأن هذا اللاعب أو ذاك هو آخر لاعب يحتاج إليه فريقهم حتى يصل إلى مرحلة الكمال؛ والصحافيين الذين يقومون بتغطية الشائعات ويحللون المكان المناسب للاعب الجديد، ويتحدثون عن معنى كل ذلك في مقالات مثل هذا المقال. وبالتالي، لا عجب أن هناك الآن ثقافة فرعية مغرمة بسوق انتقالات اللاعبين أكثر من اهتمامها باللعبة الفعلية. لكن هذا لا يمكن أن يكون صحيا أبدا.

كاسيميرو جاء في قائمة أغلى عشر صفقات في تاريخ يونايتد (إ.ب.أ)

لا يمكن أن يكون من الجيد لكرة القدم الإنجليزية أن تكون الفجوة بين الدوري الإنجليزي الممتاز ودوري الدرجة الأولى كبيرة جدا للدرجة التي تجعل نوتنغهام فورست يتعاقد مع عدد هائل من اللاعبين الجدد حتى يمكنه اللعب في الدوري الإنجليزي الممتاز بعد صعوده. وكيف يمكن أن يكون المالكون الوحيدون القادرون على المنافسة على الدوري الإنجليزي الممتاز هم صناديق التحوط، وصناديق الاستثمار العامة، والأثرياء، ورجال الأعمال الروس؟
في الحقيقة، لا يمكن أن يكون من الجيد للعبة على مستوى العالم ككل إذا انتهى الأمر بتركز معظم الثروات، وبالتالي المواهب، في بلد واحد. وبينما أثر الوباء على الأوضاع المالية لكل الأندية في القارة، فإن الدوري الإنجليزي الممتاز - الذي يعيش في كوكب آخر بسبب الأموال الضخمة التي يحصل عليها من عائدات البث التلفزيوني، وحقيقة أن الكثير من مالكي الأندية لا يعتمدون على عائدات تذاكر المباريات أو أي نوع من الإيرادات التجارية التي تعتمد على وجود المتفرجين في الملعب - قد وجد أن مكانته المهيمنة والمسيطرة قد تحسنت بشكل أكبر.
إن عملية تفريغ اللاعبين الموهوبين من الدوريات في هولندا والبرتغال واسكوتلندا وبلجيكا والدول الاسكندنافية ودوريات وسط وشرق أوروبا تحدث الآن في إسبانيا وإيطاليا وألمانيا وفرنسا. ربما ستستمر الأندية الكبرى، المدعومة بالتاريخ وشبكة من المشجعين في جميع أنحاء العالم، في الازدهار والنمو، لكن العقبة الرئيسية أمام الدوري الإنجليزي الممتاز لاستقطاب أفضل المواهب في عالم كرة القدم هي وزارة الداخلية ولوائح تصاريح العمل الغامضة، وليس أي شيء آخر!
وربما يكون هناك شيء مثير للجدل بشكل خاص بشأن الإنفاق بالنظر إلى الصورة الاقتصادية العامة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة، بالشكل الذي يهدد الملايين بالفقر واحتمالية إفلاس عشرات الآلاف من الشركات (بما في ذلك أندية كرة القدم في الدوريات الأدنى، والتي قد تصبح تكاليف الأضواء الكاشفة بالنسبة لها تقريبا مستحيلة)، فإن فكرة دفع 100 مليون يورو للتعاقد مع أنطوني (أو 5 ملايين يورو للتعاقد مع كالفين رامزي) تجعل المرء يشعر بالاستياء. بل ووصل الأمر إلى أن حتى اللاعبين المتوسطين إلى حد ما يكسبون في أسبوع واحد أكثر مما يحصل عليه الممرض أو المعلم في سنة بأكملها. لكن الأمر يتعلق بالهيكل الاقتصادي ككل، وفي هذا الصدد، فإن المسألتين - أسعار الطاقة ورسوم الانتقال إلى الدوري الإنجليزي الممتاز - ليستا منفصلتين.
ففي كرة القدم الإنجليزية حتى عام 1983 كانت 20 في المائة من عائدات بيع التذاكر تذهب للفريق الضيف، بينما كان يعاد توزيع 4 في المائة بين أندية دوريات المحترفين التي يصل عددها إلى 92 ناديا. وكانت عائدات البث التلفزيوني يتم تقاسمها بالتساوي بين كل ناد حتى عام 1985، عندما قسمت «اتفاقية هيثرو» عائدات البث التلفزيوني، بحيث تذهب 50 في المائة إلى أندية الدوري الممتاز، وخفضت النسبة التي توزع على جميع أندية دوريات المحترفين إلى 3 في المائة. وأدى انطلاق الدوري الإنجليزي الممتاز بشكله الجديد في عام 1992 إلى إنهاء تقاسم عائدات البث التلفزيوني وتم تخفيض المبلغ الذي يدفع إلى جميع أندية دوريات المحترفين إلى ما مجموعه ثلاثة ملايين جنيه إسترليني. وأدى انطلاق دوري أبطال أوروبا في نفس العام إلى زيادة تدفق الأموال إلى الأندية الكبرى.
لقد استغرق الأمر ثلاثة عقود، لكن كانت هذه هي النتيجة. وكلما زاد ثراء النادي، زادت قدرته على الإنفاق على التعاقدات الجديدة وقلت النتائج المترتبة على القرارات السيئة. وحتى في لعبة منظمة تلعب فيها الروابط والعلاقات بين اللاعبين دورا لا يقل أهمية عن اللاعبين أنفسهم - كما قال فاليري لوبانوفسكي - فإن المال هو أكبر عامل محدد للنجاح، لأسباب كثيرة ليس أقلها أن الأندية الأكثر ثراءً تستطيع التعاقد مع أفضل المدربين والمديرين الرياضيين. وبالتالي، يؤدي الإنفاق إلى النجاح الذي يؤدي إلى الحصول على جوائز مالية أكبر وعائدات أكبر من البث التلفزيوني ومشاركة الجماهير، وهو ما يؤدي إلى مزيد من النجاح. ومن دون إعادة توزيع العائدات المالية بشكل ما، ومن دون بعض اللوائح التي تمنع ظهور عمالقة لا يمكن إيقافهم، سيصبح الأغنياء أكثر ثراءً وسيكتفي البقية برؤيتهم وهم يحلقون على مسافة بعيدة منهم، وهم يعلمون جيدا أنهم حتى إذا نجحوا في تطوير لاعب شاب أو اكتشفوا جوهرة تساعدهم ولو بشكل مؤقت على سد هذه الفجوة، فسينقض الأثرياء سريعا لإغراء هذا اللاعب الشاب والتعاقد معه.
وتتمثل المفارقة في أن أحد الدوافع الرئيسية لشعبية الدوري الإنجليزي الممتاز على مستوى العالم هو التقسيم العادل نسبيا لعائدات البث التلفزيوني، وهو الأمر الذي ساهم في استمرار وجود درجة من القدرة التنافسية الغريبة عن معظم الدوريات في البلدان الأخرى. لكن هذا الأمر بدأ يتآكل الآن. ونتيجة لذلك، بدأت حتى الأندية المتوسطة والصغيرة في الدوري الإنجليزي الممتاز تنفق بسخاء لمجرد مواكبة ذلك. لقد أنفقت سبعة أندية أكثر من 100 مليون يورو هذا الصيف، وهي المبالغ التي تتجاوز قدرات بقية أندية العالم. ومع ذلك، قد لا تنجح بعض هذه الأندية في إنهاء الموسم في النصف الأول من جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز!


مقالات ذات صلة


بعد 20 عاماً من ليلة برلين... كيف يقود كانافارو أحلام أوزبكستان المونديالية؟

فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)
فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)
TT

بعد 20 عاماً من ليلة برلين... كيف يقود كانافارو أحلام أوزبكستان المونديالية؟

فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)
فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)

أعاد الإيطالي فابيو كانافارو رسم ملامح مسيرته المهنية بالعودة إلى الواجهة المونديالية بعد مرور عقدين كاملين على ليلته التاريخية في برلين عام 2006، ولكن هذه المرة من المقعد الفني مديراً فنياً لمنتخب أوزبكستان في كأس العالم 2026. لم يكن جلوس كانافارو على المقاعد الفنية لمنتخب أوزبكستان مجرد حدث عابر في أروقة المونديال الحالي، بل هو تلاقٍ تاريخي بين جيلين وثقافتين يفصلهما عقدان من الزمان وعامران بالأمجاد الكروية، المدافع الذي قاد كتيبة «الأزوري» للتتويج بالذهب العالمي في برلين عام 2006، والذي ارتدى قميص بلاده في 136 مباراة دولية تاريخية، يعود اليوم إلى المعترك العالمي متسلحاً برصيد أسطوري يضعه كآخر مدافع في التاريخ يجمع بين الكرة الذهبية وجائزة أفضل لاعب في العالم في عام واحد.

فابيو كانافارو يحتفل بتتويج إيطاليا بكأس العالم 2006 (أ.ف.ب)

هذا الحصاد الكروي الهائل الذي بناه كانافارو عبر محطات عملاقة في نابولي، وبارما، ويوفنتوس، وريال مدريد تحول اليوم إلى مادة تعليمية دسمة وتكتيك صارم يلقنه للاعبي أوزبكستان، بهدف كسر رهبة الظهور الأول في التاريخ للذئاب البيضاء في نهائيات كأس العالم

هذه المفارقة الزمنية تعزز من القيمة التكتيكية والإعلامية التي تبحث عنها أوزبكستان لإثبات حضورها بين كبار اللعبة، معتمدة على عقلية بطل عالم سابق يعرف جيداً كيف تُدار المعارك الاستراتيجية الكبرى فوق المستطيل الأخضر.

ظهور تاريخي فوق العشب المكسيكي

فابيو كانافارو يوجه لاعبيه خلال المباراة (أ.ب)

سجل كانافارو ظهوره التدريبي الأول على خط التماس المونديالي في مواجهة مثيرة جرت على أرضية ملعب «أزتيكا» العريق بالمكسيك، واصطدم المنتخب الأوزبكي بطموح ونضج نظيره الكولومبي، لينتهي اللقاء بخسارة أوزبكستان بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد لحساب المجموعة الحادية عشرة. ورغم الفارق الفني الواضح الذي أظهره الجناح الكولومبي لويس دياز، فإن بصمة المدافع الإيطالي ظهرت جلياً في التنظيم الدفاعي الصارم، حيث اعتمد على طريقة ثلاثة مدافعين في الخلف لتطبيق دفاع الخط العالي والحد من خطورة خاميس رودريغيز ومنع الاختراقات العميق لوسط الميدان.

لغة الأرقام التكتيكية... تفاصيل الملحمة الافتتاحية لـ«الذئاب البيضاء»

فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (إ.ب.أ)

أظهرت إحصائيات المباراة الافتتاحية لمنتخب أوزبكستان تحت إشراف كانافارو ملامح أسلوبه الذي يحاول غرسه في عقول لاعبيه، حيث اعتمد الفريق على إغلاق المساحات والارتداد السريع، مما جعل نسبة الاستحواذ تميل للمنافس الكولومبي بسبع وستين في المائة مقابل ثلاثة وثلاثين في المائة للذئاب البيضاء، وعلى مستوى التمرير، نجح لاعبو أوزبكستان في إكمال مائتين وأربع وستين تمريرة ناجحة من أصل ثلاثمائة وثلاثين محاولة، بنسبة دقة بلغت ثمانين في المائة، مع القيام بسبع تسديدات كاملة نحو المرمى أسفرت إحداها عن تسجيل النجم الشاب عباس بيك فايزولاييف الهدف التاريخي الأول لبلاده في المونديال.

حسابات المجموعة... رهان التأهل قائم في الجولات المقبلة

كانافارو (رويترز)

لم تُغلق خسارة الجولة الأولى باب الآمال أمام المنتخب الأوزبكي في حسابات التأهل عن المجموعة؛ إذ تظل الفرصة سانحة للتعويض والتمسك بحظوظ العبور إلى الأدوار الإقصائية بناءً على النظام الحالي للبطولة. وينتظر منتخب أوزبكستان اختبارين مصيريين في قادم الأيام، حيث يواجهون منتخب البرتغال المدجج بالنجوم في مدينة هيوستن يوم الثالث والعشرين من يونيو (حزيران) الحالي، قبل الانتقال إلى مدينة أتلانتا في السابع والعشرين من الشهر ذاته لخوض المواجهة الحاسمة ضد جمهورية الكونغو الديمقراطية لتحديد الترتيب النهائي للمجموعة.


«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً

«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً
TT

«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً

«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً

يشهد التاريخ الرياضي المعاصر كتابة فصول استثنائية فوق الملاعب الأميركية، حيث لم يعد التقدم في السن حائلاً دون معانقة المجد المونديالي، إذ فتحت بطولة كأس العالم 2026 أبوابها الحصرية لتدشين حقبة كروية غير مسبوقة يتصدرها «نادي الأربعين». لعقود طويلة، ظل الأسطورة الكاميروني روجيه ميلا محتفظاً بلقب «الظاهرة النادرة» بوصفه لاعب الساحة الوحيد الذي تجاوز هذا الحاجز السني في نهائيات كأس العالم، إلا أن هذه الهيمنة الفردية تلاشت تماماً في المونديال الحالي بعد انضمام ثلاثة من أبرز عمالقة العصر الحديث، ليتحول الصراع التقليدي بين الأجيال إلى استعراض علني لصلابة الجسد والالتزام الاحترافي، متجاوزاً حسابات الزمن الجافة وصعوبة المنافسة في أعلى المستويات العالمية.

روجيه ميلا... الأب الروحي لـ«المعجزة الأفريقية» وصاحب الرقصة الخالدة

الكاميروني روجيه ميلا (ويكيبيديا)

لا يمكن الحديث عن صمود الأربعين دون العودة إلى الجذور التي غرسها القناص الكاميروني روجيه ميلا، الذي يظل الأيقونة الكلاسيكية الملهمة لهذا النادي التاريخي. ففي مونديال الولايات المتحدة عام 1994، وفوق الملاعب ذاتها التي تستضيف الحدث الحالي، نجح ميلا في هز شباك المنتخب الروسي وهو بعمر 42 عاماً و39 يوماً، مرتدياً قميصه الأخضر الشهير رقم 9 ومتوجاً بلقب أكبر هداف في تاريخ كأس العالم. رقصة ميلا الشهيرة عند راية الركنية لم تكن مجرد احتفال عابر، بل كانت إعلاناً رسمياً لولادة مفهوم جديد للياقة البدنية عند المهاجمين الأفارقة، وشرارة الأمل الأولى التي أثبتت للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والعالم أجمع أن الشغف باللعبة قادر على ترويض أحكام الشيخوخة الرياضية.

رونالدو في النسخة السادسة... حضور قيادي يزن ذهباً

المخضرم كريستيانو رونالدو قائد منتخب البرتغال (إ.ب.أ)

رغم شح التهديف تتجه الأنظار بالدرجة الأولى نحو البرتغالي كريستيانو رونالدو، الذي بات يمثل واجهة هذا النادي الاستثنائي بظهوره التاريخي في نسخته المونديالية السادسة، محققاً رقماً قياسياً كأكبر لاعب ساحة يشارك أساسياً بعمر 41 عاماً و132 يوماً، ورغم أن ظهوره في الملحمة الافتتاحية لمنتخب بلاده أمام جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي انتهت بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله، كشف عن تراجع نسبي في مساهماته التهديفية المعتادة باكتفائه بلمس الكرة 25 مرة داخل الملعب منها 5 لمسات فقط في منطقة الخصم، فإن وجود القائد صاحب القميص رقم 7 يظل ثقلاً تكتيكياً ونفسياً لا غنى عنه في حسابات المدرب والجماهير البرتغالية على حد سواء.

لوكا مودريتش... مهندس «التمرير المثالي» الذي لا يشيخ

المخضرم لوكا مودريتش قائد منتخب كرواتيا (رويترز)

في وسط الميدان وفي السياق نفسه من الإبهار الكروي، يقف الساحر الكرواتي لوكا مودريتش علامة فارقة أخرى تتحدى أحكام السنين. قاد مودريتش، البالغ من العمر 40 عاماً و9 أشهر و8 أيام، خط وسط كرواتيا بقميصه رقم 10 في مواجهة عاصفة ضد إنجلترا انتهت بخسارة فريقه بأربعة أهداف مقابل هدفين. وعلى مدار 58 دقيقة أمضاها فوق العشب الأخضر قبل استبداله، قدم النجم المخضرم درساً بليغاً في هندسة التمرير محققاً نسبة دقة بلغت 100في المائة في تمريراته، ومثبتاً للجميع أن الرؤية الكروية الفذة والقدرة على التحكم بالإيقاع لا تفقدان بريقهما، بل تزدادان نضجاً وعمقاً مع تقدم الأعمار والخبرات المتراكمة.

إدين دجيكو يكمل المربع الذهبي

إدين دجيكو قائد منتخب البوسنة المخضرم (د.ب.أ)

واكتملت أركان هذا المربع الذهبي النادر بالهجومات البدنية الشرسة التي خاضها البوسني المخضرم إدين دجيكو، ليصبح الاسم الرابع في هذا المحفل المونديالي الموقر. دجيكو، الذي ارتدى قميصه رقم 11 مدافعاً عن ألوان البوسنة والهرسك أمام سويسرا في اللقاء الذي انتهى بخسارة فريقه بأربعة أهداف لهدف، ظهر فوق أرضية الملعب لمدة 63 دقيقة كاملة. ورغم نيل الهداف البوسني بطاقة صفراء نتيجة التنافس البدني القوي، فإن دقة تمريراته ومحاولاته المستمرة أعادت للأذهان الروح التاريخية لميلا.


أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً
TT

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

يمثل مونديال 2026 محطة تاريخية استثنائية كُسرت فيها المفاهيم التقليدية حول السن المناسبة للعطاء في عالم التدريب، حيث نجح أربعة مدربين مخضرمين في تحطيم الرقم القياسي لأكبر المديرين الفنيين سناً في تاريخ كأس العالم خلال الأيام الأولى فقط من انطلاق البطولة.

وأثبت هذا الحرس القديم أن حنكة السنين والتمرس التكتيكي يتفوقان أحياناً على حماس الشباب، ليعيدوا صياغة التاريخ الرياضي على الملاعب الأميركية بمدارس كروية متنوعة وقصص ملهمة للجيل الحالي.

وفيما يلي رصد شامل وتفصيلي لهؤلاء الأساطير الأربعة الذين قادوا منتخباتهم بخبرة العقود:

ديك أدفوكات... العراف الهولندي وعميد مدربي المونديال التاريخي

مدرب كوراساو ديك أدفوكات يحيي الجماهير بعد المباراة (رويترز)

تربع المدير الفني لمنتخب كوراساو، الهولندي المخضرم ديك أدفوكات، على عرش المدربين الأكبر سناً في تاريخ كأس العالم منذ تأسيسها، حيث يخوض غمار البطولة الحالية بعمر يناهز ثمانية وسبعين عاماً وثمانية أشهر. وحطم أدفوكات بهذا العمر الرقم القياسي السابق الذي كان مسجلاً باسم الألماني أوتو ريهاغل في مونديال 2010.

ولا يقتصر إنجاز الأسطورة الهولندي عند حدود السن، بل يمتد إلى نجاحه في قيادة منتخب الجزيرة الكاريبية الصغيرة لتأهل إعجازي غير مسبوق في تاريخهم، ليسجل مشاركته المونديالية الثالثة مع ثلاثة منتخبات مختلفة بعد مسيرته السابقة مع هولندا عام 1994 وكوريا الجنوبية عام 2006.

ميروسلاف كوبيك... الصرامة التشيكية في الهرم التدريبي

مدرب منتخب جمهورية التشيك ميروسلاف كوبيك (إ.ب.أ)

يأتي المدرب التشيكي ميروسلاف كوبيك في المرتبة الثانية مباشرة ضمن قائمة حكماء المونديال، حيث يقود منتخب بلاده التشيك في محفل كأس العالم الحالية بعمر يبلغ أربعة وسبعين عاماً وتسعة أشهر. ويعد كوبيك نموذجاً حياً للانضباط التكتيكي الأوروبي الصارم، إذ نجح في بناء توليفة فنية قوية تمزج بين الاندفاع البدني والتوازن الدفاعي المنظم. وحفر كوبيك اسمه في السجلات التاريخية كونه تخطى أيضاً الرقم السابق لريهاغل، ليثبت للشارع الرياضي العالمي أن العطاء الفكري والقدرة على إدارة المجموعات داخل غرف الملابس لا يرتبطان بتقدم العمر.

هوغو بروس... ثعلب القارة السمراء وقائد نهضة بافانا بافانا

مدرب جنوب أفريقيا هوغو بروس (إ.ب.أ)

سجل البلجيكي هوغو بروس حضوراً لافتاً في النسخة الحالية من المونديال وهو يبلغ من العمر أربعة وسبعين عاماً وشهرين، متولياً القيادة الفنية لمنتخب جنوب أفريقيا. ونجح بروس في إعادة منتخب «الأولاد» إلى الواجهة العالمية بعد غياب طويل من خلال فرض أسلوب لعب يتسم بالهدوء البناء والتحولات السريعة على أرضية الملعب. وافتتح بروس مشواره بالبطولة برسم ملامح شخصية قوية لفريقه مستفيداً من كاريزمته العالية وخبرته الطويلة في الملاعب الأفريقية والدولية، مما جعله أحد أبرز الوجوه التدريبية التي تحظى باحترام واسع من وسائل الإعلام والجماهير.

كارلوس كيروش... الخبير البرتغالي وملك الأرقام القياسية

كارلوس كيروش (أ.ب)

دَوّن البرتغالي كارلوس كيروش اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ اللعبة بعد أن أصبح أكبر مدرب يحقق فوزاً في مباراة بتاريخ كأس العالم، وذلك إثر قيادته لمنتخب غانا في الجولة الأولى بعمر ثلاثة وسبعين عاماً. ويعتبر كيروش ظاهرة تدريبية فريدة من نوعها كونه يخوض المونديال الخامس في مسيرته الاحترافية، بعدما قاد سابقاً منتخب البرتغال في نسخة 2010 ومنتخب إيران في ثلاث نسخ متتالية بين عامي 2014 و2022. ويتميز البرتغالي بقدرته الفائقة على قراءة الخصوم وإغلاق المساحات، وهو ما ظهر بوضوح في إدارته التكتيكية للمباراة الافتتاحية لغانا بالبطولة الحالية.