إردوغان عرض على بوتين وساطة في أزمة زابوريجيا على غرار اتفاقية الحبوب

وحدات عسكرية روسية تجوب المنطقة المحيطة بالمحطة (أ.ب)
وحدات عسكرية روسية تجوب المنطقة المحيطة بالمحطة (أ.ب)
TT

إردوغان عرض على بوتين وساطة في أزمة زابوريجيا على غرار اتفاقية الحبوب

وحدات عسكرية روسية تجوب المنطقة المحيطة بالمحطة (أ.ب)
وحدات عسكرية روسية تجوب المنطقة المحيطة بالمحطة (أ.ب)

أبدى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان استعداد بلاده للعب دور للمساعدة في حل أزمة محطة زابوريجيا النووية في شرق أوكرانيا والواقعة حالياً تحت سيطرة القوات الروسية. وذكرت الرئاسة التركي، في بيان، أن إردوغان أكد لنظيره الروسي فلاديمير بوتين، خلال اتصال هاتفي السبت استعداد تركيا للمساعدة على تسوية الأزمة حول محطة زابوريجيا، وأنها يمكنها أن تلعب دور «المسهل»، مثلما فعلت بالنسبة للاتفاق حول إقامة ممر آمن للحبوب في البحر الأسود سمح بخروج الحبوب التي توقف تصديرها بعد اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا في 24 فبراير (شباط) الماضي. وأضاف البيان أن إردوغان أبلغ بوتين بأن تركيا يمكنها أن تلعب دوراً «ميسراً» بشأن مسألة محطة زابوريجيا على غرار دورها في اتفاقية الحبوب التي تم توقيعها في إسطنبول بين روسيا وأوكرانيا بوساطة تركيا ورعاية الأمم المتحدة في 22 يوليو (تموز) الماضي. وأشار البيان إلى أن الرئيسين التركي والروسي بحثا العلاقات الثنائية وقضايا إقليمية على رأسها شحن الحبوب والتطورات بشأن محطة زابوريجيا النووية، وأكدا المضي قدماً في مشروع إنشاء محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء في مرسين جنوب تركيا والتي تنفذها شركة «روساتوم» الروسية.
من جانبه، ذكر «الكريملين» في بيان مماثل أن بوتين وإردوغان بحثا خلال الاتصال الهاتفي الوضع في أوكرانيا، وأن إردوغان أشار إلى الدور البناء لروسيا في تنظيم بعثة الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى محطة زابوريجيا للطاقة النووية، بالإضافة إلى استعراض تطورات تنفيذ اتفاقية الحبوب الموقعة في إسطنبول في 22 يوليو الماضي. كان إردوغان قد ذكر في تصريحات عقب لقاء ثلاثي جمعه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأمين العام للأمم المتحدة في مدينة لفيف غرب أوكرانيا، في 18 أغسطس (آب) الماضي، أن زيلينسكي طلب منه أن ينقل إلى بوتين مطلب أوكرانيا بضرورة أن تزيل روسيا جميع الألغام في محيط محطة زابوريجيا النووية. وأضاف إردوغان أنه سيبحث مع بوتين موضوع محطة زابوريجيا النووية شرق أوكرانيا... في الوقت الذي كانت موسكو وباريس قد أعلنتا أن بوتين وافق على إرسال بعثة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المحطة بأسرع ما يمكن من أجل تقييم الوضع الحقيقي على الفور.
وقال إردوغان: «سأبحث موضوع محطة زابوريجيا النووية مع السيد بوتين، يتعين على روسيا القيام بما يترتب عليها في هذا الشأن كخطوة مهمة من أجل السلام العالمي وسأطلب ذلك على وجه الخصوص».
والخميس، أعلن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي، عقب تفقده على رأس وفد من الوكالة، محطة زابوريجيا أن السلامة المادية لأكبر منشأة نووية في أوروبا انتهكت نتيجة تعرضها لقصف متكرر، وأنه رأى كل ما كان يحتاج إلى رؤيته. وقال رافاييل غروسي الذي عاد إلى فيينا الجمعة بعد قيادته فريقاً مؤلفاً من 14 خبيراً إلى المحطة، إن الأضرار الناجمة عن القصف واضحة وغير مقبولة. وذكر غروسي في مؤتمر صحافي أنه شاهد «ثقوباً جراء القصف» و«علامات على المباني»، تُثبت «انتهاك السلامة الفعلية للمبنى». لكنه أشار إلى أن عناصر السلامة المهمة مثل إمدادات الكهرباء للموقع لا تزال تعمل. وأضاف غروسي أنه ليس لديه انطباع بأن المحتلين الروس يخفون أي شيء عن بعثة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما شدد على أنه يعتبر أن بعثته هناك ستكون «دائمة». ورغم أن معظم الخبراء غادروا الموقع، فقد بقي عدد قليل من الفريق هناك.
وقال مندوب روسيا لدى المنظمات الدولية في فيينا، ميخائيل أوليانوف، لوكالة «ريا نوفوستي» الروسية، الجمعة، إن اثنين من مفتشي الوكالة سيبقون في محطة زابوريجيا بشكل دائم.
ووصف الكرملين وصول فريق خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المحطة وتمكنه من بدء تفتيشها، بـ«الأمر الإيجابي جداً»، حتى إن كان من المبكر تقييم خلاصاته.
وفي الساعات الأولى من صباح السبت، أعلنت السلطات المحلية المدعومة من روسيا توقف العمل مرة أخرى بمحطة زابوريجيا، وسط قصف مستمر دمر خطر كهرباء رئيس وتوغل في عمل مباني المحطة، وذلك بعد يوم واحد تقريباً من وصول فريق المفتشين التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المحطة التي تشهد قتالاً شرساً بين القوات الأوكرانية والروسية، بعد ستة أشهر من بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.
وقال عضو الإدارة المحلية المعينة من الكرملين فلاديمير روغوف على «تلغرام»: «لقد أصيب خط كهرباء دنيبروفسكايا. تحولت محطة الطاقة النووية إلى خدمة احتياجاتها الخاصة فقط».
وفي وقت متأخر من مساء الجمعة، أفادت السلطات المدعومة من روسيا بأن المحطة تعرضت لإطلاق نار لمدة ساعتين تقريباً، وألقت باللوم على القوات الأوكرانية في أحدث سلسلة من التصريحات المماثلة.
وقال الجيش الأوكراني إنه شن ضربات على مواقع روسية في المنطقة المحيطة ببلدة إنرهودار الجنوبية بالقرب من محطة زابوريجيا للطاقة النووية التي يعمل خبراء من الأمم المتحدة على جمع بيانات فيها، في تصريح غير معتاد من هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الأوكرانية. ويجمع فريق من الوكالة الدولية للطاقة الذرية بيانات من محطة زابوريجيا الواقعة على مشارف بلدة إنرهودار التي تحتلها روسيا. وقالت هيئة الأركان العامة للجيش في منشور على فيسبوك: «تأكد لنا أن ضربات دقيقة شنتها قواتنا المسلحة في المنطقة المحيطة ببلدتي خيرسون وإنرهودار، دمرت ثلاثة من أنظمة مدفعية العدو ومخزناً للذخيرة وسرية من الجنود». ولم تقدم هيئة الأركان تفاصيل أخرى عن الضربات. وتقع خيرسون على بعد 300 كيلومتر جنوب غربي إنرهودار. واتهمت روسيا أوكرانيا مراراً بقصف محطة زابوريجيا للطاقة النووية. وتنفي كييف ذلك وتتهم قوات موالية لموسكو بمهاجمة المنشأة.


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين بجورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أضرار في شارع جراء مسيَّرة روسية في أوديسا (أوكرانيا) الاثنين (رويترز)

موسكو تتمسك بتوافقات «قمة ألاسكا» وتعدّها أساس التسوية الأوكرانية

أكد الكرملين أن التوافقات التي تم التوصل إليها بين الرئيسين، فلاديمير بوتين ودونالد ترمب، خلال قمتهما الوحيدة في ألاسكا في أغسطس (آب) من العام الماضي «جوهرية».

رائد جبر (موسكو)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟