نونيز... من عامل في مخبز إلى أغلى صفقة في تاريخ وولفرهامبتون

غوارديولا وصفه بأحد أفضل لاعبي العالم... ونظرة رئيس سبورتنغ لم تخِب

غوارديولا منح نونيز جرعة هائلة بوصفه أحد أفضل لاعبي العالم (رويترز)
غوارديولا منح نونيز جرعة هائلة بوصفه أحد أفضل لاعبي العالم (رويترز)
TT

نونيز... من عامل في مخبز إلى أغلى صفقة في تاريخ وولفرهامبتون

غوارديولا منح نونيز جرعة هائلة بوصفه أحد أفضل لاعبي العالم (رويترز)
غوارديولا منح نونيز جرعة هائلة بوصفه أحد أفضل لاعبي العالم (رويترز)

في منتجع إريسيرا الساحلي، الذي يقع على بُعد 50 كيلومتراً شمال غربي لشبونة ويشتهر بأنه أحد أبرز أماكن ركوب الأمواج في العالم، تعلم ماتيوس نونيز، الذي انتقل إلى وولفرهامبتون مقابل 38 مليون جنيه إسترليني كأغلى صفقة في تاريخ النادي الإنجليزي، ويعد إحدى المواهب الأكثر إثارة في الدوري الإنجليزي الممتاز، كيف يكسب قوت يومه. فبعد فشل محاولاته في أن يصبح لاعب كرة قدم محترفاً، قام نونيز، وهو في الثامنة عشرة من عمره، بالانضمام إلى نادي إريسيرينسي الذي يلعب في دوري الدرجة الخامسة بالبرتغال، وكان يعمل في الوقت نفسه في مخبز محلي.
وقال اللاعب البرتغالي الشاب قبل ثلاث سنوات «كنت أقف على قدمي لساعات عدة، ثم أتدرب في نهاية اليوم. لم يكن الأمر سهلاً على الإطلاق. كان يتعين عليّ أن أستيقظ في الخامسة صباحاً. لم يكن لدي رخصة قيادة؛ لذلك كنت أذهب إلى هناك بالدراجة، أو كنت أطلب من أي شخص أن يأخذني معه في سيارته. وبعد ثلاثة أو أربعة أشهر، شعرت بالتعب الشديد بسبب العمل واللعب في الوقت نفسه. لذلك؛ فأنا في الوقت الحاضر أقدّر ما لدي كثيراً».
في البداية، كان هناك إحباط في نادي إريسيرينسي؛ لأنه بعد انتقال نونيز من ريو دي جانيرو إلى البرتغال وهو في سن الثانية عشرة مع والدته وزوج والدته، كان غير مؤهل للمشاركة في المباريات في عامه الأول؛ لأن النادي طلب الحصول على توقيع والده ليتم تسجيله. في ذلك الوقت، كان نونيز يتدرب فقط، وسرعان ما أدرك مدربه، روبن فرانكو، أن لديه لاعباً مميزاً بين يديه.
يقول فرانكو «إنه شاب برازيلي؛ لذلك كانت علاقته بكرة القدم رائعة، لكنه كان يتمتع أيضاً بقوة كبيرة للغاية. وعندما كان يلعب أمام لاعبين أكثر قوة وخبرة، كان يقدم مستويات مذهلة. لقد أعددنا مقاطع فيديو له وبدأنا في إرسالها إلى الأندية الأوروبية. كنت مثل المجنون؛ لأنني كنت أقول دائماً: إنه ليس لاعباً عادياً، من فضلكم انظروا إليه لأنه مختلف! لكنني لم أستطع أن أنقله إلى المراحل التالية».
انهارت عملية انتقال نونيز إلى نادي أورينتال، الذي يلعب في دوري الدرجة الثالثة، لكن الانتقال إلى نادي إستوريل الذي يلعب في دوري الدرجة الثانية، والذي لعب به نونيز إلى جانب مدافع وولفرهامبتون الحالي توتي غوميز، مهم للغاية، لقد تألق نونيز في المباراة التي فاز فيها فريقه على سبورتنغ لشبونة على ملعب «خوسيه ألفالادي»، وعندما رحل ألكسندر سانتوس، المدير الفني لنادي إستوريل تحت 23 عاماً آنذاك، إلى نادي سبورتنغ لشبونة قرر نقل نونيز معه.

ماتيوس نونيز(الموقع الرسمي لنادي وولفرهامبتون)

يقول فرانكو، الذي درب نونيز من المرحلة العمرية تحت 13 عاماً وصولاً إلى الفريق الأول «إنه لأمر مدهش حقاً أن تتغير الحياة بهذا الشكل في غضون عام واحد». ومن المقرر أن يحصل نادي إريسيرينسي على مليون جنيه إسترليني من صفقة انتقال نونيز إلى وولفرهامبتون؛ وهو الأمر الذي جعل النادي يسرع من خطط تطوير المرافق والاستثمار في ملعب جديد خلال الأسابيع الأخيرة.
وكان نونيز هو اللاعب الأكثر حصولاً على الأخطاء في الدوري البرتغالي الممتاز الموسم الماضي. يقول فرانكو «قبل أن يستلم الكرة، فإنه كان يبحث دائماً عن المكان الذي يمكنه أن يذهب إليه بعد ذلك، وكان دائماً ما يمرر الكرات إلى اللاعبين الآخرين بسهولة؛ لأنه كان يرى مجريات اللقاء بوضوح شديد. يمكن أن يكون في خط الوسط، وبعد ذلك بثانيتين أو ثلاث ثوان يكون على حافة منطقة الجزاء لأنه يمتلك موهبة كبيرة في رؤية المساحة الخالية بدقة شديدة. لقد رأينا شيئاً مميزاً في هذا اللاعب».
وفي عام 2016، ذهب فرانكو مع نونيز عندما كان اللاعب الشاب يقضي فترة اختبار في فريق ليستر سيتي تحت 23 عاماً، لكن الأمور لم تسر على ما يرام. وبعد ذلك، خضع اللاعب لفترات اختبار غير ناجحة في كل من بنفيكا وبراغا وليل. يقول فرانكو عن ذلك «كنا نفكر على هذا النحو: حسناً، سندع الحياة تسير ولن ننتظر الفرصة كي تأتي إلينا».
ومنذ ذلك الحين، نال نونيز إعجاب الجميع، بدءاً من المدير الفني الإسباني جوسيب غوارديولا، الذي وصفه بأنه «أحد أفضل اللاعبين في العالم»، وصولاً إلى رئيس سبورتنغ لشبونة، فيديريكو فارانداس، الذي أكد على تقديره الكبير لنونيز وأشار إلى أن بيع اللاعب في يوم من الأيام سيجلب بمفرده للنادي الـ15 مليون يورو التي دفعها النادي تعويضاً لبراغا من أجل تعيين روبين أموريم مديراً فنياً للفريق قبل عامين. في ذلك الوقت، لم يكن نونيز قد لعب أي مباراة مع الفريق الأول لسبورتنغ لشبونة، لكنه تألق بعد ذلك عندما قاد أموريم النادي للفوز بأول لقب للدوري البرتغالي الممتاز منذ 19 عاماً في مايو (أيار) الماضي. وكان انتقال نونيز إلى وولفرهامبتون مقابل 45 مليون يورو يعني أنه جلب للنادي ثلاثة أضعاف ما دفعه للتعاقد مع أموريم!
وفي أول ظهور له في الدوري الإنجليزي الممتاز أمام توتنهام في 20 أغسطس (آب) الحالي، كان نونيز جزءاً من ستة لاعبين برتغاليين بالكامل في الخط الأمامي، بما في ذلك غونزالو غويديس، الذي ضمه النادي الإنجليزي مؤخراً من فالينسيا مقابل 27.5 مليون جنيه إسترليني. لا شك أن نونيز يدرك جيداً كيف صعد ديوغو جوتا، الذي انتقل إلى ليفربول بعد ثلاث سنوات مع وولفرهامبتون، وتحدث إلى روبن نيفيز وجواو موتينيو وخوسيه سا، زملاؤه في منتخب البرتغال، قبل توقيعه على عقد مع وولفرهامبتون لمدة خمس سنوات.
وقال نونيز «لقد قالوا جميعاً أشياء رائعة عن النادي ونصحوني بالانضمام إليه. كنت أريد أن ألعب في الدوري الإنجليزي الممتاز، وأعتقد أنها الخطوة التالية الصحيحة. أريد مساعدة النادي على تحقيق أهدافه والوصول إلى أعلى مستوى ممكن».
سجل نونيز هدفه الأول مع منتخب البرتغال في مارس (آذار) الماضي، في مباراة نصف النهائي لمحلق الصعود لنهائيات كأس العالم أمام تركيا، ومن المتوقع أن يكون ضمن قائمة المنتخب البرتغالي في كأس العالم بقطر. لقد قدم نونيز بالفعل بعض اللمحات الرائعة مع وولفرهامبتون، ومن المؤكد أن الموجودين في منتجع إريسيرا - المقيمين والعملاء السابقين على حد سواء - سيراقبونه بينما يواصل التقدم والتألق.
يقول فرانكو «في أوقات فراغه عندما كان يلعب في سبورتنغ لشبونة كان يعود إلى القرية. إنه أسطورة في هذه القرية، والكل يعرف قصته ويعرفه جيداً. الشيء الجميل هو أن ذلك الطفل الذي رأيته وهو في الثالثة عشرة من عمره لا يزال الشخص نفسه الذي أراه الآن».
وبالنسبة إلى نونيز، ينصبّ تركيزه بالكامل على تحقيق نتائج جيدة في الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم. ويجيد نونيز التحدث باللغة الإنجليزية، ويعود الفضل في ذلك إلى زوج والدته، وهو من سندرلاند. وكان والده الروحي، هامبرتو سلفادور، وهو أيضاً صاحب المخبز الذي كان يعمل به نونيز، قد رافقه إلى إنجلترا لإتمام الصفقة. وقال نونيز «زملائي ساعدوني كثيراً في البداية. لم أكن أعرف اسم الكعك ولا كيفية استخدام الآلات».
ربما أصبحت أيامه في تقديم المعجنات جزءاً من الماضي، لكن وولفرهامبتون والمدير الفني برونو لاغ يأملان أن ينجح اللاعب الشاب في تقديم المستويات المتوقعة منه.


مقالات ذات صلة


حفاة الأقدام... كيف خسرت الهند صراع المونديال منذ خطيئة 1950؟

منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
TT

حفاة الأقدام... كيف خسرت الهند صراع المونديال منذ خطيئة 1950؟

منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)

تحتفظ الذاكرة الرياضية الآسيوية بمفارقة لافتة، ففي الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم كل أربعة أعوام صوب المحفل الكروي الأكبر، يظل ثاني أكبر تكتل بشري على وجه الأرض خارج دائرة الضوء.

الهند، هذا العملاق الديموغرافي والجغرافي الذي يتنفس رياضة الكريكيت بشغف يصل حد التقديس، يواصل غيابه اللغز عن نهائيات كأس العالم لكرة القدم.

ورغم أن القارة الصفراء باتت تحظى بنصيب وافر من المقاعد، ورغم التاريخ المنسي الذي يربط «النمور الزرقاء» باللعبة، فإن الهوة بين الطموح والواقع لا تزال سحيقة.

فما الذي يحرم دولة يقطنها أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة من حجز مقعد لها في محفل الساحرة المستديرة؟

اللغز البرازيلي عام 1950: خطيئة «الفرصة المهدرة»

تبدأ السردية التاريخية لكرة القدم الهندية من مفترق طرق دراماتيكي عام 1950. في ذلك العام، كان المونديال يعود إلى الحياة في البرازيل بعد مخاض الحرب العالمية الثانية.

ووضعت الأقدار منتخب الهند على أعتاب التاريخ بتأهل تلقائي بعد انسحاب منافسيه في المجموعة الآسيوية (إندونيسيا والفلبين وميانمار). لكن الرحلة لم تكتمل، وانسحبت الهند قبل أيام من ركل الكرة الأولى.

عقود طويلة عاشت الجماهير على أسطورة تزعم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) منع الهنود من اللعب لأنهم اشترطوا خوض المباريات «حفاة الأقدام» كما فعلوا قبلها بسنتين في أولمبياد لندن 1948، لكن الحقيقة التاريخية الموثقة في أروقة الاتحاد الهندي لكرة القدم تكشف عن حسابات مغلوطة؛ إذ اعتبرت الإدارة الرياضية آنذاك أن تكلفة السفر الباهظة عبر المحيطات إلى أميركا الجنوبية لا تبرر المشاركة في بطولة كانت تنظر إليها نيودلهي بوصفها حدثاً أقل شأناً من دورة الألعاب الأولمبية أو الألعاب الآسيوية، كانت خطيئة استراتيجية دفعت الكرة الهندية ثمنها تهميشاً دام عقوداً.

العصر الذهبي المنسي: صدمة فرنسا ومباركة ملك بريطانيا

لم تكن الهند نكرة في عالم كرة القدم، بل عاشت «عصراً ذهبياً» امتد بين عامي 1951 و1964 تحت قيادة المدرب الأسطوري سيد عبد الرحيم. غير أن الشرارة الحقيقية التي أبهرت الغرب سبقت ذلك العصر بقليل، وتحديداً في أولمبياد 1948، حين واجه المنتخب الهندي منتخب فرنسا العتيد، وخسر بصعوبة بالغة بنتيجة (2 - 1) بعد إهدار ركلتي جزاء

قائد الهند (يمين) في أول مباراة دولية للمنتخب بوصفهم مواطنين يمثلون دولة الهند المستقلة في أولمبياد لندن 1948 (الاتحاد الهندي لكرة القدم)

في تلك الملحمة، لعب أغلب عناصر الهند حفاة الأقدام برباط طبي، ونالوا إعجاب الصحافة البريطانية.

وعندما سُئل قائد الفريق تاليميرن آو عن سر غياب الأحذية، أطلق جملته الشهيرة الساخرة: «نحن نلعب كرة القدم بينما أنتم تلعبون كرة الأحذية».

وامتدت الأصداء إلى قصر باكنغهام عندما استقبل الملك جورج السادس الفريق، ورفع مازحاً طرف سروال اللاعب سيلين مانا ليتأكد إن كانت ساقاه من فولاذ حقاً كما يُشاع، وكان النجم سارنغاباني رامان هو صاحب الهدف الهندي الوحيد بـ«الأقدام العارية».

صورة من أرشيف صحيفة «إكسبريس» الهندية الصادرة في الأول من أغسطس 1948

هذا المشهد التاريخي استغلته الفضاءات الرقمية في السنوات الأخيرة؛ إذ ضجت بمنشورات تزعم أن لاعبي الهند خاضوا المباراة حفاة لأن الحكومة حديثة الاستقلال لم تكن تملك الموارد لشراء أحذية رياضية.

غير أن التحقيقات التوثيقية لـ«تقصي الحقائق» فككت هذه الرواية المزيفة بالكامل؛ إذ لم تكن الأزمة شحاً مالياً، بل مسألة «راحة واعتياد فني» للاعبين ترعرعوا على اللعب دون أحذية لرؤيتهم أنها تمنح مرونة أكبر للتحكم بالكرة. الأرشيف البصري يفضح هذا المجاز، فالصورة الشهيرة المتداولة نُشرت مجتزأة لإثبات الفقر، بينما تُظهر نسختها الأصلية الكاملة المدافع الشهير «ثينمادوم ماثيو فارغيز» (بابان) وهو يرتدي حذاءه الرياضي كاملاً على اليمين إلى جوار زملائه.

المنتخب الهندي لكرة القدم خلال مباراة ضد فرنسا في أولمبياد لندن 1948 وهم حفاة الأقدام (الاتحاد الهندي لكرة القدم)

وبحسب تقارير صحيفة «إكسبريس الهندية» الصادرة في الأول من أغسطس 1948، فإن 8 لاعبين فقط من أصل 11 فضلوا اللعب بلا أحذية طواعية.

ورغم نجاح تجربة الحفاء أولاً، فإن قرار فرض الأحذية قسرياً صدر سريعاً بعد صدمة أولمبياد هلسنكي 1952، عندما تجمدت أقدام الهنود من البرد وخسروا بنتيجة ثقيلة أمام يوغوسلافيا (10 - 1).

منتخب يوغوسلافيا يسجل في شباك الهند على ملعب «تولون بالوكينتا» في هلسنكي خلال أولمبياد 1952 (ويكيبيديا)

ومع التزامهم بالدخول في «عصر الأحذية»، لم تقف معجزات تلك الحقبة، ففي الجولة الأوروبية التمديدية صدمت الهند نادي أياكس أمستردام الهولندي العريق وهزمته بنتيجة (5 - 1).

تلاها الإنجاز التاريخي الأبرز في أولمبياد ملبورن 1956، باحتلال الهند المركز الرابع آسيوياً، وشهدت البطولة تسجيل النجم نيفيل ديسوزا لأول «هاتريك» آسيوي في تاريخ الأولمبياد، وكان ذلك في شباك أستراليا.

منتخب الهند لكرة القدم في أولمبياد 1956 خلال مباراة ضد بلغاريا (ويكيبيديا)

أسر الكريكيت: كيف التهمت اللعبة الواحدة ميزانيات الرعاية؟

لا يمكن فهم المشهد الرياضي في شبه القارة الهندية دون تلمّس «السطوة الطاغية» للعبة الكريكيت، منذ التتويج التاريخي للهند بكأس العالم للكريكيت عام 1983، تحولت هذه الرياضة من مجرد إرث استعماري بريطاني إلى «دين وطني» يجمع الأمة.

الرئيس الهندي الأسبق غياني زيل سينغ يستقبل المنتخب الهندي للكريكيت بعد التتويج بلقب كأس العالم 1983 (ويكيبيديا)

هذه الهيمنة أحدثت تجفيفاً كاملاً للمنابع المالية للرياضات الأخرى. تتدفق أموال الشركات الرائدة وحقوق البث المليارية نحو الدوري الهندي الممتاز للكريكيت، بينما تُركت كرة القدم لسنوات طويلة تعاني شح التمويل، وغياب البنية التحتية، وملاعب لا ترقى للمعايير الدولية.

في الهند، يولد الطفل وفي يده مضرب كريكيت، بينما تظل كرة القدم خياراً ثانوياً في المدارس والأكاديميات، باستثناء بعض الجيوب الجغرافية التاريخية مثل ولايات البنغال الغربية، وغوا، وكيرالا.

المعضلة الهيكلية: غياب التكوين وتأخر الاحتراف

على الصعيد الفني، عانت الكرة الهندية طويلاً من غياب الرؤية طويلة المدى، فالدوري المحلي ظل لسنوات يعتمد على الهواة والمؤسسات الحكومية، ولم يدخل نظام الاحتراف الحقيقي إلا متأخراً مع إطلاق «الدوري الهندي الممتاز في العقد الماضي.

ورغم أن هذا الدوري نجح في جذب أسماء عالمية في أواخر مسيرتها وجلب بعض الزخم الجماهيري، فإنه لم يفلح بعد في سد الفجوة الفنية العميقة. المشكلة الأساسية تكمن في «جذور اللعبة»، حيث تفتقر البلاد إلى نظام كشافين محترف يغطي الأقاليم الشاسعة، وتغيب أكاديميات الفئات السنية التي تصنع لاعباً قادراً على المنافسة في الرتم السريع للكرة الحديثة. اللاعب الهندي، وإن امتلك الموهبة الفطرية، يصطدم بنقص التكوين التكتيكي والبدني مقارنة بنظرائه في اليابان، وكوريا الجنوبية، أو دول الخليج العربي.

استشراف المستقبل: هل تكسر زيادة مقاعد المونديال العقدة؟

المنتخب الهندي لكرة القدم خلال مباراة ودية مع بورتو ريكو سبتمبر 2016 (ويكيبيديا)

قد تكمن بارقة الأمل الحالية في التغييرات التي أحدثها فيفا برفع عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم إلى 48 منتخباً، مما منح القارة الآسيوية حصة أكبر. هذا التحول وضع أمام صانع القرار الرياضي الهندي فرصة تاريخية ثانية لترتيب الأوراق.

الوصول إلى المونديال لم يعد حلماً مستحيلاً، لكنه يتطلب ثورة شاملة تبدأ من المدارس، وتمر عبر خصخصة الأندية وتطوير المنظومة التدريبية، وصولاً إلى تغيير العقلية الإدارية لترى في كرة القدم استثماراً قومياً وقوة ناعمة قادرة على وضع الهند على خريطة الثقافة العالمية بجانب ثقلها الاقتصادي والسياسي.

وحتى يتحقق ذلك، سيبقى «العملاق الآسيوي» متفرجاً من مقاعد الجماهير، بانتظار اليوم الذي تزأر فيه «النمور الزرقاء» في المونديال.


خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية
TT

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

لا تبدو موقعة «هيوستن» المرتقبة بين المغرب وكندا مجرد صدام عابر بين قارتين كرويتين مخضرمتين، بل هي امتداد لقصص زمالة وصراعات تكتيكية خفية تدور رحاها أسبوعياً في الملاعب الأوروبية الكبرى. فالعديد من الأسماء في كتيبة «أسود الأطلس» لمدربهم محمد وهبي، يتشاركون غرف الملابس أو يتواجهون وجهاً لوجه مع نجوم منتخب كندا «الحُمر» تحت قيادة جيسي مارش، مما يحول مباراة السبت إلى حوار تكتيكي مكشوف ومألوف للاعبين.

البريميرليغ يجمع فولهام... حوار عيسى ديوب ولوك دي فوجيرول

عيسى ديوب مثَّل المغرب في مواجهة الإكوادور(منتخب المغرب)

في الدوري الإنجليزي الممتاز، تبرز زمالة مباشرة وحية في خط دفاع نادي فولهام الإنجليزي. حيث يلعب المدافع المغربي عيسى ديوب (البالغ من العمر 29 عاماً) جنباً إلى جنب مع المدافع الكندي الشاب والموهوب لوك دي فوجيرول (صاحب الـ20 عاماً). هذه الزمالة اليومية في تمارين النادي اللندني تمنح ديوب معرفة دقيقة بنقاط قوة وضعف زميله الكندي، وهي أسرار تكتيكية ثمينة سينقلها المدافع المغربي لخط هجوم الأسود لتفكيك الحصون الدفاعية للمنتخب الكندي في هيوستن.

المدافع الكندي لوك دي فوجيرول (ويكيبيديا)

معارك الليغا الإسبانية... صراع لارين وأمرابط في الأندلس

خط الوسط المغربي سفيان أمرابط (غيتي)

بالانتقال إلى الملاعب الإسبانية، يتحول المشهد من الزمالة إلى الصراع المباشر والشرس في خط الوسط والدفاع؛ فالمهاجم الكندي القوي سايل لارين (البالغ 31 عاماً)، والذي يقود خط هجوم نادي ريال مايوركا الإسباني، يجد نفسه دائماً في مواجهات بدنية طاحنة ضد صمام الأمان المغربي سفيان أمرابط (29 عاماً)، الذي ينشط في صفوف نادي ريال بيتيس. هذا الاحتكاك المستمر في الـ«لا ليغا» يجعل من مراقبة لارين مألوفة تماماً لأمرابط، الذي يملك شفرة إيقاف خطورته البدنية ومنعه من المحطة الهجومية التي يعتمد عليها الكنديون.

المهاجم الكندي سايل لارين (ويكيبيديا)

مدرسة ليل وتحديات الكالتشيو... إرث جوناثان ديفيد وأيوب بوعدي

أيوب بوعدي لاعب المنتخب المغربي (أ.ف.ب)

في الدوري الفرنسي، ترك الهداف الكندي التاريخي جوناثان ديفيد (26 عاماً) إرثاً كبيراً في نادي ليل قبل انتقاله الأخير إلى يوفنتوس الإيطالي. وخلال فترته في فرنسا، عاصر ديفيد صعود الموهبة المغربية في خط وسط ليل أيوب بوعدي (المولود عام 2007). رغم انتقال ديفيد إلى الملاعب الإيطالية، فإن بوعدي وبقية زملائه في خط الوسط يدركون تماماً أسلوب تحرك الهداف الكندي وسرعته في التموقع، مما يمنح الدفاع المغربي قراءة مسبقة لخطورة الهداف الأول لمنتخب كندا.

الهداف الكندي التاريخي جوناثان ديفيد (ويكيبيديا)

صراع بلجيكا الساخن... الواحدي يتحدى ساليبا

الدولي المغربي زكرياء الواحدي (فيسبوك)

لا يقتصر الصراع على الدوريات الكبرى، ففي الدوري البلجيكي الممتاز، يشتعل التنافس بصفة مستمرة بين الظهير الأيمن المغربي المتألق زكرياء الواحدي (24 عاماً)، النجم الأبرز لنادي جينك البلجيكي، ومدافع خط الوسط الكندي الصلب ناثان ساليبا (22 عاماً)، الذي يدافع عن ألوان غريمهم التقليدي نادي أندرلخت.

مدافع خط الوسط الكندي ناثان ساليبا (ويكيبيديا)

المواجهات المباشرة بين الواحدي وساليبا في البطولة البلجيكية تنعكس بوضوح على قمة السبت؛ إذ يعرف كل لاعب منهما مفاتيح السرعة والاندفاع للآخر، مما يجعل الجبهات الجانبية للملعب كتاباً مفتوحاً للطرفين.


دموع خلف خط التماس... الموت يفجع ديشان وديسابر في المونديال

ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
TT

دموع خلف خط التماس... الموت يفجع ديشان وديسابر في المونديال

ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)

في الوقت الذي تشرئب فيه أعناق الملايين نحو الملاعب وتشتعل المدرجات بهتافات الفوز والهزيمة، أثبتت نهائيات كأس العالم 2026 أن ما وراء الخطوط الفنية ليس مجرد تكتيك وخطط، بل هو مسرح لدراما إنسانية قاسية يتجرعها القادة في صمت وتدبر. هذا ما عاشه المدربان الفرنسيان، ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا، وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية، اللذان خاضا أشرس معاركهما الكروية وهما مثقلان بآلام الفقد الأبدي لأعز ما يملكان.

ديشامب وعزاء الوالدة خلف مستطيل أميركا الشمالية

فقد عاش ديدييه ديشان أياماً عصيبة ومحطمة تماماً بعدما فُجع بنبأ وفاة والدته عقب نهاية الجولة الثانية من دور المجموعات، مباشرة بعد فوز الديوك على العراق بثلاثية نظيفة.

مدرب منتخب فرنسا ديدييه ديشامب (أ.ب)

اضطر ديشان لمغادرة معسكر المنتخب على عجل والعودة إلى فرنسا للوقوف بجانب عائلته وتشييع جثمانها، مما منعه من قيادة فريقه في المباراة اللاحقة ضد النرويج. ومع ذلك، فضّل الرجل العودة سريعاً لقيادة بلاده في دور الـ32 أمام السويد، معترفاً بأن البقاء مشغولاً في معترك المونديال كان متنفساً ضرورياً وملاذاً للتغلب على أحزانه العميقة.

مشهد سريالي لوداع ديسابر المزدوج في أتلانتا

أما السيناريو الأكثر قسوة والتهاماً للمشاعر، فقد كان من نصيب مواطنه سيباستيان ديسابر في مدينة أتلانتا الأميركية، ففي الوقت الذي كان يقاتل فيه على خط التماس ويوجه كتيبة «الفهود» في ملحمة بطولية كادت تقصي إنجلترا قبل أن تخسر الكونغو بصعوبة (2-1)، كان ديسابر يجهل تماماً أن والده فارق الحياة.

سيباستيان ديسابر (إ.ب.أ)

ولم تكن خسارة حلم المونديال هي الصدمة الوحيدة، بل تحول المؤتمر الصحافي اللاحق إلى مشهد سريالي تناقلته وسائل الإعلام العالمية باستهجان وذهول.

فبمجرد انتهاء الأسئلة الفنية، أخذ المنسق الإعلامي الكلمة ليعلن ببرودة تامة أمام الكاميرات: «نعلن أن المدرب فقد والده، خالص تعازينا». اتسعت عينا ديسابر مصدوماً من المفاجأة وإخراج فاجعته الخاصة إلى العلن، قبل أن يتمسك بوقاره ويرد مقتضباً شكراً، ويغادر القاعة بوجه منهار حاملاً في قلبه مرارة وداعين، وداع بطولة تاريخية شرف بها الكرة الكونغولية، ووداع أبدي لوالده الراحل.