رحلة تاريخية وفلسفية وفيزيائية في بُعدٍ غامض ومدهش

في البحث عن الزمن وطبيعته الإشكالية

دان فالك
دان فالك
TT

رحلة تاريخية وفلسفية وفيزيائية في بُعدٍ غامض ومدهش

دان فالك
دان فالك

كان الزمن، وسيظلُّ، موضوعاً لدراسات بحثية معمّقة على الأصعدة التاريخية والثقافية والفلسفية والفيزيائية. أسبابٌ كثيرة تسوّغُ استمرارية هذه الدراسات، منها:
- الزمن موضوعٌ تتقاطعُ فيه معظم الحقول المعرفية.
- الزمن هو أساس تجربة الوعي البشري.
- الزمن تركيب عقلي في نهاية المطاف وليس كينونة مادية مشخّصة توجد بمعزل عن الذات المُدْرِكة (أو العقل الواعي بالتعبير الفلسفي التقني).
- بقدر ما يبدو الزمن كينونة مألوفة وملازمة للوجود البشري فإنه مفهوم يكتنفُ بأشدّ الغموض والتعقيد.
- الزمن هو أعظم ما يهتمُّ لشأنه البشر حتى لو لم يعرفوا هذا. تجربة العمر –مثلاً– والاستحالات التي تترك أثرها على الناس لا يمكن نكرانها أو إغفالها من جانب أي شخصٍ بصرف النظر عن خلفيته العلمية والثقافية.
- الزمنُ ليس كينونة انفرادية بذاتها بل يتلازم دوماً في هيئة ثنائيات: الزمن والمكان، الزمن والوعي، الزمن والذاكرة؛ ومن هنا سحره الطاغي وجاذبيته البحثية.
نحنُ –باختصار– مخلوقات الزمن، ومتجذّرون فيه.
* * * * *
كثيرة هي الكتب التي تناولت مفهوم الزمن، ومنها كتبٌ تمّ التعريف بها في ثقافية «الشرق الأوسط»، أذكر منها –مثلاً– كتاب «نظام الزمن» للفيزيائي العالمي كارلو روفيللي. قد يَردُ مفهوم الزمن في فصول محدّدة من بعض الكتب، مثل كتاب «العالم كما تفهمه الفيزياء» للفيزيائي جم الخليلي؛ لكنّ الكتاب الحديث المنشور عن «دار المدى» بعنوان «في البحث عن الزمن: رحلاتٌ في بُعدٍ مدهش In Search of Time: Journeys in a Curious Dimension»، لمؤلفه دان فالك Dan Falk بترجمة أنيقة للدكتورة رشا صادق التي أضافت الكثير من الهوامش التعريفية للكتاب وساهمت في تعزيز مادته... يختلف هذا الكتاب عن الكتب الأخرى بكونه يقدمُ تناولا شاملاً لمفهوم الزمن في سياق تاريخي وفلسفي وفيزيائي، وهذا ما يمنحُ الكتاب قيمته الإثرائية للقراء. من المثير أنّ المؤلف يمتلك تحصيلاً دراسياً في الفيزياء والصحافة والكتابة العامة لجمهور القرّاء؛ وعليه فإنّه يحكي من داخل المشغل الفلسفي والفيزيائي وليس متطفلاً عليهما.
يكتبُ المؤلف في تمهيده للكتاب عن الطبيعة الإشكالية للزمن فضلاً عن تأليف كتابٍ عنه:
«قُلْ للناس إنّك تؤلّف كتاباً عن الزمن وستتلقى ردود أفعالٍ مدهشة! هل ستكتب عن السَّفَر عبر الزمن؟ أؤكّد لهم أنّ كتابي يطرح أسئلة ساحرة عن طبيعة الزمن نفسه وعن الفضاء وعن قوانين الطبيعة. بعضُ الناس يخمّنون أنني أكتبُ كتاباً عن (الفيزياء)، ولا بد أنه سيكون تقنياً متخصصاً، فيه الكثير عن الإنتروبيا وحدود العالم وما إلى هنالك. أطمئنُ هؤلاء: هذا الكتاب، على الأقل، ليس كتاب فيزياء فحسب. هدفي هو مقاربة أوسع للغز الزمن من اتجاهات متعدّدة...».
يحتشدُ الكتاب بمفردات تقنية فلسفية كثيرة؛ لكنّ فرادة المؤلف تكمنُ في قدرته على تحويل هذه المفردات من الفضاء التجريدي التقني إلى الفضاء العام عبر سرديات حكائية يمتلك زمام قيادتها بغية الإمساك باهتمام القارئ. يضمُّ الكتاب اثني عشر فصلاً، تختصُّ الفصول الأربعة الأولى منها بموضوع تاريخ الزمن، ومن عناوين هذه الفصول: دورات الزمن الطبيعية، والبحث عن التقويم المثالي، وتقسيم اليوم، والزمن والثقافة. الفصول الباقية تختصُّ بفيزياء الزمن وفلسفته. ولن يخفى على القارئ هذا التلازم الوثيق بين فيزياء الزمن وفلسفته إلى حدٍّ لا يعود معه ممكناً تناول فيزياء الزمن بمعزل عن فلسفته، ولعلّ هذه الحقيقة تؤكّد الرأي الشائع أنّ الفلاسفة الحقيقيين في عصرنا هذا هم فيزيائيون بالضرورة. نقرأ في عناوين فصول الجزء الفيزيائي – الفلسفي: الذاكرة جسر عبر الزمن - زمن إسحق (نيوتن) - زمن ألبرت (آينشتاين) - العودة إلى المستقبل - البحث عن فجر الزمن – ما قبل البغ بانغ (الانفجار الكبير) - كل شيء يجب أن يموت - الوهم والحقيقة. لا بأس من الإشارة إلى حقيقة أنّ مفهوم سهم الزمن Arrow of Time –بكلّ أشكاله– يلعبُ دوراً مركزياً في هذه الفصول، وسيشهد القارئ أطروحات مثيرة في كيفية تعشيق هذه الأشكال بعضها مع بعض.
من الأفكار المثيرة في الكتاب تلك الخاصة بفكرة كلّ من نيوتن ولايبنز عن الزمن:
«اعترض عددٌ من الفلاسفة على فكرة الزمن (النيوتني) المطلق، وجادلوا لمصلحة مفهوم علائقي relational للزمن؛ أي بمعنى أنّ الزمن له معنى فقط من خلال علاقته بحركة جسم مادي. أحد أبرز مناصري هذا الرأي كان فيلسوفاً ورياضياتياً ألمانياً معاصراً لنيوتن هو غوتفريد لايبنز (1646 – 1716)... الزمن وفقاً للنظرية العلائقية هو –ببساطة- طريقة لمقارنة حدث ما مع حدث آخر وليس مستقلاً عن العناصر المادية التي تشكّل الكون...».
حرص المؤلف على إيراد الكثير من الأفكار في سياق سردية روائية محببة للقارئ، حتى لكأنّ القارئ يكادُ يرى المشهد السردي حياً أمامه. هاكُم مثال:
«التقيتُه (جوليان باربور) في منزله، وهو منزل ريفي عمره ثلاثمائة وخمسون عاماً، ذو سطحٍ من القش، مبنيٌّ في قرية ساوث نيو إنغتون شمال أكسفورد شاير. دعاني إلى الحديقة حيث شربنا الشاي وتحدّثنا عن الزمان والمكان، عن الحركة والتغيّر، وعن ماخ ومينكوفسكي. انطباعي عن باربور أنّه عالم وجنتلمان إنجليزي ريفي في آن واحد. تمّ لقاؤنا في أواخر الربيع، الشمس ساطعة وفق المعايير البريطانية، ورائحة أزهار الويستريا تفوح في الجو... ثم انتقلنا إلى داخل المنزل كي نتناول عشاء من الهليون والخبز والزبدة والجبنة...».
هاكمُ مثال ثانٍ يختصُّ بآينشتاين:
«في بيرن يتجوّل الزوّار في الشقة المتواضعة التي عاش فيها آينشتاين خلال ذروة قدراته الإبداعية، ويزورون الغرفتين حيث تناول وجبات بسيطة مع زوجته، وهدهد ابنه الرضيع كي ينام، وعزف على الكمان، وتخيّل كوناً جديداً. كان أصدقاؤه يزورونه على العشاء، ويتناقشون مطوّلاً. تحدّثوا عن الميكانيك والكهرباء، عن الساعات والأطر المرجعية، عن الفيزياء والفلسفة... في دوّامة تلك النقاشات التي غذّتها السجائر والقهوة التركية بدأت بذور النسبية الخاصة تتولّد في عقل آينشتاين...».
يمكنُ للقارئ بعد إتمام هذا الترحّل المدهش في الزمن أن ينتهي إلى خلاصة تتجوهر فيها آراء فلاسفة العلم والفيزيائيين المعاصرين، مفادُ هذه الخلاصة أنّ ملايين من سنوات التطوّر البيولوجي، فضلاً عن آلاف السنوات من التطوّر الثقافي واللغوي، شكّلت عقولنا بطريقة تجعلنا نتخيّلُ «جريان» الزمن رغم أنّ هذا الجريان غير موجود على أرض الواقع. إنه وهمٌ ليس أكثر، وقد خلق هذا الوهمُ معضلة يشترك فيها الفلاسفة وعلماء النفس. ربما سيتّضحُ لنا آخر الأمر أنّ (جريان الزمن) معضلة شديدة التعقيد تنتمي إلى صنف المعضلات الكبرى في حقلَي الفلسفة وعلم النفس، وهي معضلاتٌ على شاكلة: ما الذات؟ وما الوعي؟
يختتم المؤلف كتابه بعبارة مؤثرة وذات قيمة دلالية كبيرة وردت في رسالة عزاء كتبها آينشتاين بتاريخ 21 مارس (آذار) 1955 لعائلة أحد أصدقائه الحميمين، ميشيل باسو، الذي عمل معه في مكتب براءات الاختراع في بيرن، العاصمة السويسرية، قبل أن يصبح آينشتاين نجماً لامعاً. كتب آينشتاين في عبارته تلك:
«الآن، وقد غادر (ميشيل) هذا العالم الغريب قبلي بقليل، هذا لا يعني شيئاً بالنسبة لنا نحن الفيزيائيين المؤمنين. الفرق بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس سوى وهمٍ عنيد».
صدق آينشتاين في نبوءته تلك؛ فقد لحق بزميله القديم بعد أقلّ من شهر عقب إرساله رسالة التعزية.


مقالات ذات صلة

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

ثقافة وفنون «أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون نبوءة جورج أورويل المخيفة

نبوءة جورج أورويل المخيفة

السيطرة على البشر وتوجيههم عن طريق التحكم في الخلايا العصبية والشرائح الذكية نبوءة رأيناها تتحقق في أفلام الخيال العلمي، بل قرأنا عنها في أدب وأفلام الديستوبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية.

د. ماهر شفيق فريد
كتب رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب مستقبل القرار الطبي في زمن الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في زمن الذكاء الاصطناعي

يقدم الكتاب مفهوم «السلطة السريرية» بوصفه إطاراً يحافظ على الدور القيادي للطبيب في اتخاذ القرار

«الشرق الأوسط» (لندن)

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية
TT

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية. والأمثلة ليست بحاجة إلى تذكرة: رفاعة الطهطاوي، توفيق الحكيم، يحيى حقي، الطيب صالح، سهيل إدريس.. إلخ. لكن ماذا عن موسم الهجرة من الجنوب إلى الجنوب، من بلد عربي أفريقي أو آسيوي إلى دول الخليج؟

سؤال يجيب عنه كتاب صادر باللغة الإنجليزية هذا الصيف هو كتاب «الهجرة إلى الخليج في الرواية العربية» (Migration to the Gulf in the Arabic Novel) (مطبعة جامعة إدنبرة 2026، 271 صفحة) من تأليف نادين دقاق (Nadeen Dakkak) المحاضرة في قسم اللغة الإنجليزية والكتابة الإبداعية في جامعة إكستر البريطانية. والكتاب هو أحدث إصدارات سلسلة «دراسات إدنبرة في الأدب العربي الحديث» التي يشرف عليها الدكتور رشيد العناني. وقد صدر منها حتى الآن - اعتباراً من عام 2013 - أكثر من 30 كتاباً.

كان انبثاق النفط من رمال الصحراء - وما تبعه من تحديث متسارع الخطى - إيذاناً بتغيرات جيو - سياسية واجتماعية واقتصادية مهمة طالت الحياة في دول الخليج وجعلتها محط أنظار ومعقد آمال آلاف يحلمون بـ«عقد عمل» يعودون بعده إلى بلادهم وقد غدوا أقدر على مواجهة تكاليف العيش والضغوط الاقتصادية الواقعة عليهم وعلى من يعيلون.

عالج موضوع الهجرة، خلال سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، كتاب مصريون وفلسطينيون، أو فلسطينيون أردنيون، ولبنانيون، وأريتري. من هذه الأعمال خماسية «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، «رسالة البصائر في المصائر» لجمال الغيطاني، «اهبطوا مصر» و«صمت الرمل» لمحمد عبد السلام العمري، ثلاثية «أطفال بلا دموع» لعلاء الديب، «مسك الغزال» وأقصوصتان من المجموعة القصصية «وردة الصحراء» لحنان الشيخ، «بيع نفس بشرية» لمحمد المنسي قنديل وغيرها.

من الأعمال التي يتوقف عندها كتاب نادين دقاق رواية «براري الحمى» (1985) لإبراهيم نصر الله وهي عن مدرس شاب يعمل في بلد عربي بعقد مؤقت. ونحن نراه ممدداً في فراشه في حالة هلاس متولد من الحمى عقب لدغة بعوضة. إنها رؤية كافكاوية ناجمة عن شعور بالعجز والاضطهاد.

وهناك رواية إبراهيم عبد المجيد «البلدة الأخرى» (1991) وبطلها خريج قسم فلسفة يعمل في وظيفة إدارية بإحدى الشركات في بلدة عربية. تروى الأحداث بضمير المتكلم على لسانه. وإذ يفدحه الشعور بركود حياته يحاول كتابة يوميات ويصبح مدمناً على برامج تافهة ومسلسلات أميركية على شاشات التلفزيون. ولكن عودته إلى مصر بعد عام من الاغتراب لا تنبئ بما هو أفضل. ويعدد الدكتور محمد بدوي تقنيات الروائي هنا، وهي التشويق ولغة السرد التي تركز على تفاصيل دون أخرى ومنظور المراقب للأحداث.

و«سمراوية» (2012) رواية للقاص الأريتري حاجي جابر تصور حيرة الجيل الثاني من المهاجرين. إن عمر يلتقي في مقهى بأسمرة فتاة تدعى سمراوية، ويقع في حبها من أول نظرة. وتتحرك الرواية في نقطة وسط بين الخيال والواقع مجسدة اقتلاع الأريتري من أرضه. فوالد عمر وأجداده يضطرون إلى الهجرة من بلدهم عقب الصراعات السياسية العنيفة في حرب استقلال أريتريا عن إثيوبيا. والحكي في الرواية لا يتخذ شكل خط مستقيم وإنما يمثل تنقلاً بين الطفولة والرشد وسفراً عبر عدة مدن.

وفي خلفية هذه الأعمال تتخايل رواية الأديب الفلسطيني غسان كنفاني «رجال في الشمس» (1962) التي تعزف نغمة مأسوية، إذ تصور محنة الاقتلاع من الوطن السليب والحلم الذي يتحول إلى كابوس وذلك من خلال ثلاثة فلسطينيين يحاولون الوصول إلى الكويت عبر صحراء العراق فيكون مآلهم الموت اختناقاً داخل صهريج الشاحنة التي تقلهم في وقدة القيظ.

وإذا كان من الممكن أن نعتبر روايات الهجرة إلى الخليج جنساً أدبياً قائماً بذاته - وإن يكن على نطاق محدود - فما هو المستقبل الذي ينتظر هذا الجنس الأدبي؟ تختم نادين دقاق كتابها بأن تقول: من الصعب أن نرجم بالظنون عن المستقبل المنظور، وهل سيشهد مزيداً من الإضافات إلى هذا الجنس، ولكن المؤشرات تومئ لأن الاتجاه نحو التعددية قد يكون الاتجاه الغالب على المدى الطويل، بما يعكس التعدد على أرض الواقع وتشابك خيوطه. تشهد بهذا كثير من الكتابات في المجلات الأدبية الصادرة في دول الخليج ومدونات الفضاء الإلكتروني.

ما من كتاب واحد يمكنه أن يغطي كل ما يمكن أن يقال في موضوعه. وليس من العدل أن نطالب نادين دقاق بأن تذكر كل ما كتب عن الخليج. ولكني افتقدت عملاً واحداً أحسب أنه لا يمكن إغفاله في هذا السياق، حيث إنه يقع من موضوع المؤلفة في الصميم. إنه رواية «الخليج» للروائي المصري محمد جبريل. بطل الرواية رؤوف العشري صحافي يعمل في منطقة الخليج إبان الغزو العراقي للكويت. وتنتقل بنا المشاهد بين الكويت ومسقط والإسكندرية، فللمكان حضور بارز في هذا العمل، حيث تتجاور نقائض الحداثة والتراث، وتنهض أحدث مخترعات الغرب التكنولوجية في مواجهة قيم تقليدية تراثية تحكم دوافع السلوك وأنماط العيش. وفيما عدا هذا النقص ليس لدى إلا الثناء على كتاب يجمع - مثل سائر كتب السلسلة التي تضمه - بين دقة البحث العلمي ونفاذ البصر النقدي وإتقان الإخراج الطباعي.


رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ
TT

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»، يحمل عنواناً فرعياً هو «رحلة الإنسان والقائد وباني نهضة الصين نحو المستقبل»، ويقدّم سيرة فكرية وإنسانية للرئيس الصيني شي جينبينغ من خلال مائة قصة وقصة، تجمع بين السرد الأدبي والتوثيق التاريخي والتحليل السياسي.

لا يقدّم الكتاب سيرة تقليدية تكتفي بتسجيل المحطات الزمنية أو استعراض الإنجازات، بل يسعى إلى الاقتراب من التجربة الإنسانية التي أسهمت في تكوين شخصية شي جينبينغ، وتتبع العوامل المختلفة التي رافقت انتقاله من طفولة اتسمت بالتحديات، إلى تجربة قاسية في الريف الصيني، ثم إلى مواقع المسؤولية، وصولاً إلى قيادة الصين في مرحلة تشهد تحولات واسعة.

ينطلق قميحة من أن الكتابة عن القادة الكبار ليست أمراً يسيراً؛ لأنها تتطلب محاولة لفهم روح التجربة الإنسانية والظروف التي صنعتها. ويرى أن الكتابة عن شي جينبينغ تضع الكاتب أمام تحديين متلازمين: تحدي الفهم وتحدي الإنصاف، ولا سيما أن تجربته القيادية نشأت في سياق صيني خاص، يختلف في جذوره الفكرية والتاريخية والسياسية عن النماذج الغربية السائدة.

ومن هنا، يعود الكتاب إلى البدايات الأولى في حياة شي جينبينغ، وإلى البيئة العائلية التي نشأ فيها والقيم التي تلقاها، قبل أن يتوقف عند تجربة إبعاده في سنوات شبابه إلى قرية ليانغجياخه الريفية. وهناك واجه الفقر والعمل الشاق وقسوة الظروف الطبيعية والاجتماعية، واختبر بصورة مباشرة تفاصيل حياة المزارعين وتطلعات الفئات الأكثر احتياجاً.

وتكشف القصص كيف أسهمت سنوات الطفولة والشباب في بناء إرادة قوية مكّنت شي جينبينغ من مواجهة الصعوبات والاستمرار في مسيرته السياسية. كما تتناول انخراطه المبكر في العمل العام، وبدايات مسيرته داخل الحزب الشيوعي الصيني، والتجارب الإدارية التي خاضها في المناطق المحلية، حيث تعرّف عن قرب إلى تحديات التنمية والفقر والبنية التحتية والتعليم والإدارة العامة.

ويتابع الكتاب انتقال شي جينبينغ بين مواقع المسؤولية في عدد من المقاطعات الصينية، مستعرضاً كيف تطورت رؤيته للإدارة والإصلاح من خلال العمل الميداني والتواصل المباشر مع المزارعين والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة.

ويقول المؤلف إن الكتاب، رغم تركيزه على سيرة قائد، لا ينظر إلى القيادة بوصفها فعلاً فردياً معزولاً، ولا إلى التاريخ بصفته صناعة شخص واحد. فالتجربة التي يتناولها نشأت داخل إطار جماعي واسع، كان فيه الحزب الشيوعي الصيني القوة التنظيمية والفكرية التي رافقت مسيرة التحديث، في حين كان الشعب الصيني شريكاً فاعلاً في البناء والتحول، لا مجرد متلقٍ للسياسات.

وعلى هذا الأساس، يقدّم المؤلف مسيرة الصين بوصفها نتيجة تفاعل مستمر بين القيادة والرؤية، وبين التنظيم الحزبي والإرادة الشعبية.

ولا تتوقف القصص عند سيرة شي جينبينغ، بل تنتقل إلى دراسة أبرز ملامح فكره في الحكم وإدارة الدولة، وفي مقدمتها مفهوم الحلم الصيني والنهضة الوطنية والازدهار المشترك والعدالة الاجتماعية. كما تتناول رؤيته لتحديث الحوكمة، وتعزيز الانضباط داخل الحزب، ومكافحة الفساد.

ويرصد الكتاب حرص شي جينبينغ على الجمع بين عناصر من الفكر الصيني التقليدي ومتطلبات الدولة الحديثة. ففي خطابه السياسي تبرز مفاهيم مستمدة من التراث الحضاري الصيني، مثل الانسجام والمسؤولية الأخلاقية واحترام المعرفة وأولوية المصلحة العامة، إلى جانب مقاربات حديثة في الإدارة والاقتصاد والتكنولوجيا والتخطيط الاستراتيجي.

ويضيء المؤلف على العلاقة بين حكمة التراث الصيني وروح الثورة ومقتضيات العصر، موضحاً كيف حافظت القيادة الصينية على عناصر الهوية الثقافية الوطنية، بالتوازي مع الانفتاح على الابتكار العلمي والتكنولوجي وتطوير أدوات الحوكمة.

ويخصص الكتاب مساحة واسعة للتحولات التي شهدتها الصين في العصر الجديد، وفي مقدمتها مكافحة الفقر وتحسين الأوضاع المعيشية، وتنمية المناطق الريفية، وتحديث البنية التحتية، ودعم التعليم والبحث العلمي، وتعزيز الابتكار والتحول الرقمي، وتطوير الصناعات والتكنولوجيا والطاقة النظيفة.

كما يتناول تجربة الصين في تحقيق قدر أكبر من التوازن بين المدن والأرياف، ودعم المشاريع المحلية، وتحديث الزراعة والصناعة، وتعزيز الأمن الغذائي، وإدارة الموارد الطبيعية، والمحافظة على البيئة. ويربط الكتاب هذه التحولات بفكرة أساسية مفادها أن التنمية لا ينبغي أن تُقاس بحجم الاقتصاد وحده، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس وتوسيع فرصهم وتعزيز شعورهم بالأمان والاستقرار.

ويتوقف قميحة عند التحول الذي قاد الصين من «ورشة عمل عملاقة» إلى قوة علمية وتكنولوجية ومختبر لتجربة تنموية وحضارية تسعى إلى تقديم رؤيتها الخاصة للعالم. ولا يتعامل الكتاب مع هذه التجربة بوصفها نموذجاً يجب استنساخه، بل بوصفها مساراً تشكل خارج النموذج الغربي التقليدي ويستحق أن يُقرأ ويُفهم ضمن سياقه التاريخي والثقافي.

ويتناول الكتاب كذلك المكانة المتنامية للصين، وكيف انتقلت في ظل قيادة شي جينبينغ إلى دور أكثر حضوراً في مناقشة مستقبل النظام العالمي. ويعرض في هذا السياق المبادرات الخمس الكبرى التي طرحها الرئيس الصيني، وهي مبادرة الحزام والطريق، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية.

ومن خلال هذه المبادرات، يبرز الكتاب رؤية شي جينبينغ إلى مستقبل الصين ودورها الدولي، ليس بوصفها دولة تبحث عن تنميتها الخاصة فقط، بل قوة تدعو إلى التعاون والمنفعة المتبادلة وتقاسم فرص التنمية مع العالم، ولا سيما مع دول الجنوب العالمي.

وفي موازاة صورة القائد وصانع السياسات، يقترب الكتاب من شي الإنسان، من خلال قصص تتناول علاقته بالشعب وأسرته، وزياراته الميدانية، وشغفه بالقراءة والتاريخ، وطريقته في التواصل مع المواطنين والمسؤولين.

وتعتمد القصص على وقائع موثقة وخطابات رسمية وشهادات. وقد أعاد المؤلف صياغة هذه المادة بأسلوب قصصي وتأملي، محافظاً على التوازن بين جاذبية السرد الأدبي ومتطلبات الدقة التوثيقية.


«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية
TT

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

صدر العدد السادس عشر- من مجلة «الأديب الثقافية»، وقد تضمّن موضوعات عدة، منها: محور «التحولات الرقمية ما بعد المعلوماتية »، ابتداءً من إنترنت الأشياء، وصولاً إلى «الروبوت المفكر»، ومروراً بالمعلوماتية الفائقة ما بعد الافتراضية، بما في ذلك التحديات الجديدة في طور المجتمع الخامس، ومجتمع السايبر، واتجاهات المستقبل في التحوّلات الرقمية، والبودكاست في الخطاب الرقمي المعاصر، ومن بحوث هذا المحور:

«العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية العربية المعاصرة» للدكتورة وسن عبد المنعم ياسين، و«ما بعد الافتراضية: رقمنة الأدب وتشكيل الوعي الجديد» للدكتورة إيمان عبد دخيل، و«الحداثة السائلة وسلطة التأويل في عصر الذكاء الاصطناعي» للدكتورة أوراد محمد كاظم، و«السرد البصري وتحولات المعنى الرقمي» للدكتور عمر رعد أسعد، و«أزمات البحث عن الذات في زمن الحب السائل» للدكتورة إنصاف سلمان، و«الروبوت المفكر - الرقمنة بوصفها بنية مفكرنة» للناقد عباس عبد جاسم.

وفي حقل «بحوث» قدّمت الدكتورة سنا صباح علي أستاذة الفلسفة المعاصرة في جامعة البصرة دراسة عن «جدل الفضاء والمعنى في العمارة المعاصرة عند جان بودريارد»، وكتب الباحث المغربي حمزة بومليك عن «ضفاف النظر، لغة بصرية مشتركة في البحر المتوسط»، وقدّم الناقد الدكتور سمير الخليل «رؤية في مصطلح - ما وراء التجنيس - الميتاتجنيس»، وبحث الدكتور علي محمد ياسين في «الحداثة الشعرية -والخروج على سلطة النموذج - بنية التعليق في الجملة الشعرية»، وقدّمت الباحثة الدكتورة تبارك عمار حسن العزاوي دراسة عن «أنطولوجيا النص وتحولات الوعي» واتخذت من «الوعي الشقي» محوراً لدراستها الأنطولوجية.

وفي حقل «حوار» حاور الدكتور أحمد ضياء - المُنَظِّرة النسوية والأستاذة الجامعية التونسية الدكتورة آمال قرامي.

وتضمن حقل «قراءات» قراءة للدكتورة إنصاف سلمان لكتاب «الذات والدواة» للمفكر والروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي.

وكتب الناقد الدكتور حاتم الصكر عن «عطايا الماضي المستقبلية» من خلال قراءة في ديوان «ألواح الطين وأسرار القصيدة» للشاعرة العراقية المغتربة دنيا ميخائيل.

وقدَّم الدكتور قيس عمر محمد قراءة في «المرجعيات الثقافية» لرواية «يوليانا» لنزار عبد الستار.

وقدَّمت الدكتورة رغد محمد جمال البياتي «قراءة في النسق المتعالي» لكتاب «اللامفكر فيه في الفكر النقدي».

وفي حقل «نقطة ابتداء» كتبت الشاعرة والكاتبة العراقية المغتربة أمل الجبوري عن «أبي البركات البغدادي وفوكو - هل أزمتنا أزمة معرفة أم أزمة ضمير؟».

تصدر «الأديب الثقافية» عن «مركز تنوير للبحوث والدراسات التنموية» بطبعتين ورقية وإلكترونية.