عواصم عربية تعاني من «تلوُّث كبير بالضجيج»

ازدحام السير أحد أسباب التلوث والضجيج. هنا سيارات عالقة  في الزحام في محافظة القليوبية شمال القاهرة (رويترز)
ازدحام السير أحد أسباب التلوث والضجيج. هنا سيارات عالقة في الزحام في محافظة القليوبية شمال القاهرة (رويترز)
TT

عواصم عربية تعاني من «تلوُّث كبير بالضجيج»

ازدحام السير أحد أسباب التلوث والضجيج. هنا سيارات عالقة  في الزحام في محافظة القليوبية شمال القاهرة (رويترز)
ازدحام السير أحد أسباب التلوث والضجيج. هنا سيارات عالقة في الزحام في محافظة القليوبية شمال القاهرة (رويترز)

تُعتبر الأصوات ظاهرة فيزيائية معقّدة تحدث بشكل مستمر وفي كل مكان، وهي تكتسب قيمتها الإيجابية أو السلبية من منظور المستمِع. فعندما تكون الأصوات غير مرغوب فيها تتحول إلى ضوضاء، وإذا كانت مرتفعة واستمرّت لفترة طويلة تصبح تلوُّثاً بالضجيج. ويأتي التلوُّث بالضجيج من مصادر تقليدية، مثل الطرق والسكك الحديدية والمطارات والأنشطة الصناعية، كما ينتج أيضاً عن الأنشطة المنزلية والترفيهية.

مدن صاخبة

وفقاً لإرشادات منظمة الصحة العالمية لعام 1999 بشأن ضوضاء المجتمع، يبلغ الحدّ الأعلى الموصى به لمستوى الضجيج المستمر المكافئ في المناطق السكنية الخارجية 55 ديسيبل، وفي المناطق التجارية وتلك التي تشهد حركة مرورية 70 ديسيبل. علماً بأن شدّة صوت الإنسان العادي تتراوح ما بين 30 و60 ديسيبل.
ويعاني سكان عديد من المدن حول العالم؛ لا سيما في أفريقيا وجنوب آسيا، من ارتفاع مستويات الضجيج، بالمقارنة مع توصيات منظمة الصحة العالمية. ففي نيويورك، يتعرّض 9 من كل 10 أشخاص من مستخدمي النقل الجماعي لمستويات ضجيج تتجاوز 70 ديسيبل. وفي برشلونة، يتعرّض 72 في المائة من سكان المدينة لمستويات ضجيج تزيد عن 55 ديسيبل. وفي هونغ كونغ، يتعرّض 2 من كل 5 أشخاص لمستويات ضجيج تتجاوز الحدود المسموحة.
ويعيش سكان عديد من المدن العربية في ضوضاء تتجاوز الحدود الموصى بها؛ حيث يتراوح مستوى الضجيج المستمر المكافئ في القاهرة بين 77 و88 ديسيبل، ويتراوح في الجزائر العاصمة بين 79 و100 ديسيبل، وفي عمّان بين 80 و84 ديسيبل، وفي دمشق بين 63 و94 ديسيبل، وفي بيروت بين 60 و75 ديسيبل، وفي الخليل بين 77 و83 ديسيبل.
وفي السعودية، يُعتبر الضجيج مشكلة بيئية مزمنة. ويرجع ذلك أساساً إلى النمو السريع للمدن والتوسعات الحضرية، بالإضافة إلى النمو السكاني المرتفع، مما يؤدي إلى تسريع الطلب المتزايد على وسائط النقل. على سبيل المثال، تُعتبر أحجام المرور التي تزيد عن 300 ألف مركبة في اليوم شائعة على الطرق الرئيسية في مدينة جدة.
وفي إطار «رؤية المملكة لسنة 2030»، تبنّت وزارة البيئة والمياه والزراعة لائحة تنفيذية للضوضاء، بموجب نظام البيئة الصادر سنة 2020. وتسري أحكام هذه اللائحة على جميع الأشخاص في المناطق السكنية والتجارية والصناعية والحسّاسة بيئياً، وعلى جوانب الطرق، وفي مواقع البناء، ولا تشمل الضوضاء داخل المباني وفي بعض الأماكن المحدّدة. وتمنح اللائحة المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي صلاحية مراقبة التزام الأشخاص بمستويات الضوضاء المحددة، ورصد وتقييم مستويات الضوضاء في جميع أنحاء السعودية.

مخاطر الضجيج على الإنسان

يمثّل الضجيج أحد أكبر المخاطر البيئية على الصحة العامة لجميع الفئات العمرية والاجتماعية؛ حيث يؤدي التعرّض المطوّل لمستويات عالية من الضوضاء إلى إضعاف الإنسان وتراجع رفاهيته. وتشير التقديرات إلى أن 22 مليون شخص في أوروبا يعانون إزعاجاً مزمناً ناتجاً عن الضوضاء، ويتعرّض 6.5 مليون شخص منهم لاضطرابات في النوم.
ونظراً لأن النوم ضروري لتنظيم الهرمونات وعمل القلب والأوعية الدموية، فإن الضجيج قد يؤدي إلى استجابات عضوية ونفسية سلبية. ويشير تقدير متحفّظ إلى أن الضوضاء المحيطية تساهم في 48 ألف حالة جديدة من أمراض نقص تروية القلب، وتسبب 12 ألف حالة وفاة مبكرة في أوروبا سنوياً. كما وجدت دراستان لتأثير الضجيج المروري على سكان تورونتو الكندية زيادة في مخاطر قصور القلب واحتشاء عضلة القلب الحادة، وارتفاع الإصابة بداء السكري بنسبة 8 في المائة، وارتفاع الإصابة بضغط الدم بنسبة 2 في المائة. ويؤدي القرب من الأصوات الصاخبة للغاية إلى تمزيق غشاء طبلة الأذن، مما يتسبب في فقدان السمع الفوري. وقد يتسبب الاستماع إلى الموسيقى بأعلى مستوى صوت لمدة 15 دقيقة يومياً في فقدان جزئي للسمع. وينتج عن التعرض الطويل لمستويات الضوضاء المنخفضة نسبياً والشائعة في المناطق الحضرية تراجع في الصحة الجسدية والعقلية.
ولا تؤثر أصوات حركة المرور والضوضاء الحضرية الأخرى على رفاهية الإنسان فحسب؛ بل تطول الأنواع الحية المهمة للبيئة الحضرية، وتعرّضها للخطر. ويمكن للضجيج أن يربك التواصل الصوتي بين الحيوانات، ويغيّر سلوكياتها في الدفاع عن نطاقها الحيوي، وتحديد مكان الرفيق واجتذابه، ورعاية الصغار.
وتتكيّف بعض الحيوانات مع الظروف الصاخبة عن طريق تغيير توقيتها أو أسلوب تواصلها الصوتي، بهدف تمييز إشاراتها. ففي المدن الأوروبية، أخذت طيور أبي الحنّاء تغرّد ليلاً أكثر مما تفعل في النهار، لتجنُّب التداخل الصوتي المرتفع. وفي حدائق بوغوتا الكولومبية، تبدأ العصافير بالزقزقة في الصباح الباكر لتجنُّب ضجيج حركة المرور خلال النهار. وتفتعل بعض الضفادع فجوات صوتية خلال نقيقها لكسر الضوضاء، كما تقوم بعض أنواع الطيور بزيادة ترددات أصواتها في مناطق الضوضاء الحضرية.
وتساعد أساليب التكيُّف التي تقوم بها الحيوانات في زيادة فرص أن يصل صوتها لأقرانها في البيئات الصاخبة. ولكن أنماط النداء المتغيّرة تُعتبر في بعض الأحيان أقلّ جاذبية للأزواج المحتملين، وتؤثر بالتالي على نجاح الإنجاب. وفي حال لم تكن الأنواع الحيّة مرنة سلوكياً في إصدار وتلقي الإشارات الصوتية، فإن غياب القدرة على التواصل قد يقلل من أعدادها في مواطنها، ويتسبب في حدوث مضاعفات إيكولوجية ملموسة.

التكيُّف مع الضجيج

يمكن للمدن تحقيق الراحة الصوتية لساكنيها، من خلال إنشاء مساحات هادئة تقدّم مشهداً صوتياً (ساوند سكايب) حضرياً ممتعاً. ويشكّل «المشهد الصوتي» الطريقة التي يدرك بها الناس ويختبرون ويستجيبون لأصوات مكان معيّن في وقت محدد. ويأخذ تصميم المشهد الصوتي في الاعتبار الخصائص السياقية للمكان، بما في ذلك المعالم الصوتية المتخيّلة، والسمات المادية، والعوامل الطبيعية، والغرض، والاستخدام، ومجتمع المستخدمين.
كما يمكن التخفيف من الضوضاء الحضرية باتباع عدّة مبادرات، من بينها زراعة أحزمة الأشجار الكثيفة على جوانب الطرقات، وزراعة غطاء نباتي على أسطح المباني لعزلها صوتياً عن المحيط، وتشجيع انتشار النقل الكهربائي، واستخدام الإسفلت المسامي الذي يخفف شدّة الضجيج عندما تتجاوز سرعة السيارة 50 كيلومتراً في الساعة.
ويمكن أيضاً التخفيف من حدّة الضوضاء في المدن، من خلال الأساليب غير المباشرة. ففي الخطة القومية لمكافحة الضوضاء والحدّ من مصادرها، أدخلت الحكومة المصرية تدابير ذات منافع بيئية مشتركة، تشمل تشجيع استخدام الدراجات، واعتماد معايير الطاقة في المباني للحدّ من ضجيج أنظمة تكييف الهواء، وتعديل الحركة المرورية، مع تحويل بعض الطرقات إلى شوارع ذات اتجاه واحد.
ولا يمكن الحُكم على جودة الصوت من خلال خصائصه الفيزيائية فقط؛ لأن الضوضاء كصوت غير مرغوب فيه تمثّل مفهوماً نفسياً أيضاً. ومع ذلك، يتّفق معظم الناس على أن العالم الصامت غير مرغوب فيه أيضاً؛ لأن الأصوات تُثري الحياة، وتُغني المشاعر، وتعزز الصحة والرفاهية، وتزيد من قيمة التجارب اليومية، وتساعد في تحديد خصائص الأماكن والثقافات، وتشكّل نوعية الحياة.
وقد تكون بعض الأصوات الحضرية فريدة من نوعها في المجتمع، وتضيف إلى هويته الثقافية، إلى درجة تصبح بمثابة معالم صوتية تاريخية تثير الذكريات، كدقات ساعة «بيغ بن» في لندن، وعنين النواعير في حماة، وصخب الناس في أسواق القاهرة. وفي المفهوم الأوسع، لا ينبغي النظر إلى الراحة الصوتية على أنها مجرد غياب للضوضاء، ولكنها حالة توفّر فيها الأصوات المحيطية فرصة أكبر للنمو وتحقيق الرفاهية الجسدية والعقلية.



فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».