بدور القاسمي: لا بد من تعلم المهارات الحديثة وتنشيط ترجمة الكتاب العربي

رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين تتحدث لـ {الشرق الأوسط} عن واقع النشر وآفاقه عربياً وعالمياً

الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين (تصوير: إيفانا ماجليوني)
الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين (تصوير: إيفانا ماجليوني)
TT

بدور القاسمي: لا بد من تعلم المهارات الحديثة وتنشيط ترجمة الكتاب العربي

الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين (تصوير: إيفانا ماجليوني)
الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين (تصوير: إيفانا ماجليوني)

ترأس الشيخة بدور القاسمي الاتحاد الدولي للناشرين، وهي الرئيسة التنفيذية والمؤسسة لـ«مجموعة كلمات»، التي من أهدافها «التأكيد على أهمية الكتاب، وغرس حب المعرفة والقراءة لدى الأجيال الجديدة من الأطفال واليافعين»، كما قادت من خلال هذه المؤسسة عدداً من الحملات لتوفير آلاف الكتب للأطفال اللاجئين والمتأثرين بالحروب والصراعات والصعوبات في جميع أنحاء العالم.
في إطار رؤيتها تجاه قطاع النشر، أطلقت سلسلة من المبادرات، كان أبرزها تأسيس «PublishHer» في عام 2019 كـ«مبادرة للتواصل والتفاعل لتعزيز دور المرأة في المناصب القيادية لصناعة النشر». وأطلق الاتحاد الدولي للناشرين خلال فترة رئاستها مبادرة «الصندوق الأفريقي للابتكار في النشر» بالتعاون مع «دبي العطاء» لدعم المشروعات التي تهدف لتعزيز التنمية المستدامة والتعليم والنشر في القارة الأفريقية. ومن المبادرات الأخيرة، تأسيس «أكاديمية الاتحاد الدولي للناشرين» في مارس (آذار) 2022 بالتعاون مع «مركز النشر» التابع لكلية الدراسات المهنية في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، و«مركز أكسفورد العالمي للنشر»، و«المركز التدريبي للنشر» في المملكة المتحدة.
هنا حوار معها عن واقع النشر العربي والدولي وآفاقه المستقبلية، والتطورات التقنية المتسارعة وما تحدثه من تحولات نوعية في ثقافة العمل والحياة، ومدى استفادة قطاعات النشر من ذلك، ومنها قطاع النشر العربي...

> تؤكدين دائماً أنك مطمئنة على مستقبل النشر، ما أسباب هذا الاطمئنان؟
- دعونا في البداية أن نعرف ونوصّف النشر، كيف نشأ؟ ولأي غاية؟ وما هي محركات نموه الذاتية والموضوعية؟ بالتحليل البسيط نستطيع القول إن الإنسان اخترع النشر ليوثق تجاربه الفردية والمجتمعية، ولكي يحفظ معارفه التي يكتسبها من علاقاته بكل مكونات الحياة، وأيضاً لكي يجد وسيلة يعبر بواسطتها عن إبداعه ومشاعره، ويخاطب من خلالها الآخرين ويتواصل معهم ويوثق علاقاته بهم. والنشر توثيق للذاكرة الإنسانية وتعميمها وأداة لتتناقلها الأجيال، فالبشرية ستعاني كثيراً من دون ذاكرة موثقة، لأنها ستكون بحاجة لمواجهة التجارب من دون خبرة وكأنها تخوضها في كل مرة للمرة الأولى.
استعان البشر قبل النشر برواية الحكاية شفهياً، ثم جاء الورق البدائي، وباختراع الطباعة أصبح الوجدان البشري أكثر تقارباً وتكاملاً، وأصبح للتعليم أدواته ووسائله التي تستند لتجربة تاريخية طويلة، وبشكل عام أصبح النشر مساهماً أساسياً في تحفيز العلم والإبداع وتطوير الأعمال والارتقاء بشكل الوجود الإنساني.
ومع تطور التقنيات، دخلنا مرحلة متقدمة من النشر، فقد أصبح الوصول للكتاب أكثر سهولة، ويمكن تحقيقه عبر الهاتف المحمول أو الجهاز اللّوحي؛ ومن ليس لديه وقت كافٍ للجلوس في المكتبة أو البيت للقراءة، بات بإمكانه الاستفادة من الكتب المسموعة، هذه السهولة أدت إلى زيادة نسبة القراء وارتفاع ساعات القراءة، ورسخت محبة المعرفة لدى الناس، فلا يوجد كتاب في العالم لا يمكن الوصول إليه من أي مكان، حتى محبو الكتب الورقية بإمكانهم الحصول عليها بسهولة من خلال طلبها من على منصات البيع الإلكترونية.
على صعيد آخر، صرنا نشهد تنامياً في أهمية المعرفة العامة والمتخصصة في جميع القطاعات ومختلف المستويات، الأعمال اليوم تعتمد على المواهب والأفكار الإبداعية أكثر من اعتمادها على الموارد التقليدية، وهذه الحالة أكدت أهمية القراءة لتحقيق النجاح الفردي والمؤسساتي والاجتماعي بشكل عام، فمهما كان تخصص الفرد هناك كتب تتناول هذا التخصص، وتضيف كثيراً من المهارات والأفكار للقراء، فالقراءة والمعرفة تخلق الرواد والمبدعين، ونحن في زمن الريادة، وأتذكر هنا كلام «فولتير» عندما سُئِلَ من سيقود الجنس البشري أجاب: «الذين يعرفون كيف يقرؤون».
إن التطورات المتسارعة وما تحدثه من تحولات نوعية في ثقافة العمل والحياة بشكل عام تذهب لصالح قطاع النشر، في تقرير لموقع «The Business Research Company» من المتوقع أن ينمو حجم سوق النشر العالمي من 84.54 مليار دولار في عام 2021 إلى 89.25 مليار دولار في عام 2022، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 5.6 في المائة. والتقرير نفسه أشار إلى أنه من المتوقع أن يصل سوق النشر إلى 105.27 مليار دولار في عام 2026 بمعدل نمو سنوي مركب نسبته 4.2 في المائة، وهذا معدل يتفوق على كثير من القطاعات.
> لكن ما هي مساحة قطاع النشر العربي؟ وما التحديات الذي تواجه الناشرين العرب؟
- في البداية لا بد من التأكيد على حقيقة أن انفتاح الأسواق وتطور تقنيات التواصل ومنافذ البيع الإلكترونية، والكتاب الصوتي والإلكتروني، وما ترافق معها من تداخل في الأعمال، وتنقل للمهارات والشركات والمؤسسات بين القارات والدول، جميعها تؤسس بشكل تدريجي لمجتمع نشر عالمي موحد، ولن يكون مجتمع النشر العربي بمنأى عنه، وسيستفيد من كل مقومات النمو التي ذكرناها سابقاً.
كما تجب الإشارة إلى أن تجربة النشر العربي ثرية ومهمة جداً، نتيجة التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت مسار النشر وما أحدثته التطورات والتحولات على الرواية والشعر والقصة، ونمتلك في الوطن العربي أسماء ثقافية كبيرة نفخر ونعتز بها، وناشرين لهم بصمات واضحة على المشهد الثقافي العربي بشكل عام، وهذا يعني أن للقطاع تراثه وجذوره التي يمكن البناء عليها لتحقيق مزيد من التطور.
لكن من أجل ضمان التطور، لا بد من تحديد التحديات وحشد الجهود لمواجهتها، فخلال السنوات الماضية شهد مجتمع النشر العربي حراكاً نشطاً ونقاشات داخلية أدت إلى مزيد من التأكيد على دور مجتمع النشر في تحفيز الحالة الثقافية والإبداعية بشكل خاص، ودعم مساعي التنمية للمجتمعات العربية بشكل عام، من خلال تعزيز مساهمة القطاعات الإبداعية، وتفيد الدراسات أنه يشكل نسبة 10 في المائة من حجم مداخيل الدول المتقدمة.
ومن خلال أنشطتي وزياراتي رئيسةً للاتحاد الدولي للناشرين، التقيت بعدد كبير من الناشرين في السعودية والمغرب وتونس ومصر وغيرها من البلدان العربية، وكان المشترك في حواراتي معهم جميعاً هو الشغف بالعمل والابتكار وتطوير قطاع النشر وأدواته والاستثمار في المواهب المحلية وتشجيع المحتوى المحلي.
وفي المقابل، لمسنا قلقاً من التحديات التي تواجههم، وبشكل خاص حماية الملكية الفكرية ومخاطر القرصنة الإلكترونية، وذلك في ظل تنامي النشر الرقمي، وتزايد قدرات القراصنة على اختراق مواقع النشر الرسمية ذات المصداقية. كل تقدم علمي يمكن أن تكون له سلبيات، لكننا على ثقة بإمكانية معالجتها والحد من آثارها بالعمل وفق خطط مستدامة ومتصاعدة، ولعل أول خطوة لمواجهة هذا التحدي هي تنفيذ حملات مكافحة القرصنة تشمل جميع الأطراف في عملية النشر بما فيها الجمهور، بل يجب التركيز على توعية وتثقيف الجمهور بمخاطر القرصنة واستعمال الكتب التي يتم الاستيلاء عليها بالطرق غير القانونية، وأنا على ثقة أن وعي الجمهور سيشكل سياجاً حصيناً يحمي الناشرين والمؤلفين وحقوقهم، فهذا القطاع وجد لخدمة المصالح العليا للمجتمعات ودعم المساعي نحو التنمية والازدهار والتقدم.
وتوجد حاجة أيضاً إلى سن مزيد من القوانين والتشريعات الصارمة، ويجب أن تكون تداعيات القرصنة وخيمة على من يخالفون القوانين والمواثيق، ويتعدون على حقوق المؤلف والناشر ويتجاوزن أنظمة الحفاظ على الملكية الفكرية، فمثلما استطاعت البلدان والحكومات أن تحد كثيراً من الجنح والجرائم بالقوانين والإجراءات الصارمة، يجب التعامل بحزم مع قضايا القرصنة.
ويضاف إلى ذلك أهمية رصد عمليات القرصنة وجمع البيانات اللازمة لتحسين وتطوير آليات النشر الإلكتروني الشرعية، وهذا يستوجب التعاون الجاد بين أصحاب المصلحة كافة ليكونوا عيون المعرفة وضميرها وحراسها.
في هذا السياق، يهمني أن أؤكد دائماً على حقيقة أن التحديات تقود التطور. فالتحديات تحثّنا على الاكتشاف والتطور وابتكار سبل جديدة للعمل، وهذا كان واضحاً خلال الجائحة، حيث أبدع الناشرون في كثير من البلدان مبادرات وفعاليات وآليات عمل للحفاظ على مكانة النشر ووظيفته، وكان «الاتحاد الدولي للناشرين» نموذجاً لإبداع الحلول والتكيف والتطور للتغلب على تحديات الجائحة، فكما شهدنا أطلق الاتحاد كثيراً من المبادرات في تلك المرحلة، مثل تقرير «من جهود التصدي للجائحة إلى التعافي منها»، هذا التقرير الذي كان بمثابة حشد لجميع آراء الناشرين وتصوراتهم للتعاون من أجل تخطي آثار الجائحة.
وبالإضافة إلى العمل على مواجهة التحديات، هناك حاجة ماسة لتعزيز ركيزتين أساسيتين، الأولى هي تعلم المهارات الحديثة، التي تشمل استخدام الأدوات الرقمية في الإنتاج والتسويق وبناء الشراكات، أما الثانية فهي تنشيط حركة الترجمة من العربية للغات الأخرى، لإيصال الكتاب العربي إلى المجتمعات الأخرى باختلاف ثقافاتها ولغاتها.
إن الترجمة هي نوافذ الثقافة والمعرفة والوجدان المفتوحة على فضاء العالم، وهي ليست فقط لرفع مبيعات الكتب المحلية في الأسواق العالمية، لكنها تخدم أيضاً مساعي العالم نحو الاستقرار والتفهم للاختلاف والتعاون على مواجهة التحديات المشتركة، لهذا لا يمكن لنا أن نرى قطاع النشر من دون حركة ترجمة نشطة وذات حرفية عالية. الأمر الذي يتطلب من المجتمع الثقافي العربي والمؤسسات الرسمية التعاون من أجل تنظيم حركة ترجمة مستدامة، لها استراتيجيتها ورؤيتها التي تتمحور حول ترسيخ الثقافة العربية وقيمها ومبادئها في ساحة المعرفة العالمية.
ومن أجل أن تؤدي الترجمة وظيفتها بشكل مستدام، لا بد من توفير قاعدة بيانات حول الإصدارات الجديدة ومحتواها وتخصصها وكافة المعلومات المطلوبة عنها، كذلك يجب ترسيخ العلاقة بين الناشرين والمترجمين وتنظيم العلاقة بينهما بحيث يصبح التواصل والتنسيق مستداماً، كل ذلك إلى جانب بناء الشراكات الدولية والتعرف على احتياجات الجمهور من مختلف الثقافات وفهم رغباته وميوله الفكرية.
> أعلنتم مؤخراً عن تأسيس وإطلاق «أكاديمية الاتحاد الدولي للناشرين»، ما هي الأفكار والدوافع التي أدت إلى ولادة هذا المنجز النوعي؟
- لقد شكلت السنتان الماضيتان نقطة تحول في مجتمع النشر، وبرزت الحاجة إلى مهارات جديدة تمنح الناشرين قوة ذاتية للاستمرار مهما اختلفت الظروف، وقد أكدت الأزمة الصحية العالمية حاجة الناشرين إلى تبني مزيد من المهارات التي لها علاقة بمنظومة النشر المتكاملة.
أسست هذه الحاجة البحث والنقاش داخل «الاتحاد الدولي للناشرين»، وبيني وبين أكثر من 150 من كبار المسؤولين والمديرين التنفيذيين في صناعة النشر في أكثر من 40 دولة يمثلون القطاعات والمجالات كافة التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالنشر، وتضمن ذلك دور النشر، والموزعين، والمؤلفين، والمعلمين، ومعارض الكتب، ودعاة الثقافة والمعرفة، ونشطاء حرية التعبير.
وخلصت هذه النقاشات إلى ضرورة تأسيس أداة تعليمية مستدامة، توفر الدعم المعرفي للناشرين وتطور مهاراتهم وتساعدهم على التكيف الإيجابي مع المتغيرات التي يشهدها القطاع، والقطاعات الأخرى، سواء أكانت ثقافية أو اقتصادية أو اجتماعية، فقد أردنا أن يكون لدى كل ناشر في العالم فرصة تطوير مهاراته في النشر والتسويق الإلكتروني والكتب الصوتية والميسرة، إلى جانب التعرف على مستجدات القطاع والاطلاع على التجارب وفهم رغبات القراء وميولهم.
كانت النتيجة من كل ذلك هي «أكاديمية الاتحاد الدولي للناشرين»، التي أعلنّا عنها في 7 مارس 2022 برعاية «هيئة الشارقة للكتاب»، وبالتعاون مع «مركز النشر» التابع لكلية الدراسات المهنية في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، و«مركز أكسفورد العالمي للنشر»، و«المركز التدريبي للنشر» في المملكة المتحدة.
وتوفر الأكاديمية، المتاحة لنحو 15 ألف ناشر من أعضاء الاتحاد، من أكثر من 70 دولة، مجموعة من الدورات والحوارات الافتراضية المجانية لأعضاء الاتحاد.
نحن نؤكد دوماً على أهمية التعلم مدى الحياة، إذا كان قطاع النشر هو قطاع للتعليم والتثقيف والتوعية، فيجب أن يبدأ بهذه المهمة داخلياً.
> تؤكدين دائماً على أهمية تمكين المرأة في قطاع النشر، كيف ترين مكانة المرأة في القطاع؟ وكيف يمكن تعزيزها لتصبح أكثر تأثيراً؟
- أنا أؤمن بأن دعم مساعي الأمم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتحقيق طموحات الشعوب في الاستقرار والازدهار، يحتاج إلى توفير عدة اشتراطات، في مقدمتها أن تستند عملية التنمية للمعرفة العلمية، وأن تمتلك رؤية إنسانية عامة، وهذا يعني أن قطاع النشر مساهم أساسي في توفير القاعدة المعرفية والرؤية الإنسانية المشتركة للعمل والإنتاج والتقدم.
أما الاشتراط الثاني فهو مساهمة المرأة بشكل كامل وشامل في التنمية، فنحن نتحدث هنا عن نحو نصف ما تمتلكه البشرية من طاقات وإبداعات ومواهب، والمرأة طاقة إبداع أثبتت كفاءتها في المجالات كافة، ولو نظرنا للبلدان التي تعاني من تباطؤ عملية التنمية، فسنجد أن مساهمة المرأة هناك محدودة وغير كافية. إلى جانب ذلك، فإن العمل والإنتاج والشراكة في بناء الحضارات هو حق إنساني طبيعي للجميع لا يجوز الانتقاص منه أو تحديده.
على هذه الرؤية، بنيت توجهاتي واستراتيجياتي في دعم تمكين المرأة داخل مجتمع النشر، وفي العام 2019 أعلنت عن إطلاق PublisHer، التي بدأت أعمالها قمة تجمع الناشرات والمختصات في شؤون المرأة والعمل والتنمية والثقافة من مختلف دول العالم لمشاركة الآراء حول تمكين المرأة في قطاع النشر على وجه الخصوص.
ثم بعد ذلك أدركت أننا بحاجة إلى منصة مستدامة للقيام بهذه المهمة، وأن عقد قمة مرة واحدة في السنة لا يكفي، فتحولت PublisHer إلى منصة تعمل على تعزيز التضامن، والتنوع، والعدالة، وتكافؤ الفرص، والمساواة في قطاع النشر، لتمكين الناشرات وإدماجهن في مجتمع النشر ومساعدتهن على تبادل الأفكار، وإبرام الشراكات، والمشاركة في المبادرات الجديدة التي تتناول سبل تعزيز التنوّع والاندماج والعدالة في صناعة النشر. قطاع النشر بوصفه مصدراً للمعرفة، ينبغي أن يكون نموذجاً للعدالة في تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الجنسين، وأنا على ثقة بأن المرأة سترسخ مكانتها في هذا القطاع، كما حققت مكانتها كاتبة وأديبة وصاحبة دار نشر وغيرها من الوظائف التي تعتبر أساسية للقطاع بشكل عام.


مقالات ذات صلة

فن «الكتابة عن الكتابة»

كتب فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها.

سوسن الأبطح
كتب تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب «بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

تختم ميمونة الشيشاني روايتها الجديدة «بـينَ الجسرِ والجرس»، بصفحةٍ عنونتها بـ«أخيراً»، تخرج فيها من صوت الراوية «آلاء» إلى صوتها هي، الروائيّة التي تُعنى...

«الشرق الأوسط» (عمّان)
ثقافة وفنون غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً...

ندى حطيط
ثقافة وفنون «خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار

جمال القصاص

فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»
TT

فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها. كلٌ يمارس مراجعته بالطريقة التي يراها مناسبة، وهذا أهم ما يكشفه كتاب رائد العيد الصادر عن «دار كلمات للنشر والتوزيع» بعنوان «دفاتر المكتبة الكونية... فن مراجعة الكتب». وهو من خلال هذا المؤلَّف التوثيقي والأدبي في آن، يقوم بما يشبه التأريخ والتحليل لنوع من الكتابة نادراً ما تصدى له كاتب عربي، أو اعتبره صنفاً يستحق العناية به لذاته. الميزة الأساسية أن العيد يتتبع أنواع هذا الفن وضروبه ويعمل على لمّ شمله، وفهمه وتوضيح الفوارق بين أصنافه.

لهذا؛ فإن «فن المراجعات»، يخضع هذه المرة لتفحص وتتبع وتفنيد وتحليل واستخلاص نتائج. وعلى عكس ما يخطر لك، فإن موت الكتاب الورقي أو خفوت نجمه، كما يقول العيد، لا يعني تراجع هذا الفن، بل تعزيز دوره، وبروزه بصور مختلفة لم تكن معروفة؛ ما يجعلنا لا نتنبه له بالضرورة. إذ لا يمر يوم إلا وتقرأ تقييماً لكتاب أو برنامج أو مداخلة، على إحدى وسائل التواصل، وتترك نجمة أو إعجاباً، أو تعليقاً طويلاً أو قصيراً. فالتقييم جوهر في اقتصاد وسائل التواصل وجزء أساسي من حيويتها وعجلة دورانها. وهو أمر لا يقارن بالضرورة بالمراجعات الجادة للكتب، لكن قرابة الوصل موجودة، والربط واجب.

يحاول العيد تقديم «مراجعة للمراجعات»، على طريقة «علم العلم» أو «تفسير التفسير»، بحيث يبحث في هذا الفن محاولاً تحديد ماهيته، وتأريخ بدايته، وتوضيح المصطلحات المتعلقة به ودوافع كتابته، ومعرفة مكوناته وأساليبه، ومتطلباته، وخيارات مؤلفيه، كما يبحث في حجم اقتصاده وتبعات نشره، ومحاذير قراءته، وصولاً إلى ادعاء موته.

حسب العيد، فإن الكتابة عن الكتب، وُجدت مع انتشار الكتاب، بحيث إن من يتعذر عليه الحصول على مؤلف ما، كان يمنّي النفس بقراءة جزء منه، أو شيء عنه، في مؤلف جامع يتصدى لهذه الغاية. وبالتالي، فإن المراجعة أو التلخيص يقدمان خدمة جليلة. وهذا هو السبب الأول لولادة المراجعات: «أن تعـرّف بالكتـاب النــادر الــذي يصعـب الحصــول عليــه أو تُقـرّب البعيــد وتنشر الفريد. ففــي بدايات الكتابة والنشر كان الكتاب صعـب التشـكيل عســير النسـخ، وليــس بمقـدور الجميـع الحصـول عليه؛ فيكتفي النـاس منــه بالقليل».

ثمة كتب لم تصل إلينا أصلاً، لكننا عرفنا بوجودها وبمحتواها من المراجعات. يلفت الكتاب إلى أن بعض المراجعات نجدها في حوارات أفلاطون، وفي رسائل سينيكا، وفي كتابات بلوتارك، ومجادلات شيشيرون، وتأملات ماركوس أوريليوس وأبحاث أرسطو. وعند العرب لم يقصّر الجاحظ في الكتابة عن الكتب ونقدها والتشجيع على قراءة بعضها أو نقل محتوى بعضها الآخر.

ويرى العيد أن كتــاب «الفهرسـت» لابــن النديم هو نموذج لحقبــة طويلة فــي تاريـخ مراجعات الكتــب. فابن النديــم كان شاغله الأكبـر أن يحـوي كتابه فحوى كتب زمانه، بحيث يجمــع فيــه ما قــرأه وعرفــه وســمع عنه. وتأتي أهميته من أن الكثير من الكتــب التــي تحدث عنها اندثرت، ولم تعد بيـن أيدينــا اليــوم. وبالتالي، فإن مراجعات ابـن النديــم هي التي أدخلتهــا التاريــخ، ومنعتهـا مــن الاختفاء الكلي.

يقتفي الكتاب أثر المراجعات عبر التاريخ شرقاً وغرباً، وصولاً إلى العصر الحديث. فقد ظهـرت في شـكلها الذي نعرفه اليوم في الصحف الفرنسية خـلال القــرن الســابع عشــر، ومن حينها بدأت أشكال المراجعات ومناهجها تتطور، من الاكتفاء بالتعريف بالكتب، إلى نقدها والحكم عليها. وهو ما تسبب في حراك ونقاشات ليس حول دورها فحسب، بل حول حدودها التي يفترض أن تلتزمها؛ إذ إن الكتّاب تجاوزوا التعريف إلى النقد والتقريظ. ويروي كليمان موزان في كتابه «ما التاريخ الأدبي؟»، «أن الصحافيين الأدبيين فــي تلـك الفترة لم يكتفوا بالتلخيص والاستشهاد بما ورد في الأعمال التي يعرضونها، بل أخذوا يطلقون الأحكام وينتقدون الأعمال، معتبرين أنهم يقومون بواجبهم اتجاه القارئ في مهمة إرشاده».

وفي القرن التاسع عشر، بدأت المجلات بتخصيص فصول وأبواب تواكب مستجدات الكتب وتتابع الإصدارات وتعرضها وتنقدها. عربياً، ظهرت مجلة «المقتطف» عام 1883 وفيها «باب الهدايا والتقاريظ» بعد سبع سنوات من تأسيس المجلة، على اعتبار أن التعريف بالكتب ومراجعتها، هي هدايا للقارئ. لكن اسم الباب تغير، ليصبح «باب التقريظ والانتقاد» مع تحول مهماتها، واتخاذها مناحي جديدة في التحليل والنقد. ثم جاءت مجلة «الزهـور» وأسمت باب مراجعات الكتب «ثمرات المطابع» منتهجـة العـرض الموجــز والتعريــف الســـريع بجديــد المؤلفات. وهــو مــا أكملته مجلة «أبولــو» تحت عنـوان «ثمــار المطابع». وعندما جـاء إبراهيــم اليازجي إلى مجلة «البيــان» ومن بعدهـا «الضياء» اختار تقديـم مراجعات الكتب التي كان يسطرها تحت عنــوان «آثار أدبية»، عادَّاً أن المراجعة وصلـت لأن تكون نصاً أدبياً مستقلاً. والذين كتبوا نصوصاً أدبية في المراجعات كثر، من بينهم طه حسين وعباس محمود العقاد والمازني، وغيرهم كثير.

عام 1896 أعلنت صحيفة «نيويورك تايمز» عن ملحق متخصص في مراجعات الكتب. بدأ الملحق بالظهور كل صباح سبت، ثم تحول صدوره إلى صباح الأحد لزيادة عدد القراء، ولتسليتهم وإفادتهم في عطلتهم. وعاش الملحق أكثر مما يتوقع الجميع؛ إذ احتفلت الصحيفة بمرور 125 سنة على ولادته عام 2021، مع كتاب توثيقي لهذه المغامرة الأدبية والفكرية.

كانت المراجعات حين تكتبها إدارة التحرير، وتقتصر على التعريف بالكتاب ووصفه دون جهد كبير، لا تحمل بالضرورة اسم الكتّاب، لكن الوضع تغير بعد أن أصبحت مقرونة بالرأي والتحليل، وتسطر بأقلام مؤلفين معروفين للصحف مصلحة في إبراز أسمائهم.

أما اليوم، وقد تشعبت الطرق والمناهج، وتعددت الأساليب والمدارس، وظهرت المصطلحات المتخصصة وتنوعت المنابر، فإن المراجعات لم تعد مجرد كتابات هامشية، بل صارت أهم من أن يتم تجاهلها، أو تستبعد من القواميس والمعاجم الأدبية واللغوية. لا، بل يرى مؤلف الكتاب أن المراجعات تحولت «جنساً أدبياً مستقلاً قائماً بذاته له مفاهيمه وأبعاده، كما له ممارساته المتعددة الواسعة». وهو يدعو إلى الاعتراف بما يمكننا تسميته «أدب المراجعات». فليست الغاية عند كل من كتبوا في هذا المجال مجرد الاقتصار علــى التعريــف بكتــب في حقــل معين، بــل إن البعض عمل فعلاً على كتابـة مراجعات أدبية يمكن وضعها في مصـاف الأدب الرفيع، وقد أعلت مــن شــأن الكتابــة علــى الكتابــة كفعــل أصيــل وليس مجرد ردة فعــل سريعة، أو تعليقات متعجلة.

مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه

ما يفوتنا أحياناً، أن ثمة بعداً تجارياً واقتصادياً للمراجعات. إذ إن مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم، يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس، وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه. من هنا يقول العيد بدأنا نسمع عن شركات متخصصة في تسويق الكتب، واستكتاب كتّاب أعمدة في الصحف الرائجة. وهناك دور نشر متعاقدة مع أبرز مراجعي الكتب، وثمة مؤلفون ينسجون علاقات مع يوتيوبرز ونجوم وسائل التواصل للترويج لكتبهم، ولا غرابة أن نجد بأنه ما أن تنطلق الحملة حتى تنفد الكتب عن رفوف المكتبات.

يحاول رائد العيد، إذن، تقديم مسار المراجعات منذ عرفها الإنسان إلى اليوم بشمولية وانفتاح على مختلف الأشكال والمعارف. إنها دراسة بنفح أدبي تشبه ما يمكن أن نسميه «أنثروبولوجيا المراجعات»، من خلال استعراض سيرة هذا الفن في المجلات والدوريات الثقافية الورقية وصولاً إلى العصر الرقمي المنفتح، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والمدونات الوسيلة الأكثر رواجاً لتقييم الكتب ومشاركة أخبارها وتبادل الآراء حولها.

والكتاب يسد ثغرة في المكتبة العربية، ويملأ فراغاً تنظيرياً بشأن فن اعتبر باستمرار أقل من أن يلتفت إليه، لا، بل لم يعترف بقيمته الأدبية ودوره بصفته محركاً حيوياً لحركة البيع وسبباً أساسياً في فتح المعارك الأدبية والفكرية. لهذا؛ اعتبر المؤلف كتّاب المراجعات الذين أهداهم الكتاب بأنهم «صنّاع الجسور الثقافية، وأمناء المكتبة الكونية».

يرسم العيد بداية طريق لمجال لم يؤخذ بالجدية الكافية؛ آملاً أن يأتي من بعده من يطوره ويبحث في مزيد من التفاصيل، خاصة وأن المجال نفسه يشهد تحولاً في الشكل والمضمون والوسيلة، في وقت واحد. وهذا انقلاب كبير، تتوجب متابعته.

وهنا يستشهد الكتاب بما ختم به ابن خلدون مقدمته الشهيرة: «ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم متين، يغوص من مسائله على أكثر مما كتبناه، فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله، وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه، والمتأخرون يلحقون المسائل شيئاً فشيئاً إلى أن تكمل».


تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»
TT

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي. تتكون المجموعة من ثلاث عشرة قصة قصيرة، تسعى إلى تشريح وتفكيك فلسفة «أنصاف الأشياء»، وتكشف عن العوز العاطفي الخافت الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية للأبطال، الذين يرتضون بنصف دفء ونصف حب، ونصف طمأنينة لا تكتمل أبداً. وتتحول القصص مرآةً للإنسانية شديدة الهشاشة، نابشة في مرارة الخذلان وفراغات الروح، ليكتشف الأبطال مع آخر ضوء ينطفئ أن العتمة المؤقتة قد تصبح أحياناً مساحتهم الوحيدة والآمنة للنجاة.

تتقاطع حكايات المجموعة وتتباين عوالمها، معتمدة لغة بصرية. وتدور القصة - التي تحمل المجموعة عنوانها - حول فتاة تستعيد مزاج التسعينات ورسائل الشرفات وشرائط الكاسيت القديمة.

وفي قصة «يوميات امرأة غير جديرة بالحب» تستعيد البطلة ذكرياتها الطويلة مع العلاقات السامة. بينما في «شقة رقم عشرة» يجلس البشر محبوسي الأنفاس أمام الشاشات في انتظار نيزك ينهي العالم خلال أربع وعشرين ساعة.

وكان قد صدرت لشيرين سامي ثمانية كتب، منها روايات: «قيد الفراشة» و«حنة»، و« مَن ذاق عرف»، و«الحجرات»، وكان أحدث إصداراتها رواية «السيدة الكبرى» في يناير (كانون الثاني) 2025، ورواية للنشء بعنوان «ابْتَسِمْ لأكون أقوى» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لـ«جائزة اتصالات لكتاب الطفل» عن فئة اليافعين، وكتاب «154 طريقة لقول أفتقدك».

من أجواء المجموعة، نقرأ: «كثيراً ما تتمشى في الشوارع، قديماً كان الغرض من التمشية هو حب الحركة مع مشاهدة الطبيعة والناس والمحال والأحوال، ثم أصبحت تفعلها حتى تضعف، بعد أن علَّق علي أنها تحتاج إلى أن تفقد بعض الوزن، لم يكن أول تعليق تسمعه عن جسدها الذي يقترب من النحافة، أبوها قال تعليقاً مشابهاً ذات مرة لكن بحسه الساخر، وحبيب سابق قاله أيضاً بحسِّه المُدمِّر.

أما هو فقالها بحسه اللطيف، كمشرط دقيق يظن به البعض أنه يعالج. لكن في تمشياتها الأخيرة، أشياء بدأت تتبدَّى لها، قائمة طويلة من الأمور التي تؤلمها، هذا الألم الشفيف الذي لا تستطيع أن تصرخ وتهد العالم وتقول بسببه: «يجب أن أرحل».. أو «قف!»، ألم له قوام هلامي، لا تستطيع أن تمسك به أو تكرهه أو تريه للآخرين، لكنك أيضاً لا تستطيع أن تتغافل عن حركته في يدك، ترسل له رسالة تقول: «أريد أن أحتضنك جدّاً»، ترسلها دون أن تفكر، لو فكرت فربما استبدلت الآن بـ جدّاً، تتذكر رسالة مشابهة أرسلتها قبل سنوات وأتى على أثرها من غيابه ليحقق لها رغبتها، لكنها تعلم أنه لن يأتي هذه المرة، لن يأتي كل مرة.

ورغم ذلك عندما تضعه بجوار قائمة الأمور التي تؤلمها، فإنها تقرر أن تختاره.


«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية
TT

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

تختم ميمونة الشيشاني روايتها الجديدة «بـينَ الجسرِ والجرس»، بصفحةٍ عنونتها بـ«أخيراً»، تخرج فيها من صوت الراوية «آلاء» إلى صوتها هي، الروائيّة التي تُعنى - كما تصف نفسها - بنقل التجربة الإنسانية على الصعيدين الفرديّ والجمعيّ، وفي هذه الصفحة توجّه شكرها وامتنانها لمحارِبة السرطان السيدة آلاء آسندر، التي بُنِي أساس الرواية على قصتها الحقيقية مع المرض.

جاءت الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن في 188 صفحة من القطع المتوسط، وتقدم خلالها سرداً ذاتيًّا حميماً بضمير المتكلم، هو في جوهره «رواية شهادة»: نصٌّ متخيَّلٌ ينهض على تجربةٍ إنسانيةٍ واقعية، خضعت، كما ورد في صفحة «تنويه» في افتتاح الكتاب، لمعالجةٍ فنيةٍ وتخيُّيلٍ روائيّ يخدمان السياق الأدبي للعمل.

وتروي «آلاء»، بطلة العمل وراويته، رحلتها مع سرطان الثدي منذ لحظة الاشتباه الأولى في الفحص الإشعاعي، مروراً بالخزعة والتشخيص، فالعمليات الجراحية، والعلاج الكيماوي والإشعاعي والهرموني والبيولوجي، وصولاً إلى إعلانها «ناجية» بعد سنوات من المتابعة.

وتفتتح الرواية بمشهدٍ مباغت بصيغة الحاضر: لحظة سريرية أقرب إلى الاحتضار، تسمع فيها آلاء صافرة جهاز المراقبة وإعلان الطبيب ساعة الوفاة، في حين تشعر روحها بانفصالٍ خفيفٍ عن جسدها. هذا المشهد الاستهلالي – الذي يتكشَّف لاحقاً أنه رؤيا منامية لا واقعة فعلية – يمنح الرواية إطاراً دائريًّا؛ إذ يعود صداه في فصلٍ متأخر بعنوان «موتٌ زائف»، قبل أن تُغلَق الدائرة بمشهدَي «قرع الجرس» و«ولادة» في ختام العمل.

ويشكّل الفضاء الرقمي - حسابات «فيسبوك» و«سنابشات» و«إكس» - مسرحاً فرعيًّا للرواية؛ إذ توثّق آلاء تفاصيل رحلتها بمنشوراتٍ وصورٍ وتعليقات، فتتحوّل صفحتها الشخصية مساحةَ تضامنٍ افتراضيٍّ مع ناجياتٍ أخريات ومتابعين من بلدانٍ عدة، وتصبح الكتابة على «الجدار» امتداداً لصوتها الداخلي حين يعجز الجسد عن الفعل.

من أجواء الرواية نقرأ النص الآتي: «العالمُ هنا تحت قدميَّ؛ تمرُّ من تحتي جحافل السَّيارات المتّجهة إلى حيواتها المختلفة، وأنا أُحلِّق فوقها كغيمةٍ تائهةٍ فضوليَّة. قد لا يتنبَّهون لوجودي، وقد يمرُّون بي مرور الجُهَّال، لكنِّي الجبل الذي يتعجَّب النُّجباء من شموخهِ وثباتهِ على الرغم من سياط البرق التي تخترق جوفي، وسهام المطر التي تنغرز في أكثر اﻷماكن رقَّةً وضعفاً. ظلِّي يسكن مراياهم العابرة، وطيفي حرٌّ يسبح في فضاءاتٍ لا حدود لها».

وهو مقطع يكشف عن جانب من اللغة التي تراهن عليها الرواية؛ لغة تتجاور فيها صورة الجسد المتألم مع اتساع المخيلة، ويصبح المرض، رغم قسوته، نافذة لرؤية العالم من علٍ، لا مجرد تجربة تستنزف صاحبها.

والرواية امتداد لمشروع الشيشاني في الكتابة عن التجارب الإنسانية الواقعية، لكنها تضع هذه المرة وجع الجسد في مواجهة مباشرة مع واحدة من أكثر رغبات الإنسان بداهة وإلحاحاً: أن يعبر إلى الضفة الأخرى، وأن يقرع الجرس معلناً أنه ما زال هنا... حيّاً.

وكانت المؤلفة قد أصدرت من قبل روايتين: «دمعة ذئب» و«كزهر اللي»، إضافة إلى مجموعة من القصص الموجَّهة للأطفال.