ماذا عن الرواية الموسوعية؟

ليست بالمفهوم السائد في الأدب الروائي عربياً وعالمياً

برهان شاوي
برهان شاوي
TT

ماذا عن الرواية الموسوعية؟

برهان شاوي
برهان شاوي

كان أمراً غريباً - أو صادماً لو شئتُ التوصيف الدقيق - عندما قرأتُ خبراً يفيدُ بنشر الترجمة العربية لرواية «دعابة لا نهائية (Infinite Jest)» للروائي الأميركي الراحل ديفيد فوستر والاس David Foster Wallace. كيف يمكنُ أن يتوقع المرء إقدام دار نشر عربية على نشر ترجمة عربية لرواية ضخمة تجاوزت الألف صفحة في نصها الإنجليزي، وتنطوي موضوعاتها على خلطة غريبة من أحاديث عن الفلسفة واللغة ولعبة التنس والطبيعة الرياضياتية لمفهوم اللانهاية والألعاب الكومبيوترية و...و...و...؟ صحيح أن هذه الرواية حققت مبيعات قاربت تخوم النصف مليون نسخة في أميركا وحدها؛ لكنها ظلت رواية إشكالية حتى في العالم الغربي من حيث تجنيسها وطبيعة موضوعاتها؛ فالقارئ الغربي في نهاية الأمر ليس كائناً مصنوعاً من عقل خالص، بل يسعى - مثل سواه - إلى قدر غير قليل من التشويق فيما يحب قراءته من أعمال روائية أو غير روائية، ورواية مثل رواية والاس قد لا تكون خياراً مناسباً له، خصوصاً أنها ضخمة تستقطعُ قدراً ليس بالقليل من وقت القارئ وماله، ثم إن الرواية الموسوعية تستلزمُ - بالضرورة - قارئاً موسوعياً أو ذا ميل قرائي يستطيب النزعة الموسوعية ولا ينفر منها، وهذا النوع من القراء نادر للغاية. هذا في العالم الغربي؛ أما في عالمنا العربي فالمعضلة أكثرُ تعقيداً؛ لأن القارئ العربي ليس معتاداً على قراءة المطولات الروائية، ثم إن ترجمة مثل هذه الأعمال ليست موضوعاً يسيراً من الناحيتين العملية والإجرائية. قاربت الترجمة العربية تخوم ألفي صفحة، وهذا يفرضُ عبئاً تسويقياً ثقيلاً على دار النشر، فضلاً عن أن كثرة من المترجمين يفضلون ترجمة 5 أو 6 كتب، وربما أكثر، في موضو ليست بالمفهوم السائد في الأدب الروائي عربياً وعالمياً عات مختلفة بدلاً من ترجمة عمل واحد مفرط الطول تشتبك موضوعاته بطريقة غريبة وغير معهودة في الفن الروائي السائد.

عاش ديفيد فوستر والاس (1962 - 2008) حياة مضطربة عبث بها الاكتئاب المرضي، وربما من المفيد للقارئ أن يقرأ تفاصيل عن هذه الحياة التي كانت دراما حقيقية كاملة الجوانب. امتلك والاس عقلاً رياضياتياً وفلسفياً لامعاً، وهو ما نجد آثاره منعكسة في أعماله؛ منها: «كل شيء وأكثر: تاريخ مختصر للانهاية» (2003)، وقد تُرجم إلى العربية. يستطيع القارئ الشغوف مراجعة حوار مع والاس عنوانه: «العالم في دعابته اللانهائية» ترجمتُهُ ونشرته في كتابي «فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة» ضمن حوارات مع نخبة من الروائيات والروائيين.
يمكن أن تكون رواية «دعابة لا نهائية» عملاً فلسفياً، أو رواية موغلة في نزعتها ما بعد الحداثية. قد نختلف في تجنيسها؛ لكننا لا أظن سنختلف في توصيفها «رواية موسوعية (Encyclopedic Novel)».
ليست الرواية الموسوعية بالمفهوم السائد في الأدب الروائي عربياً وعالمياً. لو تصفح أحدنا - مثلما فعلتُ - القارة الغوغلية بحثاً عن الرواية الموسوعية فلن يجد الكثير: سيعرف أن الرواية الموسوعية مفهوم أدبي كتب عنه وروج له إدوارد ميندلسون Edward Mendelson أستاذ اللغة الإنجليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا، وقد جاءت مساهمته التأصيلية عبر مقالتيْن كتبهما عام 1976؛ الأولى بعنوان «السرد الموسوعي»، والثانية بعنوان «موسوعة الجاذبية». باستثناء هاتين المقالتين لم أعثر على مادة حيوية بشأن الرواية الموسوعية ما خلا رسالة دكتوراه في جامعة منيسوتا أتاحها كاتبها للنشر المجاني، وفصل عنوانه: «الرواية باعتبارها موسوعة» في كتاب: «دليل كامبردج المرجعي في الرواية» المنشور عام 2018.
الموضوعة الرئيسية في رواية «دعابة لا نهائية» (أو «دعابة لا تنتهي» كما وردت في الترجمة العربية) هي العودة المتواترة، وهذا مصطلح تقني نوعاً ما ويُستخدم بكثرة في المنطق والرياضيات.
كان ديفيد فوستر والاس مولعاً أشد الولع بفكرة العودة المستديمة، وهو يعالج في روايته موضوعات عدة أرى أن أهمها الألعاب المختلفة التي نلعبها في حياتنا، وأغلب تلك الألعاب من النوع الذي يعتمد مفهوم العودة المتواترة، مثل الكيفية التي نتيه بها مع أنفسنا ونحن نلعب الألعاب الكومبيوترية التي يُراد منها أن تُغرِق إحساسنا بالعزلة والوحدانية والبؤس، وقد تشعرنا هذه الألعاب بأننا نحرز تقدماً في حياتنا؛ ولأن هذه الألعاب تنزع نزوعاً لا نهائياً؛ فقد يكون إحساسنا بالتقدم وهماً خالصاً!!؛ ولكن ربما على المستوى البشري؛ فإن هذه الألعاب لا تعدو وهماً بصورة لا يمكن نكرانها، وقد وظف والاس هذا المنحى المزدوج بشأن النظر إلى هذه الألعاب. هذا جانب فحسب من جوانب نظرة والاس إلى الحياة البشرية المعاصرة، وربما نرى فيها ارتكاناً إلى فرضية علمية ترى أن الحياة البشرية ليست أكثر من محاكاة كومبيوترية!!.

وظف والاس في عمله الملحمي الضخم هذا كل أنواع الحبكات المختلفة والمتقاطعة، ثم ينتهي في آخر الأمر بتقديم شيء ما لنا، ويطلب إلينا أن نعمل على تفسيره بحسب ما نراه. لا يفرض والاس على القارئ رؤية مسبقة؛ بل يتيح لكل قارئ النظر إلى ما يقرأ ومساءلته من وجهة نظره الخاصة ومرجعياته الفكرية الشخصية. إن رواية والاس تقارب موضوعة الوحدة اللانهائية، وهو يرى أن واحدة من أهم الألعاب التي نلعبها (وهي اللغة) يُراد منها في الأساس أن تساعدنا ليفهم أحدنا الآخر ولكي نخفف من غلواء عزلتنا المستكينة؛ ولكن اللغة بوصفها لعبة محكومة بقواعد محددة تبدو واهنة تماماً وعاجزة عن إنجاز تلك المهمة. إن هذه اللعبة ونظائرها يمكن أن تكون نوعاً من إدمان؛ أي بمعنى طريقة للعب الجماعي معاً كما لو كنا جماعة فعلاً غير أننا في واقع الحال لسنا كذلك!! وتبقى الوحدانية والحزن سمتين مُعَلمتين في قلب تلك اللعبة. إن حقيقة عزلتنا الصارخة موضوعة جوهرية في أغلب الأدب المتداول، وهذا أمر يبعث على الإمتاع (مثلما نظن جميعنا)؛ لأن الأدب عندما يعمل على تعميم الإحساس بأكثر تجاربنا الإنسانية مشاعية فإنه يرتقي بهذا الإحساس بالعزلة نحو مديات أبعد؛ غير أن والاس يصرح في روايته بنزوعه الشكوكي تجاه هذه الإشكالية. إن رواية والاس في المقام الأعلى رواية عن اليأس المطبق، وإن اليأس فيها يحمل شحنة من الإمتاع بقدر ما يبعث على القنوط، ولكن لا بد من القول إن المتعة المطلوبة في هذه الرواية ليست أكثر من عنصر صغير من العناصر التي أرادها والاس حاضرة في روايته. قد يرى بعضُ القراء أن رواية والاس الموسوعية تنتمي إلى جنس «أدب اليأس»، وقد يكون لهم ما يسوغ نظرتهم؛ لكن تبقى الرواية باعثة على الإمتاع لكل من يمتلك شغفاً فلسفياً ورؤية تستكشف الخيوط الخفية بين الأشياء والأفكار.
ماذا عن الرواية الموسوعية في عالمنا العربي؟ أظنها نادرة غير شائعة على مستوى الروائيين والقراء؛ لكن لو شئتُ تسمية روائي عراقي ذي نزعة موسوعية في رواياته فسأختارُ برهان شاوي، ولا أظن أن روائياً عربياً ينازعه في مقدرته الروائية الموسوعية التي تجلت بأفضل تجلياتها في سلسلة «المتاهات»، ولعل السبب في تميز شاوي الموسوعي خلفيته المعرفية التي تجمع بين العلم والأدب والفلسفة والسينما والرواية والترجمة. يختلف شاوي عن والاس بأن موسوعيته ذات طبيعة فكرية - فلسفية تتناول المعضلات الوجودية المتواترة منذ البدايات الأولى لوجود الكائن البشري؛ أما موسوعية والاس فهي موسوعية موضوعاتية قد تبدو يومية شائعة (بل وحتى مبتذلة)؛ لكن والاس يمتلك المهارة في ربطها فلسفياً برباط أشبه بحبل نيتشوي غير مرئي. شخوصُ شاوي هم نسخٌ متعددة بالآلاف من آدم وحواء؛ أما شخوص والاس فمشخصون معروفون بأسمائهم؛ قد يكون بينهم لاعب تنس أو مقدم برامج ترفيه أو عامل توصيل للبيتزا أو...
يصف شاوي في سلسلة «المتاهات» مرجعياته الأدبية بأنها «متعددة، وهي كل ما قرأه وعاشه وخبره وجربه في حياته، ومرجعياته مصنفة فكرياً، فلسفياً، أدبياً، فنياً، نفسياً، تاريخياً، وعلمياً، وهو لا يخفيها كما يفعل البعض؛ فهو يستشهد بالكتب والكُتاب والأفلام والأغاني والموسيقى واللوحات التشكيلية ونظريات العلم والكون وطروحات المفكرين وعلماء النفس، ويتوقف محاوراً مشاهد وشخصيات من أعمال أدبية لكُتاب تتلمذ على أعمالهم...».
وصف دي. إج. لورنس الرواية بأنها «كتاب الحياة المشرق»، وأظن - على خلاف الرأي السائد - أن الرواية الموسوعية ستكون الصفحة الأكثر إشراقاً في «كتاب الحياة المشرق» هذا في العقود المقبلة.



كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ
TT

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ

لطالما كانت الكتب والمؤلفات التي حمّلها الكتّاب والمبدعون منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخلاصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احتفاء دائم من قِبل ملايين القراء، الذين رأوا فيها زادهم المعرفي، ودليلهم إلى الطريق القويم، والضوء الذي يخرجهم من نفق الجهالة. وقد يكون أبو عثمان الجاحظ أحد أكثر المشتغلين بالأدب احتفاء بالكتاب وإطراء لمحاسنه، وهو الذي اعتبر في «البيان والتبيين» أن الكتاب هو «الجليس الذي لا يُطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملُّك، والجار الذي لا يستبطئك». ولعل في توصيف الجاحظ للكتاب، ما وجد صداه اللاحق في قول المتنبي «أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ، وخير جليسٍ في الأنام كتابُ».

اللافت أن دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها، بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي، ومحرضاً على الإلهام، وموضوعاً للاحتفاء من قبل الكتّاب والمؤلفين، الذين لم يكفوا عن امتداح القراءة، والحث على اقتناء الكتب، وصولاً إلى توثيق الطريقة التي أسسوا بها مكتباتهم المنزلية. ولما كانت المؤلفات المتعلقة بهذا الموضوع أكثر من أن تحصى، فيكفي أن نذكر من بينها كتاب ألفرد هيسيل «تاريخ المكتبات»، وليونيل كاسون «المكتبات في العالم القديم»، وكتاب هنري ميلر «الكتب في حياتي».

وإذا كان الكاتب والمفكر الأرجنتيني بورخيس، الذي أصيب منذ صغره بالعمى، قد تخيل الفردوس على شكل مكتبة هائلة ولا نهائية الاتساع، فإن عدوى عشقه للكتب قد انتقلت إلى مساعده ألبرتو مانغويل، الذي ظل لسنوات عدة يقرأ الأعمال المختلفة على مسامعه، قبل أن يعمد هو نفسه إلى تأليف كتب عدة حول طقوس القراءة والكتابة وجماليات الكتب والمكتبات. ومن أبرز تلك المؤلفات «المكتبة في الليل» و«تاريخ القراءة» و«مدينة الكلمات» و«جنتلمان المكتبات».

وقد يكون كتاب «أطوي العالم في مكتبتي » الذي أعده وترجمه الكاتب المصري أحمد الزناتي واحداً من الإصدارات اللافتة التي تؤرخ بأسلوب شيق يجمع بين الفائدة والمتعة، لتفاصيل العلاقة الحميمة، أو الملتبسة، التي تربط بين الكتّاب والكتب التي يقتنونها، كما تعرض لطريقتهم في القراءة، وللكيفية التي أسسوا بواسطتها مكتباتهم.

وإذ يتضح لنا بأن لكل واحد من الكتاب الذين تناولهم المؤلف بالدراسة علاقة بالكتب والمكتبات تختلف عن سواه، فإننا لا نستطيع سوى التوقف ملياً عند آرتور شوبنهاور الذي لم ينظر إلى الكتب التي جمعها بعناية، بوصفها أداة للمعرفة فحسب، بل بوصفها وسيلته المثلى للهروب من رياء البشر ونفاقهم. وإذ يكتب صاحب «العالم إرادة وفكرة» في رسالة بعث بها إلى صديق له، وقد قرر السفر بعيداً عن مسقط رأسه «إن أشد ما يشق علي مفارقته هو مكتبتي العامة والخاصة، فلولا سكينة الكتب لكنت استسلمت لليأس من هذه الحياة منذ زمن طويل».

آرتور شوبنهاور

وحيث لم يقتصر مديح شوبنهاور للكتب على مناسبة واحدة أو نص بعينه، فهو لا يتوانى في مطلع مخطوط سيرته الذاتية عن القول «ولما عجز المعاصرون من بني قومي على أن يؤنسوا وحشتي، آثرت صحبة من يشبهونني من الذين طواهم الموت، والذين طافوا في الدنيا كما أطوف. فها هي حروفهم الجامدة تبث فيّ وداً أصدق من وصال الأحياء، وتفيض علي صفاءً أعمق من سلام ذوي الأرواح».

ومع أن في قول شوبنهاور عن الصحبة الأنيسة للكتاب، ما يجمعه بأبي عثمان الجاحظ، ومع ذلك فإن الفارق شاسع بين الاثنين، حيث كان الجاحظ كائناً اجتماعياً ميالاً إلى التفاؤل والظرف، وإيجابي النظرة إلى العالم، فيما كان شوبنهاور النقيض التام لكل هذه الصفات.

أما الملاحظة المهمة التي لم تفت المؤلف الإشارة إليها، فهي أن شوبنهاور لم يكن حيادياً تماماً في اختيار الكتب التي يقتنيها، بل كان ذلك الاختيار خاضعاً لمزاجه الشخصي، وليس فقط لمعايير إبداعية خالصة. ففي حين دفعه إعجابه بمواطنه الألماني غوته إلى اقتناء أعماله كافة، وبمختلف طبعاتها، إضافة إلى أعمال ليسينغ وإيمانويل كانط وهاينريش هاينه، تجاهل بشكل كلي أعمال كتاب كبار، من طراز لودفيغ وهوفمان وكلايست، إضافة إلى هولدرلن الذي رأى فيه مارتن هايدغر المجسد العملي لأنطولوجيا الكينونة.

لكن إفراط شوبنهاور في تقريظ الكتب والمكتبات، لم يمنعه من التحذير من الإفراط بالقراءة، معتبراً أن الذهن يختنق بكثرة المطالعة كما تختنق المعدة بكثرة الطعام. كما أن بعض من غرقوا في طوفان الكتب باتوا في رأيه عبيداً لما تمليه عليهم أسطر الغير، وباتت أذهانهم مثقلة بأفكار الآخرين.

وإذ ركز الكاتب البريطاني هنري ويتلي على انتقائية المكتبات، وعدم مراكمة محتوياتها على نحو عشوائي، أشار في الوقت نفسه إلى أن مكتبة الإمبراطور الألماني ماركوس سيفيروس كانت تقتصر على مجلدات أربعة تضم أعمال أفلاطون وبلينيوس وبلوتارخ وبطليموس. وقد اعتبر ويتلي أن الانتقائية هي كلمة السر الأهم في تكوين المكتبات، وأن المكتبة المثالية لن تعكس عقل صاحبها وروحه إلا من خلال نزوعه الانتقائي.

كما يدافع الناقد الألماني فالتر بنيامين عن مبدأ الإفراط في اقتناء الكتب، حتى ولو كان الأمر يتم من باب المتعة المجردة، أو على سبيل الاحتياط لأي حاجة معرفية لاحقة. ومع تشديده على التمييز بين جمع الكتب للتباهي، وجمعها للتزود بالمعرفة، فإن الكاتب الكندي روبرتسون دافيس، لا يتوانى عن الاعتراف بأنه لم يستطع مقاومة إغواء الكتب، واقتناء ما يلزم منها وما لا يلزم، دون أن تكون لديه أي نية في وقف سيلها الهائل، الذي ظل يتدفق نحو مكتبته دون انقطاع. ولكي يدعم أقواله بالشواهد، فقد روى روبرتسون عن الكاتب الفرنسي أناتول فرانس قوله لمن سأله عما إذا كان قد قرأ كل الكتب التي تضمها مكتبته «ولا حتى عشْرها يا سيد، فأنا لا أعتقد أنك تستعمل طاقم المائدة الصيني كل يوم».

وفي مقابل ذلك، ركز الكاتب البريطاني رديارد كيبلنغ على أن القراءة بحد ذاتها ليست برهاناً قاطعاً على صلاح نفس القارئ أو فسادها، بل إن الأمر يعتمد على حسن اختياره للكتب التي يقرأها. فإذا أقبل المرء على القراءة بعقل متوقد وذهن حي، فقد يمكن له، ولو بحدود معينة، أن يكون وريثاً للعظماء، وموصولاً بهم برباط خفي. والرجل الفطن عند الكاتب الحائز على جائزة نوبل للآداب، هو الذي يعرف النماذج الرفيعة في عالم الكتب، لأن تلك النماذج وحدها هي التي تعينه على فهم مغزى العالم.

دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي

ولا يبتعد الكاتب الألماني هيرمن هسّه كثيراً عن المنظور الذي حدده شوبنهاور للقراءة، معتبراً أن على المرء ألا يلهث وراء المطالعة، كما يلهث طالب اللقب وراء رتبة الأستاذية، أو كمريض ساذج يدخل صيدلية، فيعمد بهدف البحث عن دواء ناجع، إلى تجرع كل ما تضمه من الأدوية والعقاقير. لا بل إننا لا نملك سوى الشعور بالدهشة، إزاء اعتبار هسّه بأن البشر في عصره يفرطون في الإقبال على المطالعة، ويولونها أكثر مما ينبغي لهم من الاهتمام، أو إزاء قوله بأن الإفراط في القراءة لا يكرم الأدب بل يسيء إليه. إلا أن دهشتنا تلك، سرعان ما تلبس لبوساً مختلفاً حين نقرأ لصاحب «سدهارتا» أبياته التي يخاطب بها القارئ على نحو مؤثر:

إن كتب العالم كلها لن تجلب لك السعادة

لكنها ستعلّمك سرّ الرجوع إلى نفسك

فنفسك وعاءٌ لكل ما تحتاج

نفسك وعاء الشمس والنجوم والقمر

والنور الذي تلتمسه يسكن بين ضلوعك

والحكمة التي تبتغيها في رفوف المكتبات

تشرق أنوارها من طيات كل صفحة

لأنها نورك أنت


ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
TT

ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي

يحتفظ متحف دمشق الدولي بمجموعة كبيرة من قطع نحتية تصويرية تعود إلى الحقبة الأموية، مصدرها قصر يقع على أطراف الطريق بين دمشق وتدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. تعكس هذه المجموعة تعددية الأساليب والأطرزة التي نهل منها الفن الأموي وأعاد صياغتها في قوالب خاصة، وفقاً لتقاليد محلية نمت في المدن الصحراوية التي أنشئت عند تصالب الطرق التجارية في العالم القديم، وشكّلت موانئ كبيرة في قلب وادي الشام. تتجلّى هذه التعدّدية في ثلاثة مجسمّات متقاربة من حيث الحجم، خرجت من بين أطلال هذا الموقع في ثلاثينات القرن الماضي، خلال أعمال المسح والتنقيب لبعثة فرنسية تحت إشراف عالم الآثار دانيال شلومبرجير.

كشفت هذه الحملة عن مجموعة هائلة من القطع النحتية المهشمّة المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تمّ جمعها وتصنيفها بتأنّ على مدى سنوات من الجهد المتواصل. تبيّن أن جزءاً من هذه القطع يعود في الأصل إلى واجهة القصر الخارجية، وهي الواجهة التي تمّت إعادة تشكيلها، ومن ثمّ نصبها عند مدخل متحف دمشق الدولي في مطلع الخمسينات. في المقابل، يعود جزء آخر من هذه القطع إلى واجهة داخلية خاصة بهذا القصر، وتحديد الموقع الأصلي لهذه القطع المبعثرة ليس بالأمر السهل، ولا يزال موقع بحث، على ما تُظهر الدراسات العلمية المتواصلة منذ اكتشاف قصر الحير الغربي إلى يومنا هذا. يرى البحاثة أن هذه القطع توزّعت في الأصل على بنى متوازية، جمعت كلّا منها سلسلة متنوّعة من الصور المنحوتة والنقوش الزخرفية. في هذا السياق، تبرز ثلاث قطع شكّلت في الأصل حللاً من سلسلة متراصة، واللافت أن هذه القطع تتبنى أسلوبين فنيين مختلفين.

تمثّل إحدى هذه القطع طفلا عارياً، وهي على شكل مجسّم ناتئ، يعلو كتلة من الجص يبلغ طولها 50 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً، وسمكاتها 15 سنتيمتراً. يتميّز هذا المجسّم بطابعه الروماني الكلاسيكي، ويظهر هذا الطابع في نحت مفاصل البدن، وفقاً للبنية التشريحية التي تحاكي المثال الواقعي الحي. تتبنى هذه المنحوتة أسلوباً تقليدياً شائعاً، غير أن هذا الأسلوب يغيب بشكل كبير عن ميراث قصر الحير الغربي، ممّا يجعل منها شاهداً مميّزاً في هذا الإطار. يقف الطفل في وضعية نصف جانبية، ويحني برأسه نحو الأسفل، مادّاً ساقه اليمنى نحو الأمام، مثنياً ساقه اليسرى في الاتجاه المعاكس، في حركة حيَّة تخرج عن القوالب الساكنة التي غلبت على النحت في التقليد السوري المحلّي، كما يشهد ميراث تدمر الاستثنائي بثرائه الكبير.

الذراعان ملتصقتان بالصدر، والجزء الأسفل منهما ضائع للأسف، وكذلك القدمان. الرأس وصل كاملاً بشكل مستقل، وتمّ وصله بالبدن كما يبدو، وملامحه جلية، وتعكس حرفة عالية في النحت والتجسيم. الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر، جاءت خصلها على شكل كتل مرصوصة ومتوازية، وفقاً لطراز يغلب عليه الطابع الشرقي. ملامح الوجه كلاسيكية، وتتمثّل بعينين نصف مغمضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف ناتئ، غير أن كتلته مهشّمة. الثغر صغير، وقوامه شفتان مطبقتان ترسمان ابتسامة طفولية لطيفة. الخدّان مكتنزان، والعنق عريضة، قائمة على كتفين عريضتين، تحدان صدراً مصقولاً ببراعة، ظهر مفصلاه الناتئان، مع شق في الوسط.

صيغ هذا الطفل وفقاً لنموذج تقليدي يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «بوتو»، وهذا التعبير لاتيني، ومعناه طفل مذكر، أي صبي. حلّ هذا النموذج بشكل واسع في العالم اليوناني، ثم انتقل إلى العالم الروماني، ومنه إلى الفن المسيحي الناشئ، واتخذ أشكالاً عدة، منها الطفل الكرّام والطفل الصيّاد، وبدا أشبه بملاك، ثم اختفى في مطلع القرون الوسطى، وعاد في عصر النهضة الذي شكّل ولادة جديدة للفن الكلاسيكي التقليدي. في ميدان الفنون الأموية، يحضر هذا الطفل تشكيلياً في العديد من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، ويحضر منحوتاً بشكل استثنائي في هذه القطعة التي تعود إلى قصر الحير الغربي.

تقابل هذه القطعة منحوتة مغايرة صيغت في تقنية مماثلة، وقوامها قطعة طولها 57 سنتيمتراً، وعرضها 27 سنتيمتراً، وسماكتها 14 سنتيمتراً. تمثّل هذه المنحوتة شيخا ملتحياً، يقف حانياً رأسه في اتجاه اليمين، رافعاً ذراعيه في اتجاه اليسار. وصل هذا المجسّم بشكل شبه كامل، غير أنه فقد يديه وقدميه للأسف. يحضر البدن في وضعية المواجهة، ويحضر الرأس في وضعية نصف جانبية. تخرج بنية هذه القامة عن الطراز الكلاسيكي، وتتبنّى طرازاً محلياً يتخلّى عن التشريح الواقعي. تبدو كتلة الرأس ضخمة قياساً إلى حجم البدن القصير، وفقاً لتقليد ساد في ميراث تدمر بشكل كبير.

في المقابل، تخرج هذه المنحوتة عن طابع الحركة الساكنة التي كرّسها هذا الميراث، وتتميّز بحركتها الحية. صياغة الوجه تدمرية، وتظهر في تجسيم ملامح الوجه، كما في صياغة خصل الشعر الذي يعلو الرأس، واللحية التي تتدلّى وتحجب العنق. يرتدي هذا الشيخ معطفاً طويلاً يلتف حول قامته على شكل عباءة، مع حزام ينعقد حول الخاصرة. تعلو هذه العباءة شبكة من الثنايا الأفقية المقوّسة، مع شقين عموديين في الوسط، ينسدلان من وسط الحزام، إلى طرف الثوب الأسفل.

نقع على قطعة ثالثة ضاع الجزء الأعلى منها عند نقلها، غير أن الصورة التوثيقية التي تعود إلى زمن اكتشافها حفظت صورته. يبلغ طول ما بقي من هذا المجسّم 22 سنتيمتراً، وعرضه كذلك 22 سنتيمتراً، وسماكته 13 سنتيمتراً. يأخذ اللباس شكل ثوب فضفاض تزيّنه شبكة من الثنايا المتوازية، مع حزام عريض في الوسط، ينسدل منه شريطان عموديان متوازنان.

تكشف الصورة التوثيقية عن شيخ ملتحٍ يرفع ذراعه اليمنى نحو الأعلى، ويحني ذراعه اليسرى نحو الأسفل، في حركة توازي حركة الساقين. مرة أخرى، يخرج النحات عن طابع السكون والجمود، ويتبنى حركة حية، غير أنه يلتزم الأسلوب التدمري الخاص بالنقش، ويظهر هذا الأسلوب في تجسيم الوجه، كما في تجسيم ثنايا الثوب الذي يغطي البدن ويحجب مفاصله.


«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية
TT

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي، في عمل يضم سبع مسرحيات تفتح أفقاً واسعاً للتأمل في أسئلة الذاكرة والاقتلاع والحرية والسلطة، عبر كتابة مسرحية تمزج الشعر بالفكر، وتدفع القارئ إلى مواجهة أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً.

يضم الكتاب المسرحيات: «قبر أمي»، و«سارق الأحذية»، و«لوحة من القتل»، و«مونودراما ثريا»، و«في انتظار غودو»، و«أناهيتا وگَميفان»، و«متحف الدم». وتلتقي هذه النصوص حول الإنسان وهو يعبر الخراب، ويقاوم النسيان، ويتمسك بحكايته في مواجهة القهر والحرب والمنفى، مع حضور واضح للرمز، وللحوار الفلسفي، وللغة مشحونة بالإيقاع والدلالة.

وتقود المسرحية الأولى «قبر أمي» القارئ إلى رحلة أب وابنه بحثاً عن قبر الأم، رحلة تتحول مع كل خطوة مواجهةً مع الذاكرة، والخوف، والحقيقة، ومعنى الانتماء. يحمل الاثنان تابوتاً فارغاً يثقل بالأسئلة، ويعبران طرقاً تحاصرها الحدود والألغام، فتغدو الرحلة نفسها استعارة عن شعب يحمل ذاكرته فوق كتفيه، ويواصل السير رغم الخراب.

ويمنح هلكت إدريس عابد الرمز مساحة واسعة في بناء عالمه المسرحي. مدينة كاملة تقرع الطبول للزعيم، وضجيج يطغى على الحقيقة، وسلطة تعيد تشكيل البشر وفق إيقاعها، حتى يصبح التفكير مخاطرة، والاعتراض تهمة، والذاكرة فعلاً يقاوم المحو. وتكشف هذه المشاهد عن رؤية نقدية عميقة لآليات الاستبداد، من خلال صور مسرحية مكثفة تجمع السخرية بالمأساة، وتستند إلى حوار نابض بالحياة.

وتعبر المسرحيات مجتمعة نحو أسئلة الإنسان الكبرى: معنى الوطن، وجدوى البطولة، وحدود الأخلاق، وقيمة الحرية، وعلاقة الفرد بالجماعة. وتتحول الشخصيات أصواتاً تحمل تجارب الشعوب التي عاشت الحرب والنزوح، مع حفاظها على بعدها الإنساني الذي يمنح النصوص قدرة على مخاطبة قراء ينتمون إلى ثقافات متعددة.

ويأتي صدور «أناهيتا وگَميفان» امتداداً لمشروع «منشورات رامينا» في نقل الأدب الكردي إلى العربية، وإغناء المكتبة العربية بأعمال تمثل أصواتاً أدبية معاصرة، وتفتح باباً جديداً أمام القارئ للتعرف إلى تجارب مسرحية تمتلك خصوصيتها الفنية ورؤيتها الفكرية.

يقع الكتاب في 224 صفحة من القطع الوسط، وكانت لوحة الغلاف للفنان التشكيلي خضر عبد الكريم.

ويعدّ إدريس عابد من الأسماء الأدبية والفنية النشطة في مجال الكتابة المسرحية والسردية، وقد صدرت له ستة أعمال مطبوعة، من بينها: «Xewnek ji Dervey Bazney - حلم من خارج الدائرة» الصادر عام 2011 عن «اتحاد أدباء دهوك»، و«Anahîta û Gemîvan - أناهيتا و گمیڤان» الصادر عام 2013 عن «مديرية الطباعة والنشر» في دهوك، و«ماذا قال أرسطو» الصادر عام 2016 عن «نقابة الفنانين» – فرع دهوك، و«قبر أمي» الصادر عام 2021 عن «دار پالو للنشر»، إلى جانب طبعة جديدة من «أناهيتا و گمیڤان» صدرت عام 2024 عن «مطبعة آفيستا» في تركيا، وكذلك كتاب «Dastana Kurdistanê - ملحمة کردستان» الصادر سنة 2024 عن رئاسة وزراء حكومة إقليم كردستان.

وقد حصد أربع مرات جائزة أفضل كاتب مسرحي؛ إذ نالها عام 2010 في دهوك عن مسرحية «المطر»، وفي عام 2011 في السليمانية عن مسرحية «حلم من خارج الدائرة»، كما فاز بها سنة 2019 في أربيل عن المونودراما «Sureya - ثريا»، ونالها مجدداً عام 2024 عن مسرحية «Dadgeha Şahmîranê - محكمة شاهميران» ضمن فعاليات مهرجان سَقز في إيران.