ماذا عن الرواية الموسوعية؟

ليست بالمفهوم السائد في الأدب الروائي عربياً وعالمياً

برهان شاوي
برهان شاوي
TT

ماذا عن الرواية الموسوعية؟

برهان شاوي
برهان شاوي

كان أمراً غريباً - أو صادماً لو شئتُ التوصيف الدقيق - عندما قرأتُ خبراً يفيدُ بنشر الترجمة العربية لرواية «دعابة لا نهائية (Infinite Jest)» للروائي الأميركي الراحل ديفيد فوستر والاس David Foster Wallace. كيف يمكنُ أن يتوقع المرء إقدام دار نشر عربية على نشر ترجمة عربية لرواية ضخمة تجاوزت الألف صفحة في نصها الإنجليزي، وتنطوي موضوعاتها على خلطة غريبة من أحاديث عن الفلسفة واللغة ولعبة التنس والطبيعة الرياضياتية لمفهوم اللانهاية والألعاب الكومبيوترية و...و...و...؟ صحيح أن هذه الرواية حققت مبيعات قاربت تخوم النصف مليون نسخة في أميركا وحدها؛ لكنها ظلت رواية إشكالية حتى في العالم الغربي من حيث تجنيسها وطبيعة موضوعاتها؛ فالقارئ الغربي في نهاية الأمر ليس كائناً مصنوعاً من عقل خالص، بل يسعى - مثل سواه - إلى قدر غير قليل من التشويق فيما يحب قراءته من أعمال روائية أو غير روائية، ورواية مثل رواية والاس قد لا تكون خياراً مناسباً له، خصوصاً أنها ضخمة تستقطعُ قدراً ليس بالقليل من وقت القارئ وماله، ثم إن الرواية الموسوعية تستلزمُ - بالضرورة - قارئاً موسوعياً أو ذا ميل قرائي يستطيب النزعة الموسوعية ولا ينفر منها، وهذا النوع من القراء نادر للغاية. هذا في العالم الغربي؛ أما في عالمنا العربي فالمعضلة أكثرُ تعقيداً؛ لأن القارئ العربي ليس معتاداً على قراءة المطولات الروائية، ثم إن ترجمة مثل هذه الأعمال ليست موضوعاً يسيراً من الناحيتين العملية والإجرائية. قاربت الترجمة العربية تخوم ألفي صفحة، وهذا يفرضُ عبئاً تسويقياً ثقيلاً على دار النشر، فضلاً عن أن كثرة من المترجمين يفضلون ترجمة 5 أو 6 كتب، وربما أكثر، في موضو ليست بالمفهوم السائد في الأدب الروائي عربياً وعالمياً عات مختلفة بدلاً من ترجمة عمل واحد مفرط الطول تشتبك موضوعاته بطريقة غريبة وغير معهودة في الفن الروائي السائد.

عاش ديفيد فوستر والاس (1962 - 2008) حياة مضطربة عبث بها الاكتئاب المرضي، وربما من المفيد للقارئ أن يقرأ تفاصيل عن هذه الحياة التي كانت دراما حقيقية كاملة الجوانب. امتلك والاس عقلاً رياضياتياً وفلسفياً لامعاً، وهو ما نجد آثاره منعكسة في أعماله؛ منها: «كل شيء وأكثر: تاريخ مختصر للانهاية» (2003)، وقد تُرجم إلى العربية. يستطيع القارئ الشغوف مراجعة حوار مع والاس عنوانه: «العالم في دعابته اللانهائية» ترجمتُهُ ونشرته في كتابي «فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة» ضمن حوارات مع نخبة من الروائيات والروائيين.
يمكن أن تكون رواية «دعابة لا نهائية» عملاً فلسفياً، أو رواية موغلة في نزعتها ما بعد الحداثية. قد نختلف في تجنيسها؛ لكننا لا أظن سنختلف في توصيفها «رواية موسوعية (Encyclopedic Novel)».
ليست الرواية الموسوعية بالمفهوم السائد في الأدب الروائي عربياً وعالمياً. لو تصفح أحدنا - مثلما فعلتُ - القارة الغوغلية بحثاً عن الرواية الموسوعية فلن يجد الكثير: سيعرف أن الرواية الموسوعية مفهوم أدبي كتب عنه وروج له إدوارد ميندلسون Edward Mendelson أستاذ اللغة الإنجليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا، وقد جاءت مساهمته التأصيلية عبر مقالتيْن كتبهما عام 1976؛ الأولى بعنوان «السرد الموسوعي»، والثانية بعنوان «موسوعة الجاذبية». باستثناء هاتين المقالتين لم أعثر على مادة حيوية بشأن الرواية الموسوعية ما خلا رسالة دكتوراه في جامعة منيسوتا أتاحها كاتبها للنشر المجاني، وفصل عنوانه: «الرواية باعتبارها موسوعة» في كتاب: «دليل كامبردج المرجعي في الرواية» المنشور عام 2018.
الموضوعة الرئيسية في رواية «دعابة لا نهائية» (أو «دعابة لا تنتهي» كما وردت في الترجمة العربية) هي العودة المتواترة، وهذا مصطلح تقني نوعاً ما ويُستخدم بكثرة في المنطق والرياضيات.
كان ديفيد فوستر والاس مولعاً أشد الولع بفكرة العودة المستديمة، وهو يعالج في روايته موضوعات عدة أرى أن أهمها الألعاب المختلفة التي نلعبها في حياتنا، وأغلب تلك الألعاب من النوع الذي يعتمد مفهوم العودة المتواترة، مثل الكيفية التي نتيه بها مع أنفسنا ونحن نلعب الألعاب الكومبيوترية التي يُراد منها أن تُغرِق إحساسنا بالعزلة والوحدانية والبؤس، وقد تشعرنا هذه الألعاب بأننا نحرز تقدماً في حياتنا؛ ولأن هذه الألعاب تنزع نزوعاً لا نهائياً؛ فقد يكون إحساسنا بالتقدم وهماً خالصاً!!؛ ولكن ربما على المستوى البشري؛ فإن هذه الألعاب لا تعدو وهماً بصورة لا يمكن نكرانها، وقد وظف والاس هذا المنحى المزدوج بشأن النظر إلى هذه الألعاب. هذا جانب فحسب من جوانب نظرة والاس إلى الحياة البشرية المعاصرة، وربما نرى فيها ارتكاناً إلى فرضية علمية ترى أن الحياة البشرية ليست أكثر من محاكاة كومبيوترية!!.

وظف والاس في عمله الملحمي الضخم هذا كل أنواع الحبكات المختلفة والمتقاطعة، ثم ينتهي في آخر الأمر بتقديم شيء ما لنا، ويطلب إلينا أن نعمل على تفسيره بحسب ما نراه. لا يفرض والاس على القارئ رؤية مسبقة؛ بل يتيح لكل قارئ النظر إلى ما يقرأ ومساءلته من وجهة نظره الخاصة ومرجعياته الفكرية الشخصية. إن رواية والاس تقارب موضوعة الوحدة اللانهائية، وهو يرى أن واحدة من أهم الألعاب التي نلعبها (وهي اللغة) يُراد منها في الأساس أن تساعدنا ليفهم أحدنا الآخر ولكي نخفف من غلواء عزلتنا المستكينة؛ ولكن اللغة بوصفها لعبة محكومة بقواعد محددة تبدو واهنة تماماً وعاجزة عن إنجاز تلك المهمة. إن هذه اللعبة ونظائرها يمكن أن تكون نوعاً من إدمان؛ أي بمعنى طريقة للعب الجماعي معاً كما لو كنا جماعة فعلاً غير أننا في واقع الحال لسنا كذلك!! وتبقى الوحدانية والحزن سمتين مُعَلمتين في قلب تلك اللعبة. إن حقيقة عزلتنا الصارخة موضوعة جوهرية في أغلب الأدب المتداول، وهذا أمر يبعث على الإمتاع (مثلما نظن جميعنا)؛ لأن الأدب عندما يعمل على تعميم الإحساس بأكثر تجاربنا الإنسانية مشاعية فإنه يرتقي بهذا الإحساس بالعزلة نحو مديات أبعد؛ غير أن والاس يصرح في روايته بنزوعه الشكوكي تجاه هذه الإشكالية. إن رواية والاس في المقام الأعلى رواية عن اليأس المطبق، وإن اليأس فيها يحمل شحنة من الإمتاع بقدر ما يبعث على القنوط، ولكن لا بد من القول إن المتعة المطلوبة في هذه الرواية ليست أكثر من عنصر صغير من العناصر التي أرادها والاس حاضرة في روايته. قد يرى بعضُ القراء أن رواية والاس الموسوعية تنتمي إلى جنس «أدب اليأس»، وقد يكون لهم ما يسوغ نظرتهم؛ لكن تبقى الرواية باعثة على الإمتاع لكل من يمتلك شغفاً فلسفياً ورؤية تستكشف الخيوط الخفية بين الأشياء والأفكار.
ماذا عن الرواية الموسوعية في عالمنا العربي؟ أظنها نادرة غير شائعة على مستوى الروائيين والقراء؛ لكن لو شئتُ تسمية روائي عراقي ذي نزعة موسوعية في رواياته فسأختارُ برهان شاوي، ولا أظن أن روائياً عربياً ينازعه في مقدرته الروائية الموسوعية التي تجلت بأفضل تجلياتها في سلسلة «المتاهات»، ولعل السبب في تميز شاوي الموسوعي خلفيته المعرفية التي تجمع بين العلم والأدب والفلسفة والسينما والرواية والترجمة. يختلف شاوي عن والاس بأن موسوعيته ذات طبيعة فكرية - فلسفية تتناول المعضلات الوجودية المتواترة منذ البدايات الأولى لوجود الكائن البشري؛ أما موسوعية والاس فهي موسوعية موضوعاتية قد تبدو يومية شائعة (بل وحتى مبتذلة)؛ لكن والاس يمتلك المهارة في ربطها فلسفياً برباط أشبه بحبل نيتشوي غير مرئي. شخوصُ شاوي هم نسخٌ متعددة بالآلاف من آدم وحواء؛ أما شخوص والاس فمشخصون معروفون بأسمائهم؛ قد يكون بينهم لاعب تنس أو مقدم برامج ترفيه أو عامل توصيل للبيتزا أو...
يصف شاوي في سلسلة «المتاهات» مرجعياته الأدبية بأنها «متعددة، وهي كل ما قرأه وعاشه وخبره وجربه في حياته، ومرجعياته مصنفة فكرياً، فلسفياً، أدبياً، فنياً، نفسياً، تاريخياً، وعلمياً، وهو لا يخفيها كما يفعل البعض؛ فهو يستشهد بالكتب والكُتاب والأفلام والأغاني والموسيقى واللوحات التشكيلية ونظريات العلم والكون وطروحات المفكرين وعلماء النفس، ويتوقف محاوراً مشاهد وشخصيات من أعمال أدبية لكُتاب تتلمذ على أعمالهم...».
وصف دي. إج. لورنس الرواية بأنها «كتاب الحياة المشرق»، وأظن - على خلاف الرأي السائد - أن الرواية الموسوعية ستكون الصفحة الأكثر إشراقاً في «كتاب الحياة المشرق» هذا في العقود المقبلة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.