ميليشيات الحوثي وصالح تمنع دخول سفن الإغاثة إلى عدن والضالع

المجاعة تفتك بعائلة كاملة وتزايد الوفيات بحمى الضنك.. وأطباء بلا حدود تستقبل 100 جريح في 24 ساعة

يمنيون من محافظة إب يحملون غالونات فارغة على أمل ملئها بالماء بعد تفاقم الأزمة السياسية والانسانية في اليمن نتيجة الحصار الحوثي ومنعهم لشحنات الإغاثة (غيتي)
يمنيون من محافظة إب يحملون غالونات فارغة على أمل ملئها بالماء بعد تفاقم الأزمة السياسية والانسانية في اليمن نتيجة الحصار الحوثي ومنعهم لشحنات الإغاثة (غيتي)
TT

ميليشيات الحوثي وصالح تمنع دخول سفن الإغاثة إلى عدن والضالع

يمنيون من محافظة إب يحملون غالونات فارغة على أمل ملئها بالماء بعد تفاقم الأزمة السياسية والانسانية في اليمن نتيجة الحصار الحوثي ومنعهم لشحنات الإغاثة (غيتي)
يمنيون من محافظة إب يحملون غالونات فارغة على أمل ملئها بالماء بعد تفاقم الأزمة السياسية والانسانية في اليمن نتيجة الحصار الحوثي ومنعهم لشحنات الإغاثة (غيتي)

تتفاقم الأزمة الإنسانية في عدن والضالع وأبين ولحج بشكل مستمر، فعلى الرغم من الجهود الإغاثية المعلنة فإن الميليشيات الحوثية وقوات صالح تحول دون وصول هذه المساعدات الإنسانية إلى السكان المحليين الذين يعانون من وطأة الحرب والحصار معا، فهذه عدن العاصمة الاقتصادية والتجارية للبلاد لم تصلها غير 4 سفن إغاثية، وتلك الضالع المخنوقة برا لم تسمح هذه الميليشيات فيها بعبور 12 شاحنة إغاثة إنسانية تحمل على متنها 6000 سلة غذائية فقط، ومع ضآلتها توقفت عند حدودها الشمالية وتحديدا في مدينتي دمت وقعطبة، وبدعوى أنها ذاهبة إلى الدواعش والتكفيريين في جبهة أقل ما يقال عنها إنها خالية من التنظيم الإرهابي.
هذه الميليشيات والقوات الانقلابية ما فتئت مطالبة بهدنة إنسانية، كما تمارس أبشع صور الحصار، تجاه مدينة عدن والمدن الجنوبية المحيطة بها، فالخضراوات والمواد التموينية ممنوعة من الدخول لعدن، فضلا عن قطع المياه عن مناطق الشيخ ودار سعد والمنصورة بسبب منع وصول الديزل لمضخات بئر ناصر. كما أن رواتب آلاف العائلات لم تصرف منذ ثلاثة أشهر.
وقال الفريق الإنساني لاتحاد المجموعات الجنوبية إن معاناة المجتمع في محافظات الجنوب تزداد تفاقما بمضي الأيام واستمرار حالة الحرب والحصار. وأضاف الفريق في بيان حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه أن «أعداد ضحايا الحرب والحصار في ارتفاع مستمر، في مناطق الجنوب خاصة، فالحرب تسببت في حدوث حالات جوع ومرض بين النساء والأطفال والشيوخ وكبار السن». ولفت الفريق إلى أن «الوضع الإنساني في مناطق الجنوب صعب للغاية، وفي تدهور دائم، في ظل استمرار الاقتتال في عدد من المدن وفي أوساط الأحياء وانعدام المواد الغذائية، وبالتزامن مع أزمة خانقة في المشتقات النفطية، وانقطاع متواصل للتيار الكهربائي».
وأشار الفريق الإنساني إلى أن «ما يقدمه بعض من هم محسوبون على الشرعية من أعذار واهية لمنع توصيل المساعدات الإنسانية إلى مناطق الجنوب ما هو إلا عذر أقبح من ذنب، وأن هناك تعاونا مشتركا وواضحا وشفافا مع بعض وسائل الإعلام، حيث نرى أن هناك تضليلا إعلاميا مفتعلا وتقليلا من حجم الكارثة التي تعيشها محافظات الجنوب».
وقال الفريق الإنساني «إن ما دفعنا للتحدث والخروج عن صمتنا هو الكيل بمكيالين الذي يمارس من قبل بعض من يتغنى باهتمامه بالوطن والمواطن، وبالأصح من الذين انعدمت لديهم الإنسانية، بل وتبين لنا مصرع ضمائرهم، ففي الوقت الذي تعيش فيه عدة مناطق جنوبية كارثة إنسانية، وتتزايد معاناة أبناء المناطق المنكوبة وتتفاقم أوضاعهم، وتتعمق مأساتهم نتيجة الإهمال المتعمد، تتضافر جهود الكثير من المحسوبين على الشرعية للقضاء على أي أمل لوصول الإغاثة إلى النازحين في الجنوب ولهدف في نفس يعقوب، إذ أشارت التقارير إلى أن كل سفن المساعدات الإنسانية التي وصلت ذهبت إلى ميناء الحديدة، والتي قدر عددها حسب التقارير الواصلة إلينا بأكثر من مائة سفينة، مقابل 4 سفن فقط وصلت إلى مناطق النزاع في الجنوب واستقبلها ميناء عدن».
وفي ختام تصريحه، ناشد الفريق الإنساني لاتحاد المجموعات الجنوبية إنزال المساعدات الإنسانية إلى عدن ولحج عن طريق الجو لضمان وصولها والتنسيق مع الجمعيات الجنوبية التي تعمل على إغاثة الشعب بإمكانيات شحيحة.
إلى ذلك، فجعت مدينة الشيخ عثمان في محافظة عدن، الاثنين الماضي، بموت عائلة بكاملها جوعا. وقال سكان محليون لـ«الشرق الأوسط» إن العائلة المكونة من أم وأربعة أبنائها وشقيقتها (ثلاث فتيات لا يتجاوز عمر أكبرهن 12 سنة، وولد في العاشرة من عمره، إلى جانب خالة الأطفال ذات الثلاثين عاما) قضت نحبها جراء المجاعة. وأضاف السكان في أحاديثهم أنه ونتيجة للحصار المفروض على عدن من الميليشيات وأتباع الرئيس المخلوع وما ترتب عليه من انعدام للغاز والكهرباء والماء، لقيت الأسرة حتفها. وأشار هؤلاء إلى أن الحادثة الواقعة في حي الشهيد عمر قد أصابتهم بصدمة كبيرة، كما أصابت سكان مدينة الشيخ عثمان عامة بالذهول والحسرة، إذ إنها لم تكتشف سوى بعد أن طفحت رائحة الموتى إلى خارج المسكن، وهو ما استدعى من عاقل الحي فتح الباب ليتم العثور على المأساة المروعة التي هزت المدينة. ولفت السكان إلى أنه وبعد العثور على أفراد الأسرة وقد تعفنت جثثهم كانت المفاجأة الأكبر أن الأهالي تفقدوا المنزل ولم يجدوا فيه وجبة غذاء، وهو ما اعتبروه سببا لوفاة أفراد العائلة تحت وطأة المجاعة.
وفي غضون ذلك، كان ائتلاف الإغاثة الشعبية قد أصدر بيانا وصف فيه الحالة الإنسانية في عدن بالحرجة للغاية. وقال البيان الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه إن الوضع الإنساني في عدن لا يزال في مستوى حرج للغاية، نظرا لازدياد كبير في أعداد النازحين الذين يعانون نقصا حادا في متطلبان إيوائهم، فضلا عن شحة كبيرة في المواد الغذائية، وكذا حاجة السكان الملحة والكبيرة إلى توفير بعض أنواع الأدوية، ومحاليل مكافحة الأوبئة، وأجهزة تشخيص حمى الضنك، وبعض الأمراض المعدية. وأورد بيان الائتلاف ملخصا عن الوضع الإنساني والإغاثي في عدن، أوضح فيه أن الهدنة الإنسانية لم تستفد منها عدن كثيرا، فقد ظلت وتيرة الأعمال الإغاثية في عدن متدنية، وظلّت موانئ عدن الرئيسية مغلقة أمام البواخر الكبيرة. وتساءل البيان عن السبب الذي حال دون وصول البواخر الإغاثية إلى موانئ عدن أسوةً بميناء الحديدة، كذلك خلال أيام الهدنة ظل مطار عدن الدولي مغلقا أمام أي حمولات إغاثية، وخلال فترة الهدنة تم منع عبور القاطرات المحملة بالمواد الغذائية من مخازن المعلا إلى المناطق المكتظة بالنازحين في مديريات عدن، علما بأنه تم السماح بعبور عدد كبير من القاطرات المحملة بالمواد الغذائية من مخازن المعلا إلى المحافظات الأخرى، كذلك تم منع عبور القاطرات المحملة بالمواد الغذائية إلى عدن القادمة من المحافظات الأخرى. وأكد أن كل هذا حدث في وقت لم يتوقف فيه النزوح داخل عدن وخارجها.
وحول المتطلبات الإنسانية والإغاثية قال الائتلاف بضرورة توفير المواد الغذائية ..«فعلى الرغم من الجهود المبذولة في توفير الغذاء من عدد من المؤسسات الإغاثية المحلية والإقليمية فإن الحاجة كبيرة جدا لتوفير الغذاء لعدد 200 ألف أسرة شهريا، ومع ازدياد عدد النازحين من مناطق التماس إلى المناطق الآمنة هناك حاجة ملحة لإيواء نحو 600 ألف نازح وتوفير ما يلزمهم من الفرش والأغطية ووسائل الطبخ والأواني، وهناك حاجة ماسة لكميات كبيرة من الأدوية، وكذا لإجلاء مئات الجرحى الذين تقتضي حالتهم سفرهم إلى خارج البلاد، وكفالة نقلهم وعلاجهم، ومع ظهور أعراض إصابات لحمى الضنك ووفاة 112 حالة من إجمالي 1084 حالة، هناك حاجة ماسة للأدوية والأمصال، وإلى مكافحة هذا الوباء، كذلك هناك حاجة لأجهزة تشخيصية لهذه الأمراض السارية، وهناك حاجة ماسة لمستشفى عائم يستطيع نقل الجرحى إلى جيبوتي بحرًا من ثم سفرهم جوًا.
وكانت أسعار المواد والسلع الأساسية قد شهدت ارتفاعا غير مسبوق، حيث ارتفعت الأسعار إلى أربعة أضعاف بسبب الحصار المفروض من قبل الميليشيات وقوات صالح، وترتب على ذلك فقدان تام أحيانا للمشتقات النفطية.
وفي سياق ذي صلة، أعلنت منظمة أطباء بلا حدود في عدن أول من أمس عن استقبالها أكثر من 100 جريح بينهم نساء وأطفال نتيجةً للقصف العنيف على حي البساتين السكني في المدينة. ومنذ 19 مارس (آذار)، استقبلت المنظمة أكثر من 2.500 جريح في اليمن، بينهم أكثر من 1.800 في عدن وحدها. وفيما يتدهور الوضع في المدينة الواقعة جنوب البلاد، لا تستطيع فرق المنظمة التحرك ضمن المدينة لتوفير الرعاية الصحية للجرحى، في حين أن كثيرا من المرضى غير قادرين على الوصول إلى المستشفى.
وفي هذا الصدد، قال تيري غوفو، منسق مشروع أطباء بلا حدود في عدن: «استقبلنا في غضون الساعات الـ36 الماضية أكثر من 130 جريحا معظمهم من البساتين، عقب تعرض هذا الحي السكني للقصف الذي طال أيضا جنازة كانت تقام هناك. المستشفيات في عدن ملأى، وبعضها تضع الفرش خارج أبوابها لإيواء المرضى. ونحن قلقون بشأن المرضى الذين لا يسعهم الحصول على الرعاية، في حين أن المرضى الموجودين في المستشفيات خائفون من مغادرتها».
وتدير منظمة أطباء بلا حدود بشكل مستقل مستشفى لجراحة الطوارئ يقع ضمن مجمع مستشفى الصداقة في مديرية الشيخ عثمان في عدن. كما تدعم المنظمة مجمع كريتر الطبي، وتدير عيادات جراحية متنقلة للمرضى الذين لا يتمكنون من الوصول إلى مستشفى أطباء بلا حدود، إلا أن الذهاب إلى أجزاء أخرى من المدينة محفوف بمخاطر هائلة. وأضاف غوفو: «مُنعت فرقنا عدة مرات من التحرك ضمن المدينة واستقبال شحنات المساعدات الطبية من الميناء. وإننا بحاجةً إلى منحنا حرية الوصول كي نتمكن من توفير الرعاية الطبية لمن هم في حاجةٍ إليها».
ولا يعاني المدنيون في عدن من جراء القتال فحسب، إنما يعانون أيضا نتيجة عزلتهم وحصارهم وسط جبهات القتال.
وقال حسن بوسنين، رئيس بعثة منظمة أطباء بلا حدود في اليمن: «هناك نقص في الغذاء وغاز الطبخ والوقود والأدوية، كما أن النظام الصحي ينهار، والمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة لا يتمكنون من الحصول على أدويتهم، في حين أن الجثث في الشوارع، والمدينة أضحت مكبا مفتوحا حيث تملأ النفايات الطرق». وأضاف بوسنين: «من المهم للغاية أن يتم رفع الحصار على الغذاء والأدوية وإنشاء قنوات تسمح بالوصول جوًا وبحرًا وبرًا دون معوقات، من أجل تأمين ما يحتاجه السكان للبقاء على قيد الحياة».
وكانت مجموعة من المنظمات الإنسانية الدولية دعت قادة العالم لإيجاد حل دائم للأزمة الراهنة في البلاد لحماية الملايين من المدنيين قبيل بدء محادثات السلام حول اليمن الأحد المقبل في جنيف. ومن جهته، قال هانيبال أبي وورقو، مدير مكتب المجلس النرويجي للاجئين في اليمن: «إن هذا الصراع يعرض الملايين لخطر الموت والجوع وتفشي الأمراض»، كما أضاف: «من غير المقبول أن يظل العالم جالسا وهو يشاهد كارثة إنسانية بهذا الحجم تنتشر في اليمن».



محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)