موسكو تصعّد في الشرق الأوكراني وكييف تكثّف ضرباتها في الجنوب

مخاوف في روسيا من مهاجمة «جسر القرم»

سحب دبابة بواسطة شاحنة قرب باخموت في منطقة دونيتسك أمس (رويترز)
سحب دبابة بواسطة شاحنة قرب باخموت في منطقة دونيتسك أمس (رويترز)
TT

موسكو تصعّد في الشرق الأوكراني وكييف تكثّف ضرباتها في الجنوب

سحب دبابة بواسطة شاحنة قرب باخموت في منطقة دونيتسك أمس (رويترز)
سحب دبابة بواسطة شاحنة قرب باخموت في منطقة دونيتسك أمس (رويترز)

أعلنت موسكو عن إحراز «تقدم استراتيجي» في منطقة خاركيف شرق أوكرانيا، بعد نجاح قواتها في السيطرة على بلدة أودي بشكل كامل. تزامن ذلك مع توسيع استهداف مناطق تجمع المتطوعين الأجانب في المدينة التي أخفقت موسكو سابقاً في السيطرة عليها خلال المرحلة الأولى من عملياتها العسكرية في أوكرانيا.
وعكَس تنشيط التحركات العسكرية الروسية في شرق البلاد، اتباع الجيش الروسي تكتيكاً لمواجهة تكثيف الهجمات المضادة الأوكرانية في مناطق الجنوب والوسط، وخصوصاً باتجاه خيرسون وزاباروجيا، فضلاً عن إقليمي دونيتسك ولوغانسك الانفصاليين.
وأفاد بيان أصدرته وزارة الدفاع الروسية بأن القوات الروسية «حررت بلدة أودي بالكامل» ورأت أن التقدم يفتح الطريق أمامها لإحكام السيطرة على عدد من البلدات المحيطة بمدينة خاركيف. وزاد البيان أن القوات الروسية استهدفت قاعدة لـ«المرتزقة الأجانب» في منطقة خاركيف، ما أدى إلى سقوط أكثر من 150 منهم بين قتيل وجريح.
وقال الناطق العسكري الروسي إيغور كوناشينكوف، إن القوات الجوية الروسية «ضربت بأسلحة عالية الدقة، نقطة انتشار مؤقتة للمرتزقة الأجانب في بلدة زوزتشيف في منطقة خاركيف؛ حيث قُتل ما يزيد عن 100 مسلح، وأصيب أكثر من 50 آخرين جاءوا من بولندا وألمانيا».
في المقابل، أعلن الجيش الأوكراني تكثيف ضرباته على مدينة خيرسون في الجنوب، في مسعى لقطع طرق الإمدادات الروسية إلى المدينة التي تسيطر عليها القوات الروسية منذ مارس (آذار) الماضي. وعلى الرغم من تقليل سلطات المدينة التي عينتها موسكو من أهمية «الهجوم المضاد» للقوات الأوكرانية، وإعلانها أن «العدو لن ينجح في تحقيق وعوده باستعادة السيطرة على المنطقة» فإن الإدارة الموالية لموسكو أقرت في الوقت ذاته، بأنها تواجه خلال الأيام الأخيرة، هجوماً عنيفاً وغير مسبوق.
ونقلت وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية عن أحد قادة الانفصاليين، أن «القوات الأوكرانية شنت ليل الاثنين هجوماً صاروخياً قوياً على المدينة وضواحيها». وأضاف المصدر: «في الليلة الماضية، قصفت القوات الأوكرانية بالصواريخ بشكل مكثف مدينة خيرسون وضواحيها. وتصدت منظومة الدفاع الجوي للهجوم. وتم اعتراض معظم الصواريخ الأوكرانية؛ لكن وفقاً للمعلومات الأولية وقعت بعض القذائف على المدينة ويجري التحقق حالياً من عواقب القصف».
وفي دونيتسك، واصلت القوات الأوكرانية أيضاً هجومها المضاد، وأعلنت السلطات المحلية الموالية لموسكو أن القوات الأوكرانية قصفت «أراضي الجمهورية» 65 مرة خلال الـ24 ساعة الماضية.
ووفقاً للبيان، فقد استخدمت القوات الأوكرانية في ضرباتها 365 قطعة من الصواريخ والقذائف المدفعية. وأشارت قيادة قوات دونيتسك إلى أن القصف الأوكراني تسبب في أضرار لـ56 مبنى سكنياً في مناطق كويبيشيفسكي وكييفسكي في مدينة دونيتسك، وتشيرفونوغفارديسكي في ماكيفكا، وفي يلينوفكا وجورلوفكا وزايتسيفو وياسنوي، فضلاً عن تدمير 9 من مرافق البنية التحتية المدنية.
في الأثناء، أعلن رئيس الشيشان رمضان قديروف الذي تقوم قواته بدور أساسي في معارك دونيتسك، أن قوات «أحمد» التابعة له «سيطرت على موقع استراتيجي مهم قرب مدينة سيفيرسك شمال دونيتسك». وقال قديروف في منشور على قناته عبر «تلغرام»، إن «جنود قوات (أحمد) الخاصة سيطروا على موقع استراتيجي جديد ومهم بالقرب من سيفيرسك». وأشار إلى أن الجيش الروسي «نفذ عملية ناجحة ودمر منطقة محصنة سيطر عليها النازيون»، لافتاً إلى أن العمل يجري على تمشيط الغابات المحيطة بالمدينة.
على صعيد آخر، حذر برلمانيون روس من تنفيذ كييف مخططات لمهاجمة «جسر القرم» الذي أقامته روسيا ليربط شبه الجزيرة بالأراضي الروسية عبر طريق تعبره خطوط سكك حديدية للقطارات وممر بري للسيارات. وجاء التحذير بعد إعلان عضو برلمان أوكرانيا أليكسي غونتشارينكو، أن سلطات كييف أجرت محادثات مع وزير الدفاع البريطاني بن والاس، خلال قمة «الناتو» في يونيو (حزيران) الماضي، حول خطة لتدمير جسر القرم.
ونشر البرلماني الأوكراني كذلك، صوراً لجلسة مناقشات ظهر فيها مع وزير الدفاع البريطاني، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون. وكانت الرئاسة الأوكرانية قد أعلنت في وقت سابق، أن جسر القرم بين الأهداف الأساسية لأوكرانيا، فور حصولها على أسلحة غربية مناسبة لتنفيذ الهجوم.
من جانبها أكدت روسيا، أنه يتم ضمان أمن شبه الجزيرة الروسية بفضل الإجراءات الوقائية التي يتخذها الجيش الروسي. وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف، إن موسكو على علم بالتهديدات التي يتعرض لها جسر القرم، وزاد: «يتم أخذ ذلك في الاعتبار».
على صعيد حصيلة العمليات العسكرية خلال اليوم الأخير، قال الناطق العسكري إن القوات الروسية «قتلت نحو 275 عنصراً من القوات الأوكرانية في مناطق متفرقة من أوكرانيا خلال يوم». وزاد بأن ضربات مستهدفة نفذها سلاح الجو وغيره من قوات الجيش الروسي، أدت إلى «مقتل ما يصل إلى 240 قومياً متطرفاً، وتدمير 24 قطعة من المعدات العسكرية الأوكرانية في دونيتسك، إضافة إلى تصفية 35 قومياً، وتدمير 15 قطعة من المعدات في منطقة خيرسون».
وفي منطقتي أوبيتنويه وبيرفومايسكويه في دونيتسك، قال الناطق إن أكثر من 200 جندي من لواء المشاة الآلي الأوكراني رقم 56، رفضوا تنفيذ المهام القتالية وتركوا مواقعهم بعد تكبدهم خسائر فادحة.
ووفقاً لمعطيات الناطق الروسي، فقد «قضت القوات الروسية بنيران المدفعية على أكثر من 70 في المائة من أفراد الكتيبة الثالثة للواء الآلي الأوكراني رقم 66، قرب بلدة مارينكا في دونيتسك، بينما تمت تصفية أكثر من 50 في المائة من الأفراد والمعدات العسكرية للكتيبة 15 للواء المشاة الميكانيكي 58، على محور سوليدار في دونيتسك أيضاً».
وأصابت ضربات جوية وصاروخية ومدفعية خلال يوم مركزي قيادة لواءين أوكرانيين، إضافة إلى قوات وأسلحة ومعدات عسكرية، بما فيها تلك التابعة للكتائب القومية المتطرفة، في عدد من مناطق خاركيف، ودونيتسك ودنيبروبيتروفسك ومدينة نيكولايف. كما تم تدمير مستودع لأسلحة الصواريخ والمدفعية في منطقة نيكولايف، وثلاثة مستودعات للذخيرة في دونيتسك ومستودعين للوقود في منطقة خاركيف. وأسقطت الدفاعات الجوية الروسية ثلاث طائرات أوكرانية من دون طيار خلال يوم.


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟