سلمان رشدي على جهاز تنفس بعد إصابته البالغة في هجوم تشوتوكوا

جروح بالغة في كبده وفقء إحدى عينيه... وتوجيه تهمة محاولة القتل العمد ضد اللبناني هادي مطر

صورة من شريط فيديو لنقل رشدي إلى مروحية أقلته إلى المستشفى للعلاج بعد طعنه (إ.ب.أ)
صورة من شريط فيديو لنقل رشدي إلى مروحية أقلته إلى المستشفى للعلاج بعد طعنه (إ.ب.أ)
TT

سلمان رشدي على جهاز تنفس بعد إصابته البالغة في هجوم تشوتوكوا

صورة من شريط فيديو لنقل رشدي إلى مروحية أقلته إلى المستشفى للعلاج بعد طعنه (إ.ب.أ)
صورة من شريط فيديو لنقل رشدي إلى مروحية أقلته إلى المستشفى للعلاج بعد طعنه (إ.ب.أ)

أبقي سلمان رشدي، الروائي الذي أصدر المرشد الإيراني الأول آية الله الخميني فتوى بقتله عام 1989، على جهاز تنفس صناعي السبت بعد يوم من تعرضه لطعنات في عنقه وأنحاء مختلفة من جسده، مما أصابه بجروح بالغة في كبده وقطع أعصاب ذراعه، وربما فقأ إحدى عينيه، حين كان على وشك إلقاء محاضرة في معهد تشوتوكوا بغرب ولاية نيويورك، في هجوم أذهل الدوائر الأدبية والفكرية وحتى السياسية في الولايات المتحدة وأجزاء أخرى من العالم.
وبينما واصلت الشرطة في نيويورك والأجهزة الأمنية الأميركية المختلفة تحرياتها حول دوافع المهاجم المشتبه فيه والموقوف هادي مطر البالغ من العمر 24 عاماً، وهو مواطن أميركي ولد في ولاية كاليفورنيا ويقيم في منطقة فيرفيو بولاية نيوجرسي لأبوين شيعيين مهاجرين من بلدة يارون في جنوب لبنان.
وقال ممثلو الادعاء السبت إن تهمة الشروع في القتل والاعتداء أصدرت رسمياً ضد هادي مطر. وقال المدعي العام لمقاطعة تشوتوكوا جايسون شميدت في بيان إن «الشخص المسؤول عن هجوم (الجمعة)، هادي مطر، متهم رسمياً بمحاولة القتل من الدرجة الثانية والاعتداء من الدرجة الثانية». وأضاف أنه «جرى استدعاؤه بهذه التهم الليلة الماضية وجرى إيداعه من دون كفالة».
وتعرف الدرجة الثانية بأنها القتل عن عمد ولكن من دون سبق إصرار وترصد.

صورة من شريط فيديو  تظهر شخصين يمسكان بهادي مطر فيما آخرون يهتمون بسلمان رشدي بعد طعنه (أ.ب)

وقال ضابط الشرطة في نيويورك يوجين ستانيزوسكي إن المحققين لم يحددوا بعد الدافع، وهم يعملون مع المدعي العام المحلي لتحديد التهم الجنائية التي ستقدم. ويشارك مكتب التحقيقات الفيديرالي «إف بي آي» في التحقيق.
ووصف العديد من المسلمين رواية رشدي لعام 1988 «آيات شيطانية» بأنها تجديفية وتتضمن إهانة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، من بين اعتراضات أخرى. وحظر الكتاب في إيران، حيث أصدر الخميني فتوى عام 1989 دعا فيها إلى قتل رشدي. ولم تحدد الحكومة الإيرانية ووسائل الإعلام التي تديرها الدولة أي مبرر لاعتداء الجمعة. وفي طهران، أشاد بعض الإيرانيين السبت بالهجوم على كاتب يعتقدون أنه يهين العقيدة الإسلامية، بينما أعرب آخرون عن قلقهم من أن ذلك قد يؤدي إلى زيادة عزلة بلادهم.
- أميركا الملجأ
وفي مؤشر إلى الجروح البالغة التي أصيب بها رشدي (75 عاماً) من جراء هجوم جرى تناقل وقائعه على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، جرى نقل الكاتب البريطاني الهندي الأصل على عجل بواسطة طائرة هليكوبتر إلى مستشفى قريب، حيث أخضع لعمليات جراحية. وأفاد وكيل أعمال رشدي، أندرو ويلي الجمعة أن الكاتب كان على جهاز تنفس صناعي، وهو أصيب في كبده وأعصاب ذراعه. وأضاف أيضاً أنه يحتمل أن يفقد رشدي إحدى عينيه.
وشاهد الحضور في تشوتوكوا كيف انقض المهاجم على رشدي وطعنه ولكمه من 10 مرات إلى 15 مرة أثناء تقديمه. ووصف الدكتور مارتن هاسكل، وهو طبيب كان بين الذين هرعوا للمساعدة، جروح رشدي بأنها «خطيرة لكن يمكن علاجها».
كما تعرض مدير الحدث هنري ريس (73عاماً)، وهو أحد مؤسسي منظمة تقدم إقامات للكتاب الذين يواجهون الاضطهاد، للهجوم. وقالت الشرطة إن ريس أصيب في وجهه وخضع للعلاج وخرج من المستشفى. وكان هو ورشدي خططا لمناقشة وضع الولايات المتحدة باعتبارها ملجأ للكتاب والفنانين الآخرين في المنفى.
- حماية غير كافية
وجرى فرز ضابط شرطة ونائب له لحماية محاضرة رشدي. وأعلن أن الشرطي نفذ عملية اعتقال المشتبه فيه. لكن بعد الهجوم، شاعت تساؤلات عن سبب عدم وجود إجراءات أمنية مشددة لحدث كهذا، بالنظر إلى عقود من التهديدات ضد رشدي والمكافأة التي وضعت والبالغة أكثر من ثلاثة ملايين دولار لمن يقتله.
وقالت حاكمة ولاية نيويورك كاثي هوكول إن ضابط شرطة الولاية أنقذ حياة رشدي بوقف الهجوم. وأشادت بالاستجابة السريعة للسلطات لما وصفته بـ«الحدث المروع».
وقال رئيس المؤسسة مايكل هيل إن هادي مطر، مثل الزائرين الآخرين، حصل على تصريح لدخول أرض معهد تشوتوكوا التي تبلغ مساحتها 750 فداناً.
وقال وكيل الدفاع عن المشتبه فيه، ناثانيال بارون إنه لا يزال يجمع المعلومات ورفض التعليق. وأغلقت السلطات منزل مطر.
وتردد صدى حادث الطعن من بلدة تشوتوكوا الهادئة إلى الأمم المتحدة، التي أصدر أمينها العام أنطونيو غوتيريش بياناً عبر فيه عن «الصدمة»، مشدداً على أن «حرية التعبير والرأي لا ينبغي أن تقابل بالعنف».
ومن البيت الأبيض، وصف مستشار الأمن القومي جايك سوليفان الهجوم بأنه «مدان»، قائلاً إن إدارة الرئيس جو بايدن تتمنى لرشدي الشفاء العاجل. وقال في بيان إن «هذا العمل من العنف مروع». وزاد: «نحن ممتنون للمواطنين الطيبين وأول المستجيبين لمساعدة السيد رشدي بسرعة كبيرة بعد الهجوم ولسلطات إنفاذ القانون على عملها السريع والفعال، وهو مستمر».
- ثمن الحرية
وقالت الروائية جويس كارول أوتس: «مثل كل من يعرف سلمان، لطالما أعجبت بشجاعته ونزاهته والتزامه بحرية التعبير ومتطلبات فنه المبدع والمبدع والاستفزازي»، مضيفة أنه «لأمر مروع أن نعلم بالهجوم عليه».
وقالت الروائية مارغريت أتوود في بيان إن العنف ضد رشدي هو «هجوم آخر على القيم الديمقراطية». وأضافت: «نحن مغرمون بالقول إن اليقظة الأبدية هي ثمن الحرية. من المؤكد أن الهجوم على رشدي هو دعوة لتكثيف يقظتنا».
وقال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إنه «فزع» من الهجوم على رشدي.
وبعد نشر «آيات شيطانية»، وقعت احتجاجات عنيفة في كل أنحاء العالم الإسلامي ضد رشدي. وقُتل ما لا يقل عن 45 شخصاً في أعمال شغب بسبب الكتاب، بينهم 12شخصاً في مسقط رأس رشدي في مومباي. وفي عام 1991. قُتل مترجم ياباني للكتاب ونجا مترجم إيطالي من هجوم بسكين. وفي عام 1993. تم إطلاق النار على ناشر الكتاب النرويجي ثلاث مرات ونجا.
وتوفي الخميني في العام نفسه، الذي أصدر فيه فتوى تدعو إلى قتل رشدي. ولم يصدر المرشد الأعلى الحالي آية الله علي خامنئي فتوى لسحب فتوى الخميني، على رغم من أن إيران لم تركز في السنوات الأخيرة على الكاتب.
ودفعت التهديدات بالقتل والمكافأة رشدي للاختباء في ظل برنامج حماية للحكومة البريطانية، تضمن حرساً مسلحاً على مدار الساعة. وظهر رشدي بعد تسع سنوات من العزلة واستأنف بحذر المزيد من الظهور العلني، محافظاً على انتقاده الصريح للتطرف الديني بشكل عام.
- الإرهاب وفن الخوف
وفي عام 2012 نشر رشدي مذكراته بعنوان «جوزيف أنطون» حول الفتوى. جاء العنوان من الاسم المستعار رشدي الذي استخدمه في الاختباء. قال خلال حديث في نيويورك في العام نفسه، ظهرت المذكرات أن الإرهاب هو في الحقيقة فن الخوف. وقال: «الطريقة الوحيدة التي يمكنك بها هزيمتها هي أن تقرر ألا تخاف».
ورشدي حاصل على وسام فارس من الملكة إليزابيث الثانية عام 2008 وفي وقت سابق من هذا العام حصل على وسام رفقاء الشرف، وهو وسام ملكي للأشخاص الذين قدموا إسهامات كبيرة في الفنون أو العلم أو الحياة العامة.
وشجع منظمو مهرجان أدنبرة الدولي للكتاب، الذي افتتح السبت في أسكوتلندا وهو أحد أكبر التجمعات الأدبية في العالم، المؤلفين الضيوف على قراءة جملة من أعمال رشدي في بداية نشاطاتهم. وقال مدير المهرجان نيك بارلي: «لقد ألهمتنا شجاعته ونفكر فيه في هذا الوقت الصعب». وأضاف: «هذه المأساة هي تذكير مؤلم بهشاشة الأشياء التي نعتز بها ودعوة إلى العمل: لن يخيفنا أولئك الذين قد يستخدمون العنف بدلاً من الكلمات».
وفي السنوات الأخيرة، ظهر رشدي، الذي انتقل إلى نيويورك في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وأصبح مواطناً أميركياً عام 2016. وكان يظهر من دون حراس مرئيين لحمايته، بما في ذلك الأحداث الأدبية السنوية الضخمة مثل مهرجان الكتاب الوطني في واشنطن.


مقالات ذات صلة

السلطات الفرنسية توقِف مراهقَين إرهابيَّي التوجه كانا يعدّان «عملاً عنيفاً»

أوروبا عناصر من الشرطة الفرنسية في باريس (رويترز)

السلطات الفرنسية توقِف مراهقَين إرهابيَّي التوجه كانا يعدّان «عملاً عنيفاً»

أوقفت السلطات الفرنسية مراهقَين أقرّ أحدهما، وهو متأثر بالتوجهات الإرهابية، بإعداد مشروع «عمل عنيف» كان سيستهدف «مركزاً تجارياً أو قاعة حفلات».

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية صورة تذكارية تجمع بين رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش ونواب الأحزاب الأعضاء في لجنة وضع الإطار القانوني لعملية السلام الأربعاء (حساب البرلمان في إكس)

تركيا: الموافقة على تقرير برلماني يدفع عملية السلام مع الأكراد

وافقت لجنة في البرلمان التركي على تقرير يتضمن اقتراحات لوضع قانون انتقالي لعملية السلام بالتزامن مع عملية نزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا منسّق حزب «فرنسا الأبية» مانويل بومبار (أ.ف.ب)

حزب «فرنسا الأبية» اليساري يخلي مقره في باريس بعد «تهديد بوجود قنبلة»

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي الأربعاء أنه اضطر إلى إخلاء مقره الرئيس في باريس بعد تلقيه «تهديداً بوجود قنبلة».

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية أكراد خلال مسيرة في ألمانيا للمطالبة بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا بعدما أطلق نداءً من أجل السلام (د.ب.أ)

تركيا: أوجلان يعلن بدء «الاندماج الديمقراطي»

عد زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان أن مرحلة جديدة من «عملية السلام» بدأت في تركيا بينما يستعد البرلمان للتصويت على تقرير يحدد إطارها القانوني.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أفريقيا مسيحيون بعد عودتهم إلى ولاية كادونا كانوا قد اختُطفوا من قِبل مجموعات مسلحة في كومين والي (أ.ب)

نيجيريا: وصول قوات أميركية لتعزيز القدرة على مواجهة الإرهاب

وصول قوات أميركية لتعزيز القدرة على مواجهة الإرهاب في نيجيريا و«داعش» يكثّف هجماته وحديث عن مقتل 1300 نيجيري خلال 41 يوماً.

الشيخ محمد (نواكشوط)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.