مكابدات القارئ مع الوفرة الرقمية

القراءة صارت صراعاً لا ينتهي مع البيانات الكبيرة

«أمازون» أكبر متجر لبيع الكتب
«أمازون» أكبر متجر لبيع الكتب
TT

مكابدات القارئ مع الوفرة الرقمية

«أمازون» أكبر متجر لبيع الكتب
«أمازون» أكبر متجر لبيع الكتب

جرّبت الروائية الإيطالية إيلينا فيرانتي Elena Ferrante، مؤلفة الرباعية النابولية، كتابة مادة صحافية أقرب لعمود أسبوعي في صحيفة «الغارديان» البريطانية ذائعة الصيت. وفّرت لها الصحيفة كل أسباب الدعم والانتشار، ومن ذلك مثلاً نشر مادتها الأسبوعية كل يوم سبت، وهو يوم عطلة أسبوعية يغري معظم الناس بالقراءة. لم تتحمل فيرانتي الكتابة أكثر من عام واحد (هو عام 2019)، وأنهت ذلك الالتزام الأسبوعي بكتابة مقالة أخيرة أبدت فيها السبب الذي دفعها للتوقف عن الكتابة للصحيفة، وذلك أنها اعتادت مكابدة القلق والترقب والانتظار عقب نشر كل رواية جديدة لها، وهو ما يحصل كل بضع سنوات تكون خلالها منصرفة للكتابة من غير ضغوط معيقة؛ أما الكتابة الأسبوعية في صحيفة عالمية فكانت أشبه بكابوس لم تعُد تطيق تبعاته؛ إذ ما إن يُنشَر لها عمود جديد حتى تقع فريسة عبأين اثنين: ملاحقة ردّات أفعال القرّاء على مقالتها، والتفكير بمقالتها الجديدة في الأسبوع اللاحق. ليس ثمة من فسحة للاستجمام الذهني والاسترخاء النفسي أبداً مع أي شكل من أشكال الفعاليات الثقافية الأسبوعية المكتوبة للصحافة.
جالت بخاطري المعاناة التي أسهبت فيرانتي في وصفها وأنا أقرأ المادة اليومية التي دأب على كتابتها الأستاذ سمير عطا الله في «الشرق الأوسط» منذ خمس وثلاثين سنة! أكاد أقول –بيقين- إن كتابة المقالة اليومية للكاتب عطا الله هي بعضُ أسباب سعادته في هذه الحياة؛ ولعلها السبب الأكبر لها. الكتابة كنز سعادة لا ينضب لمن عرف مسرّاتها وقدراتها الحقيقية والميتافيزيقية، وهي بهذا الوصف تصبح عند بعض البشر قرينة الوجود الإنساني النبيل والمكتمل. تساءلت: ما الذي يمكن أن يقوله كاتبٌ بعد عمر كامل قضاه في الكتابة؟ والأمر الأكثر أهمية: ما الذي يمكن أن يقوله كاتب على نحو يومي منتظم لعقود طويلة؟ تبدو لي الكتابة الحقيقية -والمعرفة بعامة- مثل نبع ماء أزليّ كلّما شربنا منه ازددنا ظمأً ورغبة في استكشاف المجهول. لا الظمأ يخف ولا المعرفة تتضاءل ولا الشغف يخفت، ورقعة المجهول تزداد اتساعاً وتكون مبعث رهبة في عقل الكاتب والقارئ معاً.
يُختص الكاتب عطا الله بميزة قدرته على تمرير رسائل ثقافية واستراتيجية شديدة الأهمية في سياق مقالة يومية مكتوبة برشاقة تضمر دسامة وثقلاً معرفياً لا يخفى على القارئ. لنلاحظ مثلاً هذه العبارة التي وردت في متن مقالته الموسومة «في الطريق إلى جدة: حفظ الآداب»: «... فالرئيس الأميركي في الطريق إلى جدة سوف يكتشف أنّ العملاق الآسيوي قد تجاوز جميع المخيلات. ثلاثية عجيبة من أكبر دولتين في العالم، الصين والهند، وبينهما سنغافورة، أصغر دول العالم. سوف تصرف أميركا خلال 8 سنوات 1.2 تريليون دولار على البنية التحتية. فكم هو الرقم في الصين خلال عام واحد؟ 2.3 تريليون دولار. مثلٌ آخر: قبل 20 عاماً لم يكن لدى الصين شبكة قطارات سريعة، الآن تملك شبكةً توازي في حجمها ثلثي شبكات العالم أجمع...».
إنّ قراءة مثل هذه المعلومة تستوجب عند القارئ الشغوف مراجعة الأدبيات المنشورة بشأن سباق القوى الموصوفة بـ«القوى العظمى» في ميادين شتى منها: البنى التحتية والذكاء الصناعي وسباق الفضاء والروبوتات، إلخ؛ ولك أن تتصور كيف سيكون الحال إذا ما استوجبت قراءة مائة مقالة من مقالات عطا الله مراجعة مائة عنوان لكتاب أو مادة بحثية علمية أو تاريخية أو اقتصادية؟
أحالتني مقالة عطا الله المذكورة أعلاه إلى كتاب عنوانه «القوى العظمى للذكاء الصناعي: الصين، وادي السليكون، والنظام الدولي الجديد»، كتبه كاي – فو لي Kai – Fu Lee أحد مطوري الأعمال الصينيين ورئيس معهد للذكاء الصناعي. راق لي عنوان الكتاب فاعتزمت استزادة المعرفة عنه في موقع «أمازون» العالمي. صارت معاينة الإصدارات الجديدة من الكتب -بالنسبة لي، ولكثيرين أمثالي- عذاباً بمثل ما هي لذّة عظيمة: يذهبُ أحدنا لموقع «أمازون» لقراءة ملخّص تعريفي (Preview) عن كتاب ما ومعاينة محتوياته، فإذا به يَعلق في سلسلة لا نهائية من كتب يرى الموقع أنها تشترك مع الكتاب المطلوب في طبيعة موضوعها، وقد حصل معي كثيراً أن بدأتُ بعنوان محدّد لكتاب، ثمّ انتهيت بكتب لم يخطر ببالي يوماً أنني سأراجعها، وتتعاظمُ آثار هذه الظاهرة عندما يكون المرء مهتماً بحقول معرفية كثيرة، وتتضاعف المعاناة أضعافاً مضاعفة إذا ما كانت للمرء اهتمامات بالترجمة متعددة الجوانب.
ليست بعيدة تلك الأوقات قبل عقود عدّة عندما كنّا نقاتل حقاً، للحصول على كتاب ورقي جديد يعزز معرفتنا وكنوز مكتباتنا. كنّا نبذل الكثير من الوقت والمال عن طيب خاطر لنحصل على كتاب بخاصة إذا ما كان عنوانه يفتح لنا منافذ المعرفة الرفيعة التي لا نرتوي من منابعها، وليست قليلة تلك الكتبُ التي سعينا للحصول على نسخة منها عبر مكاتبة بعض الأصدقاء، وكم كنّا في تلك السنوات نسرع كل بضعة أيام لتفقّد صناديقنا البريدية بلهفة متوقّعين العثور على كتاب سمعنا به وأحببناه.
تغيّرت هذه الحال اليوم بفعل الثورة الرقمية وصارت طيوفاً قابعة في ذاكرة الأمس. ليس هذا غريباً؛ فكل ثورة تقنية تأتي بطائفة مستجدة من الخبرات فيما تجعلُ بعض الخبرات السابقة خارج نطاق التداول البشري. إذا أردتَ اليوم قراءة كتاب ما في أي حقل معرفي فلا تحتاجُ لأكثر من الذهاب إلى موقع «أمازون» الأكثر شهرة في العالم، ثمّ تطلب عنوان كتابك، وإذا أُتيحت لك خدمة الدفع الإلكتروني فسيكون الكتاب في حوزتك بعد ثوانٍ من تسديد قيمته، وهي قيمة عادية في كلّ الأحوال ولا تثقل جيباً أو تخلّ بميزانية شهرية. هذه بعضُ حسنات الثورة التقنية لمن أدمنوا القراءة، لكنّ هذه الحسنة الجميلة لم تأتِ خالية من بعض المنغّصات التي تقترنُ بجميع الثورات التقنية. أساس المنغّصات هنا يكمنُ في الوفرة التي حلّت بعد شُحّة مديدة.
ماذا بوسع المرء أن يفعل إزاء هذه المنغّصات وقد صارت حقيقة واقعة؟ علّمتني خبرتي المتراكمة أنّ أفعالاً بسيطة يمكن أن تفيد في مواجهة تسونامي الكتب الرقمية.
أولاً: عندما تعتزمُ قراءة كتاب تحبه انسَ أمر المواقع الرقمية (بما فيها موقع «أمازون»). الحرصُ على اجتناء أعظم فائدة من كتاب واحد تحبه أفضل من تشتيت الوقت في قراءات تعريفية مبعثرة أو قراءات سريعة مختصرة لكتب كثيرة.
ثانياً: لا تدع الوفرة تقتل الشغف؛ فتكون كمن جاع دهراً ثمّ وجد نفسه أمام مائدة شهية حافلة بأطايب الطعام فما عاد يدري ماذا يأكل وكم يأكل، وصار يخاف أن تقتله التخمة. الموت من وفرة أعقبت جوعاً قديماً هو أسوأ أنواع الميتات لأنها ميتة غير مقبولة ولا مبررة.
ثالثاً: غصة كبيرة يختنق بها المرءُ عندما يدرك أنه سيغادرُ هذه الحياة وهو لم يقرأ الكثير من الكتب التي أصبحت مُتاحة والتي حلم بقراءتها في أزمنة ماضية، تلك حقيقة مؤكدة لدى كل عاشق حقيقي للكتاب؛ لكنك لستَ وحدك في هذا الأمر. معظمُ سكان العالم من القارئين الشغوفين يشاركونك هذا الشعور المؤلم، لكن ليس من المجدي إضاعة جمال اللحظة الحاضرة في توجّع نوستالجي يفسدُ ثراء الحاضر. هذا هو حال التطور التقني الذي يأتي في مواقيت محسوبة لا نستطيع لها تغييراً بفعل التمنيات، ثمّ إنّك في النهاية أفضلُ حالاً من تلك الملايين الكثيرة من نظرائك البشر الذين غادروا الحياة بفعل عدوى بكتيرية يمكنُ اليوم علاجها بتكلفة يسيرة وجهد طبي يتوفر في أفقر مناطق العالم.
في الختام، سيبقى سحرُ الكتاب في المملكة الإلكترونية التي نعيشها؛ لكنّ شكل وعنفوان هذا السحر وطبيعته تغيّر في جوهره بسبب الوفرة. الوفرة بَرَكة بالتأكيد، ولا ينبغي أبداً أن نجعل من هذه الوفرة عبئاً تنوء به عقولنا.


مقالات ذات صلة

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

كتب سفين بيكرت

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم.

ندى حطيط
كتب «أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون.

عمر شهريار
كتب أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى.

فارس الذهبي
ثقافة وفنون رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه».

«الشرق الأوسط» (بغداد)

بعد 90 عاماً... سيارة من زمن الحرب تعود إلى الطريق

آثار قرن من التاريخ (شاترستوك)
آثار قرن من التاريخ (شاترستوك)
TT

بعد 90 عاماً... سيارة من زمن الحرب تعود إلى الطريق

آثار قرن من التاريخ (شاترستوك)
آثار قرن من التاريخ (شاترستوك)

نجح أحد هواة جمع السيارات القديمة الألمان في إعادة أقدم سيارة من طراز «فولكس فاغن بيتل» إلى الحياة مرة أخرى بعد مرور نحو 90 عاماً على إنتاجها. وتنقل «وكالة الأنباء الألمانية» عن جامع السيارات الألماني، تراوغوت غروندما، قوله إنّ السيارة «دبليو 30» أُنتِجت عام 1937، وشهدت أحداثاً ضخمة، منها الحرب العالمية الثانية وإعادة توحيد ألمانيا، مشيراً إلى أنه نجح في الحصول على موافقة هيئة اختبارات السيارات الألمانية «تي يو في» على صلاحيتها بعد تجديدها. ويضيف أن «هذه هي القيادة في أنقى صورها، عودة إلى الأساسيات إن صحّ التعبير، وهي صاخبة». وقد صدّقت هيئة اختبار السيارات الألمانية على سلامة السيارة حتى سرعة قصوى تبلغ 100 كم/ساعة، لكن غروندما يعترف بأنّ الأمور تصبح غير مريحة بعض الشيء عند تجاوز سرعة 80 كم/ساعة.

والأهم من ذلك، أنّ المقصورة ضيقة، فيتابع عاشق هذه السيارة العتيقة: «كان الناس أقصر قامة في الماضي»، وهذا يعني أنّ أي شخص يزيد طوله على 1.80 متر سيجد صعوبة في مدّ ساقيه تحت عجلة القيادة. لا يزال غروندما قادراً على ذلك، رغم أنه يضطر إلى الانحناء قليلاً ليتمكن من الرؤية من خلال الزجاج الأمامي.

وصُنعت هذه السيارة باسم «فولكس فاغن دبليو 30»، في مكتب «بورشه» الهندسي السابق وبدعم من «مرسيدس». بعد طرازات V الثلاثة التي لم تعد موجودة، كانت هذه أول سلسلة نماذج أولية لما ستصبح لاحقاً «فولكس فاغن بيتل». ويقول غروندما، المقيم في مدينة هيسيش أولدندورف، إنه لم يكن واثقاً تماماً من قدرته على تحويل الهيكل رقم 26، وهو الذي كان قد تبقى من هذه السيارة العتيقة، إلى سيارة صالحة للسير مرة أخرى. وأمضى خبير تركيب الأسقف ومدرّب الطيران السابق في سلاح الجو الألماني نحو 8 سنوات في العمل على هذه السيارة التاريخية، قائلاً: «مع سيارة (فولكس فاغن بيتل)، لا يزال بإمكانك القيام بكلّ شيء تقريباً بنفسك». ويضيف أنّ عدداً من الأشخاص أسهموا في عملية إعادة البناء التي تضمَّنت بحثاً عالمياً عن المكوّنات، إذ عُثر على قطع غيار في بريطانيا وفرنسا وبولندا. في ذلك الوقت، لم تكن قطع عدّة تُصنَّع حصرياً من «فولكس فاغن» للنموذج الأولي، بل كانت منتجات جرى شراؤها من شركات أخرى. واليوم، تقف سيارة «دبليو 30» بجانب سيارة «بيتل» في غرفة مجهزة خصّيصاً ضمن مجموعة غروندما، التي تضم عدداً من طرازات «فولكس فاغن» الأخرى، إضافة إلى حانة من خمسينات القرن الماضي. كما ألّف كتاباً عن ترميم السيارة «دبليو 30».


أحفورة تكشف عن شكل مجهول من الحياة

احتمال منسيّ لما كان يمكن أن تكونه الحياة (جامعة إدنبرة)
احتمال منسيّ لما كان يمكن أن تكونه الحياة (جامعة إدنبرة)
TT

أحفورة تكشف عن شكل مجهول من الحياة

احتمال منسيّ لما كان يمكن أن تكونه الحياة (جامعة إدنبرة)
احتمال منسيّ لما كان يمكن أن تكونه الحياة (جامعة إدنبرة)

من المقرَّر عرض أحفورة «البروتوتاكسيتس»، وهي شكل من أشكال الحياة الضخمة التي كانت تهيمن ذات يوم فوق المناظر الطبيعية القديمة، في المتحف الوطني في اسكوتلندا. ويعتقد العلماء أنّ هذا الكائن الغامض، الذي نما بطول يتجاوز 8 أمتار، ينتمي إلى «فرع تطوّري من الحياة انقرض تماماً». وبينما كان يُعتقد في البداية أنه فطر، يشير الخبراء الآن إلى أنّ «البروتوتاكسيتس» الذي اختفى منذ نحو 360 مليون سنة، لم يكن نباتاً ولا فطراً.

واكتُشفت هذه الأحفورة البالغ عمرها 410 ملايين عام في منطقة ريني شيرت، وهي رواسب رسوبية بالقرب من ريني في مقاطعة أبردينشاير، وقد أُضيفت مؤخراً إلى مجموعات المتاحف الوطنية في إدنبرة. وتعزّز ورقة بحثية جديدة نقلتها «الإندبندنت» عن مجلة «ساينس أدفانسز» النظرية القائلة بأنّ «البروتوتاكسيتس» كان شكلاً من أشكال الحياة الفريدة التي لم يعد لها مثيل على كوكب الأرض اليوم.

وقال المؤلّف المُشارك والزميل البحثي في المتاحف الوطنية في اسكوتلندا، والمحاضر الأول في العلوم البيولوجية بجامعة إدنبرة، الدكتور ساندي هيذرينغتون: «إنه لأمر مثير حقاً أن نخطو خطوة كبيرة إلى الأمام في الجدل الدائر حول كائنات (البروتوتاكسيتس)، والذي استمر لمدة نحو 165 عاماً». وأضاف: «إنها كائنات حيّة، ولكن ليس بالشكل الذي نعرفه الآن، فهي تُظهر خصائص تشريحية وكيميائية متميّزة عن الحياة الفطرية أو النباتية، وبالتالي فهي تنتمي إلى فرع تطوّري منقرض تماماً من شجرة الحياة». واستطرد: «حتى بالنسبة إلى موقع مليء بالأهمية الأحفورية مثل (ريني)، فإن هذه العيّنات تُعد مذهلة، ومن الرائع إضافتها إلى المجموعة الوطنية في أعقاب هذا البحث المثير».

ومن جانبه، قال المؤلف الرئيسي والأول من المركز البريطاني لعلم الأحياء الفلكي بالجامعة، الدكتور كورينتين لورون، إنّ منطقة ريني شيرت مذهلة حقاً، إذ تُعد إحدى أقدم الأنظمة البيئية الأرضية المتحجّرة في العالم. وأضاف: «وبفضل جودة الحفظ وتنوّع كائناتها، يمكننا ريادة مناهج جديدة، مثل استخدام التعلم الآلي على البيانات الجزيئية للأحافير». وأوضح لورون أنّ هناك كثيراً من المواد الأخرى من ريني شيرت الموجودة بالفعل في مجموعات المتاحف لإجراء الدراسات المقارنة، التي يمكن أن تضيف سياقاً مهماً للنتائج العلمية.

أما المؤلفة المشاركة لورا كوبر، وهي طالبة دكتوراه في معهد العلوم النباتية الجزيئية بالجامعة، فقالت إنّ دراستهم، التي تجمع بين تحليل الكيمياء والتشريح لهذه الأحفورة، تثبت أنه لا يمكن تصنيف «البروتوتاكسيتس» ضمن مجموعة الفطريات. وأضافت: «بما أنّ الباحثين السابقين قد استبعدوا (البروتوتاكسيتس) من المجموعات الأخرى للحياة المعقّدة الكبيرة، فقد استنتجنا أنها تنتمي إلى سلالة منفصلة ومنقرضة تماماً الآن من الحياة المعقّدة». واستطردت: «لذلك، يمثل (البروتوتاكسيتس) تجربة مستقلّة أجرتها الحياة لبناء كائنات حية كبيرة ومعقّدة، وهي تجربة لا يمكننا التعرُّف إليها إلا من خلال الأحافير المحفوظة بشكل استثنائي».

ومن جانبه، قال أمين العلوم الطبيعية في المتاحف الوطنية في اسكوتلندا، الدكتور نيك فريزر: «يسعدنا إضافة هذه العيّنات الجديدة إلى مجموعاتنا المتنامية باستمرار في العلوم الطبيعية، التي توثق مكانة اسكوتلندا الاستثنائية في قصة عالمنا الطبيعي عبر بلايين السنوات وصولاً إلى يومنا هذا». وأوضح أنّ هذه الدراسة تُظهر قيمة المجموعات المتحفية في البحوث المتطوّرة، إذ يُعتنى بالعيّنات التي جُمعت بمرور الوقت وتُتاح للدراسة، سواء للمقارنة المباشرة أو من خلال استخدام التقنيات الحديثة.


من هي نيكولا بيلتز التي تتوسط الخلاف العائلي داخل أسرة بيكهام؟

بروكلين بيكهام وزوجته نيكولا بيلتز (أ.ب)
بروكلين بيكهام وزوجته نيكولا بيلتز (أ.ب)
TT

من هي نيكولا بيلتز التي تتوسط الخلاف العائلي داخل أسرة بيكهام؟

بروكلين بيكهام وزوجته نيكولا بيلتز (أ.ب)
بروكلين بيكهام وزوجته نيكولا بيلتز (أ.ب)

بعيداً عن الحرب في أوكرانيا والأزمة المرتبطة بغرينلاند، يبدو أن الرأي العام العالمي انشغل في الآونة الأخيرة بصراع من نوع آخر، خرج إلى العلن داخل واحدة من أشهر العائلات: أسرة بيكهام.

فبعد أشهر من التوتر المتصاعد، أصدر بروكلين بيكهام، الابن الأكبر لديفيد وفيكتوريا بيكهام، والبالغ من العمر 26 عاماً، بياناً علنياً مساء الاثنين، كشف فيه عن انهيار كامل في علاقته بوالديه وإخوته.

وكتب بروكلين لمتابعيه البالغ عددهم 16 مليوناً على «إنستغرام»، في تصريحات حملت اتهامات صادمة بشأن ما وصفه بسلوك متسلط وغريب من والديه: «لا أريد المصالحة مع عائلتي. أنا لست تحت سيطرة أحد، وأدافع عن نفسي لأول مرة في حياتي».

نيكولا بيلتز في قلب العاصفة

رغم أن الخلاف يتمحور ظاهرياً حول بروكلين، فإن زوجته نيكولا بيلتز بيكهام، البالغة من العمر 31 عاماً، تقف في قلب هذه الأزمة العائلية. وتعرّف نيكولا نفسها بأنها «ممثلة وكاتبة ومخرجة» و«ناشطة في مجال حقوق الكلاب».

وتُعد نيكولا، ابنة قطب الأعمال الأميركي الملياردير نيلسون بيلتز، شخصية أكثر غموضاً، مقارنةً بأفراد عائلة بيكهام، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة «التلغراف».

وبحسب زاوية النظر، تُصوَّر نيكولا إما كشخصية شريرة أو كبطلة. فبالنسبة للمتعاطفين مع ديفيد وفيكتوريا وأبنائهما الآخرين، روميو وكروز وهاربر، تظهر نيكولا كشخصية تُغوي زوجها الساذج وتُسهم في تفكك أحد أشهر العائلات في بريطانيا، بحسب تقرير «التلغراف».

أما مؤيدو بروكلين، فيرون فيها امرأة بريئة، ممثلة ومحبة للحيوانات، شقت طريقها المهني بجهدها الشخصي، وأن «خطأها الوحيد» هو انتماؤها إلى عائلة تتمتع بنفوذ مالي وقانوني هائل.

ويقول أحد معارفها: «نيكولا لطيفة بشكل لافت، وبالتأكيد ليست شخصية متلاعبة أو ماكرة».

ديفيد بيكهام (يسار) وزوجته فيكتوريا ونجلهما بروكلين (د.ب.أ)

مقارنات مع هاري وميغان

ولا تخلو القصة من مقارنات ملكية، إذ شبَّه البعض وضع بروكلين ونيكولا بعلاقة الأمير هاري وميغان ماركل بالعائلة المالكة البريطانية. ولم يكن مفاجئاً أن تشير تقارير في مايو (أيار) 2025 إلى أن الزوجين كانا ضيفين في منزل دوق ودوقة ساسكس في مونتيسيتو. وقال مصدر مطلع: «قضى بروكلين ونيكولا وقتاً رائعاً، ووجدا هاري وميغان في غاية اللطف والكرم».

من هي نيكولا بيلتز؟

وُلدت نيكولا بيلتز في يناير (كانون الثاني) 1995، وهي السادسة بين ثمانية أبناء للمستثمر الملياردير نيلسون بيلتز وعارضة الأزياء السابقة كلوديا هيفنر، إضافة إلى طفلين آخرين لوالدها من زواج سابق. تنتمي العائلة إلى الديانة اليهودية، وتحمل نيكولا وشماً على أضلاعها كُتب عليه «العائلة أولاً».

بدأ نيلسون بيلتز، البالغ من العمر 83 عاماً، مسيرته المهنية سائق توصيل، قبل أن يؤسس شركة عملاقة للأغذية المجمدة، ثم شركة «تريان» الاستثمارية عام 2005، المتخصصة في الاستثمار في شركات غذائية كبرى. وتُقدَّر ثروته حالياً بنحو 1.6 مليار دولار، كما يُعرف سياسياً بدوره في التوفيق بين دونالد ترمب وإيلون ماسك.

نشأت نيكولا في نيويورك داخل قصر فاخر يضم 27 غرفة نوم. وفي طفولتها، شجعها والداها على ممارسة هوكي الجليد، قبل أن تكتشف شغفها بالتمثيل في سن الحادية عشرة.

مسيرة فنية بين التمثيل والإخراج

ظهرت نيكولا لأول مرة عام 2006 في الفيلم الكوميدي الميلادي «ديك ذا هولز»، ثم شاركت في أعمال مثل «ذا لاست إيربندر» وسلسلة أفلام «ترانسفورمرز». ويُعد دورها في مسلسل «بيتس موتل» عام 2013، المستوحى من فيلم «سايكو» لألفريد هيتشكوك، من أبرز محطاتها الفنية.

وفي عام 2024، قدمت أول تجربة لها ككاتبة ومخرجة من خلال فيلم «لولا»، الذي حظي باستقبال نقدي متباين؛ إذ وصفته صحيفة «التلغراف» بأنه «فظيع بلا شك»، بينما رأت «الغارديان» أنه «يستغل المعاناة».

كما شاركت في فيديوهات موسيقية لنجوم مثل زين مالك ومايلي سايروس، وعملت عارضة أزياء لعلامات تجارية معروفة. وبسبب اهتمامها بالحيوانات، أسست عام 2022 جمعية «بيت يوغي» لإنقاذ الكلاب في ولاية كاليفورنيا.

ورغم مظاهر الثراء، تصف مقابلات عدة نيكولا بأنها شابة ودودة وواعية بذاتها. وقال صحافي التقاها عام 2022، حين أكدت أنه «لا يوجد أي خلاف» مع عائلة بيكهام: «إنها ساحرة بطريقة عفوية وغير متكلفة، وتتمتع بروح مرحة للغاية».

واعترفت نيكولا بتعرضها لانتقادات بسبب خلفيتها العائلية، قائلة: «أتلقى الكثير من التعليقات المسيئة على (إنستغرام)، وغالباً ما يقولون: هي لا تعمل». وأضافت أنها لا تلوم منتقديها.

كيف بدأت قصة الحب؟

التقت نيكولا ببروكلين للمرة الأولى في مهرجان «كوتشيلا» الموسيقي عام 2017، حيث صرّحا لاحقاً لمجلة «غلامور» بأن بروكلين أُعجب بـ«دفئها وحيويتها»، بينما أُعجبت هي بـ«سحره الفوري». ورغم أنها كانت في علاقة آنذاك، التقيا مجدداً بعد عامين في حفل هالوين أقامه ليوناردو دي كابريو، وكان كلاهما غير مرتبط.

وتروي نيكولا: «كانت إحدى صديقاتي تواجه صعوبة في الدخول إلى الحفل، فطلبت المساعدة من بروكلين، ولم يتردد لحظة».

بعد ستة أشهر فقط، تقدم بروكلين لخطبتها وهو في الحادية والعشرين من عمره. وتزوجا في أبريل (نيسان) 2022 في حفل زفاف يهودي أُقيم في منزل عائلة بيلتز بميامي، وبلغت تكلفته نحو 4 ملايين دولار.

روميو بيكهام (من اليسار) وكروز بيكهام وهاربر بيكهام وديفيد بيكهام وفيكتوريا بيكهام وبروكلين بيكهام ونيكولا بيلتز بيكهام يظهرون في العرض الأول للمسلسل الوثائقي «بيكهام» على «نتفليكس» في لندن (أ.ب)

فستان الزفاف... شرارة خلاف قديم

ومن بين الاتهامات التي أعاد بروكلين إثارتها هذا الأسبوع، ما يتعلق بفستان زفاف نيكولا. فقد أشارت تقارير إلى أنها كانت تعتزم ارتداء تصميم خاص من فيكتوريا بيكهام، لكنها اختارت في النهاية فستاناً من دار فالنتينو. وذكرت نيكولا عام 2022 أن السبب يعود إلى عدم قدرة فريق التصميم على تنفيذ الفستان، بينما قال بروكلين مؤخراً إن والدته ألغت التصميم «في اللحظة الأخيرة».

يبدو أن العائلتين تنظران إلى بعض الأمور من منظور مختلف. فقد وُصفت نيكولا بأنها «قرة عين» والدها، ونُقل عن مصدر سابق قوله إن والديها «يرغبان في تدليلها وضمان ألا تعاني أبداً». في المقابل، تُعرف عائلة بيكهام بتشجيع أبنائها على الاعتماد على أنفسهم.