القوات المصرية تنجح في تحرير «كرداسة» من المتشددين

قوات أمنية تفرض نقطة تفتيش على الطريق الرئيس المؤدي إلى ضاحية كرداسة أمس بالتزامن مع عملية اقتحامها (رويترز)
قوات أمنية تفرض نقطة تفتيش على الطريق الرئيس المؤدي إلى ضاحية كرداسة أمس بالتزامن مع عملية اقتحامها (رويترز)
TT

القوات المصرية تنجح في تحرير «كرداسة» من المتشددين

قوات أمنية تفرض نقطة تفتيش على الطريق الرئيس المؤدي إلى ضاحية كرداسة أمس بالتزامن مع عملية اقتحامها (رويترز)
قوات أمنية تفرض نقطة تفتيش على الطريق الرئيس المؤدي إلى ضاحية كرداسة أمس بالتزامن مع عملية اقتحامها (رويترز)

«كان الخروج من بيوتنا بإذن.. والدخول بكشف هيئة.. وكنا ننام بعد صلاة المغرب مباشرة.. وأولادنا لو خرجوا للعب يتم الاعتداء عليهم»، عبارات بسيطة وصف بها الشاب العشريني محمد نور، حال مدينة كرداسة المصرية، قائلا: «الآن بعد 35 يوما من هجمات المسلحين نستطيع أن ننام في حماية الأمن.. لا البلطجية». حال الشاب نور شبه حال الآلاف من سكان «كرداسة»، المدينة السياحية المشهورة بمنتجات الغزل والنسيج اليدوية بمحافظة الجيزة المجاورة للقاهرة، بعد أن داهمتها قوت الأمن أمس، لتطهيرها من العناصر الإرهابية المسلحة.
ودفعت وزارة الداخلية بعشرات المدرعات والمصفحات، ونشرت قواتها على جميع مداخل ومخارج كرداسة - بدعم قوي من وحدات عسكرية - لمنع هروب المسلحين من المدينة التي أحكم إسلاميون في مصر قبضتهم عليها بالمتاريس وحولوها لمقر عمليات ضد السلطة، منذ فض السلطات اعتصامي لأنصار الرئيس السابق محمد مرسي في رابعة العدوية (شرق) والنهضة (غرب)، يوم 14 أغسطس (آب) الماضي.
وعلت أصوات زغاريد الفرحة من السيدات في شرفات المنازل، صوت دوي طلقات رصاص أطلقها رجال الأمن لتمشيط المدينة، بينما كان محمد نور، يهتف مع الرجال والشباب في الشوارع ترحيبا بسيارات الجيش والشرطة المحملة بالجنود، وفي السماء حلقت مروحيات عسكرية.
«الشرق الأوسط»، كانت في كرداسة ورصدت اللحظات الفارقة في عمر المدينة التي كان يأتي إليها السياح من كل مكان في العالم، ومهمة تحرير المدينة من سطوة المسلحين المتشددين – على حد وصف أهل المدينة. وبالتزامن مع فض السلطات اعتصامي جماعة الإخوان المسلمين، شهدت كرداسة مذبحة بشعة في قسم شرطتها، راح ضحيتها 11 شخصا من ضباط وأفراد القسم، ومُثل بجثثهم على أيدي عدد من المسلحين، لتنال المدينة بعدها مساحة لا بأس بها من الاهتمام الإعلامي والشعبي.
وطيلة 35 يوما سيطرت على المدينة حالتا ترقب وتوجس، فضلا عن الغياب الأمني «القسري» بعد حريق القسم، الأمر الذي تسبب في تدهور الأوضاع الأمنية، خاصة لأصحاب المحال التجارية بالمنطق.
ويقول شاهد عيان من أهالي المدينة، إن «البعض يعتقد أن كرداسة لها ميول دينية، ويوجد بها عدد كبير ممن ينتمون لـ«الإخوان المسلمين»، ومما يدل على طبيعتها المتدينة نسبة التصويت في انتخابات الرئاسة أكثر من 90% لمرسي، في حين حصل المرشح الخاسر أحمد شفيق على 150 صوتا.
ويضيف شاهد العيان، أن «كرداسة منذ عزل مرسي أصبحت مقرا لعمليات المسلحين ضد السلطات». فيما توعدت مصادر أمنية بملاحقة الخارجين عن القانون.
وتقع كرداسة بالقرب من أهرام الجيزة ويشتهر أبناؤها بصناعة النسيج والمشغولات الفرعونية والريفية، لكن يوجد قطاع انضم للجماعات المتشددة، ومن بين القيادات الإسلامية في كرداسة الشقيقان عبود وطارق الزمر المتورطان في قتل الرئيس الراحل أنور السادات، كما تعتبر المنطقة مقرا لجماعات أخرى من تجار السلاح والمخدرات. وذكر شهود عيان أن كرداسة «مصدر سلاح قوي للمتشددين».
ويقول شاهد من المدينة يدعى الحاج محمد عبد الحميد، صاحب إحدى ورش التصنيع اليدوي للعباءات، إنه «منذ فض اعتصامي أنصار مرسي ومطارداتهم اتخذت هذه الجماعات من كرداسة المعزولة مقرا لها، وأقاموا حواجز خرسانية في مداخلها تحسبا لأي مواجهات محتملة مع الشرطة أو الجيش»، ويضيف: «كان أنصار مرسي ينظمون مسيرات في المدينة يوميا عقب صلاة العشاء رغم فرض حظر التجول المطبق على محافظة الجيزة بالكامل منذ أغسطس الماضي».
وأفاد عبد الحميد، بأن عناصر مسلحة من التيارات الإسلامية تفرض سطوتها على كرداسة وتمنع دخول الأمن والغرباء إليها، ووضعوا كميات من الرمال والحجارة في الشوارع الرئيسة لمنع حركة السيارات.
وتضم كرداسة 7 قرى وتعد من أهم المزارات السياحية غرب الجيزة. ويعمل غالبية أبناء المنطقة في الزراعة والتجارة، لكن تنامي نفوذ التيارات الإسلامية، خاصة من جماعة الإخوان والجماعة الإسلامية، حول حياة السكان إلى كابوس، وأدى تحالف التيارات الإسلامية مع مجموعات من البلطجية والمطلوبين للعدالة إلى تفاقم الوضع هناك.
ونظم أهالي كرداسة أمس، وقفات شارك فيها المئات تأييدا للشرطة والجيش، وأطلقوا الهتافات «الجيش والشرطة والشعب ايد واحدة».
ويقول محمد نور، وهو من شباب كرداسة، إن «المواطنين تسيطر عليهم حالة من الرعب منذ 35 يوما بعد أن احتل البلطجية أماكن ومساحات كبيرة من المدينة». ويسرد نور حال المدينة قبل اقتحام الشرطة والجيش لها أمس: «بالقرب من قسم شرطة كرداسة المتفحم، ذي الجدران الهاوية، تجد ما يشبه اللجان الشعبية، حيث يستوقفك أشخاص مسلحون بأسلحة آلية، للقيام بأعمال التفتيش الذاتي الدقيق، مع السؤال عن سبب قدومك لكرداسة وكأنها أصبحت منطقة حرب، ولن تتمكن من الدخول إلا بمساعدة أحد أصدقائك من سكان المنطقة».
وتفاقمت الأوضاع في «كرداسة» بعد حرق قسم الشرطة. وخرج عدة آلاف من أهالي وشباب المدينة في مظاهرات اعتراضا على الاعتداء على رجال الشرطة. وقبل أن تلجأ السلطات لاقتحام المدينة أمس، حاولت في البداية نزع فتيل الأزمة، وناشدت المسلحين بتسليم أنفسهم، وهي خطة كانت قد نفذتها بنجاح في عدة مناطق شهدت اضطرابات أقل حدة.
وطوق آلاف الجنود من الجيش والشرطة مداخل ومخارج الضاحية. واستخدمت القوات مروحيات لتوفير مظلة تأمين بمشاركة أكثر من 40 تشكيلا أمنيا ومجموعات قتالية من الجيش والشرطة مدعومة بالآليات العسكرية والسيارات المدرعة وسيارات فض الشغب. وبدأ الاقتحام في الساعات الأولى من يوم أمس، من كافة مداخل المدينة، مع تنبيه القوات على السكان عبر مكبرات الصوت، بالتزام البيوت وعدم ارتقاء أسطح العقارات. وقالت مصادر أمنية في مديرية أمن الجيزة، إن «القوات انقسمت بمجرد دخولها المدينة لفرق فصل وضبط وتأمين، قامت خلالها بتأمين كرداسة ومنع الدخول أو الخروج منها لضبط المطلوبين، بالإضافة لفرق فرض السيطرة التي انتشرت في كل أركان المدينة وخصوصا مناطق الزراعات.
فيما استمر تقدم القوات، حلقت مروحيات القوات المسلحة لتشكل ستار مسح جوي للتأكد من فرض السيطرة الأمنية. وقالت المصادر الأمنية إن «استخدام الطائرات بسبب صعود عدد من العناصر الإرهابية المسلحة أعلى أسطح العمارات والمدارس واستهداف قوات الأمن المتمركزة على الأرض بإطلاق الأعيرة النارية». وأضافت المصادر الأمنية، أن المواجهات أسفرت عن مقتل اللواء نبيل فراج مساعد مدير أمن الجيزة، وإصابة 9 مصابين، بينهم 5 ضباط و4 مجندين.
واستقبل أهالي المدينة القوات الأمنية بالتهليل والفرحة، لعودة السيطرة الأمنية للقرية مرددين هتاف «الجيش والشرطة والشعب ايد واحدة». وقام عدد من الأهالي بتوزيع المشروبات والحلوى والمأكولات على قوات الشرطة المتمركزة بمحيط قسم كرداسة، وعبر الأهالي عن سعادتهم البالغة في تحرير المنطقة من الإرهاب. وأكدوا أن العناصر المسلحة كانت تصيبهم بالفزع والرعب كل ليلة، خاصة في ظل غياب قوات الشرطة بعد حريق قسم كرداسة.
وضبطت الشرطة نحو 70 من المسلحين، وأكدت أنه صدرت بحقهم قرارات بضبطهم وإحضارهم من النيابة العامة على خلفية تورطهم في أحداث قسم شرطة كرداسة، والتعدي على رجال الشرطة وسحلهم والتمثيل بجثثهم، وقالت: إن «قوات الأمن تستهدف تطهير كرداسة من الخارجين عن القانون».
ويقول محمد نور: «كنا نتلهف لدخول الجيش والشرطة للتصدي للبلطجية الذين أرهبوا الأهالي وأحرقوا المنازل، إلا أننا نرى الآن الأمن يلاحق أنصار جماعة الإخوان والجماعة الإسلامية المتشددين».
وتوجه ضباط العمليات الخاصة إلى منازل المطلوبين في قضية مجزرة مركز الشرطة، الذين يتخطى عددهم الـ130 متهما. وقال مصدر أمني رفيع المستوي في مديرية أمن الجيزة، إنه «بالتنسيق مع ضباط العمليات الخاصة والأمن الوطني والعام والقوات المسلحة، جرت عدة مداهمات لبعض الأماكن أثناء اقتحام مدينة كرداسة بحثا عن قيادات الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية والجهادية، حيث جرى تمشيط المناطق بحثا عن القيادي الإخواني عصام العريان بعدما ترددت أنباء عن تواجده بمسقط رأسه في قرية ناهيا المجاورة لكرداسة، كما جرى تمشيط عدة مناطق بحثا عن قيادات الجماعة الإسلامية عاصم عبد الماجد والأخوان عبود وطارق الزمر، إلا أنهم تمكنوا من الهروب قبل عمليات الاقتحام، وحثوا الشباب على الاستبسال، والوقوف ضد قوات الشرطة والجيش».
وقال شاهد عيان من مدينة كرداسة، إن قيادات الإخوان والجماعة الإسلامية دعوا قبل عملية الاقتحام بساعات إلى تنظيم مظاهرة أمام مسجد الشاعر، أطلقوا عليها «يوم من رابعة»، للتأكيد على أنهم لا يخافون من عملية الاقتحام. وأضاف شاهد العيان أن «شباب الإخوان أقاموا منصة كبيرة ورفعوا شعارات اعتصام رابعة العدوية، وأعلاما لـ(القاعدة) وصورا للرئيس السابق مرسي وصورا لأشخاص قتلوا في فض اعتصام رابعة واستخدموا مكبرات الصوت، وشارك في الحشد عشرات السيدات من كرداسة وقراها».
وأوضح شاهد العيان، أن الشباب أكدوا أثناء التظاهر أنهم سيتصدون بقوة لقوات الأمن حال محاولتها اقتحام كرداسة، لكن انقطعت صلة العريان وعبد الماجد وباقي القيادات بالشباب عقب دخول قوات الأمن.
ووصفت جماعة الإخوان، الحملة الأمنية على كرداسة بأنها حملة «غير مناسبة» تستهدف المعارضين للإطاحة بمرسي. ونشرت الصفحة الرسمية لحزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، بيانا قالت فيه أمس، إن «التطرف الأمني لن يجدي، ولن يحل الأزمات المتواصلة، فضلا عن أنها ستشعل ثورة الغضب ضد حكم العسكر».
من جانبه، أكد اللواء هاني عبد اللطيف المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية، أن القوات لن تتراجع إلا بعد تطهيرها من كافة البؤر الإرهابية والإجرامية، موضحا أن خطة اقتحام كرداسة اعتمدت على شقين أساسيين، الأول يتعلق بحصار كرداسة من الخارج ومن ناحية الظهير الصحراوي، والشق الثاني يتعلق بالمواجهة المباشرة مع العناصر الإرهابية والإجرامية، وهو الشق الذي تقوم به المجموعات القتالية التابعة للعمليات الخاصة.
في السياق ذاته، نعت الحكومة مقتل مساعد مدير أمن الجيزة، وقال بيان صحافي لمجلس الوزراء أمس، إن الدكتور حازم الببلاوي رئيس مجلس الوزراء، شدد مجددا على أن أمن الوطن والمواطن هو خط أحمر، وأن الحكومة لن تتهاون أو تُهادن الجماعات الإجرامية والإرهابية التي ترفع السلاح لترويع الآمنين.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».