«رويال بالم».. من جزر الموريشيوس إلى مراكش بتوصية ملكية

منتجع ينسيك ضوضاء جامع الفنا.. ويكحل عينيه بجبال الأطلس

حيث تجتمع الطبيعة مع الروعة
حيث تجتمع الطبيعة مع الروعة
TT

«رويال بالم».. من جزر الموريشيوس إلى مراكش بتوصية ملكية

حيث تجتمع الطبيعة مع الروعة
حيث تجتمع الطبيعة مع الروعة

المدن مثل البشر، تربطك ببعضها كيمياء لا تستطيع تفسيرها. تشعر نحوها بالارتياح والحب بمجرد أن تطأها أقدامك ويلفحك هواؤها ودفؤها. مراكش واحدة من هذه المدن، فهي تلفك بحب ولا تتركك إلا وأنت متيم بها، تحلم بالعودة إليها لتستكشف المزيد من خباياها وأسرارها. فهي تتقن فن الإغراء ولا تكشف لك كل وجوهها بسرعة، بل تلاعبك وتُظهر لك في كل مرة، وعلى دفعات، جانبا منها حتى تُبقي شعلة اللهفة ملتهبة فتعود إلى حضنها مشتاقا ومتلهفا. تُعرف مراكش بأكثر من اسم ولقب، فهي «الحمراء» لونا، و«مدينة النخيل» و«السبعة رجال»، كما أنها «البهجة» نظرا لما يتمتع به أهلها من روح الفكاهة والحكي. ورغم أنها ليست المرة الأولى التي أزورها فيها، إلا أنها المرة الأولى التي يسعفني فيها الحظ لاكتشاف منتجع جديد هو «رويال بالم» الواقع بعيدا عن وسطها الذي يطبعه الازدحام والضوضاء وما يستحضره من قصص علي بابا وسندباد وغيرها من الأساطير التي رسختها في الذاكرة أفلام هوليوود.
تزامنت زيارتي مع عرس العام الذي أقامه فيها المليونير ورئيس الوزراء اللبناني السابق نجيب ميقاتي، لابنه البكر.
لم يكن لسائقي التاكسيات وأصحاب المحلات والمطاعم حديث إلا أخبار هذا العرس وتفاصيله وكأنهم كانوا ضيوفا فيه. تستغرب إلمامهم بكل صغيرة وكبيرة، ثم سرعان ما تتذكر بأن مدينتهم قائمة على القصص الشفهية التي يتداولونها إما بينهم أو في ساحة جامع الفنا، ولن تعرف أبدا إن كانت واقعية أم من نسج الخيال. يحكون عن العرس وطقوسه وكأنهم يحكون لك قصة من قصص ألف ليلة وليلة، ثم سرعان ما يعقبون بالمزيد من الزهو بأن لاعب الكرة الإنجليزي ديفيد بيكام أيضا حط الرحال فيها منذ أيام للاحتفال بعيد ميلاده الأربعين. فمدينتهم أصبحت وجهة النخبة كلما أرادوا أن يحتفلوا بطريقة خاصة ومميزة، ولم لا والمراكشيون يعتبرون خبراء في فن الاحتفال وبث المسرة في النفوس. أفلا يطلق عليهم باقي المغاربة لقب «البهجة» لما يتمتعون به من روح نكتة ورغبة جامحة في معانقة الحياة بكل متعها؟

* عنوان النخبة
أعطي لسائق التاكسي عنوان منتجع «رويال بالم» الواقع على بعد 12 كيلومترا من وسط المدينة، تظهر على وجهه بادئ الأمر علامات الاستغراب ثم تتغير نظرته وتعامله معي، وكأن شيئا بداخله نبهه بأنني شخصية مهمة. فاسم المنتجع كان كافيا لكي يخلق لديه الانطباع بأنني واحدة من النخبة الذين يقصدون هذا العنوان دون غيرهم، خصوصا وأنه فتح أبوابه منذ نحو عام فقط ولا يزال سرا لا يعرفه سوى قلة من العارفين والمقتدرين من عشاق لعبة الغولف أو الراغبين في إجازة رومانسية.
ومع ذلك، ورغم عمره الذي لا يتعدى العام، فإن أحدا في «بيتشكومبر» Beachcomber المجموعة التي تشرف عليه، لم يكن يتوقع حجم الإقبال الذي يشهده منذ افتتاحه. فقد كانت الاستراتيجية المرسومة له أن يستقطب 60 في المائة من الزوار في العام الأول، لكنه وفي غضون أشهر تعدى هذه النسبة بكثير مما استدعى توظيف عمال جدد للحفاظ على نخبويته وخدمته المميزة.

* الوصول إلى المنتجع
يمر التاكسي بعدة شوارع راقية تزين جوانبها أشجار النخيل ويسودها الهدوء، وبين الفينة والأخرى يوقظك من أحلامك صوت الزمور فتعرف بأنه يخترق شوارع شعبية لها سحرها الخاص وإيقاعها الذي يعشقه المراكشيون والأجانب على حد سواء، مثل جامع الفنا، الذي أصبحت تتمركز حوله عدة رياضات بديكورات مغربية مبهرة وحميمة تروق للأجانب والعرب على حد سواء ممن شبعوا من الفنادق الكبيرة المتشابهة.
منتجع «رويال بالم» يختلف عن هذه الرياضات تماما، في فكرته ومساحته الشاسعة وتسهيلاته العصرية. موقعه البعيد عن وسط المدينة يجعله يكحل عيونه بجبال الأطلس، وينعم بملاعب غولف بـ18 حفرة، فيما تدغدغ الحواس روائح الخزامى وأشجار الزيتون المترامية على مساحة تقدر بـ231 هكتارا.
ما إن تدخل من بوابته الخارجية وتستقبلك روائحه حتى تصبح صور المدينة القديمة وقصصها وخرافاتها مجرد ذكرى. فأنت هنا في قصر فخم لا يمت، بديكوراته وهدوئه، إلى المدينة القديمة بشيء، وفي الوقت ذاته هو جزء لا يتجزأ منها ومن طبيعتها وثقافتها.

* قصة المنتجع
بدأت قصة هذا المنتجع وعلاقته بالمغرب منذ أكثر من عقد من الزمن، وتحديدا في عهد الملك المغربي الراحل، الحسن الثاني، الذي كان في زيارة عمل لجزر الموريشوس خلال قمة فرانكفونية، وأقام في «رويال بالم موريشيوس». أعجب بالمكان، فسأل لم لا يفتتح فرعا له في مراكش؟ كانت الفكرة مذهلة راقت للجميع رغم أن المدينة الحمراء لا تتمتع ببحر أو شاطئ على غرار جزر سيشيل والموريشيوس. فقد كانت تشفع لها جماليات وميزات أخرى، ليس أقلها المناخ الدافئ وجبال الأطلس، والمساحات المفتوحة فضلا عن طيبة سكانها. كان كل شيء يمهد لأن يصبح المنتجع وجهة مهمة للنخبة من عشاق الغولف والراغبين في الابتعاد عن جلبة المدن وازدحامها من دون أن يزهدوا فيها تماما. فمتى اجتاحتهم رغبة في زيارتها لشم روائح بهاراتها والاستمتاع بألوانها وضجيجها، يمكنهم ذلك، بما أن الرحلة لا تستغرق سوى نحو 20 دقيقة بالسيارة.
«بالم رويال مراكش» أول فرع لمجموعة «بيتشكومبر» خارج المحيط الهندي، لهذا كان لا بد أن يأتي في المستوى المطلوب وأن يحقق الأهداف المرسومة له وعلى رأسها أن يقدم أفضل أنواع الخدمات والتسهيلات في أجواء غناء تطيب لها النفس وتسعد بها. لن تصدق بأن المكان كان مجرد صحراء قاحلة، قبل أن تزرع فيه نحو 4000 شجرة نخيل وزيتون. وينسحب هذا الأمر على ملاعب الغولف بالذات لأنها تحولت على يد المصمم الأميركي كابيل بي رورنسون إلى واحدة من أهم ملاعب الغولف في المنطقة، يقصدها اللاعب المتمرس، كما المبتدئ الذي يحلو له أن يأخذ دروسا فيه، وتمتد على مساحة 75 هكتارا وتتميز بـ72 حفرة.

* مزايا «رويال بالم»
المنتجع نفسه يضم 134 جناحا وفيلات تظللها أشجار النخيل وتغلفها بالحميمية، وكل واحدة منها تتمتع بحمام مغربي خاص ومسبح. أكثر ما يشدك في المكان، ذلك السخاء في المساحات، فأصغر غرفة تتمتع بنحو 72 مترا مربعا، تصل إلى 310 أمتار مربعة في بعضها الآخر، معظمها يفتح على حديقة أو «فيراندا» أو شرفة خاصة. وروعي في الديكورات أن تكون مغربية حتى تتمازج مع طبيعة المدينة وإيحاءاتها الرومانسية والتاريخية، لكن دائما بلمسات عصرية تُجنبه الإغراق في الفولكلور. هناك مثلا المشربيات التي نصبت في أماكن استراتيجية في الكثير من الغرف لتخلق الحميمية، وفي الأماكن العامة لتضفي بعض الغموض الساحر، أو لتذكر بأننا في بلد عربي، لأنك تنسى ذلك أحيانا. الأرضيات بدورها يغلب عليها الطابع التقليدي المعاصر سواء تعلق الأمر بالـ«زليج» والفسيفساء، أو بسجاجيد الصوف التي غزلتها أياد بربرية توارثت المهنة عبر الأجيال، لكن مصمم الديكور اختارها هنا بألوان تتباين بين البيج والبني عوض الأحمر المتداخل بألوان متوهجة كما جرت العادة، حتى يحافظ على ذلك المزيج الثقافي بين الغرب والشرق. سخاء المساحات ينعكس أيضا على الحمامات، التي لو أعطيت لمهندس إنجليزي لحولها إلى شقة من غرفتين لا غرفة واحدة. لكن مهندسها هنا جعلها مفتوحة على الخارج وامتدادا له بإطلالها على حديقة غناء، آخذا بعين الاعتبار عنصر الحميمية والخصوصية. لم يبخل عليها مصممها أيضا بكل عناصر الترف مثل الرخام والغرانيت أو الخزانات الواسعة والإضاءة المتدرجة وما شابه من التفاصيل.

* أين تأكل؟
يتوفر المنتجع أيضا على ثلاثة مطاعم فاخرة، «لاكارافان» La Caravane بأجوائه الرومانسية، ويستعمل أيضا لتناول وجبات الإفطار للنزلاء. وهنا لا بد من التنويه بأن دفء الضيافة المغربية يتجلى في طريقة النادلين العفوية في التعامل مع الضيوف. يتنقلون بينهم مثل النحل يقترحون خدماتهم تارة، ويتسارعون لخدمتهم أو مساعدتهم تارة أخرى بحمل الأطباق التي ملئوها بكل ما طاب لهم من ملذات وكأنهم يخافون عليهم من ثقلها. عندما يلاحظون أن الاختيارات كانت محدودة، يبادرون بجلب أطباق مغربية أو مراكشية وكأنهم لا يريدونهم أن يغادروا مدينتهم من دون أن يتمتعوا بملذاتها الخاصة. مثلا، تطلب قهوتك وعصيرك وربما طبقا من الفواكه المشكلة على أمل أن تتبع حمية غذائية صحية، فيحضر لك النادل ما طلبت، ثم يعود فجأة، وابتسامة عريضة على محياه، وهو يحمل طبق «المسمن» وهو نوع من الفطائر المغربية يتوسطه صحن «آملو» المصنوع من العسل وزيت أرغان واللوز المطحون. ما إن تتذوقه حتى تدمن عليه ولا تريد أن تفكر فيما يحتويه من سعرات حرارية عالية. بالنسبة للمراكشيين وحسب الضيافة المغربية، لا يمكن أن يكتمل فطورك دون «شهيوات» محلية. وهم على حق، فهذه هي الفكرة من السفر أساسا: التعرف على ثقافات أخرى من خلال مطبخها.
المطعم الثاني هو «لوليفييه» L’Olivier الذي يقدم أطباقا خفيفة طوال النهار، مثل «تارتار التونة» و«السلمون» وغيرها من الأطباق التي يمكن القول إنها تلائم كل من يريد حمية متوازنة تعتمد على البروتينات والأسماك، رغم أن إغراء أنواع الخبز المعروضة لا تقاوم.
المطعم الثالث هو «العين» Al Ain وهو مغربي محض تشرف عليه الطاهية مريم ديان، ويقدم كل الأطباق المغربية في أجواء تقليدية وعلى نغمات موسيقية حية كل مساء.

* المنتجع الصحي
لا يمكن الحديث عن التسهيلات المميزة في «رويال بالم» من دون الحديث عن المنتجع الصحي الذي تديره شركة «كلارينز» Clarins فهو الأكبر في مراكش، ويتميز هو الآخر بمساحات شاسعة، 3.500 متر مربع، تشمل مسبحا خاصا وحمامات مغربية متعددة، وغرفا للتدليك أو لتنظيف البشرة وتقشيرها، فضلا عن صالون تصفيف شعر وحلاقة للرجال والنساء على حد سواء، بينما سيفتتح في شهر سبتمبر (أيلول) القادم صالون خاص بالأظافر.

* للصغار حصتهم أيضا
بيد أنه إلى جانب كل هذه التسهيلات والأجواء التي تشعرك بأنك في واحة تعبق بالرومانسية التي يمكن أن تمثل وجهة مثالية لقضاء شهر عسل أو حتى إجازة نهاية أسبوع بعيدا عن ضغوطات العمل وصخب المدينة، لم ينس المشرفون عليه احتياجات الأطفال من جهة، وبأن الكثير من نزلائه أرباب أسر من جهة ثانية، لهذا يقدم للصغار الكثير من التسهيلات والأنشطة التي تلهيهم وتثقفهم وفي الوقت ذاته. والأهم من هذا، تتيح لآبائهم فرصة الاستجمام من دون خوف أو قلق عليهم، فتوجد في المنتجع حضانة للأطفال تحت إشراف أخصائيين في مجال تربية الأطفال، كما توجد عدة ألعاب تتناسب مع مختلف الأعمار والهوايات، والأهم من هذا كله هو أن هذه الخدمة مثالية بالنسبة للأهل لكي يتمكنوا من التمتع بالراحة التامة التي يقدمها المنتجع في أجواء راقية ملؤها الخصوصية.
للمزيد من المعلومات www.beachcomber - hotels.com

* معالم تستحق الزيارة
* ساحة جامع الفنا: تعتبر القلب النابض للمدينة، فهي تختزل ثقافتها وشخصيتها بشكل مثير. إلى جانب مطاعمها الشعبية المتعددة على شكل أكشاك، يمكن الاستمتاع طوال الليل بحكاياها وموسيقاها. فليلها أكثر نشاطا وصخبا من نهارها، حيث تجد قارئي الطالع وراقصي الثعابين أو من يرسمون بالحناء ينادون عليك، والكل يضحك والبعض يضعف ويلبي الدعوة.
* مدرسة بن يوسف: يعود تاريخها إلى فترة حكم السعديين كذلك «صومعة الكتبية» و«قصر البديع» و«القبة المرابطية»، وغيرها من البنايات، التي أصبحت شاهدا على الأسر التي توالت على حكم المغرب وما خلفوه من جماليات وإرث غني في فن العمارة.
* حديقة ماجوريل: ورغم أنها تستقي اسمها من الرسام الفرنسي جاك ماجوريل، الذي قصد مراكش في عام 1919، ممنيا نفسه بالشفاء من الربو نظرا لمناخها الجاف واستقر فيها، إلا أن الحديقة اليوم ترتبط باسم المصمم إيف سان لوران، لا سيما بعد أن أوصى بحرق جثمانه ونثر رماده فيها.
- حمام مغربي تقليدي، فهذه تجربة لا تعوض سواء كانت في فندق فخم أو في حمام شعبي. فبينما الطقوس هي نفسها فإن اختلافا يكون في الأسلوب والأجواء ودرجة الرطوبة. يفضل أن تكون التجربة الأولى في حمام فندق معروف مثل «رويال بالم» أو «رويال منصور» في شارع عباس السبتي.
* على بعد خطوات من جامع الفنا، تترامى المحلات الشعبية التي تتنوع بين بيع البهارات أو التمور واللوز وبين بيع القفاطين التقليدية والشباشيب الجلدية أو الديكورات الخشبية والأواني المعدنية والسجاجيد الصوفية. لا بد من التذكير هنا أن المساومة جزء من ثقافة التسوق في المدينة، وفي العادة يمكن تخفيض السعر إلى النصف.



عندما يغيّر المناخ خريطة السفر: هل تتجه السياحة الأوروبية شمالاً؟

موجة الحر التي ضربت أوروبا غيرت مسار السياح (رويترز)
موجة الحر التي ضربت أوروبا غيرت مسار السياح (رويترز)
TT

عندما يغيّر المناخ خريطة السفر: هل تتجه السياحة الأوروبية شمالاً؟

موجة الحر التي ضربت أوروبا غيرت مسار السياح (رويترز)
موجة الحر التي ضربت أوروبا غيرت مسار السياح (رويترز)

لم يعد تغير المناخ قضية بيئية فقط، بل أصبح عاملاً مؤثراً في الاقتصاد وأنماط الحياة، ومن بينها صناعة السفر والسياحة. فمع ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الحر في أنحاء مختلفة من العالم، بدأ المناخ يدخل بصورة متزايدة في قرارات المسافرين: إلى أين يسافرون؟ ومتى؟ وما نوع التجربة التي يبحثون عنها؟

إسكتلندا من البلدان التي استفادت من موجة الحر التي ضربت انجلترا (أ.ف.ب)

لسنوات طويلة، ارتبطت العطلة الصيفية الأوروبية بالشمس والبحر والوجهات المتوسطية، من إسبانيا وإيطاليا إلى اليونان وكرواتيا. لكن ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية بدأ يغير هذه المعادلة. فالسائح الذي يريد التجول في مدينة تاريخية أو ممارسة أنشطة في الهواء الطلق قد يجد أن الحرارة الشديدة تجعل التجربة أقل راحة، بل وأحياناً أكثر خطورة.

ومن هنا برز اتجاه سياحي جديد يعرف باسم «Coolcation»، أي اختيار وجهة أكثر برودة أو اعتدالاً هرباً من حرارة الصيف. وبدأت دول شمال أوروبا، مثل النرويج وفنلندا والسويد وآيسلندا، إلى جانب المناطق الجبلية في وسط أوروبا، تستفيد من هذا الاتجاه المتنامي.

ادنبرة من المدن التي استفادت بسبب تغير المناخ (إ.ب)

اسكوتلندا... نموذج للخريطة السياحية الجديدة

تقدم اسكوتلندا مثالاً واضحاً على هذا التحول؛ ففي الوقت الذي تعرضت فيه أجزاء من إنجلترا لموجات حر قوية، أصبحت اسكوتلندا وجهة جذابة لمن يبحثون عن طقس أكثر اعتدالاً، فضلاً عن طبيعتها التي تشمل المرتفعات والبحيرات والسواحل.

وتشير بيانات حديثة إلى ارتفاع حجوزات الرحلات الجوية إلى المطارات الاسكوتلندية بنسبة 15 في المائة خلال يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) 2026، في حين تراجعت الحجوزات إلى لندن وبقية إنجلترا. وكان الطقس الأكثر برودة أحد العوامل التي ساعدت على جذب الزوار، إلى جانب الطبيعة والثقافة والفعاليات. كما شهدت إدنبرة موسماً قوياً للمهرجانات، مع ارتفاع مبيعات التذاكر بنحو 30 في المائة.

لكن من المهم عدم اختزال نمو السياحة الاسكوتلندية في عامل الطقس وحده؛ فالرحلات الجوية المباشرة، والمهرجانات، والترويج السياحي، والطبيعة، كلها عوامل ساهمت في تعزيز جاذبية البلاد.

السياحة تنتعش في أوروبا الشمالية (إ.ب)

هل يشجع تغير المناخ السياحة الداخلية؟

أحد أهم آثار هذه الظاهرة هو إمكانية تعزيز السياحة الداخلية. فعندما تصبح بعض الوجهات الخارجية شديدة الحرارة أو أكثر تكلفة، قد يفضل المسافر قضاء عطلته داخل بلده، خصوصاً إذا كانت هناك مناطق محلية توفر طقساً أكثر راحة وتجارب مختلفة.

وفي بريطانيا، يمكن أن تستفيد اسكوتلندا من هذا الاتجاه؛ إذ يستطيع السائح الإنجليزي الوصول إليها دون الحاجة إلى السفر دولياً، والاستمتاع بالطبيعة والثقافة والمدن التاريخية.

لكن التجربة الاسكوتلندية في 2026 تظهر أن المناخ وحده لا يكفي؛ فارتفاع تكاليف المعيشة والإقامة والنقل يمكن أن يحد من قدرة الأسر البريطانية على السفر، حتى عندما تكون الوجهة المحلية جذابة. ولذلك تحتاج السياحة الداخلية إلى مزيج من الأسعار التنافسية، وسهولة الوصول، والمنتجات السياحية المناسبة.

ما يحدث في اسكوتلندا ليس حالة منفردة؛ ففي أوروبا، بدأت الوجهات الشمالية والأكثر اعتدالاً تستفيد من الاهتمام بالسياحة الصيفية الأقل حرارة. وفي المقابل، لا تزال إسبانيا وإيطاليا واليونان وغيرها من الوجهات المتوسطية تحتفظ بمكانتها القوية، لكن بعض المسافرين بدأوا بتغيير توقيت رحلاتهم.

التغير المناخي يغير خريطة السفر (بيكسيلز)

فبدلاً من السفر في ذروة يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، يتجه بعض السياح إلى مايو (أيار) ويونيو (حزيران) أو سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول)، عندما تكون درجات الحرارة أكثر اعتدالاً. وهذا يعني أن تغير المناخ قد يؤدي إلى إعادة توزيع السياحة جغرافياً وزمنياً في آن واحد: من المناطق شديدة الحرارة إلى المناطق الشمالية والجبلية، ومن ذروة الصيف إلى مواسم الربيع والخريف.

كما أن تأثير الحرارة ليس موحداً على جميع الأنشطة. فقد تستفيد الشواطئ والمسابح ومرافق الأنشطة المائية من الطقس الحار، بينما تواجه المعالم السياحية والأنشطة التي تتطلب المشي أو البقاء في الخارج لساعات طويلة تحديات أكبر.

بالنسبة إلى الوجهات الشمالية، يمثل هذا التحول فرصة اقتصادية مهمة؛ فزيادة عدد الزوار تعني مزيداً من الإنفاق على الفنادق والمطاعم والنقل والأنشطة السياحية، وقد تساعد على دعم الشركات المحلية والمجتمعات الريفية.

لكن زيادة أعداد السياح تفرض في المقابل تحديات تتعلق بالبيئة والبنية التحتية والازدحام والحفاظ على الموارد الطبيعية. كما أن المناطق التي تستفيد اليوم من مناخها المعتدل ليست محصنة من آثار تغير المناخ مستقبلاً.

لذلك، فإن المستفيد الحقيقي من التحول المناخي سيكون الوجهة القادرة على التكيف مع المناخ، وإدارة أعداد الزوار، وتوفير تجربة مستدامة، والحفاظ على أسعار تنافسية.

تكشف تجربة اسكوتلندا عن تحول أعمق في صناعة السياحة؛ فالمناخ لم يعد مجرد خلفية للرحلة، بل أصبح جزءاً من قرار اختيار الوجهة وتوقيت السفر.

وقد لا يعني ذلك نهاية السياحة المتوسطية أو انتقال السائحين جميعاً إلى شمال أوروبا، لكنه يشير إلى ظهور خريطة سفر أكثر تنوعاً. ففي المستقبل، قد يصبح السؤال بالنسبة للسائح ليس فقط: «إلى أين أذهب؟»، بل «ما الطقس الذي سأجده هناك؟ ومتى يكون أفضل وقت للزيارة؟».

ومن هذه الزاوية، تبدو اسكوتلندا مثالاً مهماً على السياحة في عصر تغير المناخ؛ فالمناخ الأكثر برودة، الذي كان في السابق مجرد سمة طبيعية للبلاد، يمكن أن يتحول إلى ميزة تنافسية سياحية في عالم تصبح فيه موجات الحر أكثر حضوراً.

إن قصة اسكوتلندا ليست مجرد قصة عن سياح يبحثون عن طقس بارد، وإنما مؤشر على تحول أوسع: المناخ بدأ يعيد رسم خريطة السفر الأوروبية، ويدفع صناعة السياحة إلى التفكير في وجهات جديدة، ومواسم مختلفة، ونماذج أكثر استدامة للسفر.


«سوما باي»... ملاذ عشاق الطبيعة والغوص

الاسترخاء على البحر في سوما باي وقت الغروب يبعث في النفس طاقة متجددة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)
الاسترخاء على البحر في سوما باي وقت الغروب يبعث في النفس طاقة متجددة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)
TT

«سوما باي»... ملاذ عشاق الطبيعة والغوص

الاسترخاء على البحر في سوما باي وقت الغروب يبعث في النفس طاقة متجددة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)
الاسترخاء على البحر في سوما باي وقت الغروب يبعث في النفس طاقة متجددة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)

على ضفاف البحر الأحمر، الساحل الشرقي لمصر، وعلى بُعد 45 كيلومتراً جنوب مدينة الغردقة، توجد هذه اللوحة الطبيعية النابضة بالحياة، التي تتلاشى فيها الضوضاء أمام هدير الأمواج التي تعانق ضوء الشمس، لتمنح الزائر تجربة استرخاء لا تُضاهى.

«سوما باي» ليست مجرد منتجع سياحي، بل وجهة عالمية للمشاهير ولكل من يبحث عن الهدوء، والجمال، واعتدال الأجواء طوال العام، فمع اختلاف فصول العام تكون وجهة مثالية، حيث تشهد شواطئها، الممتدة بطول 11 كيلومتراً، حركة لا تتوقف للاستجمام أمام المياه النقية، أو القفز في الماء، أو الغوص لاستكشاف الشعب المرجانية.

ممارسة القفز في الماء أثناء الغروب تجربة لا تُضاهى (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)

لذا، سواء كنت تخطط لعطلة رومانسية تبقى في الذاكرة، أو ترغب بقضاء وقت ممتع مع العائلة، أو الأصدقاء، فإن المنطقة توفر تجربة مميزة تناسب الجميع، مقدمةً تجربة استثنائية تتجاوز مفهوم الإجازة التقليدية، لتصبح رحلة ساحرة تجمع بين الهدوء، والفخامة، وجمال الطبيعة البكر، بما يجعلها مكاناً متكاملاً يعكس التطور الذي تشهده المناطق الساحلية المصرية.

مناظر بانورامية خلابة

تظل «سوما باي» خياراً مثالياً للباحثين عن وجهة تجمع بين الفخامة والخصوصية في قلب الطبيعة، حيث تتميز بموقعها الجغرافي الفريد داخل خليج سوما باي، إذ تحيط بها مياه البحر الأحمر من ثلاث جهات «شبه جزيرة»، مما يمنح هذا الخليج مناخاً معتدلاً طوال العام.

كما أن الموقع الاستراتيجي يقدم للزائر فرصة التمتع برؤية مناظر بانورامية خلابة على امتداد البصر للبحر والسماء، وعلى مدار اليوم، تتبدل طبيعة «سوما باي» مع تغير الساعات لتقدم أوجه متعددة من سحر مصر؛ فمع شروق الشمس على الشواطئ ونسائم الصباح تكون الفرصة مواتية لمنح الزائر نفسه إحساساً بالاستجمام، أو بدء اليوم بجلسة يوغا أمام صوت الأمواج.

الطريق إلى الغطس في سوما باي يبدأ بالسير وسط البحر الأحمر أعلى الممشى (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)

بينما تعد ساعة الغروب وسط هذه الطبيعية الأخّاذة، حيث انعكاس الشفق الأحمر على الشواطئ والمياه الفيروزية الصافية، مشهداً يبعث في النفس طاقة متجددة، وفرصة لعيش لحظات من التأمل أمام صوت الموج. أما المساء، ومع أجوائه الصاخبة التي تخلقها الفعاليات الفنية والموسيقية المتنوعة، فتشهد المنطقة طاقة حيوية تفرض نفسها على المكان.

ويتيح هذا التنوع على مدار ساعات النهار والليل للزائر تجربة لا تُنسى، ويجعل من «سوما باي» ملاذاً رائعاً لعطلة مميزة في واحدة من أبرز الوجهات السياحية على ساحل البحر الأحمر.

تمتد الفخامة إلى ما تضمه «سوما باي» من مجموعة من أرقى المنتجعات السياحية الفاخرة فئة 5 نجوم، والتي تتنوع في تقديم خدماتها ما بين ملاعب الغولف ومارينا لليخوت، أو تقديم تجربة استشفائية بتوظيف مياه البحر في العلاج، ما يجعلها وجهة للباحثين عن الاسترخاء والرفاهية.

سوما باي تمنح زائرها رحلة ساحرة استثنائية تجمع بين الهدوء والفخامة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)

بين المغامرة والمنافسة

تحتل «سوما باي» مكانة خاصة لدى محبي المغامرة والترفيه وعشاق الرياضات المائية عالمياً، إذ ترسخ مكانتها بوصفها أحد أفضل مواقع الغوص في البحر الأحمر، وتوفر المنطقة تجربة غنية للمبتدئين والمحترفين على حد سواء؛ حيث يمتد داخل البحر ممشى بطول 420 متراً يتيح للزوار الوصول بسهولة إلى أعماق الشعاب المرجانية المتنوعة.

وإلى جانب الغوص، تشتهر المدينة بكونها مركزاً رائداً لرياضة «الكايت سيرف»، عبر ركوب الأمواج بالألواح، مستفيدة من الظروف الطبيعية والمناخية التي توفرها المنطقة.

وخلال السنوات الأخيرة لم تعد منطقة «سوما باي» مجرد وجهة للاسترخاء والتمتع بالطبيعة الخلابة فحسب، بل تحولت بفضل بنيتها التحتية المتطورة وقدرتها على توفير بيئة تنافسية عالمية المستوى، إلى قبلة رئيسية لاستضافة أبرز الفعاليات الرياضية المحلية والدولية، لترسم بذلك مساراً جديداً يعزز من تنافسية هذا المقصد السياحي على الخريطة العالمية.

كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة أبرز الفعاليات الرياضية التي تحتضنها سوما باي (وزارة الشباب والرياضة المصرية)

هذا التطور جعلها ضمن أجندة الحكومة المصرية، ممثلة في وزارتي السياحة والآثار والشباب والرياضة، إذ تسعى الحكومة إلى تنظيم أهم البطولات المحلية والعالمية في إطار تعزيز السياحة الرياضية، حيث توضع «سوما باي» على رأس أجندة الفعاليات، بهدف تحويلها إلى مركز استراتيجي للرياضات المائية والاحترافية.

وأثمر هذا التوجه عن استضافة المنطقة لجولات سلسلة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، في حدث يعكس الالتزام المصري بتوفير بيئة رياضية عالمية المستوى، تضاهي أكبر المراكز الرياضية في العالم.

ولا يتوقف الحضور عند الرياضات المائية؛ فقد سجلت «سوما باي» سبقاً تاريخياً في المنطقة باستضافة منافسات التنس على «ملاعب عشبية»، لتكون بذلك أول وجهة في الشرق الأوسط وأفريقيا تنظم بطولات من هذا النوع، مما يعد نقلة نوعية في تطوير البنية التحتية الرياضية الإقليمية.

كما نجحت المنطقة في استقطاب فئات متنوعة من الزائرين من مختلف القارات، وهو ما تجلى في تنظيم مهرجانات التحمل الرياضي هذا العام، تحت رعاية الاتحاد المصري للخماسي الحديث، والتي شهدت مشاركة آلاف المتسابقين من عشرات الجنسيات.

كذلك امتد هذا التنوع الرياضي ليشمل «كأس مصر للفروسية»، التي تجمع بين أصالة رياضة قديمة وأجواء حديثة في بيئة البحر الأحمر الساحرة.

ومع هذا الحضور الرياضي المكثف، أضحت «سوما باي» وجهة لا تكتفي بتقديم الترفيه، بل تصيغ تجربة رياضية استثنائية، في أجواء مميزة تجمع بين التحدي والمتعة وروح المنافسة.


رحلة سريعة تختصر لبنان... سياحياً

رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)
رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)
TT

رحلة سريعة تختصر لبنان... سياحياً

رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)
رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)

في لبنان، لا تحتاج المسافات القصيرة إلى وقت طويل كي تغيّر المشهد تماماً. رحلة واحدة قد تبدأ من شاطئ المتوسط، بين أزقة البترون وملاحات أنفه، ثم تتجه نحو سهل البقاع وكرومه وسهله، قبل أن تنتهي في بيروت، حيث تختلط طبقات التاريخ بالحياة اليومية والمقاهي والمطاعم والواجهة البحرية.

ولمن يريد اكتشاف لبنان بعيداً عن الرحلات التقليدية، تبدو البترون وأنفه، ثم البقاع وزحلة، وصولاً إلى بيروت، مساراً يجمع في أيام قليلة بين البحر والطبيعة والتاريخ والطعام، ويكشف في كل محطة وجهاً مختلفاً من البلاد.

البردوني في مدينة زحلة من المعالم السياحية الجميلة (الشرق الأوسط)

البترون وأنفه: البحر بطعم لبناني

تبدأ الرحلة شمالاً باتجاه البترون، المدينة الساحلية التي تجمع بين أجواء المتوسط وشوارعها القديمة وواجهتها البحرية. والمشي في أزقتها، والتوقف عند الميناء والحي التاريخي يمنح الزائر فرصة للتعرف إلى جانب أكثر هدوءاً وأصالة من المدينة، بينما يشكل الطعام جزءاً أساسياً من التجربة، مع تنوع المطاعم التي تقدم المأكولات البحرية واللبنانية.

وتستحق البترون يوماً كاملاً، لا مجرد محطة عابرة. ويمكن بدء الجولة من المدينة القديمة، بين البيوت الحجرية والأزقة الهادئة التي تعكس تاريخ المكان، ثم التوجه إلى سور البحر الفينيقي، أحد أبرز معالم المدينة. بعدها يمكن زيارة كنيسة سيدة البحر والتجول في محيط الميناء، قبل التوجه إلى الشاطئ والجلوس في أحد المقاهي والمطاعم المطلة على البحر. ومن التفاصيل التي تمنح زيارة البترون طابعها الخاص تذوق «ليموناضة» البترون الشهيرة، التي أصبحت جزءاً من هوية المدينة، إلى جانب استكشاف الملاحات القديمة والتقاط الصور عند الساحل، ولا سيما في ساعات الغروب. أما في فصل الصيف، فتتوفر خيارات عدة لمحبي البحر، من السباحة إلى الرياضات المائية.

إقامة في بيوت تقليدية في «دومين دو شوشين» (الشرق الأوسط)

ومع نهاية الجولة، يمكن اختيار أحد مطاعم المدينة في محيط السوق القديمة لتناول وجبة لبنانية، قبل متابعة الطريق شمالاً إلى أنفه.

في أنفه، يصبح البحر أكثر حضوراً، بينما تتغير ملامح الساحل بين الصخور والملاحات والمشهد البحري المفتوح. ويطلق اللبنانيون على المنطقة اسم «أنفوريني»، تيمناً بسانتوريني في اليونان، في إشارة إلى التشابه بين المدينتين الساحليتين، ولا سيما في الألوان والأزقة المرصوفة بالحجارة البيضاء والبيوت ذات الأبواب الزرقاء المزينة بالورود والزهور.

أنفه من المناطق الساحلية الرائعة في لبنان (الشرق الأوسط)

ومن الأماكن التي يمكن التوقف عندها لتناول الغداء مطعم «شي فؤاد»، المتخصص في المأكولات البحرية الطازجة. وكان المكان في الأصل منزل العائلة التي تديره اليوم، قبل أن يتحول إلى مطعم حافظ على جانب من ذكرياته العائلية وطابعه البحري. ويمكن للزائر تمضية جزء من النهار فيه والاستمتاع بالجلسة البحرية والسباحة في البركة الصغيرة أو في البحر.

منظر مطل على مدينة زحلة في البقاع (الشرق الأوسط)

البقاع: حين يتغير المشهد

بعد الساحل، تتجه الرحلة نحو البقاع، حيث يتبدل المشهد بسرعة. فالسهل الواسع والجبال المحيطة والكروم ترسم صورة مختلفة تماماً عن الساحل الشمالي، بينما تظهر المائدة اللبنانية هنا مرتبطة بالطبيعة والضيافة والمنتجات المحلية.

وفي منطقة قب الياس يقع «دومين دو شوشين»، الذي يقدم المأكولات اللبنانية التقليدية في الهواء الطلق. ويضم المكان غرفاً فندقية تحافظ على طابعها القروي، مع ديكورات بسيطة وقناطر تستحضر شكل المنازل الريفية اللبنانية.

ولا تقتصر التجربة هنا على الطعام والإقامة، إذ يمكن القيام برحلة مشي «هايكينغ» برفرة دليل متخصص بمعالم المنطقة، تسبقها وجبة فطور لبناني مستوحاة من أجواء القرى والطبيعة المحيطة بالمكان. وهكذا تصبح الرحلة إلى البقاع انتقالاً من مجرد مشاهدة المناظر إلى التفاعل معها.

شلالات البردوني (الشرق الأوسط)

زحلة والبردوني: مدينة الشعر والماء

من قب الياس، تأخذ الرحلة طريقها نحو زحلة، إحدى أبرز مدن البقاع وأكثرها ارتباطاً بالهوية الثقافية والتراثية للبنان.

نشأت زحلة وتطورت على ضفاف نهر البردوني، الذي يعبر المدينة بين الجبال ويمنحها مشهداً طبيعياً مميزاً، حتى أصبح اسمه جزءاً من صورة زحلة وذاكرتها. ويعود تاريخ المنطقة إلى عصور قديمة، بينما ازدهرت المدينة بصورة خاصة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتحولت إلى مركز تجاري وثقافي مهم في البقاع، كما ارتبط اسمها بالهجرة والتجارة.

زحلة عصب البقاع (الشرق الأوسط)

أما اليوم، فيبقى نهر البردوني واحداً من أشهر معالم زحلة، ولا سيما المنطقة السياحية الممتدة على جانبيه، حيث المطاعم والمقاهي وأماكن الجلوس. هنا يمكن للزائر أن يجمع بين الغداء وصوت المياه والمناظر الجبلية، وأن يرى المدينة من زاوية مختلفة.

ومن البردوني يمكن الصعود إلى مقام سيدة زحلة والبقاع للاستمتاع بإطلالة واسعة على المدينة والسهل، ثم العودة إلى النهر لقضاء الأمسية وسط أجواء زحلة الحيوية.

في هذه المدينة تحديداً، تبدو عناصر الرحلة الثلاثة حاضرة في مكان واحد: الطبيعة، والمائدة، والحكاية.

زحلة من المدن السياحية المميزة في لبنان (الشرق الأوسط)

بيروت: مدينة تصل الماضي بالحاضر

بعد البحر والجبال والكروم، تأتي بيروت لتكون المحطة الأخيرة، لكنها في الوقت نفسه مدينة تختصر الكثير مما سبق. هنا يلتقي البحر بالتاريخ، وتجاور الأبنية القديمة المطاعم والمقاهي والحياة الليلية.

يمكن بدء الجولة من وسط بيروت وساحة النجمة، حيث تتجاور الأبنية التاريخية مع المساحات الحديثة، ثم الانتقال إلى الحمامات الرومانية وساحة الشهداء والجامع العمري الكبير، في جولة تكشف طبقات متعددة من تاريخ العاصمة.

ومن هناك، يستحق المتحف الوطني في بيروت زيارة خاصة، لما يقدمه من رحلة في تاريخ لبنان وآثاره. وبعدها يمكن الانتقال إلى شارع الحمرا أو الجميزة ومار مخايل لاكتشاف جانب آخر من المدينة، أكثر حيوية واتصالاً بالمشهد الثقافي والمطاعم والمقاهي.

«دومين دو شوشين» إقامة في أجواء ريفية (الشرق الأوسط)

ومع اقتراب المساء، يتغير إيقاع الرحلة. يتجه المشهد نحو البحر، إلى كورنيش بيروت وصخرة الروشة، حيث تتداخل مياه المتوسط مع صورة المدينة. ويمكن أيضاً المرور بـزيتونة باي، الذي يجمع المرسى والمطاعم والمقاهي في واجهة بحرية حديثة.

لكن الروشة تبدو مختلفة عندما تُرى من البحر. ومن التجارب التي يمكن إضافتها إلى جولة بيروت رحلة قصيرة بالقارب حول صخرة الروشة. تنطلق القوارب من المنطقة المحيطة بالصخرة لتأخذ الزائر بمحاذاة الساحل، وتتيح له رؤية المعلم الشهير من زاوية مختلفة عن تلك التي يوفرها الكورنيش.

ومع الاقتراب من الصخرة، تظهر التجاويف والممرات الطبيعية المحيطة بها بصورة أوضح، بينما تضفي الرحلة إحساساً بالمغامرة. وفي ساعات العصر وقبل الغروب، تصبح التجربة أكثر جمالاً مع انعكاس أشعة الشمس على مياه المتوسط، لتتحول الصخرة إلى خلفية طبيعية للمشهد البيروتي.

غروب الشمس عند صخرة الروشة (أ.ب)

المائدة جزء من الرحلة

لا تكتمل جولة بيروت من دون التوقف عند مائدتها. فالمطبخ اللبناني هنا ليس مجرد خيار لتناول الطعام، بل جزء من التجربة التي يختبر من خلالها الزائر جانباً من شخصية المدينة.

ومن الخيارات الممكنة «البيروتي»، الذي يقدم المطبخ اللبناني والمتوسطي بلمسة عصرية، ويتيح تذوق مجموعة من الأطباق اللبنانية في أجواء حيوية.

«أم شريف ديلي» في وسط بيروت (أ.ف.ب)

ومن الخيارات الأخرى «قمر داون تاون»، الذي يقدم المطبخ اللبناني في أجواء مناسبة للغداء أو العشاء، إضافة إلى «أمالين دي تي»، لمحبي النكهات اللبنانية التقليدية في منطقة وسط المدينة.

أما إذا كان الخيار هو وجبة سريعة، فيمكن التوجه إلى «أم شريف ديلي»، وهو تابع لسلسلة «أم شريف»، ويقدم السندويشات بلمسة عصرية.ولمن يريد إنهاء اليوم أمام مشهد الغروب، يبقى محيط صخرة الروشة والكورنيش المطل عليها من أبرز الخيارات. ويمكن أن يكون التوقف عند فرع مقهى «ستارباكس» هناك فرصة لمتابعة غروب الشمس مع فنجان من القهوة.

الملاحات في أنفه (إ.ب.إ)

لبنان... منظر، مائدة، وحكاية

ربما تكمن متعة لبنان في أنه لا يقدم نفسه للزائر من خلال مدينة واحدة أو مشهد واحد. فبين ساحل البترون وأنفه، ومائدة الشمال، وسهل البقاع وكرومه، وأجواء زحلة وضفاف البردوني، ثم بيروت بتاريخها وصخبها وواجهتها البحرية، تتبدل الصورة من محطة إلى أخرى، فيما تبقى روح المكان حاضرة في التفاصيل.

إنها رحلة لا تحتاج إلى مسافات طويلة كي تكشف اختلاف لبنان وتنوعه، يكفي أن تبدأ من البحر، وتمر بالكروم، وتنتهي أمام المتوسط من جديد.