أبحاث موسعة لكشف أسرار الدماغ البشري الحي

تهدف لوضع خريطة تفاعلية حول تركيبه ونشاطه ومهارات الإدراك والسمات الوراثية

أبحاث موسعة لكشف أسرار الدماغ البشري الحي
TT

أبحاث موسعة لكشف أسرار الدماغ البشري الحي

أبحاث موسعة لكشف أسرار الدماغ البشري الحي

ديانا بارش واحدة من الباحثين من جامعة واشنطن العاملين على وضع أول مخطط تفاعلي عن تشبيكات الدماغ البشري الحي العامل. ولتنفيذ هذا المشروع قامت هي وزملاؤها بمسوح عن الدماغ والتقديرات الإدراكية، والنفسية، والطبيعية، والبدنية والوراثية لـ1200 متطوع تراوحت أعمارهم بين 22 و35 سنة. وقد قطع الفريق ثلث العمل كله في جمع المعلومات. وسيلي ذلك معالجة البيانات، وضمها في خريطة تفاعلية ثلاثية الأبعاد للدماغ البشري المعافى تماما، تظهر تركيبه ومهامه، مع التفاصيل الخاصة بكل 1.5 ملليمتر مكعب منه، أو أقل من 0.0001 بوصة مكعبة.
وتقوم بارش بشرح المهمة الموكولة إليها في غرفة مجهزة بآلة للتصوير بالرنين المغناطيسي (إم آر آي). وتدرس أجزاء الدماغ المهمة وهي اللحاء الدماغي، واللوزة المخية، وقرن أمون، وجميع المناطق الأخرى وملحقاتها، حيث تحصل وتكمن الذكريات، والخوف، والنطق، والعمليات الحسابية. لكن هذه هي الجولة الأولى. فهي الصورة الساكنة بالأبيض والأسود، إذ ثمة كثير من عمليات المسح والاختبارات التي ينبغي بعد القيام بها.

* قاعدة بيانات
يقضي كل واحد من الـ1200 متطوع عشر ساعات على مدى يومين لإجراء المسوحات والاختبارات الأخرى، فضلا عن قضاء العلماء والفنيين عشر ساعات أخرى على الأقل في تحليل وتخزين البيانات المستحصلة من كل شخص لبناء نموذج لم يحصل بعد في عالم العلوم العصبية، ألا وهو قاعدة بيانات أساسية للدماغ البشري الصحي المعافى على صعيد تركيبه ونشاطاته، التي يمكن الرجوع إليها بمصاحبة السمات الشخصية، والمهارات الإدراكية، والأصول الوراثية. وسيكون هذا الأمر على الشبكة في خريطة تفاعلية متوفرة للجميع.
والدكتورة هيلين مايبيرغ الباحثة في كلية الطب في جامعة «إيموري» في أميركا، التي استخدمت الأبحاث الناتجة عن التصوير بالرنين المغناطيسي لتوجيه تطور حالتها العلاجية من مرض الكآبة عن طريق التحفيز العميق للدماغ، وهو أسلوب ينطوي على التدخل الجراحي لزرع منظم يشبه منظم ضربات القلب في دماغها، هي واحدة من بين كثير من العلماء يستخدمون هذا النوع من قاعدة البيانات لتوجيه أبحاثها.
وقاعدة البيانات النموذجية هذه التي يجري تحضيرها هي جزء من مشروع «هيومان كونيكتوم بروجيكت» Human Connectome Project الذي سيكلف 40 مليون دولار على مدى خمس سنوات، والذي تدعمه المؤسسات القومية للصحة في الولايات المتحدة، ويشارك به كثير من الجامعات الأميركية.
وتقول بارش إن السؤال الأساسي الذي قد تساعد قاعدة البيانات في الإجابة عنه، هو كيف تتصل أدمغتنا؟ وما الفروق التي بيني وبينك، وعلاقتها بالاختلافات في تصرفاتنا، وسلوكنا، وأفكارنا، وعواطفنا، وشعورنا، وتجاربنا؟ وهل هذا يجيب عن مسألة مساهمة الاضطراب في مثل هذا التواصل، أو ما يسببه من مشكلات عصبية ونفسية؟
وكان «مشروع الدماغ البشري» في أوروبا قد تلقى وعدا بتمويل قدره مليار دولار، لوضع نموذج كومبيوتري للدماغ. وفي الولايات المتحدة، أعلن الرئيس أوباما في العام الماضي عن بادرة للدفع بالأبحاث الدماغية، لتطوير تقنيات جديدة أولا. ووعد المشروع هذا الذي دعي بـ«التحدي الكبير» بتمويل قدره 100 مليون دولار في السنة الأولى، ويتوقع أن يستغرق عقدا برمته، وثمة أبحاث أخرى تجري حاليا في مجالات العلوم العصبية، وبعضها من قبل معاهد خاصة أيضا، إذ إن المعاهد القومية للصحة وحدها في أميركا تنفق 5.5 مليارات دولار سنويا على مثل هذه العلوم، غالبيتها توجه إلى الأبحاث في أمراض مثل مرضي باركنسون وألزهايمر. كما ينفق معهد «ألن» حاليا 60 مليون دولار سنويا على مثل هذه الدراسات، فضلا عن «جانيليا فارم» الذي ينفق 30 مليون دولار سنويا، إلى جانب المعاهد الأخرى الأكثر تواضعا التي رصدت كل منها ميزانية خاصة بها.
وهذه ليست المرة الأولى يجري فيها التركيز على الأبحاث الدماغية. فقد وصفت التسعينات من القرن الماضي بـ«العقد الدماغي» من قبل الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الأب، عندما سجل بعض التقدم، لكن ظل بعض أقسام الدماغ غامضا.

* خرائط الدماغ
ويعتبر «أوبتوجينيتكس» (Optogenetics) من الأساليب الحديثة اليوم، الذي شكل تحولا كبيرا في هذا الصعيد، فهو يستخدم الضوء في بعض الأجزاء الدماغية لحيوانات المختبرات، لتنشيط بعض الجينات المعدّلة أو تجعلها تنكفئ. كما أن التطورات الجديدة في المجاهر (الميكروسكوبات) مكنت التقاط أفلام سينمائية مصورة لبعض النشاطات الدماغية في الحيوانات الحية.
ومن بين كثير من الوسائل المستخدمة في اكتشاف الدماغ وفهمه، يعدّ وضع الخرائط هو الأكثر فائدة وديمومة، ربما لأن الخرائط أمر مألوف يمكن فهمه واستيعابه. ويقول ديفيد فان إيسن المسؤول عن مشروع «هيومان كونيكتوم بروجيكت» للدماغ في جامعة واشنطن، حيث تعمل بارش: «لقرن مضى كانت الخرائط الدماغية أشبه بخرائط سطح الأرض في القرن الـ16». فقد كان الكثير منها مبهما غير معروف، مع احتوائها على أخطاء كثيرة. «أما اليوم فإن مشروع (هيومان كونيكتوم بروجيكت) هو أشبه بخرائط القرن الـ18 لسطح الأرض»، فالقارات والجبال والأنهار باتت أكثر وضوحا، بغية الوصول إلى خرائط للقرن الـ19 والـ20، كمقدمة للوصول إلى خرائط «غوغل» التفاعلية التي لها مستويات وطبقات متعددة!
وقد أدت القدرات الكبيرة التي وصلنا إليها في عالم الكومبيوتر، والأدوات الرياضية الحسابية التي صممت لتحليل كميات هائلة من البيانات والمعلومات، إمكانية وضع مثل هذه الخرائط ممكنة. وأداة جمع المعلومات حول الدماغ التي اختارتها جامعة واشنطن هي آلة قياس بالرنين المغنطيسي وضعت تفاصيلها جامعة مينيسوتا. وتقوم هذه الآلة بإحاطة الجزء المراد مسحه بمجال مغناطيسي، لترسل له موجات راديوية. وهي خلافا للأشعة السينية المعروف أنها تحمل في طياتها بعض المخاطر، تعد سليمة آمنة، وهي واحد من أساليب قليلة للمسح العام، التي يمكنها تغطية الدماغ البشري برمته.
وثمة كثير من الطرق لجمع المعلومات وتفسيرها عن طريق مثل هذه الآلات. كما أن الأساليب المختلفة من المسوحات يمكنها أن تظهر التركيب الأساسي للدماغ ونشاطاته. وعندما يحاول أحد المتطوعين حل مشكلة تتعلق بالذاكرة، ينشط قرن أمون، واللوزة المخية، واللحاء الدماغي في الفص الجبهي جميعها، وبالتالي يمكن لجهاز «إم آر آي» هذا تعقب اتجاه تدفق المعلومات بأسلوب يدعى التصوير الانتشاري، ففي مثل هذا النوع من المسوحات تظهر حركة الجزيئات المائية، ليس النشاط فحسب، بل وجهة الحركة أيضا.

* اختلافات فردية
تركز ديانا بارش كأستاذة في جامعة واشنطن، ورئيسة فريق واحد من أصل خمسة فرق تعمل في مشروع «هيومان كونيكتوم بروجيكت» على أسلوب الاختلافات الفردية في أدمغة الأشخاص الأصحاء، وعلاقتهم باختلافات الشخصية وطريقة التفكير.
ومثال على ذلك، فإن الأشخاص الذين يقومون بعمليات تتعلق بالذاكرة على آلة «إم آر آي» قد يختلفون بحيث وتتراوح درجات تنافسهم والتزامهم للقيام بعمل ممتاز. وهذا النشاط يظهر في أجزاء من الدماغ التي تنطوي على العاطفة، مثل منطقة اللوزة المخية. في أي حال توضح بارش أن هدف مشروع «هيومان كونيكتوم بروجيكت» هو عدم إيجاد أجوبة لمثل هذه التساؤلات، بل تأمين قاعدة بيانات للآخرين، ليتجهوا الاتجاه نفسه.
وفي العالم المثالي، قد يكون لدينا من الأعمال والمهام ما ينشط كل جزء من أدمغتنا وفقا لبارش «ونحن لسنا كاملين أو مثاليين بما نقوم به، لكننا اقتربنا من ذلك كثيرا».
يبقى القول إن 500 من هؤلاء المتطوعين أكملوا جميع الاختبارات المنوطة بهم، مما يعني نحو 5000 ساعة من العمل بالنسبة إلى بارش وغيرها من العاملين بالبرنامج. وجرى حتى الآن إطلاق البيانات والمعلومات المتعلقة بنحو 238 شخصا، وهي متوفرة للجميع مجانا، عبر قاعدة بيانات على الشبكة، وبرنامج كومبيوتر يدعى «وركبينش».
ولا يتوقع أحد أن يقوم الدماغ البشري بكشف كل أسراره وتسليمها هكذا، إذ لا يأمل بعض علماء الأعصاب كثيرا في هذه النتائج، على الرغم من إمكانية النجاح التي قد تتحقق. فقد يتمكن العلم من تفهم واستيعاب الأعصاب، ومناطق الدماغ، وإحراز تقدم في علاج أمراض الكآبة، ونرضي باركنسون وألزهايمر، وحتى في فك مغاليق الرموز التي يستخدمها الدماغ لإرسال المعلومات وتخزينها. لكن، كما يقول بعض هؤلاء العلماء، لن نستطيع حل معضلات الدماغ جميعها، وتفهمها، واستيعابها قريبا، لأننا لا يمكننا شرح مسألة الوعي والإدراك، والآلية الدقيقة التي تنتج الشعر والموسيقى مثلا.
وربما يكمن التحدي الأكبر في دراسة نبضاته الكهربائية وتركيبه البيولوجي - الكيميائي، وشبكاته المعقدة على كل المستويات، فهنالك حاليا أكثر من 40 ألف عالم على نطاق العالم كله يحاولون فك هذه الأسرار.

* خدمة «نيويورك تايمز»



أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.