حسين الأعظمي: سافرت إلى 85 بلداً و140 مدينة وصرفت 10 سنوات في تأليف كتابي

موسوعة عن أهم المساجد التي بنيت قبل 2020 في ثلاث قارات

مسجد ديان المهري  -  حسين محمود الأعظمي وكتابه
مسجد ديان المهري - حسين محمود الأعظمي وكتابه
TT

حسين الأعظمي: سافرت إلى 85 بلداً و140 مدينة وصرفت 10 سنوات في تأليف كتابي

مسجد ديان المهري  -  حسين محمود الأعظمي وكتابه
مسجد ديان المهري - حسين محمود الأعظمي وكتابه

في مجلد يفوق أربعمائة صفحة من القطع الكبير المربع، صدر الكتاب الموسوعي «الفن الخالد في عمارة المساجد» عن مركز أبوظبي للغة العربية التابع لدائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، وهو من تأليف وتصوير الفنان العراقي حسين الأعظمي، الذي زار أكثر من مائة مسجد ضمتها دفتا كتابه. والمؤلف خريج معهد الفنون الجميلة في بغداد، كتب عدداً من المسرحيات والسيناريوهات، وكذلك العديد من المقالات في الصحف والمجلات الإماراتية، وحصل على الجائزة الأولى (جائزة العويس للإبداع) عن «أجمل مساجد العالم» 2016.
هنا حوار معه عن كتابه:
> متى وُلدت عندك فكرة تأليف كتاب «الفن الخالد في عمارة المساجد»؟
- كان مشروع هذا الكتاب حاضراً في وجداني وذهني دائماً، تتوارد أمامي الصُّور والمواقف والأحداث التي عشتها، على مدى عشر سنواتٍ، في رحلاتٍ مكوكيَّة حول العالم؛ إذ لم تظل وسيلة نقلٍ إلا واستخدمتها للوصول إلى هذا المسجد أو ذاك، ورغم الشَّقاء والتعب والسَّفر المنهك والتعامل مع مختلف أنواع الأمزجة البشريَّة واللُّغات، التي حرصت على ألا أشغل القارئ بتفاصيلها؛ لأنَّ الهدف من هذا الكتاب هو التعرف على عمارة تلك المساجد. أقول رغم ذلك كلّه، فإنَّ الحصيلة في نهاية المطاف كانت قطافاً مثمراً، آمل من خلاله أن أرفد المكتبة العربيَّة بمرجعٍ جديدٍ حول هذا الموضوع.
> كيف خطرت لك الفكرة... من حبك للعمارة الإسلامية، أم رغبة في التوثيق لهذه المساجد المميزة؟
- جاءت فكرة تأليف الكتاب بعد أن تراكمت المعارف الكثيرة والمعلومات المتشعبة من خلال الرحلات المكوكية التي كنت أقوم بها لمختلف بلدان العالم، حيث كنت أعمل في مجال إنتاج وإخراج البرامج التلفزيونية التي تتعلق بثقافة الحضارة الإسلامية ومعمارها. إثر ذلك، تكونت لدي وعلى مدار عشر سنوات حصيلة معرفية ثرية حول أصول العمارة الإسلامية في المساجد التي زرتها، وارتأيت منذ ذلك الوقت أن أوثّق ما أراه وأجمع حصيلة مشاهداتي في كتاب موسوعي يؤرخ لمرحلة تاريخية مهمة في فن العمارة الإسلامية، وما فيها من قيم جمالية وفنية ظلت صامدة منذ قرون دون أن يؤثر عليها ظروف الغزو أو عامل الزمن. وقد عبّرت عن شغفي بهذا الفن في الكتاب.
> أمضيتَ في تأليف هذا الكتاب نحو عشرة أعوام، هل قمت بدراسة كل مسجد على حدة، وكيف تم اختيار المساجد... حسب أي منهج؟
- تم اختيار المساجد التي كتبت عنها بعد الاطلاع والتعرف عليها، إما عن طريق الشبكة العنكبوتية أو عن طريق وسائل الإعلام الأخرى أو حتى عن طريق الأصدقاء والمعارف الذين أشاروا عليّ بهذا المسجد أو ذاك، أما عن شروط اختيار المسجد فأهم ما يثيرني هو المعمار وتفرده بغض النظر عن مساحته وتكلفة بنائه؛ لأن التنوع في مدارس الهندسة المعمارية لبناء المساجد كان عاملاً مهماً كي لا أقع في التكرار والملل. ومن الطبيعي أن يقع الاختيار على هذا المسجد أو ذاك لأنني أقوم بدراسته كاملاً ومن جميع النواحي بما في ذلك، استحصال الموافقات الرسمية للتصوير والأشخاص الذين سألتقيهم ممن يتحدثون لي عن عمارة المسجد وتاريخه... إلخ، وكل هذا يحصل قبل شد الرحال إليه؛ كي لا أتكبد مشقة الوصول وتذهب جهودي هباءً.
> أكثر من مائة مسجد يتضمنها كتابك، ما هي القارات التي غطتها هذه المساجد، وهل هناك مساجد لم تتمكن من الوصل إليها أو لم تزرها؟
- تناول هذا الجزء من هذه الموسوعة أهم المساجد التي ظهرت ما قبل عام 2020 في القارات الثلاث (آسيا وأوروبا وقسم من أفريقيا) وبالتأكيد لا يمكن الوصول إلى جميع المساجد في كل هذه القارات الثلاث؛ لأني كما أسلفت سابقاً لي شروطي الفنية في تحديدها، وهي فرادة عمارة المسجد وشكله وموقعه وأهميته.
> لم يغطِ الكتاب المساجد الأخرى في المغرب العربي وشمال أفريقيا، هل في النيّة تأليف كتاب آخر يضّمها؟
- تناولنا في هذا الجزء أهم المساجد في منطقة شمال أفريقيا، مثل تلك التي تقع في مصر والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، بالإضافة إلى مساجد دولة جنوب أفريقيا، وقد بلغ عدد مساجد القارة الأفريقية التي تضمنها هذا الجزء (18) مسجداً، وقَطعاً ستكون لنا عودة مرة أخرى لمساجد هذه البلدان، وكذلك المساجد التي تقع في عموم القارة الأفريقية، خاصة تلك التي تقع في مالي وموريتانيا والسنغال وتنزانيا... إلخ.
> ماذا عن المساجد العراقية؟
- تم تضمين الكتاب أهم المساجد في العاصمة بغداد كمسجد أبو حنيفة ومسجد أم القرى ومسجد أم الطبول، وستكون لنا وقفة مطولة في الأجزاء القادمة من الكتاب للمساجد العراقية الأخرى في مختلف المدن.
> الجمع بين التأليف والتصوير... هل كانت مهمة صعبة أو مكلمة لبعضها؟
- هي صعبة من جهة، ولكنها مثمرة من جهة أخرى، حيث تأتي المعلومة مكملة للصورة والعكس صحيح، وحينما يكون الشخص ذاته من يضع المعلومة ويلتقط الصورة، فيؤدي ذلك إلى نوع من التكامل الذي يصل إلى أوسع مدياته.
> كتابك يجمع بين أدب الرحلة والمتعة البصرية والمعلومات التوثيقية، هل اخترت هذا المنهج في تأليف كتابك؟
- أعتبر الكتاب رحلة لم أتوقف طويلاً عند تصنيفها بل تركت للقارئ والناقد اختيار التصنيف الذي يرتأيه. المهم عندي هو توثيق هذه الرحلات بما يخدم المتلقي إن كان قارئاً للمتعة الأدبية والفنية أو كان معمارياً هندسياً أو حتى مؤرخاً. الكتاب عبارة عن وثيقة تاريخيّة ومادة علميّة، يستفيد منها الباحث والمهندس وطالب الهندسة المعماريّة وفنانو الزّخرفة والخطِّ العربيِّ.
> هل يمكن اعتبار كتابك الأول من نوعه في توثيق المساجد المذكورة وتعريفها للقارئ العربي خاصة النائية منها؟
- هو ليس أول كتاب يرفد المكتبة العربية في هذا المجال ولكن على حد علمي أنه أشمل وأوسع وأول كتاب جمع بين دفتيه هذا العدد الكبير من المساجد على اختلاف مدارسها العمرانية والتاريخية وتنوع المناطق الجغرافية التي انتشرت على رقعتها هذه المساجد.
> ما هي أهم الحوادث والمفارقات التي صادفتها أثناء تأليفك للكتاب، أو بالأحرى ما هي الصعوبات والعراقيل التي واجهتها؟
- حينما تسافر وعلى مدى عشر سنوات متواصلة لأكثر من 85 بلداً ولأكثر من 140 مدينة حول العالم، وتستخدم كافة وسائط النقل من طائرات وسيارات وسفن وحتى دراجات هوائية، وتتعامل مع عشرات الجنسيات وبلغات متعددة، ستواجه، بلا شك، العديد من المفارقات والمواقف المحرجة والصعبة والطريفة ولكنني حرصت على ألا أشغل ذهن القارئ للكتاب بهذه الأمور؛ لأن جل تركيزي انصّب على التناول الفني الهندسي لبناء المساجد وعمارتها.
> هل حاورت الناس الذين كانوا يأمّون هذه المساجد وسألتهم عن رأيهم فيها، وما هي احتياجاتها، وكذلك أئمتها؟
- بالتأكيد، وإلا من أين استقيت المعلومات التي وردت في الكتاب والتي غالبيتها جاءت عن طريق إدارات المساجد من كتيبات ونشرات وأوراق تاريخية ومعلومات شفاهية... إلخ، هذا بالإضافة إلى المعلومات التي يزودني بها أحياناً زائرو تلك المساجد وبالذات كبار السن، حيث يمتلكون ذاكرة قوية وغنية بالمعلومات أثرت مادة الكتاب العلمية.
> لماذا لم يضم كتابك مساجد مكة المكرمة والمسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى؟
- لم أتطرَّق هنا لأي معلوماتٍ، أو صورٍ، تتعلَّق بالأماكن المقدَّسة الثَّلاثة، مكة المكرمة والمسجد النَّبوي الشريف والمسجد الأقصى المبارك؛ لأنها تتجاوز كونها مساجد شُيدت من قِبل أشخاصٍ أو مؤسَّساتٍ، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى، أن الأماكن المقدَّسة تتوافر عنها الكثير من المعلومات والصُّور في كلِّ مكانٍ، بطبيعة الحال. سعيتُ لتقديم خريطة متكاملة لفنِّ العمارة الإسلاميّة، على مختلف مراحل تطوّرها، بدءاً من عمارة شبه الجزيرة العربيّة ومن ثمَّ الأمويّة والعباسيّة، مروراً بالمملوكيّة والفاطميّة والعثمانيّة، وانتهاءً بالمدارس المعاصرة لفنِّ العمارة، ولا ننسى كذلك عمارة الموحّدين والمُرابطين في شمال أفريقيا، وحتماً فإنَّ الأجزاء المقبلة من الكتاب ستغطّي المساجد الأُخرى، التي لم يرد ذكرها في هذا الجزء.
> هل كانت لديك خطة في رحلاتك إلى هذه المساجد التي كتبت عنها؟
- سيجد القارئ في هذا الجزء مساجد قارّتي آسيا وأوروبا وجزءاً من القارة الأفريقية، وسنواصل العمل للوصول إلى مساجد القارّات الأُخرى، وقد جاء ترتيب فصول هذا الكتاب بما يشبه المسح الجغرافي المتزامن مع حركة دوران الشَّمس، حيث بدأنا بمساجد أقصى قارّة آسيا، وانتهينا بأقصى قارّة أوروبا، مروراً بجنوب وغرب وشرق آسيا وشبه القارّة الهنديّة ومناطق القوقاز والبلقان وشبه الجزيرة العربيّة والشَّق الأوسط وشمال أفريقيا، ثم واصلنا السّير باتجاه أوروبا حتى بلغنا المنطقة الاسكندنافية، لننهي رحلة الجزء الأول من هذا الكتاب في أقصى الشّمال البريطانيّ.
> هل في النيّة ترجمة كتابك إلى اللغة الإنجليزية ليطلع عليه القرّاء من أنحاء العالم؟
- نعم، هناك خطة لترجمة الكتاب إلى لغات عالمية عديدة من قِبل مركز اللغة العربية في أبوظبي، وهي الجهة التي نشرت هذا الكتاب والتي لولا جهودها الجبارة وحرصها على إظهار هذا الكتاب على أفضل حال لما خرج إلى النور، حيث حرصت إدارته على اختيار أفضل أنواع الورق وأفضل التصاميم الفنية واختارت لطباعته أهم المطابع في الدولة ليظهر بهذا الرونق الذي ظهر به. وهنا أوجه جزيل شكري للدكتور علي بن تميم، رئيس المركز، وسعيد حمدان الطنيجي، المدير التنفيذي، على جهودهما الجبارة لإخراج هذا الكتاب إلى النور.


مقالات ذات صلة

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

انطلقت، الجمعة، فعاليات «مهرجان الكُتّاب والقُرّاء» في نسخته الثالثة، وذلك في متنزه الردف بمحافظة الطائف (غرب السعودية)، تحت شعار «حضورك مكسب».

«الشرق الأوسط» (الطائف)
كتب هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا.

لطفية الدليمي

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟
TT

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا. هذه الميتة الناجزة تملك مسوّغاتها الكاملة، وليست محض تمنّيات منشودة أو رغبات متفلّتة. ربّما الكياسةُ وحدها هي التي دفعتني لأن أجعل العنوان بصيغة تساؤل يحتملُ التشكيك. أنا من جانبي لا أميلُ للتشكيك، بل لتعضيد فكرة موت الناقد الأدبي.

ربّما في دوائر صناعة الأدب الغربية بات واضحاً أنّ الناقد الأدبي مات، وإن لم يُصرّحْ بهذه الحقيقة، مثلما جرى التصريح بموت المؤلّف. المعضلة تكمنُ فينا؛ فالنقد الأدبي، كما يُمارَسُ في شكله التقليدي، ما زال يقاتِلُ من أجل الاحتفاظ بهالته السلطوية، كأنّما الزمن لم يتزحزحْ عن ستينات وسبعينات القرن الماضي، وكأنّما القرّاء لم يصبحوا شركاء كاملين في إنتاج المعنى، وكأنّما النصوص لم تتفلّتْ منذ زمن بعيد من يد الكاهن الذي يحتكرُ قراءتها وتفسيرها.

تقوم فكرةُ مداخلتي هذه على دحض القناعة الراسخة بأنّ الناقد الأدبي يمتلك سلطة مرجعية تُخوّلُهُ تحديد ما يُعدّ أدباً جيداً وما ليس كذلك. تلقّى القارئ العربيُّ، لعقود طويلة، خطاباً نقدياً يجعل من الناقد الأدبي حارساً للهيبة الأدبية، يستدعي معايير قديمة، ويُصدِرُ الأحكام، ويتصرّف كما لو أنّ ذائقته محمولةٌ على يقين معرفي لا يتزعزع. هذا الخطاب، إذا ما تعهّدناه بما يكفي من المُدارسة والتنقيب المعرفي، سننتهي إلى وضع اليد على هشاشته المؤكّدة؛ إذ يقوم على افتراضٍ غير معلن جوهرُهُ أنّ الناقد يمتلك موقعاً معرفياً أرفع من موقع القارئ العادي. هذا الافتراض ربما كان له شيءٌ من مقبولية في أزمان سابقة؛ لكنّه لم يَعُد اليوم مقبولاً في زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعّت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّبَ طويلاً.

يمكنُ عدّ الناقد الأدبي قارئاً بصوتٍ أعلى من القارئ العادي، وهذا الصوت العالي جاء من تمكين وسائل النشر وسلطة الذيوع الأكاديمي أو الصحافي. سيكون أمراً مشروعاً أن نتساءل: ما الذي يميّز الناقد الأدبي ويمنحُهُ عُلْوية ثقافية فوق القارئ؟ هل يمتلك أدوات قراءة تتمنّعُ عن أيُّ قارئ شغوف لا يحيدُ عن موارد الرصانة الفكرية؟ هل يحتكر الناقد الأدبيُّ مسافة من الفهم لا تُنالُ إلّا عبر طقسٍ سري؟ الجواب ببساطة: لا. الناقد الأدبيّ، مهما امتلك من معرفة، ليس سوى قارئ يشكّلُ رأيه تبعاً لمرجعياته الثقافية، وتربيته الجمالية، وميوله الشخصية، ومواقفه الآيديولوجية. رأيُ الناقد الأدبيّ ليس «حقيقة مكتشفة» بل «موقف مُنتَج أو مصنوع»، وإذا كان كذلك فلماذا نمنحه سلطة غير مسوّغة ليكون رقيباً ومبشّراً ونذيراً؟

القراءةُ ليست حقلاً يمكن لأحد أن يحتكر فيه «الصواب»، وكلّ محاولة لإضفاء صفة المرجعية المطلقة على الناقد الأدبيّ ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج سلطة المثقف التقليدي، ذلك الذي كان يتكلّم باسم الآخرين، ويُفكّر نيابة عنهم، ويصادرُ الحقّ الطبيعي للقُرّاء في أن يفهموا النصوص برُؤاهم الخاصة.

*****

يموت الناقد الأدبي اليوم لأنّ شروط وجوده القديمة تفسّخت: تغيّرت الوسائط، وتغيّرت طرق تلقّي الأدب، وتحوّلت القراءة من نشاط نخبوي ضيّق إلى ممارسة يومية واسعة. منصّات التواصل الاجتماعي وحدها كفيلةٌ بخلخلة سلطة ناقد أدبي كان يُحسَبُ كلامُهُ كأنّه «القول الفصل». اليوم، منشورٌ على منصّة تواصل اجتماعي قد يوجّهُ دفّة الاهتمام الأدبي أكثر مما يفعله مقالٌ نقدي مطوّل في مجلة ثقافية. هذه حقيقة لا يصحّ، ولن نستطيع، أن نتغافلها.

يموت الناقد الأدبي أيضاً لأنّ النصوص ذاتها تغيّرت: لم تعُدْ تُنتَجُ لتُقرأ بعينٍ واحدة بل بعيون كلّ قارئ. الأدب المعاصر -وبخاصّة في عصر السرد المتشظّي إلى ألوان أدائية عصية على التوصيف الدقيق- لم يَعُدْ يحتمل قارئاً واحداً يقرّر معناه تحت سلطة النقد الأدبي؛ بل يفرض تعدّدَ القراءات، وتفكّكَ سلطة المؤلّف، و«ديمقراطية التأويل». لك -إنْ شئت- أن تنفر من هذا الوضع وأن لا تطيقه؛ لكن لن يفيدك نفورُك في تغيير مسار العجلة.

من المثير تاريخياً أن نشير إلى حقيقة مغيّبة: حين أعلن رولان بارت موت المؤلف، كان يُشير إلى تفكّك سلطة المؤلّف المركزية داخل النص: سلطة المعنى. الجيل النقدي القديم قاوم هذه الفكرة بشراسة، لا لأنّه كان متيّماً بعشق المؤلّف؛ بل لأنّه أدرك -وإنْ من غير تصريح- أنّ موت المؤلف يعني أيضاً تخلخل أساس سلطته؛ فالناقد الأدبي الذي كان يستند في قراءته إلى سلطة المؤلف واعتباره خالقاً مركزياً للنص، وجد نفسه (أعني الناقد الأدبي) ليس أكثر من قارئ آخر، لا يحقّ له ادعاءُ امتلاك الحقيقة، بل تقديم قراءة من بين أعداد هائلة من القراءات الممكنة. هنا صار الناقد الأدبي أسير مساءلة مُرْهِقَة: كيف يمكن للناقد الأدبي أن يمضي في تعزيز سلطته وهو يفقد الموقع الاعتباري الذي يُشرعنُ وجودَهُ؟ وإذا كان المؤلف -بهيبته ورمزيته- قد مات؛ فكيف يظلُّ حيّاً مَن كان يتحدّث باسمه أو يتربّع على عرش تأويله أو يدور في مدارات صنائعه الإبداعيّة؟

موتُ الناقد الأدبيّ ليس ظاهرة منفردة مستقلّة؛ بل هو الوجه الآخر المتعشّقُ عضوياً مع موت المؤلّف، وكلاهما جزء من حركة ثقافية واسعة تُعيدُ تعريف السلطة داخل النص الأدبي. النصّ لم يَعُدْ «موقعاً يُدارُ من الأعلى»، بل «فضاءٌ مفتوحٌ يشارك في تشكيله القرّاء».

هل يعني موت الناقد الأدبي انتصار الرثاثة؟ سيدافع كثيرٌ من النُقّاد عن حصونهم، وهذا أمر متوقّع. سيدبّجون المقالات، ويُحاضرون، ويُسفّهون فكرة موتهم، وسيعتبرونها جزءاً من «انحطاط الذائقة العامّة». أعرف هذا تماماً. سيتحدّثون عن الفوضى، والانهيار، وسقوط المعايير؛ لكنّما العجلة دارت، وما مِنْ سبيلٍ لإيقافها. يبدو أمراً محتّماً أنّ الناقد الأدبيّ التقليدي يشرع في مقاربته الدفاعية من مواضعة، يراها راسخة، مفادُها أنّه كان دوماً المدافع الشرس عن الجودة الأدبية. التاريخ الأدبيّ مليء بالنقّاد الذين احتفوا بأعمال متواضعة وحاربوا نصوصاً عظيمة. هل آتي بأمثلة: الرفض النقدي الطويل لكافكا، واستقبال بودلير العاصف، والهجوم العنيف على نيتشه، والسخرية من شعراء الحداثة العرب في بداياتهم. ثمّ دارت الأيام دورتها وأعيد تقييمُ كلّ شيء.

لم يكن الناقد حارساً للجودة الأدبيّة، بقدر ما كان حارساً لذائقته الخاصة ولذيوع سطوته في الحلقات الثقافية. موت الناقد الأدبي لا يعني موت الذائقة، بل تحريرها. لا يعني سقوط معايير الجودة، بل تعدّدها. لا يعني شيوع الرثاثة، بل إزاحة الحاجز الذي كان يشكّلُ حائط صدّ أمام القرّاء يردعهم عن إثبات جدارتهم.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى كتاب «The Death of the Critic» للكاتب البريطاني رونان ماكدونالد (Ronan McDonald)، وهو عمل حديث نسبيّاً، نُشِر عام 2007، وتُرجِمَ إلى العربية عام 2014. هذا الكتاب أعاد بقوة طرح السؤال حول جدوى النقد الأدبي التقليدي.

يرى ماكدونالد أنّ سلطة الناقد تتآكل في ظلّ تعدّد الأصوات الثقافية وتحوّل القرّاء إلى مستهلكين/ منتجين للمعنى، وهو ما ينسجم تماماً مع واقعنا العربي والعالمي اليوم.

فضلاً عن ذلك يقدّمُ ماكدونالد في كتابه هذا قراءة عميقة لتحوّلات المؤسسة النقدية الأدبية في العصر الحديث، موضحاً كيف تراجعت سلطة الناقد التقليدي لصالح أصوات القرّاء، ووسائط الإعلام الجديدة، والمنصّات الرقمية التي منحت الجميع حقّ التعبير عن رأيهم في النصوص الأدبية. يرى ماكدونالد أنّ النقد لم يَمُتْ بوصفه ممارسة فكرية؛ بل ماتت سلطته القديمة التي كانت تجعل منه مرجعية أولى للحُكْم على القيمة الأدبية. الكتاب يكشف تعاظم «ديمقراطية القراءة»، ويرصد صعود أشكال جديدة من التلقّي تُقصي الناقد الأدبي الكلاسيكي من موقعه الكهنوتي.

*****

المُشْتَغِل الثقافي (Cultural Worker) هو العنوان الأكثر مقبولية وملاءمة لعصرنا من عنوان الناقد الأدبي، ويبدو أكثر تلاؤماً مع تاريخ التطوّر الطبيعي والثقافي. المشتغل الثقافي يتحرّكُ في فضاء أوسع من حدود النص ومرجعياته الجمالية الكلاسيكية، ويمتدُّ في وسائله التشريحية إلى قراءة سياق إنتاج العمل الثقافي، لا الأدبي فحسب، وأنماط تلقّيه، وصِلاتِهِ بالبنى الاجتماعية والسياسية والمعرفية. فضلاً عن ذلك في استطاعة «المشتغل الثقافي» تقديمُ قراءة مركّبة، بعيداً عن مرجعيات سلطوية مفترضة أو متوقّعة، تعيدُ إطلاق حيوية الأدب كتيّار في الثقافة البشرية هو أبعد ما يمكن عن نمط التمارين الأكاديمية المعزولة عن الحراك العالمي في كلّ ألوانه.

ما الذي يبقى بعد موت الناقد الأدبي؟ يبقى القارئ الشغوف، ويبقى النصّ الخلّاق، ويبقى الاشتغال الثقافي الحيوي، ويبقى الحوار المفتوح الذي لا يحتاج رمزيّة كهنوتية سلطوية مغلقة كي تُشَرْعِنَهُ.


لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟
TT

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي هي في جوهرها معركة ثقافية تتعلق بتزييف الوعي العام وخداع الجماهير العريضة عبر «شعارات زائفة وأفكار مغلوطة» تبثها دوائر رأسمالية تستهدف تحقيق أرباح خرافية على حساب سلامة كوكب الأرض وموارده، دون أن تبدو هى في الصورة نهائياً.

ويقول أرنو توريا كلوتييه وفردريك لوغو وآلان سافار في الكتاب، الذي ترجمته أماني مصطفى، إن جميع من في العالم أصبحوا من أصحاب «التوجه الأخضر» بما في ذلك شركتا «كوكاكولا» و«توتال» على نحو يوحي أن البيئة هي «الفطرة السليمة الجديدة» وأننا يجب أن نسعد بهذا، لكن الحقيقة على عكس ذلك.

إن لديهم أسباباً وجيهة للقلق؛ فإذا كان الجميع ذوي توجه أخضر، فكيف نبرر الكارثة البيئية وتوابعها حيث تعاني الإنسانية بالفعل من عنف الاضطرابات المناخية، مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات والأعاصير المدمرة؟ البيئة هي ساحة معركة ثقافية بالأساس، ففيها نجد حلفاء حقيقيين ولكننا نجد أيضاً أعداء شرسين، والمدهش أنه حتى المرتزقة، عديمو الرحمة، يتخفون وراء شعارات نبيلة يأتي في مقدمتها اللون الأخضر.

ويوضح العلماء الثلاثة أن البيئة ليست مسألة بسيطة تتعلق بقناعات أخلاقية أو سياسية، كما أنها وقبل كل شيء نتاج القيود الاقتصادية تلك المفروضة على معظمنا للعمل لمصلحة شركة كبيرة ملوثة للبيئة، أو استخدام سيارة للذهاب إلى العمل أو شراء أغذية غير عضوية لأنها أرخص، أو المعاناة من التلوث الناتج عن منجم أو ازدحام السيارات أو الإسراف في استخدام الطاقة لتدفئة المساكن السيئة العزل، بل أيضاً القيود المفروضة على معظم الشركات لخفض التكاليف عن طريق زيادة التلوث وتحقيق الأرباح، والتميز في المنافسة من خلال إغفال هذه القيود وكيفية تطبيقها بلا مساواة، ومن ثم قد ينتهي بنا الأمر إلى الاعتقاد بأننا جميعاً في القارب نفسه. هذا الوهم جميل بقدر ما هو خطير.

إن المصدر الرئيس للأزمة البيئية هو أننا نستهلك كثيراً، فإذا تمكنا من استهلاك ما هو ضروري فقط لتلبية احتياجاتنا واستهلكنا بطريقة أكثر ذكاء فسوف نتمكن من حل الأزمة البيئية. يجري هذا الكلام على لسان الجميع إلى درجة أنه يصعب علينا أحياناً التخلص من الشعور بالذنب إزاء إقدامنا على شراء ملابس جديدة، فهم يودون أن يضعوا كل ثقل خيارات الاستهلاك على عاتق المستهلكين وحدهم كأفراد يتمتعون بسلطة شرائية معينة وليس لكونهم مواطنات ومواطنين يتمتعون أيضاً بسلطة اجتماعية.

ويلفت العلماء إلى أنه في جوهر هذه الحجة تكمن فكرة تفترض أن المستهلك ستكون لديه السلطة والسيادة أو حتى السيطرة الكاملة على الاقتصاد، حيث يقال لنا إن الشراء اختيار، فالشركات بعد كل شيء تخدم فقط احتياجات المستهلكين، أليس كذلك؟

من وجهة نظر أخلاقية يمكن أن تمتد مسؤولية المستهلك قدر الإمكان إلى المعلومات والسلطة الشرائية التي يمتلكها، لكن من المغالطة والتضليل تحميلنا نحن المستهلكين العاديين مسؤولية انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بإنتاج القلم الذي نشتريه لأمر مضلل لأنه من المستحيل في أغلب الأحيان معرفة الانبعاثات الناتجة عن إنتاجه، فضلاً عن الظروف البيئية والاجتماعية التي أنتج فيها. وقبل كل شيء فإنه من المستحيل أيضاً ممارسة سيطرة حقيقية على هذا الإنتاج فتظل هذه المعلومات وهذه السلطة في الأساس ملكاً للشركة، إذ يكون الزبون بعيداً جداً عن أن يكون المالك.

والمؤكد أن الاستهلاك ليس بالضرورة عملاً من أعمال الحرية، ففي أميركا الشمالية أصبح شراء سيارة ضرورة في بيئة تهيمن عليها الطرق السريعة والضواحي دون وجود شبكة نقل عام كبيرة، ففي ثلاثينات القرن العشرين قلصت شركات «ستاندرد أويل» و«جنرال موتورز» و«فايرستون» للإطارات خيارات النقل بشدة بعد شراء شبكة النقل العام للترام الكهربائي وتفكيكها في 45 مدينة بالولايات المتحدة. وهو ما يثبت أن الخضوع لقرارات عدد قليل من الشركات الكبرى ليس بالأمر النادر بل إنه اتجاه قوي في السوق يفضل تركيز رؤوس الأموال ومركزيتها من خلال السباق المستمر لتحقيق الأرباح.

كما أن جزءاً لا بأس به من انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة باستهلاكنا غير مرغوب فيها بقدر ما هي مقيدة، خاصة بالنسبة للفئات الأشد فقراً، حيث يفرض تنظيم الساحات والنقل على أعضائه استخدام السيارة للوصول إلى أعمالهم خاصة إذا كانوا يعيشون خارج المراكز الرئيسة، كما أن الدخل المحدود يجبر هذه الأسرة الفقيرة أو تلك على اختيار طراز سيارة اقتصادي وهي ليست بالضرورة الأكثر صداقة للبيئة.

وخلافاً للفرد الثري الذي يسافر عدة مرات في السنة بالطائرة، فإن الانبعاثات الصادرة عن الأشخاص الأقل حظاً ليست من باب الرفاهية، لكنها في كثير من الأحيان ضرورة في الواقع، فمن يستطيع شراء سيارة كهربائية اليوم حيث تتطلب نفقات مرتفعة للغاية؟ لا يمكننا أيضاً إلقاء اللوم على أفراد هذه الأسرة لعدم شراء المنتجات العضوية عندما تكون خارج ميزانيتهم في ظل خضوع المواد الغذائية لديناميكيات السوق التي تهيمن عليها الشركات الكبرى.

ويخلص العلماء الثلاثة إلى أنه بالطريقة نفسها فإن الأسر ذات الدخل المنخفض التي تكون من فئة المستأجرين عموماً نادراً ما تتحكم في تدفئة منازلها وتضطر أحياناً إلى التعاون مع أنظمة التدفئة الملوثة التي تعمل بالمازوت أو الغاز.

وفي كثير من الأحيان تكون مبانيها معزولة عزلاً سيئاً، فضلاً عن أنه نادراً ما يكون من الممكن لها اختيار شركة الكهرباء التي قد تعمل بالفحم أو الغاز، كما يمكن أن تؤدي معايير البناء المطبقة حالياً أيضاً إلى ارتفاع استهلاك الطاقة.


شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى
TT

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

عبر 21 نصاً مشحوناً بالمشاعر والمفارقات الإنسانية، ترسم الكاتبة المصرية نرمين دميس عالماً من الأسى أبطاله أبطال مهزومون، ومصائر عنوانها العريض العزلة والدموع الصامتة، وذلك في مجموعتها القصصية «صندوق أرابيسك» الصادرة أخيراً في القاهرة عن دار «الأدهم».

فضلاً عن أن النصوص تطمح في مجملها لأن تكون لسان حال الشخصيات الصامتة، معبرةً عن أحلامها وصدماتها الدفينة التي يبدو أنها استقرت في «صندوق» مغلق لم يعد بإمكان أحد أن يطلع عليه، وما يزيد الأمر صعوبة وتعقيداً هو أن تلك الشخصيات أدمنت السكوت واعتادت التجاهل من الآخرين، حتى أصبحت العزلة خيارها المفضل على طريقة «مجبر أخاك لا بطل».

على هذه الخلفية، تتعدد النماذج المثيرة للتأمل بين دفتي المجموعة مثل العجوز البسيطة ذات الملابس المهترئة التي تريد أن تصبح واحدة من «حفيدات السندريلا»، والأب الذي يشعر بالعجز وهو يطالع عبر واجهات المحال أسعار الملابس الضرورية لابنته، فضلاً عن البيت الذي يتحول إلى سجن، والمطر الذي يطلق طاقة تحرر داخلية والخوف الذي يصبح إدماناً والدموع التي تصدر عن شخص يحترف مهنة إسعاد الآخرين.

تتعدد التقنيات السردية في المجموعة ومنها «الأنسنة»، أي خلع صفات إنسانية على الأشياء والجمادات، واعتماد المراسلات كأداة لعرض الحدث، فضلاً عن اللجوء إلى التصوير الفانتازي الذي يتجاوز حدود العقل والمنطق ليسبح في حالة شعورية من الانطلاق.

ويبدو أن اسم المجموعة «صندوق أرابيسك» يكتسب دلالته ورمزيته من حالة التعقيد والتشابك، كما في فن الأرابيسك، التي تعكس واحدة من تجليات النفس البشرية والقصص المتداخلة داخل المجموعة، وكذلك حالة التكتم والسرية لهواجس الإنسان المؤلمة التي لا تظهر لنا لأنها استقرت داخل صناديق مزخرفة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«وسط ظلام ليلة عاصفة تنازل فيها القمر عن عرش السماء، وقفت وحيدة مذعورة يلفها الصقيع ويتسلل إلى داخلها، يزلزلها، يكاد يقتلعها من مكانها، تحاول التشبث بالفراغ من حولها فلا يغيثها، تخور قواها وتخمد مقاومتها وتتساءل... كيف تبدل حالها هكذا ما بين عشية وضحاها؟ بالأمس القريب، كانت تستيقظ على زقزقة العصافير وعبير الأزهار، تؤنسها ضحكات الأطفال، تتردد أصداؤها في الفضاء الفسيح، يعانقونها ويختبئون خلف جسدها فتبادلهم العناق كأم حنون. كم من أسرار حفظتها وأطبقت عليها بين الضلوع، لطالما لاذ بها المتعب حتى يستريح، الجائع حتى يشبع، والظمآن حتى يرتوي، شاركت الأحباب أوج الغرام ودمعت معهم لحظة الفراق.

كانت جميلة فتية، لا تكسرها ريح ولا يسكن قلبها برد، تتدثر بردائها الأخضر النضر وأنفاس ساكنيه الدافئة في أعشاشها، تستمتع بزخات السماء، تمنحها سر الحياة. أما اليوم فزال عنها الرداء، وهجرها الأحباب، صارت قاحلة المحيا بذراعين مصلوبتين تستميتان من أجل البقاء، يمزق نياط قلبها إعراض الناس عنها حتى أصبحت كيتيمة تفتقد السكن والونس، تقتلها نظرات التجاهل تلك، يكاد صراخها المكتوم يشق عنان السماء هاتفاً:

- ما زلت على قيد الحياة، لم أمت بعد!».