محمد الشرفي... كان يريد إحلال فلاسفة الأنوار العرب محل الظلاميين

على هامش كتاب وزير التربية والتعليم العالي السابق في تونس

محمد الشرفي... كان يريد إحلال فلاسفة الأنوار العرب محل الظلاميين
TT

محمد الشرفي... كان يريد إحلال فلاسفة الأنوار العرب محل الظلاميين

محمد الشرفي... كان يريد إحلال فلاسفة الأنوار العرب محل الظلاميين

هل الدكتور محمد الشرفي هو طه حسين تونس؟ إلى حد ما، بل وإلى حد كبير. فقد كان وزيراً للتعليم في تونس مثلما كان عميد الأدب العربي وزيراً للمعارف في مصر. وكلاهما جدد مناهج التعليم بشكل غير مسبوق. كلاهما كان عقلانياً تنويرياً تقدمياً، لا غيبياً خرافياً أصولياً. بل وإن محمد الشرفي مارس مهنة الوزارة لفترة أطول بكثير من طه حسين... عندما اقترح عليه الرئيس السابق زين العابدين بن علي هذه الوزارة لم يتردد لحظة واحدة. ولكنه يقول في كتابه القيم هذا لو أنه اقترح عليه أي وزارة أخرى لكان جوابه بالرفض القاطع. يقول ما معناه: في شهر سبتمبر (أيلول) 1988 اتصلت بي رئاسة الجمهورية هاتفياً وأبلغتني بأن الرئيس يرغب في مقابلتي بصفتي رئيساً لـ«الجمعية التونسية لحقوق الإنسان». فأعجبتني المبادرة وثمّنتها، أقول ذلك وبخاصة أني لم أطلب شيئاً من الرئيس وأنه هو الذي بادر بالاتصال وطلب رؤيتي وليس العكس. وعندما التقيته في قصر قرطاج استنفدنا الموضوع المطروح في ربع ساعة فقط. وعندئذ قال له الرئيس «عندي وقت إضافي لك إذا شئت. فهل تقترح علينا إجراء إصلاحات معينة في تونس وفي أي قطاع؟ نريد أن نستفيد من خبراتك لخدمة الصالح العام». فأجابه محمد الشرفي «نعم، عندي اقتراح يخص نظام التعليم. إنه في حاجة إلى إصلاحات عاجلة أو مستعجلة. فمستوى التعليم التونسي انخفض، والتوجه العام للتعليم تقليدي رجعي، هذا في حين أن توجه الدولة التونسية حداثي تقدمي. وعندئذ بدأ الرئيس مهتماً للغاية بكلامي هذا، فطلب مني إرسال تقرير مفصل له عن الموضوع. ولم يكن يخطر على بالي إطلاقاً أنه بعد قراءة التقرير سوف يعرض عليّ الوزارة شخصياً. ولكن هذا ما حصل». قال له بما معناه: مَن أفضل منك لتطبيق هذا البرنامج الإصلاحي التنويري الذي رسمت أنت شخصياً خطوطه العريضة؟ خير البر عاجله. وبالفعل، فهذا ما كان. على هذا النحو اقترح عليه رئيس الجمهورية منصب وزير التربية والتعليم لتطبيق الإصلاحات الضرورية المنشودة. فقبِل الرجل على الفور وابتدأت مغامرته الوزارية التي استمرت خمس سنوات وخمسين يوماً بالتمام والكمال على رأس الوزارة.
ماذا نستنتج من هذا الكلام؟ نستنتج أن زين العابدين بن علي كان رجلاً طيباً شهماً حريصاً على نهضة تونس على الأقل في السنوات العشر الأولى من عهده. بعدئذ ابتدأ الانغلاق والاستبداد وحكم العائلة والمحسوبيات، ولكن ليس قبل ذلك. ونستنتج أنه كان ذا توجه تنويري على عكس ما حصل بعد يناير (كانون الثاني) 2011، وذلك الربيع المزعوم والمشؤوم للغنوشي والإخوان المسلمين الذين حاولوا إعادة عقارب الساعة إلى الوراء لكي يصبح التوجه العام للتعليم التونسي أصولياً ظلامياً. هذه أشياء ينبغي أن تقال الآن بعد كل ذلك الضجيج والعجيج لكي نعيد الحقائق إلى نصابها.
ثم يستعرض الدكتور الشرفي الإشكالية العامة على النحو التالي: ينبغي أن تكون المدرسة في حالة تساوق وانسجام مع حالة المجتمع لكي تتمكن من دمج الطفل بسهولة في وسطه وبيئته. هذا ما تفعله معظم المدارس في كل البلدان ما عدا في العالمين العربي الإسلامي. ففي معظم بلدان الإسلام نلاحظ أن المجتمع يتحرك ويتحلحل ويتطور ولكن المدرسة لا تتطور وإنما تظل رهينة عقليات تعود إلى ألف سنة إلى الوراء! منذ قرن ونصف القرن استشعر المسلمون تأخرهم قياساً إلى أوروبا وحاولوا استدراك الوضع. وبالفعل، فقد نجحوا في ذلك على المستوى الكمي، حيث تكاثر إنشاء المدارس والجامعات ومعاهد التعليم في مختلف البلدان. ولكن ليس على المستوى النوعي. هنا لم يتغير شيء يذكر. بمعنى أن العقلية التراثية التقليدية الجامدة ظلت سائدة ومسيطرة على برامج التعليم. فبما أن المسؤولين في البلدان العربية والإسلامية كانوا يخشون من المس بالمواضيع المحرمة؛ فإنهم رفضوا إدخال أي إصلاح على مادة التربية الدينية في المدارس وكذلك مادة التاريخ.
ثم يضرب المفكر التونسي الشهير الأمثلة التالية على ذلك: في المدرسة يتعلم الطالب أن المجتمع المثالي هو ذلك المجتمع الذي تكون فيه المرأة سجينة البيت. ولكنه يكتشف فيما بعد أن المرأة تحررت ولم تعد سجينة بيتها كما كان الحال قبل خمسين سنة أو مائة سنة مثل أمها وجدتها. لقد انطلقت المرأة التونسية والعربية عموماً وخرجت من القوقعة، وأصبحت تحتل المراكز والوظائف المرموقة في المجالات كافة كالرجل تقريباً. وفي المدرسة يعلمون التلميذ أن الربا حرام. ولكنه يكتشف لاحقاً أن كل النظام المصرفي الحديث يعتمد على نظام الفائدة. وفي المدرسة يعلمون التلميذ أن النظام السياسي الشرعي الوحيد هو نظام الخلافة، حيث يهيمن رجال الدين المتعلقون بالفقه القديم القائل بضرورة تطبيق الحدود البدنية كحد الجلد، وحد الرجم، وقطع يد السارق... إلخ، ولكن هذا التلميذ التونسي يكتشف لاحقاً أن هذه الحدود المرعبة عصية على التنفيذ وأن النظام السياسي أصبح عصرياً حداثياً يرفض تطبيقها. فالقانون التجاري وقانون العقوبات وقانون الأحوال الشخصية كل ذلك تغير وتجدد، وبخاصة في تونس رائدة الحداثة في العالم العربي منذ أيام بورقيبة. وبالتالي، فالمدرسة تعلمك شيئاً والدولة تعلمك شيئاً آخر. وعلى هذا النحو ننتج مواطنين شيزوفرينيين منفصمي الشخصية. لهذا السبب ينبغي إصلاح مناهج التعليم وتحديثها جذرياً.

- الصدام مع الإخوان المسلمين
يقول لنا الدكتور محمد الشرفي ما فحواه: منذ اليوم الأول لتسلمه مهامه على رأس وزارة التربية والتعليم اصطدم بمعادة الإسلاميين أو بالأحرى الإسلامويين له. وقد عبر راشد الغنوشي عن هذا الموقف المعادي للوزير الجديد وإصلاحاته التنويرية في تصريحاته المختلفة إلى الصحافة آنذاك. وكذلك فعل اتحاد الطلاب التونسيين التابع للأصوليين. نقول ذلك على الرغم من أن الوزير الشرفي فتح صدره لهم منذ البداية وقال لهم بأنه مستعد للحوار معهم. فهو ذو تربية إسلامية بل وتقليدية أصولية أيضاً! ولكنه تغير وتطور لاحقاً. وهذه هي حالة طه حسين أيضاً ومعظم التنويريين العرب. هنا يخصص المؤلف صفحات شيقة للتحدث عن والده وعائلته وتربيته العربية الإسلامية العريقة في مدينة صفاقس عاصمة الجنوب التونسي. وقد استمتعت بقراءتها كثيراً وذكرتني بأجواء الطفولة. ولكن الشيء الذي أدهش الوزير وصدمه هو أن الأزمة الكبرى الأولى لم تحصل مع جماعة الغنوشي والإسلام السياسي بالضبط، وإنما مع جماعة الإسلام الرسمي التابعين للدولة والمشرفين على وزارة الشؤون الدينية. وهم الذين يعلنون تأييدهم للرئيس والنظام على رؤوس الأشهاد. ولكن هنا نحب أن نطرح هذا السؤال على الدكتور الشرفي: ما الفرق بينهما يا سيدي؟ الإسلام الرسمي المؤيد للنظام والإسلام السياسي المعارض له شيء واحد في نهاية المطاف: نقصد بأنهما يحملان ذات العقلية وذات الأفكار. وبالتالي، فلا يوجد هنا أي شيء يدعو للاستغراب أو للدهشة. على أي حال لقد هاجوا في وجهه وماجوا عندما قرر حذف كتابين كانا مقررين للتربية الدينية. وهما كتابان رجعيان يقولان بأن النظام الشرعي الوحيد هو نظام الخلافة القديم على الطريقة العثمانية البائدة. كما ويقولان بأن للرجل الحق في ضرب زوجته. كما ويدعوان إلى حذف كتب جان بول سارتر ومنعها باعتبار أنها مؤلفات شخص كافر. ولكن الوزير قال لهم بأن سارتر دافع عن استقلال الجزائر وعرض نفسه للخطر بسبب ذلك. ولم تقنعهم الحجة فطالبوا ليس فقط بمنعه وإنما أيضاً بمنع كتب جميع فلاسفة التنوير والحداثة من أمثال فولتير وجان جاك روسو وكانط... إلخ. وهكذا ابتدأت معركته التنويرية مع الظلاميين من أول يوم. ولكن لحسن الحظ، فإن رئيس الوزراء الهادي بكوش وقف إلى جانبه ضد وزير الشؤون الدينية. والأهم من ذلك كله أن الرئيس بن علي شخصياً وقف إلى جانبه بكل قوة ضد التيار الظلامي الرجعي المهيمن على الساحة وبرامج التعليم.
ثم يخلص الدكتور الشرفي في نهاية المطاف إلى تسجيل الملاحظة المهمة التالية: في الواقع أن الإسلام الرسمي والإسلام المعارض يتواصلان مع بعضهما بعضاً على طريقة الأواني المستطرقة. فالإسلام الرسمي من شيوخ جوامع ومفتين رسميين ورجال دين تابعين للدولة هم الذين يدجنون التلاميذ تدجيناً ويحشون رؤوسهم بالأفكار الخرافية الأصولية القديمة. وأما الإسلام السياسي المعارض فيستغل ذات الأفكار لتهييج الناس في الشوارع ضد الدولة والنظام. وبالتالي، فعمل هذا التيار يكمل عمل التيار الآخر ولا يتعارض معه أبداً.
كيف يتعارض معه وهما يحملان نفس العقيدة الكهنوتية أي نفس الفهم الظلامي المغلق للإسلام؟ ولهذا السبب راح كلاهما يرفضان إصلاحات الوزير الشرفي الداعية إلى التخلي عن عقلية التزمت والتكفير والإكراه في الدين. وكذلك الداعية إلى التخلي عن تعدد الزوجات، والطلاق التعسفي، وضرب الزوجة وتطبيق الحدود البدنية المرعبة. على هذا النحو اندلعت المعركة الكبرى بين الدكتور محمد الشرفي من جهة، وجماعة الغنوشي والإخوان المسلمين عموماً من جهة أخرى. وهي الجماعة المدعوة زوراً وبهتاناً باسم: النهضة! يخيل إلي أن محمد الشرفي كان يريد إحلال فلاسفة الأنوار العرب محل جهابذة الأصولية الظلامية. كان يريد إحلال الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد، وابن باجة، وابن الطفيل، وطه حسين، وعباس محمود العقاد، ومحمد أركون... إلخ، محل حسن البنا وسيد قطب ومحمد قطب وعشرات غيرهم. ولو نجح في ذلك لما «أتحفنا» مؤخراً بكل هذه الأجيال الداعشية الدموية.


مقالات ذات صلة

«الدحو» فيلم إثارة على الشاشة؟

ثقافة وفنون مشهد من فيلم "متحف البراءة" المستوحى من رواية بالعنوان نفسه لأورهان باموق

«الدحو» فيلم إثارة على الشاشة؟

«الدحو»، هي الرواية الثانية للروائي السعودي عبد الله بن بخيت، الصادرة عن دار «جداول» للنشر والترجمة، 2012.

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون «عرضحال بغدادي»... رثاء بغداد المعاصرة

«عرضحال بغدادي»... رثاء بغداد المعاصرة

لا تبدو مجموعة «عرضحال بغدادي» لخضير فليح الزيدي، مجموعة قصصية تقليدية تضم نصوصاً مستقلة، بقدر ما تبدو روايةً مفتتة الأجزاء تتعدد فيها الوجوه

بشرى الهلالي
كتب هما كاتوزيان

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية...

ندى حطيط
كتب معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

في عام 1838، أصدر والي مصر والسودان محمد علي باشا أمراً إلى حكمدار السودان يطلب منه الكف عن منح العبيد والجواري إلى الجنود كمرتبات وهدايا

رشا أحمد (القاهرة)
كتب رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان...

«الشرق الأوسط» (دمشق)

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان
TT

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية التي انتهت إلى ثورة عام 1979 عبر منظور يربط بين هشاشة البنى المؤسسية والنزوع السلطوي المتعاقب، متجاوزاً الطرح الاختزالي الذي يرى في أحداث تلك الحقبة مجرد صعود فجائي للتيار الديني، ليُقدِّم بدلاً من ذلك أطروحةً سوسيولوجيةً ونفسيةً معقدةً تبحث في جذور الانقطاع التاريخي والمفهوم المثير للجدل الذي يسميه «المجتمع قصير المدى».

تُستمَد القوة النظرية للكتاب من التقاطه الأوهام البنيوية المشتركة بين الأنظمة الشمولية المختلفة، مبيناً كيف تلتقي راديكالية الدولة مع الراديكالية الآيديولوجية المعارضة في نقطة إنكار الواقع المجتمعي، ومبرزاً التناقض الجوهري بين رغبة السلطات المتعاقبة في الضبط المطلق، ونزوع المجتمع الطبيعي نحو التَّعدُّد والتشظي خارج أطر التوجيه القسري.

يتتبع كاتوزيان بكفاءة عالية، وعبر لغة تجمع بين التجريد الفلسفي والتوثيق التاريخي، فترات التَّحوُّل الكبرى في التاريخ الإيراني الحديث بدءاً من سقوط رضا شاه عام 1941، مروراً بالانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953، وصولاً إلى اللحظة الشمولية - المستمرة - التي توجت أحداث السبعينات.

وفي تفكيكه لـ«الثورة البيضاء» التي قادها الشاه محمد رضا بهلوي، يُحدِّد المفارقة في أنَّ التحديث المادي المفروض من الأعلى، والمتمثِّل في شَقِّ الطرق وبناء الجامعات وتطوير الجيش، واكبه تجريفٌ كاملٌ للمؤسسات السياسية القادرة على استيعاب التعددية، وهضم قنوات التعبير الشرعية.

ينكشف للمتأمل في فصول الكتاب منطق التفسير الفلسفي لظاهرة الاستبداد، حيث يؤصل لفكرة أنَّ السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها السريع بفعل العزلة النفسية التي تفرضها على الحاكم، ويصف كيف أدَّى سلوك الدولة البهلوية القائم على التسيير الأحادي والاعتماد على جهاز «السافاك» إلى نشوء قطيعة شعورية ونفسية هائلة بين الحكم والناس، لدرجة جعلت المجتمع يرفض الاعتراف بأي منجز مادي تُقدِّمه له السلطة.

يتيح هذا المنظور للقارئ فهم الثورة في 1979 بوصفها انفجاراً مجتمعياً شاملاً شاركت فيه القوى الليبرالية واليسارية والقومية جنباً إلى جنب مع رجال الدين، حيث توحَّدت هذه الأطياف المتناقضة على هدف هدم البنية القائمة، غافلة في الوقت ذاته عن طبيعة البديل المقبل ومآلات التمرُّد الأعزل عن الوعي المؤسسي.

يتجلى عمق التحليل عند مناقشة التداعيات الدولية والإقليمية التي أعقبت لحظة التحول الشاملة، خصوصاً حادثة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية التي يصفها المؤلف بالحدث الكارثي الذي دفع بالبلاد نحو عزلة دولية خانقة وعزَّز من قبضة الراديكالية الدينية في الداخل، ويوثق الكيفية التي استغلت بها السلطة الجديدة هذا المناخ الاستثنائي، مضافاً إليه ظرف الحرب الطويلة مع العراق، لفرض عملية أسلمة قسرية وشاملة للحياة العامة وتطهير المؤسسات من العناصر غير المتماهية مع الآيديولوجيا الرسمية.

هذه القراءة الفلسفية لطبيعة السلطة الثورية تكشف كيف يتحوَّل التمرد على الطغيان، في غياب أطر قانونية راسخة، إلى صياغة طغيان جديد يستعير أدوات القمع السابقة ويغلفها بقداسة غيبية، ما يؤدي بالضرورة إلى إعادة إنتاج الاستبداد بمسوغات ميتافيزيقية أشد وطأة على الوعي الفردي والجمعي.

تتبدى في المقابل جوانب ضعف منهجية واضحة تحد من قدرة هذا العمل على تقديم دليل موضوعي مطلق لفهم الراهن الإيراني. إذ يسقط المؤلف في فخ الانحياز الفكري المسبق عند معالجته السياسة الخارجية المعاصرة للجمهورية الإسلامية، حيث يتجلى في ثنايا تحليله ميل لتحميل القوى الخارجية المسؤولية الكاملة عن تعثر المساعي الدبلوماسية وأزمات الشرق الأوسط، مغفلاً الدور البنيوي للآيديولوجيا التوسعية للنظام نفسه. هذا الخلل في التوازن التحليلي يضعف من رصانة الأطروحة الفلسفية حول المسؤولية السياسية والمجتمعية، ويجعل القراءة السياسية للأحداث الأخيرة تبدو مفتقرة إلى الحياد الأكاديمي الصارم، متغافلة عن حقيقة أن التطرف يغذي بعضه بعضاً في حلقة مفرغة من العنف المتبادل والصراع على مجالات النفوذ الحيوي.

يؤخذ على الكتاب كذلك وقوعه في التعميم التاريخي المفرط من خلال تمديد مفهوم «المجتمع قصير المدى» - وهي النظرية التي يستخدمها المؤلف لوصف تكرار هدم البناء المؤسسي بالكامل، ثم إعادة تشييده من جديد على نحو يمنع تراكم الإنجاز القومي - ليشمل فترات التحول الكبرى كافة في إیران. وبينما يبدو هذا المفهوم فلسفياً وجذاباً من الناحية النظرية، فإنَّه يتناسى الخصائص الفريدة والتعقيدات السوسيولوجية التي ميَّزت كل حقبة على حدة، كاختلاف الديناميات بين الثورة الدستورية الإيرانية عام 1906 وثورة 1979. يضاف إلى ذلك اختزال دور الثقافة الشيعية العميقة التي شكلت الوجدان الشعبي الثائر، والتركيز الزائد على سردية المجموعات السياسية الهامشية بدلاً من تشريح اللحظة الثورية ذاتها.

مع ذلك، كتاب كاتوزيان وثيقة فكرية بالغة الأهمية تحفز على التفكير النقدي في مصائر الأمم التي تعيش تحت وطأة التجاذب بين التحديث السطحي والأصالة المنغلقة، وبين المطرقة والسندان في صراع الآيديولوجيات المتطرفة.

وينجح العمل في إثبات أنَّ الشرعية السياسية قيمة معنوية تولد من رحم العقد الاجتماعي الحقيقي، ويستحيل تصنيعها عبر القوة العسكرية أو فرضها بواسطة الأجهزة الأمنية. لذلك فالإضافة الأساس لهذي المراجعة التاريخية تكمن في التذكير بأن الصراع المستمر في إيران، والذي يتجسد في الاحتجاجات الشعبية المتكررة وحركات الرفض المتصاعدة، هو في جوهره كفاح طويل من أجل استعادة المجتمع صوته الذاتي، وإجبار الدولة على الخضوع لمنطق المساءلة الإنسانية والقانونية، بعيداً عن أوهام الخلاص الثوري الزائف.


معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر
TT

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

في عام 1838، أصدر والي مصر والسودان محمد علي باشا أمراً إلى حكمدار السودان يطلب منه الكف عن منح العبيد والجواري إلى الجنود كمرتبات وهدايا، كما أمر بإطلاق سراح نحو 500 من العبيد الذين أسرهم أحمد باشا أبو ودان، حكمدار السودان، وأمر بإنشاء مستعمرة زراعية على النيل الأزرق لإيجاد عمل مناسب لمن لم يستطع من هؤلاء العبيد العودة إلى بلاده الأصلية.

هذا ما يرصده الباحث ناجي غابة في كتابه «الرق ومقاومته في مصر في القرن التاسع عشر»، الصادر عن «دار العربي» في القاهرة، إلا أنه يذكر أنه من الواضح أن «الباشا» لم يقتنع على الإطلاق بإلغاء تجارة الرقيق لما سوف ينتج عن ذلك من مشكلات لمشروعه التنموي، وسيُحرم من مورد مالي مهم يتمثل في الجمارك المفروضة على العبيد المجلوبين من السودان.

ومع وصول سعيد باشا للسلطة في مصر عام 1853، تبدلت الأمور، حيث يعتبر سعيد أول حاكم مصري يفرض حظراً جاداً على هذه التجارة، إذ أصدر أمراً إلى المفتش العام للوجه القبلي في ديسمبر (كانون الأول) 1854 بمنع دخول العبيد إلى مصر من السودان، كما صدرت أوامر أخرى مشابهة إلى كثير من المديريات والمحافظات، وكذلك إلى جمرك أسوان وإلى ديوان المالية.

نصت هذه الأوامر على إعادة من يرد إلى مصر من السودانيين بغرض البيع ذكوراً أو إناثاً إلى بلادهم مع تدشين ما سُمي بالبوليس النهري في السودان للتأكد من خلو السفن من الرقيق المجلوبين لمصر وإنشاء نقطة تفتيش عند «فاشودة» كانت مهمتها تفتيش كل المراكب الآتية إلى النيل الأبيض والاستيلاء على أي رقيق مهرب.

لم تهتم إنجلترا على المستويين الرسمي والشعبي بالموضوع، حيث كانت مشغولة بقضية إلغاء الرق في أميركا التي كانت تمر بمرحلة حرجة وحاسمة في تلك الفترة. أما السلطان العثماني فقد بدأ من جانبه فرض حظر على هذه التجارة في فبراير (شباط) 1857، وعلى أثرها أرسل فرماناً لسعيد باشا يعلمه بوجوب إلغاء هذه التجارة، ومنعها منعاً مطلقاً، وتنفيذ ذلك خلال مهلة أقصاها ستة أسابيع، وأنه بعد انقضاء هذه المهلة فإن الرقيق المجلوب إلى مصر يطلق سراحه ويعاد لبلاده.

وأوضح أنه إذا قام «الجلاب» بإحضار رقيق مرة ثانية يعاقب بالسجن لمدة سنة، وإذا تكرر منه ذلك تُرفع العقوبة إلى الحبس لمدة سنتين. ومنح هذا الفرمان حق سفن الأسطول الحربي العثماني ضبط السفن وتفتيشها وعتق من فيها من الأرقاء وإرسال التجار إلى الآستانة لمحاكمتهم هناك.

تقدم الكثير من التجار بشكاوى للوالي مفادها أن معيشتهم كانت قائمة على هذه التجارة، وأن هذا سوف يعرضهم لخسائر كبيرة.

وحين تبوأ الخديو إسماعيل الولاية انضم إلى حركة العاملين على تحرير الرقيق، كما حدث مع الرئيس الأميركي إبراهام لينكولن، فبذل جهوداً مكثفةً في هذا المجال بدأها في العام الذي تولى فيه الحكم فأرسل إلى حكمدار السودان حمدي باشا يأمره بتعقب تجار الرقيق لقطع دابرهم، فصدع الحكمدار للأمر وكانت النتيجة ضبط 70 سفينة محملة بالأرقاء الذين تم إطلاق سراحهم وإعادتهم لبلادهم، واعتقال التجار الذين لم يفرج عنهم إلا بعد أن أقروا بعدم العودة للنخاسة مرة ثانية.

حتى ذلك الوقت، لم يكن هناك قانون يعاقب التجار الذين يتم ضبطهم بالرقيق، حيث كان يكتفى بمصادرة ما معهم من العبيد، وفي عام 1864 صدرت أولى العقوبات تجاه «الجلابة»، وهي السجن لمدة شهرين حال ضبطهم بأي رقيق وارد لمصر. ووقعت العقوبة على ستة من «الجلابة» الذين تم ضبطهم بمنطقة «أثر النبي»، جنوب القاهرة، بينما ارتفعت العقوبة لستة أشهر لرجال الإدارة المتهاونين في محاربة تجارة الرقيق.

وفي عام 1877 أجريت مفاوضات شاقة ومضنية بين مصر وإنجلترا، حيث أرادت الأخيرة توسيع نفوذها في أفريقيا، خصوصاً في المناطق الجديدة التي سيطر عليها إسماعيل، بينما أردات مصر كسب اعتراف إنجلترا بحقوق السيادة المصرية على ساحل بلاد الصومال حتى نهر جوبا جنوباً. وفي أعقاب موافقة إنجلترا في مارس (آذار) 1877 على أن تشمل السيادة المصرية ساحل الصومال، تم عقد معاهدتين؛ إحداهما في 4 أغسطس (آب) 1877 خاصة بالتعاون بين الطرفين في محاربة تجارة الرقيق.

وافق الخديو إسماعيل على عقد المعاهدة برغم التعنت الشديد من قبل رجال الدين في مصر، فقد عارضه في ذلك مفتي الديار بزعم أن الاتفاقية مخالفة للشريعة، ولكن إسماعيل لم يأبه باعتراضه بل عزله من منصبه.

وفي يونيو (حزيران) 1880 أنشأ الخديو توفيق «مصلحة إلغاء الرق»، وعُين لرئاستها الكونت ديلا سالا الذي اشتُهر بحماسته في محاربة هذه التجارة وكان أحد كبار الضباط الكبار في حرب المكسيك، كما ابتكر خططاً فعالة لمحاربة قوافل الرقيق التي توقفت معظمها بسب إجراءاته القوية.

أما في فترة الثورة العرابية، فقد شن قادة الثورة حملة ضارية ضد تجار الرقيق، وقد أعلن عرابي أنه «ليس في مصر من يود أن يكون له عبيد غير أمراء بيت الخديو والباشوات الأتراك الذين تعودوا على استعباد المصريين، وأن الإصلاحات الجديدة سوف توجد المساواة بين الناس مهما اختلفوا في الجنس واللون والدين».

واتخذت الحكومة الثورية عدة خطوات عملية في هذا المجال بدأت بحملة جماهيرية تزعمها عبد الله النديم بهدف تكوين جمعية سميت بـ«جمعية الأحرار السودانيين» كان هدفها مساعدة الأرقاء المحررين وتقديم المعونات لهم.

بعد أشهر قليلة من تولي عباس حلمي الحكم، وافق على إنشاء بعض المراكز لمتابعة حركة تجارة الرقيق لتكون بمثابة نقاط حراسة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وبلغت تكاليف إنشائها 600 جنيه مصري، وتم تكليف البكباشي لوتون الإنجليزي الجنسية لقيادتها، كما أصدر في 20 مايو (أيار) 1892 أمراً بإبطال استخدام الرقيق في المقاهي والمحلات العمومية مراعاة للآداب العامة.

وتعتبر معاهدة 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 1895 مكملة للمعاهدة السابقة، حيث لا تختلف عنها كثيراً، وتزيد فقط في أنها نصت على منع التجارة في جميع أنواع الرقيق، بما في ذلك المماليك والجواري البيض، كما أضيف إليها ملحق يتعلق بالإجراءات التفصيلية المختصة بتجارة الرقيق، سواء البائعين أو المشترين.

وفي 21 نوفمبر من العام نفسه، صدرت مذكرة تفسيرية يتضح منها تشديد العقوبة على جالبي الرقيق إلى مدة تتراوح ما بين خمسة أشهر وخمس سنوات.

نتيجة لهذه القوانين الصارمة ونشاط رجال مصلحة منع تجارة الرقيق، انحصرت تجارة الرقيق في مصر، ولم يتبق منها سوى آثار قليلة في السودان، ولذلك احتوت اتفاقية «الوفاق للسودان» الموقعة بين مصر وبريطانيا في 19 يناير (كانون الثاني) 1899 على مادة نصت على منع تجارة الرقيق بالسودان وإزالة ما تبقى من آثاره.


رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»
TT

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان الذي يبوح بقلقه وأحلامه، والإنسان الذي يرى في الحب شراكة فكر وحياة لا عاطفة عابرة.

الكتاب الصادر عام 2025 عن «دار كنعان» للدراسات والنشر في دمشق، في 512 صفحة، يفتح نافذة على جانب وجداني وفني من شخصية المخرج والممثل الراحل حاتم علي، الذي عرفه الجمهور من خلف الكاميرا بهندسته المتقنة للمشهد، وأمامها ممثلاً، فيما تكشف رسائله إلى الكاتبة السورية دلع الرحبي عن عالم حميم يتقاطع فيه الحب مع الفن، والسيرة الشخصية مع أسئلة المسرح والدراما والقضية.

وتقوم خصوصية الكتاب على أنه لا يقدم رسائل حب فقط، بل يرسم ملامح سيرة غير اعتيادية لفنان في بداياته، قبل أن يعرفه الجمهور مخرجاً لأعمال تركت أثراً عميقاً في الذاكرة السورية والعربية، ففي هذه الرسائل يظهر حاتم علي شاباً في مقتبل العمر، منشغلاً بتدريبات المسرح في المعهد العالي للفنون المسرحية، يكتب إلى دلع الرحبي لا ليحكي تفاصيل يومه فحسب، بل ليشاركها خطواته الأولى في الطريق إلى الفن.

وتبدو دلع الرحبي في هذه الرسائل شريكة فكر وحلم، تتلقى الحب بعقل الكاتبة المثقفة وقلب العاشقة، وتتابع ما يصنع خلف الكواليس من قلق واجتهاد وطموح، ومن هنا يتحول البوح الشخصي إلى وثيقة وجدانية وفنية، تكشف عن كيف بدأ وعي حاتم علي يتشكل من المسرح، بوصفه «أبو الفنون»، قبل أن يصبح واحداً من أبرز صناع الدراما السورية.

كتب مقدمة الكتاب الفنان جمال سليمان، الصديق المقرب للعائلة، مشيراً إلى أن «الكتاب وثيقة ثقافية أدبية تحكي قصة حب استثنائية بين حاتم علي ودلع الرحبي، لا تتكون من فصل أو فصلين كما جرت العادة، بل من أربعة فصول، تعود إلى البدايات في المعهد العالي للفنون المسرحية وصولاً إلى مرحلة الزواج».

واعتبر سليمان أن الكتاب هو النقطة الأخيرة في مرحلة «أدب الرسائل» التي امتدت لمئات السنين، آخذاً القارئ في رحلة إلى زمن يمزج بين الشأن الشخصي والمسرحي والدرامي، عبر يوميات وثقها الراحل في رسائله».

تأخذ رسائل حاتم علي بعداً وجدانياً وفنياً؛ إذ يعبّر فيها عن حب روحي يتجاوز ومضات العاطفة السريعة، ليبدو أقرب إلى مشروع حياة قائم على المشاركة والثقة، وقد مزج فيها بين حساسية الفنان الشاب، ولغة المتأمل، ووعي المبدع الذي يدرك أن الفن لا ينفصل عن التجربة الإنسانية.

وتكتسب الرسائل أهميتها أيضاً لأنها كتبت بخط اليد، قبل أن تغزو وسائل الاتصال الحديثة علاقات الناس ومشاعرهم، لذلك تحمل صفحاتها متعة الانتظار، ورائحة الورق، ودفء اليد التي كتبت، في امتداد لسلسلة «أدب الرسائل» التي عرفتها الثقافة العربية، من رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة، ورسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، وغيرهما.

من خلال الرسائل، يمكن تلمس بدايات عقود من إبداع حاتم علي؛ إذ تبدو خشبة المسرح منطلقاً أول لصقل موهبته في الإخراج والتمثيل، وركيزة لصناعة مخرج قدّم لاحقاً أعمالاً درامية خالدة في الدراما السورية الاجتماعية، وعكست صورة العائلة بكل دفئها.

كما تحضر في الرسائل القضية الفلسطينية، متداخلة مع تأثر علي برسائل غسان كنفاني، ومعايشته لبيئة المخيمات الفلسطينية في دمشق، وهو ما يفسر الزخم الإنساني والفني الذي ظهر لاحقاً في إخراجه مسلسل «التغريبة الفلسطينية»، ذلك العمل الأيقوني الذي حمل ألم التهجير وضياع الهوية والحنين إلى الوطن، ونقل الوجدان العربي إلى مدن حيفا وعكا وذاكرة فلسطين.

صحيح أن الكتاب رسائل حب، لكنه في الوقت نفسه يسرد سيرة فنان من خطواته الأولى، قبل أن يعرف العالم ذلك المخرج المبدع، فهو يصور الاجتهاد والعمل والقلق والأحلام.