محمد الشرفي... كان يريد إحلال فلاسفة الأنوار العرب محل الظلاميين

على هامش كتاب وزير التربية والتعليم العالي السابق في تونس

محمد الشرفي... كان يريد إحلال فلاسفة الأنوار العرب محل الظلاميين
TT

محمد الشرفي... كان يريد إحلال فلاسفة الأنوار العرب محل الظلاميين

محمد الشرفي... كان يريد إحلال فلاسفة الأنوار العرب محل الظلاميين

هل الدكتور محمد الشرفي هو طه حسين تونس؟ إلى حد ما، بل وإلى حد كبير. فقد كان وزيراً للتعليم في تونس مثلما كان عميد الأدب العربي وزيراً للمعارف في مصر. وكلاهما جدد مناهج التعليم بشكل غير مسبوق. كلاهما كان عقلانياً تنويرياً تقدمياً، لا غيبياً خرافياً أصولياً. بل وإن محمد الشرفي مارس مهنة الوزارة لفترة أطول بكثير من طه حسين... عندما اقترح عليه الرئيس السابق زين العابدين بن علي هذه الوزارة لم يتردد لحظة واحدة. ولكنه يقول في كتابه القيم هذا لو أنه اقترح عليه أي وزارة أخرى لكان جوابه بالرفض القاطع. يقول ما معناه: في شهر سبتمبر (أيلول) 1988 اتصلت بي رئاسة الجمهورية هاتفياً وأبلغتني بأن الرئيس يرغب في مقابلتي بصفتي رئيساً لـ«الجمعية التونسية لحقوق الإنسان». فأعجبتني المبادرة وثمّنتها، أقول ذلك وبخاصة أني لم أطلب شيئاً من الرئيس وأنه هو الذي بادر بالاتصال وطلب رؤيتي وليس العكس. وعندما التقيته في قصر قرطاج استنفدنا الموضوع المطروح في ربع ساعة فقط. وعندئذ قال له الرئيس «عندي وقت إضافي لك إذا شئت. فهل تقترح علينا إجراء إصلاحات معينة في تونس وفي أي قطاع؟ نريد أن نستفيد من خبراتك لخدمة الصالح العام». فأجابه محمد الشرفي «نعم، عندي اقتراح يخص نظام التعليم. إنه في حاجة إلى إصلاحات عاجلة أو مستعجلة. فمستوى التعليم التونسي انخفض، والتوجه العام للتعليم تقليدي رجعي، هذا في حين أن توجه الدولة التونسية حداثي تقدمي. وعندئذ بدأ الرئيس مهتماً للغاية بكلامي هذا، فطلب مني إرسال تقرير مفصل له عن الموضوع. ولم يكن يخطر على بالي إطلاقاً أنه بعد قراءة التقرير سوف يعرض عليّ الوزارة شخصياً. ولكن هذا ما حصل». قال له بما معناه: مَن أفضل منك لتطبيق هذا البرنامج الإصلاحي التنويري الذي رسمت أنت شخصياً خطوطه العريضة؟ خير البر عاجله. وبالفعل، فهذا ما كان. على هذا النحو اقترح عليه رئيس الجمهورية منصب وزير التربية والتعليم لتطبيق الإصلاحات الضرورية المنشودة. فقبِل الرجل على الفور وابتدأت مغامرته الوزارية التي استمرت خمس سنوات وخمسين يوماً بالتمام والكمال على رأس الوزارة.
ماذا نستنتج من هذا الكلام؟ نستنتج أن زين العابدين بن علي كان رجلاً طيباً شهماً حريصاً على نهضة تونس على الأقل في السنوات العشر الأولى من عهده. بعدئذ ابتدأ الانغلاق والاستبداد وحكم العائلة والمحسوبيات، ولكن ليس قبل ذلك. ونستنتج أنه كان ذا توجه تنويري على عكس ما حصل بعد يناير (كانون الثاني) 2011، وذلك الربيع المزعوم والمشؤوم للغنوشي والإخوان المسلمين الذين حاولوا إعادة عقارب الساعة إلى الوراء لكي يصبح التوجه العام للتعليم التونسي أصولياً ظلامياً. هذه أشياء ينبغي أن تقال الآن بعد كل ذلك الضجيج والعجيج لكي نعيد الحقائق إلى نصابها.
ثم يستعرض الدكتور الشرفي الإشكالية العامة على النحو التالي: ينبغي أن تكون المدرسة في حالة تساوق وانسجام مع حالة المجتمع لكي تتمكن من دمج الطفل بسهولة في وسطه وبيئته. هذا ما تفعله معظم المدارس في كل البلدان ما عدا في العالمين العربي الإسلامي. ففي معظم بلدان الإسلام نلاحظ أن المجتمع يتحرك ويتحلحل ويتطور ولكن المدرسة لا تتطور وإنما تظل رهينة عقليات تعود إلى ألف سنة إلى الوراء! منذ قرن ونصف القرن استشعر المسلمون تأخرهم قياساً إلى أوروبا وحاولوا استدراك الوضع. وبالفعل، فقد نجحوا في ذلك على المستوى الكمي، حيث تكاثر إنشاء المدارس والجامعات ومعاهد التعليم في مختلف البلدان. ولكن ليس على المستوى النوعي. هنا لم يتغير شيء يذكر. بمعنى أن العقلية التراثية التقليدية الجامدة ظلت سائدة ومسيطرة على برامج التعليم. فبما أن المسؤولين في البلدان العربية والإسلامية كانوا يخشون من المس بالمواضيع المحرمة؛ فإنهم رفضوا إدخال أي إصلاح على مادة التربية الدينية في المدارس وكذلك مادة التاريخ.
ثم يضرب المفكر التونسي الشهير الأمثلة التالية على ذلك: في المدرسة يتعلم الطالب أن المجتمع المثالي هو ذلك المجتمع الذي تكون فيه المرأة سجينة البيت. ولكنه يكتشف فيما بعد أن المرأة تحررت ولم تعد سجينة بيتها كما كان الحال قبل خمسين سنة أو مائة سنة مثل أمها وجدتها. لقد انطلقت المرأة التونسية والعربية عموماً وخرجت من القوقعة، وأصبحت تحتل المراكز والوظائف المرموقة في المجالات كافة كالرجل تقريباً. وفي المدرسة يعلمون التلميذ أن الربا حرام. ولكنه يكتشف لاحقاً أن كل النظام المصرفي الحديث يعتمد على نظام الفائدة. وفي المدرسة يعلمون التلميذ أن النظام السياسي الشرعي الوحيد هو نظام الخلافة، حيث يهيمن رجال الدين المتعلقون بالفقه القديم القائل بضرورة تطبيق الحدود البدنية كحد الجلد، وحد الرجم، وقطع يد السارق... إلخ، ولكن هذا التلميذ التونسي يكتشف لاحقاً أن هذه الحدود المرعبة عصية على التنفيذ وأن النظام السياسي أصبح عصرياً حداثياً يرفض تطبيقها. فالقانون التجاري وقانون العقوبات وقانون الأحوال الشخصية كل ذلك تغير وتجدد، وبخاصة في تونس رائدة الحداثة في العالم العربي منذ أيام بورقيبة. وبالتالي، فالمدرسة تعلمك شيئاً والدولة تعلمك شيئاً آخر. وعلى هذا النحو ننتج مواطنين شيزوفرينيين منفصمي الشخصية. لهذا السبب ينبغي إصلاح مناهج التعليم وتحديثها جذرياً.

- الصدام مع الإخوان المسلمين
يقول لنا الدكتور محمد الشرفي ما فحواه: منذ اليوم الأول لتسلمه مهامه على رأس وزارة التربية والتعليم اصطدم بمعادة الإسلاميين أو بالأحرى الإسلامويين له. وقد عبر راشد الغنوشي عن هذا الموقف المعادي للوزير الجديد وإصلاحاته التنويرية في تصريحاته المختلفة إلى الصحافة آنذاك. وكذلك فعل اتحاد الطلاب التونسيين التابع للأصوليين. نقول ذلك على الرغم من أن الوزير الشرفي فتح صدره لهم منذ البداية وقال لهم بأنه مستعد للحوار معهم. فهو ذو تربية إسلامية بل وتقليدية أصولية أيضاً! ولكنه تغير وتطور لاحقاً. وهذه هي حالة طه حسين أيضاً ومعظم التنويريين العرب. هنا يخصص المؤلف صفحات شيقة للتحدث عن والده وعائلته وتربيته العربية الإسلامية العريقة في مدينة صفاقس عاصمة الجنوب التونسي. وقد استمتعت بقراءتها كثيراً وذكرتني بأجواء الطفولة. ولكن الشيء الذي أدهش الوزير وصدمه هو أن الأزمة الكبرى الأولى لم تحصل مع جماعة الغنوشي والإسلام السياسي بالضبط، وإنما مع جماعة الإسلام الرسمي التابعين للدولة والمشرفين على وزارة الشؤون الدينية. وهم الذين يعلنون تأييدهم للرئيس والنظام على رؤوس الأشهاد. ولكن هنا نحب أن نطرح هذا السؤال على الدكتور الشرفي: ما الفرق بينهما يا سيدي؟ الإسلام الرسمي المؤيد للنظام والإسلام السياسي المعارض له شيء واحد في نهاية المطاف: نقصد بأنهما يحملان ذات العقلية وذات الأفكار. وبالتالي، فلا يوجد هنا أي شيء يدعو للاستغراب أو للدهشة. على أي حال لقد هاجوا في وجهه وماجوا عندما قرر حذف كتابين كانا مقررين للتربية الدينية. وهما كتابان رجعيان يقولان بأن النظام الشرعي الوحيد هو نظام الخلافة القديم على الطريقة العثمانية البائدة. كما ويقولان بأن للرجل الحق في ضرب زوجته. كما ويدعوان إلى حذف كتب جان بول سارتر ومنعها باعتبار أنها مؤلفات شخص كافر. ولكن الوزير قال لهم بأن سارتر دافع عن استقلال الجزائر وعرض نفسه للخطر بسبب ذلك. ولم تقنعهم الحجة فطالبوا ليس فقط بمنعه وإنما أيضاً بمنع كتب جميع فلاسفة التنوير والحداثة من أمثال فولتير وجان جاك روسو وكانط... إلخ. وهكذا ابتدأت معركته التنويرية مع الظلاميين من أول يوم. ولكن لحسن الحظ، فإن رئيس الوزراء الهادي بكوش وقف إلى جانبه ضد وزير الشؤون الدينية. والأهم من ذلك كله أن الرئيس بن علي شخصياً وقف إلى جانبه بكل قوة ضد التيار الظلامي الرجعي المهيمن على الساحة وبرامج التعليم.
ثم يخلص الدكتور الشرفي في نهاية المطاف إلى تسجيل الملاحظة المهمة التالية: في الواقع أن الإسلام الرسمي والإسلام المعارض يتواصلان مع بعضهما بعضاً على طريقة الأواني المستطرقة. فالإسلام الرسمي من شيوخ جوامع ومفتين رسميين ورجال دين تابعين للدولة هم الذين يدجنون التلاميذ تدجيناً ويحشون رؤوسهم بالأفكار الخرافية الأصولية القديمة. وأما الإسلام السياسي المعارض فيستغل ذات الأفكار لتهييج الناس في الشوارع ضد الدولة والنظام. وبالتالي، فعمل هذا التيار يكمل عمل التيار الآخر ولا يتعارض معه أبداً.
كيف يتعارض معه وهما يحملان نفس العقيدة الكهنوتية أي نفس الفهم الظلامي المغلق للإسلام؟ ولهذا السبب راح كلاهما يرفضان إصلاحات الوزير الشرفي الداعية إلى التخلي عن عقلية التزمت والتكفير والإكراه في الدين. وكذلك الداعية إلى التخلي عن تعدد الزوجات، والطلاق التعسفي، وضرب الزوجة وتطبيق الحدود البدنية المرعبة. على هذا النحو اندلعت المعركة الكبرى بين الدكتور محمد الشرفي من جهة، وجماعة الغنوشي والإخوان المسلمين عموماً من جهة أخرى. وهي الجماعة المدعوة زوراً وبهتاناً باسم: النهضة! يخيل إلي أن محمد الشرفي كان يريد إحلال فلاسفة الأنوار العرب محل جهابذة الأصولية الظلامية. كان يريد إحلال الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد، وابن باجة، وابن الطفيل، وطه حسين، وعباس محمود العقاد، ومحمد أركون... إلخ، محل حسن البنا وسيد قطب ومحمد قطب وعشرات غيرهم. ولو نجح في ذلك لما «أتحفنا» مؤخراً بكل هذه الأجيال الداعشية الدموية.


مقالات ذات صلة

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

ثقافة وفنون تكريم مبارك ربيع في أصيلة

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

يُعدّ الروائي والأكاديمي المغربي مبارك ربيع أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تأسيس الرواية المغربية الحديثة، ومن الجيل الذي رافق تحولات المجتمع المغربي

ميرزا الخويلدي (أصيلة - المغرب)
كتب هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب،

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب «صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

ليس الكتاب الصوتي نصاً مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى

رشا أحمد (القاهرة)
كتب الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق ما أخطأته المطبعة قبل 29 عاماً أصابته سوق المزادات اليوم (دار مزادات «هيريتيج»)

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

بيعت نسخة نادرة من الطبعة الأولى لكتاب «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» مقابل 302 ألف جنيه إسترليني، في مزاد أقيم بمدينة دالاس الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.