التدخل في الانتخابات وتغذية الاضطرابات... الإعلام الروسي يعرض خطة موسكو للانتقام من الغرب

فلاديمير سولوفيوف المذيع بقناة «روسيا 1» (ديلي بيست)
فلاديمير سولوفيوف المذيع بقناة «روسيا 1» (ديلي بيست)
TT

التدخل في الانتخابات وتغذية الاضطرابات... الإعلام الروسي يعرض خطة موسكو للانتقام من الغرب

فلاديمير سولوفيوف المذيع بقناة «روسيا 1» (ديلي بيست)
فلاديمير سولوفيوف المذيع بقناة «روسيا 1» (ديلي بيست)

وسط معاناة الاقتصاد الروسي من وطأة العقوبات الغربية، من الواضح أن الكرملين لا يسعى لوقف غزوه لأوكرانيا لتخفيف عبء هذه العقوبات، بل بدلاً من ذلك فإنه يخطط في طرق أخرى لتقويض الديمقراطيات الغربية وتغذية الحركات الانفصالية في جميع أنحاء العالم، وفقاً لما ذكره تقرير جديد نشره موقع «ديلي بيست».
وحسب التقرير، فقد كشف عدد من الإعلاميين والصحافيين الموالين للكرملين، وعدد من كبار مسؤولي الدعاية في روسيا عن بعض الخطط التي تسعى إليها بلادهم للانتقام من الغرب، ومن بينها المساعدة في «انتخاب» سياسيين أصدقاء للكرملين في الخارج، مما يتسبب في حدوث اضطراب داخلي في البلدان الأخرى بحيث تصبح العقوبات ضد روسيا ترفاً لم يعد الغرب قادراً على تحمله.
وخلال برنامج «المساء مع فلاديمير سولوفيوف» على قناة «روسيا 1» الحكومية الروسية، قالت مارغريتا سيمونيان، رئيسة تحرير شبكة «آر تي» الروسية: «عندما قررت الحكومات الغربية حظر الشبكة في بلادها وحرمتنا من نشر أخبارنا ومعلوماتنا هناك، فكّرنا في طرق أخرى لاختراق دفاعاتهم باستخدام المسارات الحزبية، تحت أسماء أخرى، ومع أشخاص مختلفين، وبطرق جديدة. لن أفصح عن التفاصيل الأخرى».
وقال تقرير «ديلي بيست» إن هذه المساعي السرية لشبكة «آر تي» ليست مدفوعة بالحاجة إلى مشاركة المعلومات في الدول الأخرى، ولكن بدلاً من ذلك لتعزيز أجندة الكرملين من خلال إثارة المعارضة في الدول الغربية.
وتتعزز حرب المعلومات التي تشنها شبكة «آر تي» من خلال الأصوات التي تضخّمها وسائل الإعلام الحكومية الروسية علناً، مثل رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، والرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، ومذيع قناة «فوكس نيوز» تاكر كارلسون. إن أفعالهم وآراءهم موضع تقدير في موسكو ليس فقط لمساهماتهم في نشر الروايات التي يدافع عنها نظام بوتين، ولكن أيضاً لوجود معارضين ومنتقدين كثر لهم، ومن ثم فإن دعمهم ومساعدتهم على النجاح قد يتسبب في ضرر لوحدة بلادهم وقوتها.
وبثت القنوات التلفزيونية الحكومية الروسية بشكل متكرر سلسلة من المقاطع من تصريحات أوربان الأخيرة، حيث قال إن «الحرب في أوكرانيا لم تكن لتندلع أبداً لو كان دونالد ترمب لا يزال رئيساً للولايات المتحدة وأنجيلا ميركل لا تزال المستشارة الألمانية».

رئيس وزراء المجر، فيكتور أوربان (رويترز)
وكثيراً ما يعبّر كبار الإعلاميين الموالين للكرملين عن إحساسهم بأن هناك صلة قرابة بينهم وبين المذيع تاكر كارلسون.
وخلال برنامج فلاديمير سولوفيوف، يوم الأحد الماضي، على التلفزيون الرسمي الروسي، قال المذيع إن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد يرسل قتلة لمطاردة كارلسون بسبب مشاعره المؤيدة لروسيا والمعادية لأوكرانيا.

المذيع تاكر كارلسون (أ.ب)

وأضاف سولوفيوف: «هذا الإرهابي الدولي، الذي ترأس أوكرانيا، قادر على إرسال قتلة إلى جميع أنحاء العالم».
وقدم سولوفيوف في برنامجه أيضاً مقاطع من الخطب الأخيرة التي ألقاها ترمب والسيناتور الجمهوري عن ولاية تكساس تيد كروز، قائلاً: «ببساطة، هؤلاء هم رجالنا». وتابع: «من الواضح أن هناك قيماً مشتركة وتفاهماً مشتركاً بين ترمب وأوربان وبوتين، ولكن ليس بين ترمب وزيلينسكي».
وتوقع سولوفيوف أنه إذا عاد ترمب إلى البيت الأبيض، فستحدث ضجة في الولايات المتحدة، و«سيبدأ الجميع في القتال فيما بينهم. ستشتعل وقتها الاضطرابات الداخلية في أميركا وسندعم الجانب الخاسر».

من جهته، اشتكى هنري ساردريان، نائب مدير المعهد الدولي للإدارة في جامعة «MGIMO» التابعة لوزارة الخارجية الروسية، خلال برنامج سولوفيوف من أن الكرملين لم يستغل بشكل كامل الفرص الوفيرة للتدخل العالمي في الانتخابات في بلدان مثل إيطاليا.
وأوضح ساردريان: «لو كنا قد عملنا هناك لفترة طويلة مع المعارضة، ووسائل الإعلام الرئيسية، وقادة الرأي العام، والشبكات الاجتماعية، لتمكنّا من الدفع بمرشحنا هناك». وتابع: «في الوقت الحالي، تعد الظروف السياسية في البلاد مثالية لمثل هذا التدخل، فالاستطلاعات تُظهر أن 54 في المائة من السكان الإيطاليين يفضلون أن يتم تقسيم أوكرانيا على أن تدخل بلادهم في مواجهة مع روسيا».
وحث ساردريان الكرملين على تحديد ومهاجمة نقاط الضعف في البلدان المستعدة لمواجهة روسيا.
وفي الولايات المتحدة، يرى الكرملين فرصة للتواصل مع الجمهوريين باستخدام «واجهة الدين». فقد استخدمت وسائل الإعلام المؤيدة لروسيا بأميركا حجة خوض «حرب مقدسة» ضد «مؤامرة شيطانية» للترويج للحرب بين السكان المحليين، والمجندين المحتملين، والجماهير الأجنبية. ويبدو أنهم يعتقدون أن نفس الاستراتيجية ستؤتي ثمارها مع الجمهوريين.
وسبق أن كشف التلفزيون الروسي الرسمي علناً في شهر أبريل (نيسان)، عن خطة البلاد للانتقام من «ألدّ أعدائها» الآن، وهي الولايات المتحدة.
وقال المذيع التلفزيوني بقناة «روسيا 1»، إيفغيني بوبوف، في ذلك الوقت: «لقد حان الوقت لمساعدة شريكنا ترمب مرة أخرى على أن يصبح رئيساً».
من جهته، قال الباحث الروسي في الشؤون الأميركية، مالك دوداكوف، في مقابلة مع برنامج «المساء مع فلاديمير سولوفيوف»: «نحن نحاول الآن أن نحدد الخطوات الأولى التي يمكننا أن نتخذها في الانتخابات الأميركية المقبلة».
وأشار دوداكوف إلى أن «خطة تدخل روسيا في الانتخابات المقبلة لا تزال في مراحلها الأولى»، وأنه سيتم القيام بالمزيد من التخطيط في هذا الشأن بعد انتهاء الحرب. وأضاف: «عندما تهدأ الأمور ويصبح السباق الرئاسي لعام 2024 على جدول الأعمال، ستكون هناك لحظات يمكننا الاستفادة منها. وأعتقد أننا سنعقد قمة مع ترمب قبل أن يعلن ترشحه للرئاسة، وربما نحضر إلى هذه القمة أيضاً المرشحة الرئاسة الأميركية السابقة، تولسي غابارد، فربما يتخذها ترمب نائبة له عند توليه الرئاسة».
وأصبحت غابارد مؤخراً عنصراً أساسياً في أحاديث التلفزيون الحكومي الروسي، بسبب تصريحاتها المؤيدة لروسيا.
وأضاف دوداكوف قائلاً: «مع أوروبا، يجب أن تكون أولويتنا شن حروب اقتصادية. ولكن مع أميركا، يجب أن نعمل على تضخيم الانقسامات وتعميق استقطاب المجتمع الأميركي». وتابع: «هناك بالفعل استقطاب مروع في المجتمع في الولايات المتحدة، ونزاعات خطيرة للغاية بين الديمقراطيين والجمهوريين تتوسع باستمرار. لقد ذكرت بالفعل أن أميركا إمبراطورية تحتضر، ومعظم الإمبراطوريات التي نعرفها لم يتم احتلالها، بل تم تدميرها من الداخل من شعبها. المصير نفسه ينتظر أميركا على الأرجح في العقد القريب. لهذا السبب، ينبغي أن تركز روسيا على هذه النقطة».
ويعتقد بعض الخبراء أن هذه التصريحات الروسية على التلفزيون الحكومي، والتهديد بالتدخل في الشؤون الداخلية للولايات المتحدة، ربما تهدف إلى تشتيت انتباه أميركا عن أهداف سياستها الخارجية في الوقت الحالي.
جدير بالذكر أن وكالات المخابرات الأميركية كانت قد اتهمت روسيا بالتدخل في انتخابات عام 2016 لمحاولة مساعدة ترمب على الفوز، وذلك عن طريق شن هجمات إلكترونية وبث أخبار كاذبة على شبكات التواصل الاجتماعي. ونفت روسيا هذا الادعاء.


مقالات ذات صلة

موسكو: رغبة وزير الدفاع البريطاني في اختطاف بوتين «أوهام منحرفة»

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

موسكو: رغبة وزير الدفاع البريطاني في اختطاف بوتين «أوهام منحرفة»

قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا الأحد إن تصريحات وزير الدفاع البريطاني عن رغبته في اختطاف الرئيس فلاديمير بوتين تعد «أوهاماً منحرفة»

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يمد يده لمصافحة نظيره الروسي فلاديمير بوتين في أنكوردج (ألاسكا) 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

لماذا التزم بوتين الصمت عندما أطاح ترمب برئيس فنزويلا؟

سلطت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية الضوء على موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تجاه العملية العسكرية التي شنّها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فنزويلا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
أوروبا عمال الإنقاذ في فولغوغراد خلال قصف أوكراني في مايو الماضي (رويترز) play-circle

مجلس الأمن يعقد جلسة طارئة حول أوكرانيا الاثنين بعد ضربات صاروخية روسية

يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً، الاثنين، بناءً على طلب أوكرانيا بعد غارات جوية روسية واسعة النطاق، واستخدام موسكو صاروخ «أوريشنيك» الباليستي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقباله نظيره التركي رجب طيب إردوغان في البيت الأبيض 25 سبتمبر 2025 (الرئاسة التركية)

تركيا ترى فرصة لحل قضايا عالقة مع أميركا وتشعر بقلق من ارتدادات سياساتها

تعتقد تركيا بوجود فرصة لحل ملفات عالقة مع الولايات المتحدة، فيما يسود قلق من سياساتها دفع إلى المطالبة بامتلاك برنامج نووي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف (أ.ب)

ميدفيديف: روسيا ترفض أي قوات أوروبية أو تابعة لـ «الناتو» في أوكرانيا

أكد نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف مجدداً اليوم (السبت) أن روسيا لن تقبل نشر أي قوات أوروبية، أو تابعة لحلف شمال الأطلسي في الأراضي الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
TT

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)

ذكر بيان صدر ​عن وزارة الخارجية الصينية أن الوزير وانغ يي عبّر خلال اتصال هاتفي مع نظيره الصومالي عبد السلام عبد الله علي، اليوم (الأحد)، عن ‌دعم بكين ‌للصومال ‌في ⁠الحفاظ ​على سيادته ‌ووحدة أراضيه.

وأجرى وانغ المكالمة خلال جولة يقوم بها في دول أفريقية، وقال في بيان إن الصين ⁠تعارض «تواطؤ (إقليم) أرض ‌الصومال مع سلطات تايوان في السعي إلى الاستقلال» في إشارة إلى المنطقة الانفصالية في الصومال.

وكان من المقرر أن تشمل ​جولة أفريقية سنوية يقوم بها وزير الخارجية ⁠الصيني في العام الجديد الصومال، لكن تم إرجاء الزيارة بسبب ما وصفته السفارة الصينية بأنه «تغيير في جدول الجولة» التي شملت إثيوبيا وتنزانيا وليسوتو، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأرجأ وانغ يي زيارته إلى الصومال وتوجه مباشرة إلى تنزانيا. وكانت زيارة مقديشو ستكون الأولى لوزير خارجية صيني إلى الصومال منذ انهيار الدولة عام 1991.

وقد خُطط لها في لحظة حاسمة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال (صومالي لاند)، الجمهورية المعلنة من جانب واحد والتي لم تعترف بها أي دولة منذ انفصالها عن الصومال عام 1991.


السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
TT

السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)

أثارت العملية العسكرية الأميركية الخاطفة في فنزويلا التي حملت اسم «العزم المطلق» واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته تساؤلات حول جدوى الضوابط التي يفرضها القانون الدولي ومعايير السيادة وشروط استخدام القوة.

سقط كل شيء أمام أولوية المصالح ومتطلبات بسط النفوذ. وهذا ما يجعل مسألة غرينلاند، وربما لاحقاً كندا، وغيرها، جدية وملحّة. والحال أن ما حصل هو بمثابة جرس إنذار يوقظ العالم على واقع أن الاستقرار هو الاستثناء والاضطراب هو القاعدة. وبالتالي لا يمكن إلا التسليم بفشل الأمم المتحدة في تحقيق السلام الدائم وإرساء أسس التعاون بين الدول.

والحقيقة أن العالم لم يعرف السلام الشامل منذ الحرب العالمية الثانية التي أمل البشر أن تكون آخر الحروب، فمن الحرب الباردة إلى الحرب الكورية والحرب الفيتنامية، مروراً بحروب الشرق الأوسط وصراع البوسنة وليس انتهاءً بالحرب الروسية الأوكرانية وسوى ذلك، تواصلت النزاعات ولعبة الشطرنج التي تقودها وتخوضها القوى الكبرى مباشرة أو بالواسطة، لتقتطع المزيد من «كعكة» الثروات وتوسّع رقعة النفوذ.

من منظار الواقع المرّ هذا، قيل الكثير عن مطامع نفطية تقف وراء كل المشكلات التي شهدتها فنزويلا، مالكة أكبر احتياط نفطي في العالم (303 مليارات برميل وفق تقديرات صدرت عام 2023، تبلغ قيمتها 17 تريليون دولار على الأقل). وهذا صحيح طبعاً، لأن الولايات المتحدة التي تعود بقوة إلى «مبدأ مونرو» بصيغة «دونرو» التي ابتكرها الرئيس دونالد ترمب، لن تقبل أن يكون في «حديقتها الخلفية» دولة تملك هذه الثروة الهائلة، فيما الاحتياط النفطي الأميركي يقل بنحو 6 مرات عن نظيره الفنزويلي.

هذا صحيح، لكن وراء الأكمة ما وراءها، فالرؤية الاستراتيجية أبعد من وضع اليد على ما أمكن من نصف الكرة الأرضية الغربي.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو في بكين يوم 13 سبتمبر 2023 (رويترز)

طموحات ومخططات

لم يكن الرئيس دونالد ترمب موارباً أو دبلوماسياً عندما اجتمع في البيت الأبيض مع أركان الصناعة النفطية الأميركية، فتحدث بصراحة عن إدارة فنزويلا والاستثمار في نفطها ليعيد إلى أميركا «ما سُلب منها»، وتوظيف 100 مليار دولار في الذهب الأسود الفنزويلي ليزدهر قطاع الطاقة مجدداً بعد إزاحة مادورو ونقل فنزويلا من لجج البحر الهائج إلى شاطئ الأمان، وفق تعابيره.

إلا أن الأهم فيما قاله يوم الجمعة في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2026 هو إفصاحه عن إبلاغ الصين وروسيا بـ«أننا لا نريدكم في فنزويلا»، أي لا تقتربوا من دائرة نفوذنا ومجالنا الحيوي.

ولنتذكر هنا ما حصل في 1961 و1962 في كوبا، وما أعقب عملية خليج الخنازير الأميركية الفاشلة من تقرب هافانا أكثر من الاتحاد السوفياتي وأزمة الصواريخ التي كادت تشعل حرباً عالمية نووية.

قبل سنوات من ذلك، أطاح انقلاب عسكري في غواتيمالا في عام 1954 حكم الرئيس المنتخب ديمقراطياً جاكوبو أربينز الذي أجرى إصلاحات زراعية هددت مصالح شركة «يونايتد فروت» (UFCO) الزراعية الأميركية.

في أيام الرئيس ريتشارد نيكسون، مارست واشنطن ضغوطاً اقتصادية هائلة على الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، وصولاً إلى انقلاب عسكري ضده (1973) انتهى بمحاصرته في القصر الرئاسي حيث آثر الانتحار على الاستسلام. وقبعت البلاد بعد ذلك 17 سنة تحت حكم الجنرال أوغستينو بينوشيه.

يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1983، تدخلت القوات العسكرية الأميركية، بمساعدة عدد من الحلفاء في منطقة البحر الكاريبي، في جزيرة غرينادا. وقد أُطلقت عملية «الغضب العاجل» لحماية أرواح الطلاب الأميركيين هناك، وإعادة الحكم الديمقراطي، والقضاء على النفوذ الكوبي في الجزيرة.

ليس الهدف من تعداد هذا الوقائع إصدار أحكام، بل التأكيد أن القوى الكبرى دأبت على التصرف بهذه الطريقة لإزالة أي تهديد لأمنها ومصالحها. وكتب التاريخ، قديمه وحديثه، مليئة بالشواهد على ذلك.

لذلك لم يكن وارداً بعد كل الضغط الذي مورس منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز أن تترك أميركا فنزويلا وشأنها، خصوصاً أن الدولة اللاتينية كانت توثق علاقاتها أكثر فأكثر مع الصين وروسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع مسؤولين في شركات نفط أميركية يوم الجمعة 9 يناير 2026 (د.ب.أ)

الخسائر الصينية

بيت القصيد هنا.

روسيا متضرر «جانبي». ويبدو أن بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب تفاهمات عدة تبدّت في سوريا وأوكرانيا وحتماً في بقاع أخرى من العالم.

أما الصين فمسألة أخرى.

بلغة الأرقام، وهي الأصدق في قاموس الحسابات الجيوسياسية والجيواقتصادية، تُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الخام الفنزويلي، باستيراد نحو 82 في المائة من صادراتها النفطية (ما يعادل 778 ألف برميل يومياً) حتى أواخر عام 2025. وبالتالي تهدد السيطرة الأميركية سلاسل التوريد لمصافي التكرير الصينية التي تمدّ الصناعة بما تحتاج إليه من طاقة.

ولئن طمأن ترمب الصين بقوله بعد الاجتماع النفطي في البيت الأبيض أن في استطاعتها شراء النفط مباشرة من بلاده أو من فنزويلا، أي من الشركات الأميركية التي ستعمل هناك، فإن الصين ستفقد حتماً المعاملة التفضيلية التي كانت تخصها بها كراكاس من حيث خفض سعر البرميل، بالإضافة إلى أن بذمة الأخيرة نحو 19 مليار دولار من القروض الصينية التي كانت تُسددها عبر برامج «النفط مقابل الائتمان». ومع سيطرة الولايات المتحدة فعلياً على تدفقات النفط الفنزويلي، تواجه الصين احتمال عدم الوفاء بهذه الديون.

إضافة إلى ذلك، استثمرت الصين في فنزويلا مليارات الدولارات على مدى ربع قرن، وتملكت عبر شركاتها الحكومية حصصاً كبيرة في حقول النفط الفنزويلية، فماذا سيكون مصير الاستثمارات الآن؟

أبعد من ذلك، تملك الصين مصالح في عدد من دول أميركا اللاتينية، فهي تستورد الليثيوم من الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، وهو المعدن الضروري بل الحيوي لصناعة السيارات الكهربائية التي يسيطر عليها العملاق الأصفر على مستوى العالم.

وستقلق بكين حتماً من السياسة الهجومية للإدارة الأميركية التي لن تنظر بعين الرضا إلى وجود الصين في البيرو، أيضاً على سبيل المثال لا الحصر، بعد افتتاح ميناء شانكاي الضخم عام 2024، ليكون محوراً تجارياً يربط آسيا بأميركا اللاتينية، ويعزز نفوذ الصين في المنطقة، ويدعم اقتصاد البيرو خصوصاً في تصدير المعادن والمنتوجات الزراعية.

ما الرد الصيني المحتمل؟

كيف سيرد الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي كان قد رفع أخيراً مستوى العلاقات مع مادورو إلى «شراكة استراتيجية شاملة»؟ وماذا إذا حوصرت الصناعة الصينية أكثر بفقدانها النفط الإيراني الذي تستورده بسعر أدنى من سعر السوق؟ وماذا سيحصل إذا قررت الإدارة الأميركية شطب الـ 800 مليار دولار التي تدين بها للصين في شكل سندات خزينة؟

وكيف ستتعامل بكين مع التحديات التي تواجهها في محيطها المباشر (مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي) والأبعد (المحيط الهادئ وطرق التجارة البحرية الحيوية)؟

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)

قال شي جينبينغ في 6 يناير خلال اجتماع مع رئيس الوزراء الآيرلندي، مايكل مارتن: «الأعمال الأحادية والتنمر يلحقان ضربة خطيرة بالنظام الدولي».

لا يستبعد بعض الخبراء والمحللين أن تبادر الصين بالرد عبر تأمين محيطها المباشر بإنهاء مسألة تايوان. ومعلوم أن بكين تُظهر على نحوٍ متزايد أنها لم تعد راضية بالحفاظ على الوضع القائم. فقد حوّلت تركيز سياستها تجاه تايوان من الاكتفاء بمعارضة الاستقلال إلى السعي الحثيث لتحقيق الوحدة. والصين لا ترى أن الخيار العسكري لـ«استعادة» تايوان هو انتهاك للقانون الدولي، بما أنها تعتبر تايوان شأناً داخلياً. وقد تقنع العملية الأميركية في فنزويلا القيادة الصينية بأن أي تحرك عسكري ضد تايوان سيكون أكثر قابلية للتبرير مما حصل في كراكاس.

خلاصة القول، إن ما حصل في فنزويلا لا ينحصر في الاستحواذ على نفطها، فالهدف الاستراتيجي الأكبر هو قطع الطريق على الصين، تماماً مثل الغاية من مشروع ضم غرينلاند إلى نجوم العلم الأميركي (باللين أو الشدة)، فهنا المقصود إقفال «المدخل الغربي» إلى القطب الشمالي ذي الأهمية الحيوية قطعاً للطريق على الصين وروسيا.

نقل الأحجار على رقعة الشطرنج العالمية يتسارع وخلط الأوراق لم يعد يميّز بين حليف وصديق وخصم، والمنطق المؤسف يقول إن ثمة صداماً سيحصل في نهاية المطاف.


إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

أعلنت استراليا، اليوم السبت، حالة الكارثة في جنوب شرق البلاد بسبب حرائق حرجية أتت على منازل ومساحات شاسعة من الغابات في مناطق ريفية.

وشهدت ولاية فيكتوريا (عاصمتها ملبورن) موجة حر شديدة، وتجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية، وساهمت رياح في إيجاد ظروف مؤاتية لاندلاع حرائق غابات كما حدث خلال "الصيف الأسود" أواخر العام 2019 ومطلع العام 2020 في المنطقة نفسها.

وأتى أحد أشد حرائق الغابات فتكا على نحو 150 ألف هكتار قرب بلدة لونغوود، وهي منطقة تغطيها غابات أصلية.

وتمنح حالة الكارثة التي أعلنتها رئيسة وزراء ولاية فيكتوريا جاسينتا آلن السبت، فرق الإطفاء صلاحيات تنفيذ عمليات إجلاء طارئة.

ولفتت آلن إلى أن الهدف هو «حماية أرواح سكان فيكتوريا... هذا يبعث برسالة واضحة: إذا طُلبت منكم المغادرة، فغادروا!».

مروحية تلقي الماء على غابة تلتهمها النيران في هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

وأعلنت آلن العثور على ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، كانوا مفقودين جراء أحد أعنف حرائق الولاية.

وقال مدير حالات الطوارئ في ولاية فيكتوريا تيم ويبوش إن 130 منشأة على الأقل بينها منازل وأكواخ ومبان أخرى دمرت في الولاية. وأفاد بأن 10 حرائق كبيرة ما زالت مشتعلة، والعديد منها قد يستمر "أياماً، أو حتى أسابيع".

وانحصرت أسوأ الحرائق حتى الآن في مناطق ريفية قليلة السكان، لا يتجاوز عدد المقيمين فيها بضع مئات. وتم حشد مئات من عناصر الإطفاء من مختلف أنحاء البلاد لمكافحة الحرائق.

وأفاد باحثون بأن الاحترار المناخي في أستراليا ارتفع بمعدل 1,51 درجة مئوية منذ عام 1910، الأمر الذس يُؤجج أنماط الطقس المتطرفة التي تزداد تواترا على اليابسة وفي البحر.