فيرابند بين الفوضوية والنسبانية

بول فيرابند
بول فيرابند
TT

فيرابند بين الفوضوية والنسبانية

بول فيرابند
بول فيرابند

يعتبر فيرابند ظاهرة مستفزة داخل مجال فلسفة العلم بمواقفه الغريبة والطريفة، التي تستحق الدراسة لأهميتها في إغناء التصورات حول قضايا مركزية في الفكر الغربي، ولا سيما الشق الإبستيمولوجي منه. ومما لا شك فيه أن فيرابند يتعب قارئه الشغوف بحديث المذاهب والفرق؛ فهو يدرج نظريته حول العلم في خانة «الإبستيمولوجيا الفوضوية»، لكنه لا يخفي استعداده للأخذ ببعض «المبادئ»، ما ينافي روح الفوضوية المناهضة لكل «مبدأ»، ويعلن انتماءه تارة إلى «النسبانية» البروتاغورية (نسبة إلى بروتاغوراس)، وطورا إلى «الواقعانية»، لكنه سرعان ما يتنصل من ذلك كله منتسبا، بالأحرى، إلى الدادائية في العلم! ويدافع بحماسة عن التنجيم - فضلا عن السحر والتصوف والأسطورة - في وجه منتقديه. ويهاجم «العقلانية» هجوما شرسا، مع أنه لا يتردد في الثناء على أرسطو وليسنغ.. وبعض أقطاب «دائرة فيينا» الوضعانيين؛ ويبدي عطفه على نيتشه، لكنه يسخر من صيحة «موت الإله» واصفا إياها بالسخافة.
ولد بول كارل فيرابند في فيينا عام 1924. وأدمن القراءة، وشغف بالمسرح والموسيقى والغناء، فضلا عن الفيزياء والفلك، قبل أن ينهي دراسته الثانوية عام 1942. بعدها رحل إلى ألمانيا حيث التحق بخدمة العمل الإجباري. خلال ذلك، تلقّى نبأ انتحار والدته المفجع، مما خلّف له ندوبا نفسية عميقة. وسرعان ما ترقى الجندي فيرابند إلى رتبة ضابط؛ إلا أنه أصيب برصاصة في عموده الفقري تسببت في إصابته بشلل حيث أصبح يمشي والعكاز لا يفارقه. شارك فيرابند بحماسة، وهو طالب، في برامج «دائرة كرافت» الوضعانية. واعتنق الإبستيمولوجيا «التفنيدية» البوبرية، ودافع عنها زمنا ضدّ النزعة الاختبارية الاستقرائية؛ بل ترجم لبوبر كتابـ«المجتمع المفتوح وأعداؤه»، لكن سرعان ما انقلب ضده. كتب مقالا عام 1970 تحت عنوان «ضدّ المنهج»؛ واتفق مع صديقه إيمري لاكاتوس على تأليف كتاب مشترك بينهما تحت عنوان «مع المنهج وضد المنهج»، حيث يكتب لاكاتوس دفاعا عن العقلانية العلمية، بينما يكتب عنها فيرابند مهاجما ومبطلا. لكن رحيل لاكاتوس المفاجئ عام 1974 حال دون ذلك؛ فقرّر فيرابند نشر ما كتبه عام 1975. وهكذا صدر أهمّ أعماله تحت عنوان: «ضدّ المنهج»، خطة لنظرية فوضوية في المعرفة؛ ومنه تفرّغ لنقد البوبرية، ذات النفوذ الواسع في الحقل الإبستمولوجي. نشرت لفيرابند نصوص أخرى لا تخلو من أهمية بالنسبة لدارسيه وقرائه؛ ونذكر منها: «العلم في المجتمع المفتوح»، 1978؛ و«أوراق فلسفية» في ثلاثة أجزاء، 99 - 1981 (الجزء الأوّل، نشر قبل ذلك، باللغة الألمانية)؛ «العلم من حيث هو فنّ»، 1984؛ «وداعا للعقل»، 1987؛ «ثلاث محاورات في المعرفة»، 1991؛ «قتل الوقت» 1995. وهو سيرته الذاتية التي كتبها قبل رحيله. أن فيرابند في تناوله النقدي للعقلانية قام بنقد يمكن أن نسميه بالتاريخ الجينيالوجي لهذا المفهوم. وأكد على انتمائه إلى العهد اليوناني وخاصة مع اكسانوفان وأفلاطون وأرسطو. إلا أن مهاجمة فيرابند ورفضه للعقلي لا يعني أنه يتبنى اللاعقلي، بل هو يعتقد أن العقلي واللاعقلي كلاهما مصطلحان ملتبسان. ولهذا فهو يرفض حتى الانتقادات التي وجهها التجريبيون والدوغمائيون للعقلانيين. وهكذا فإن الالتباس الذي يقره فيرابند بين العقلي واللاعقلي هو ما جعله يتحدث أحيانا عن نوع من «المناهج اللاعقلية»، معتقدا أنها تؤدي هي الأخرى إلى نجاح ملحوظ لا بالمعنى العقلي ولكن بالمعنى اللاعقلي. إننا مع فيرابند، وهذا هو المثير في موقفه من العقلي واللاعقلي. فهو يوحد بينهما، وحينما يؤكد على تعليم السحر أو العلم، فهذا نابع من عمق تفكيره وتفتح فكره، لكونهما، سواء السحر أو العلم يخضعان لقواعد معينة يتم التسليم بها من طرف العقل ذاته. ويؤكد فيرابند على أنه من العبث أن نأمل في اختزال العلم إلى بعض القواعد المنهجية البسيطة، وذلك نظرا لتعقد تاريخه. فالفكرة القائلة في نظر فيرابند، بأن العلم يمكن وينبغي له أن ينتظم وفق قواعد ثابتة وشمولية، هي في آن واحد فكرة طوباوية وذات بريق خادع. وكل المناهج لها حدودها، والقاعدة الوحيدة التي تبقى وتحيا، هي «كل شيء جائز». هنا مكمن التصور الفوضوي الذي يعتنقه ويدعو إليه. وتعتبر النزعة النسبية من أهم تجلياته. يستعمل مفهوم النسبانية بدلالات مختلفة ومتباينة وأحيانا عبث، إلا أنه يتضح من خلال النظر في تطور العلوم والفنون والفلسفة، أن الغنى الفكري متلازم ومتناسب مع التعدد المذهبي، بحيث لا يمكن أن يتوفر التعدد إلا في جو ثقافي تتعايش فيه المذاهب والعقائد وتتلاقح بدرجة ما، من أجل الإبداع والابتكار. وهذه هي الخاصية الأساسية للعقلية العلمية. يقول فيرابند: «إن تنوع الآراء سمة ضرورية للمعرفة الموضوعية، والمنهج الذي يشجع التنوع هو كذلك المنهج الوحيد الذي يساير النظرة الإنسانية». وقد أشار فيرابند إلى كون مفهوم النسبانية غير محدد بشكل دقيق، بل هناك مقاربات كثيرة له تختلف باختلاف كيفيات استعماله.
إن المنطلق الأساسي لنسبانية فيرابند يتمثل في تقدير جميع الثقافات وجميع التقاليد. يقول: «يجب على المجتمعات الديمقراطية أن تعطي لكل التقاليد حقوقا متساوية وليس فقط حظوظا متساوية». أن محاولة فيرابند للتأصيل لمفهوم النسبانية، جعله يقدم في كتابه «وداعا أيها العقل»، الكثير من الملاحظات التي تعبر بالفعل عن غموضه، الشيء الذي جعله يثيره في الكثير من المؤلفات اللاحقة. إلا أن تأويلين أساسيين لنسبانية فيرابند يمكن استنتاجهما من خلال نصوصه وهما:
لا شيء مطلق وكل شيء صادق وحقيقي. وأن كل حكم أخلاقي، أو سياسي، أو اجتماعي، أو معرفي، يتوقف على الثقافة التي يوجد فيها ويتحدد بها، وهكذا تكون كل الثقافات مطلقة. وهذا النوع من النسبانية يرفضه فيرابند، ليس بسبب عدم انسجامه، لكن من الخطر الذي يمثله وينتج عنه بلقنة النوع الإنساني وقبول كل شيء وأي شيء باسم احترام الثقافات، بدعوى أنها ثقافتهم وليس لدينا ما نقوله أو نفعله. وهذا النوع من النسبانية المطلقة، يتعارض مع الموضوعاتية المطلقة التي ترى أن هناك وجهة نظر واحدة ممكنة للأشياء والموضوعات، وأن كل مشكلة يمكن حلها بشكل بسيط من خلال معادلات رياضية محددة بشكل دقيق. إذن، إن الذي لا يرى العالم من خلال هذه الرؤية فهو مخطئ، ومن الواجب عليه أن يعتنقها من أجل الوصول إلى الحقيقة. الأخذ بعين الاعتبار غنى العالم وتعقده، وعدم اختزاله لا في المعنى الأول للنسبانية ولا في الموضوعاتية المطلقة، بل في كونه يزخر بخصوصية تفتح له دروب وإمكانات المعرفة الجديدة والمتنوعة. فقد تطورت تقاليد ثقافية منذ أزمنة قديمة في بناء ما يسمى بالحضارة المعاصرة كنتاج للتفاعل المتعدد الإبعاد، وبالتالي لا يمكن الحكم عن سمات جوهرية ثابتة عرقلت وتعرقل نمو المعارف وتطور الثقافات.
إن غموض مفهوم النسبانية عند فيرابند يجعله عرضة لتأويلات كثيرة ومتضاربة، تجمع بين مفهوم النسبانية كموقف للامبالاة وتعليق الحكم وتساوي الأفكار وغياب النقد، وبين النسبية كخاصية مكونة للفكر العلمي المعاصر، تنتج من خلال دينامية النقد والمقارنة بين التقاليد الثقافية، باعتبار أن النقد يعمل على غربلة الأفكار وإبراز مدى تأثيرها أو محدوديتها في تطوير الأنساق الثقافية.
بشكل عام، قد يثار السؤال لماذا فيرابند، فهو يهاجم المنهج العلمي والعلماء، بل يهاجم العقل والعقلانية، ويدافع عن التنجيم والسحر والأسطورة واللاعقلانية، وهي أمور تؤدي إلى البلبلة وسوء الفهم، خاصة في ظل المناخ الفكري السائد في واقعنا. فقد يتسرع القارئ ويضع فيرابند والمدافعين عنه، في خندق واحد مع المشعوذين والرجعيين واللاعقليين. لذلك أدعو القارئ العربي إلى قراءة متن فيرابند لاستكشافه، وعدم الحكم عليه إلا من خلال استيعاب سياق اشتغاله.



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».