مدينة الملك عبد الله الاقتصادية.. منصة استثمارية جاذبة محليًا وأجنبيًا

وسط ارتفاع حجم الودائع بالبنوك السعودية المحلية 70 % خلال السنوات الست الماضية

محافظ هيئة الاستثمار خلال كلمته الافتتاحية يوم أمس («الشرق الأوسط»)
محافظ هيئة الاستثمار خلال كلمته الافتتاحية يوم أمس («الشرق الأوسط»)
TT

مدينة الملك عبد الله الاقتصادية.. منصة استثمارية جاذبة محليًا وأجنبيًا

محافظ هيئة الاستثمار خلال كلمته الافتتاحية يوم أمس («الشرق الأوسط»)
محافظ هيئة الاستثمار خلال كلمته الافتتاحية يوم أمس («الشرق الأوسط»)

باتت مدينة الملك عبد الله الاقتصادية (غرب السعودية) تمثل اليوم منصة استثمارية جاذبة. يأتي ذلك في وقت انطلقت فيه يوم أمس أعمال «منتدى الاستثمار 2015»، الذي جرى تخصيص معظم برامجه للتعريف بالفرص الاستثمارية المتوافرة في المدينة الاقتصادية من جهة، وللتعريف بالفرص الاستثمارية الجاذبة في السعودية من جهة أخرى. ويمثل ارتفاع حجم ودائع السعوديين في البنوك المحلية بنسبة تزيد على الـ70 في المائة خلال السنوات الست الماضية (بحسب بيانات صادرة عن مؤسسة النقد العربي السعودي) دليلاً مهمًا على توافر سيولة نقدية تنتظر فقط الفرص الاستثمارية المناسبة، وذلك في وقت باتت فيه السعودية منصة استثمارية جاذبة لرؤوس الأموال الأجنبية.
وفي الشأن ذاته، أكد المهندس عبد اللطيف العثمان، محافظ الهيئة العامة للاستثمار رئيس مجلس إدارة هيئة المدن الاقتصادية في السعودية، على ضرورة العمل بما جاء في كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، التي وجهها لرؤساء وأعضاء مجالس الغرف السعودية، وإدارات البنوك ومديريها التنفيذيين، ووجهها أيضا لرجال الأعمال وكبار المسؤولين في وزارتي «التجارة والصناعة» و«العمل»، والهيئة العامة للاستثمار، وهيئة المدن الاقتصادية، ومؤسسة النقد العربي السعودي، خلال استقباله لهم الأسبوع المنصرم.
وأكد العثمان، خلال كلمته الافتتاحية لمنتدى الاستثمار الذي بدأ أعماله في الرياض أمس، ويُعقد على مدى يومين متتاليين لتعريف المشاركين بالفرص الاستثمارية وتشجيعهم على الاستثمار من خلال شراكات متنوعة في القطاعات الصناعية والتجارية والعقارية في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية، أنه جرى الانتهاء من الدراسة التقييمية للمدينة ووضع خطة لتسريع وتيرة العمل، وهي الخطة التي جرى التوافق عليها بين هيئة المدن الاقتصادية، والمطور شركة «إعمار المدينة الاقتصادية».
وأضاف العثمان «كلمات خادم الحرمين الشريفين جددت الثقة في تشجيع الدولة المستمر للمستثمرين في المملكة، وإتاحة الفرصة لهم للعمل بحرية، والحرص التام على تذليل العقبات التي تحول بين القطاع الخاص وقيامه بدوره المطلوب في مساندة الاقتصاد الوطني».
وأشار محافظ هيئة الاستثمار السعودية إلى أن «الملك سلمان وجه بتشكيل فريق عمل مشترك يضم رجال الأعمال والصناعيين، إضافة إلى منسوبي الوزارات وأصحاب العلاقة، لدراسة الجوانب المتعلقة بما يدعم الاقتصاديين والمصنعين في عملهم، وتذليل العقبات التي قد تواجه ذلك العمل، وتهيئة البيئة الملائمة والحاضنة للاستثمار في المملكة، وهو أمر يصب في مصلحة الاقتصاد السعودي بشكل عام وقطاع الاستثمار بشكل خاص»، مبينا أن المنتدى قد يكون إحدى خطوات تحقيق توجه القيادة الرشيدة، حيث يشترك القطاعان الحكومي والخاص معا لتعزيز الاستثمار في المدن الاقتصادية من خلال نماذج عمل فريدة ومبتكرة.
وأشار المهندس العثمان إلى أن الهيئة العامة للاستثمار وهيئة المدن الاقتصادية تستمدان من كلمات خادم الحرمين الشريفين دافعا قويا للمضي قدما في تنفيذ مهامهما. وأوضح محافظ هيئة الاستثمار السعودية أن الهيئة العامة للاستثمار تسعى إلى تحقيق نقلة نوعية لبيئة الاستثمار عبر برنامج تعزيز تنافسية المملكة، وحل المعوقات التي تواجه المستمرين في البلاد، إضافة إلى توجيه استثمارات نوعية لبناء قطاعات اقتصادية منافسة عبر الخطة الوطنية الموحدة للاستثمار وعبر التسويق المحترف والجذب الاستراتيجي للاستثمارات المستهدفة، إضافة إلى السعي إلى التميز في الخدمة للمستثمرين وتعزيز نموهم عبر إطلاق مسار سريع لخدمة المستثمرين، وتطوير إسهاماتهم في تحقيق الأهداف التنموية.
ونبه المهندس العثمان إلى أن هيئة المدن الاقتصادية تركز على أن توفر المدن الاقتصادية بيئة تنافسية عالميا، بحيث تكون جاذبة للاستثمارات الرائدة للمساهمة في دفع عجلة النمو والتنوع الاقتصادي، وتنمية المناطق، وتوفير فرص عمل واعدة للشباب، مع التركيز على تنمية القطاعات ذات القيمة المضافة، وتشجيع الابتكار، ورفع مستويات الحياة المعيشية والخدمات تحت مظلة تنظيمية وإشرافية واحدة.
ورأى محافظ هيئة الاستثمار السعودية أن نموذج العمل في المدن الاقتصادية يعتمد على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، بحيث تقوم الدولة بالعمل على توفير بيئة استثمارية محفزة ومنافسة إقليميا وعالميا، بينما يتولّى القطاع الخاص (ممثلا في المطور الرئيسي) مهام الاستثمار وتطوير وتشغيل المدن الاقتصادية تحت إشراف الدولة. وقال العثمان «هناك مدن ومناطق اقتصادية وطنية عدة تشترك وتسهم في تحقيق الأهداف التنموية للمدن الاقتصادية، على رأسها مدينتا الجبيل وينبع ورأس الخير، والمدن الصناعية، ومدينة وعد الشمال وغيرها»، مبينا أنه من المهم وجود أطر عمل تكفل تنسيقا أعلى في الإشراف على هذه المناطق والمدن، بالإضافة إلى أهمية وجود عمل تكاملي لترويج وجذب الاستثمارات لكل منطقة أو مدينة وفقا لأولوياتها نحو تحقيق أهداف الدولة من تأسيسها.
وحول مشروعات المدن الاقتصادية، نبه محافظ الهيئة العامة للاستثمار إلى أنه تمت مواجهة بعض التحديات، مبينا أن بعض المدن الاقتصادية مرت بمراحل تعثر خلال سنواتها الأولى. وقال «كان هناك عدد من الدروس المستفادة، من أهمها أنه ليس هناك مسار وحيد للنجاح يمكن تطبيقه على كل المدن الاقتصادية، مع ضرورة وضع رؤى وأهداف طموحة لكل مدينة، شريطة أن تكون قابلة للتحقيق، وأهمية وجود حوافز تنظيمية وعروض استثمارية واضحة ومنافسة تمكّن من جذب الاستثمارات، وضرورة دعم ومساندة تطوير المدينة وبالذات في المراحل الأولى، من خلال المشروعات الحكومية الحيوية، إلى جانب ضرورة وجود اتفاقيات تطوير ملزمة وواضحة، مع التخطيط السليم واعتماد التطوير المرحلي للمدن الاقتصادية».
وأفاد المهندس العثمان بأن تلك الدروس دفعت إلى إعادة تقييم وضع كل مدينة اقتصادية على حدة، والخروج بخطط عمل تفصيلية وفقا لظروف كل مدينة، لافتا إلى أنه جرى الانتهاء من الدراسة التقييمية لمدينة الملك عبد الله الاقتصادية ووضع خطة لتسريع وتيرة العمل جرى التوافق عليها بين هيئة المدن الاقتصادية، والمطور شركة «إعمار المدينة الاقتصادية».
وأكد محافظ هيئة الاستثمار السعودية أن أبرز ملامح تلك الخطة ترتكز على رفع مستوى الإنفاق من قبل المطور الرئيسي ليصل إلى ما لا يقل عن 25 مليار ريال (6.66 مليار دولار) بنهاية 2020، ورفع معدّل الإنجاز في تطوير المشروعات وفقا لبرنامج زمني مُلزم، واستهداف قطاعات استراتيجية نوعية؛ مثل الصناعات الدوائية والغذائية، والرعاية الصحية، والتعليم والتدريب المتخصص، والخدمات اللوجيستية، والسياحة والترفيه، والاتصال وتقنية المعلومات، ودعم المدينة من خلال مشروعات حكومية حيوية لدعم الاستثمارات النوعية.
وأفاد العثمان بأن خطة تسريع وتيرة العمل دخلت حيز التنفيذ، إذ شهدت المدينة بوادر نجاح ومؤشرات إيجابية أسهمت في استقطاب الكثير من كبار المستثمرين العالميين والمحليين، مشيرا إلى أنه يجري العمل بالتنسيق مع الجهات الحكومية ذات العلاقة على تطوير أنظمة ولوائح محفزة لدعم الاستثمارات الاستراتيجية المستهدفة، مع تأسيس عدد من المشروعات الحكومية الحيوية الكبرى بالتعاون مع الجهات الحكومية ذات العلاقة، منها على سبيل المثال مشروع ربط ميناء الملك عبد الله بالجسر البري الذي يربط شرق المملكة بغربها، وإمداد الوادي الصناعي بمدينة الملك عبد الله الاقتصادية بالغاز الطبيعي، إضافة إلى مشروع محطة قطار الحرمين السريع الذي جرى إنجاز أكثر من 90 في المائة منه حتى الآن، ومشروع مجمع المستشفيات المرجعية والمتخصصة، ومشروع كليات التدريب الفني والمهني.
وأضاف المهندس العثمان «صاحب ذلك تقديم الخدمات الحكومية المتكاملة للمستثمرين والقاطنين بالمدينة الاقتصادية تحت مظلة مركز الخدمات الحكومية المتكاملة الذي تقدم من خلاله هيئة المدن الاقتصادية أهم الخدمات الحكومية الأساسية بما في ذلك الخدمات البلدية وتصاريح البناء والأشغال، ورخص الاستثمار، وإصدار وثائق ملكيات العقارات»، مشددا على أن الاستثمار في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية الذي خصص له منتدى للتعريف بفرص الاستثمار المتميزة فيه، أصبح اليوم أكثر جدوى وجاذبية من أي وقت مضى.
وفي الإطار ذاته، انطلق «منتدى الاستثمار 2015» يوم أمس، بكلمة للأمين العام للمنتدى الرئيس التنفيذي للتسويق والإعلام والتنمية المستدامة في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية، فهد حميد الدين، أكد فيها أهمية انعقاد منتدى الاستثمار بالرياض الذي يعنى بتعريف المشاركين بالفرص الاستثمارية وتشجيعهم على الاستثمار من خلال شراكات متنوعة في القطاعات الصناعية والتجارية والعقارية داخل مدينة الملك عبد الله الاقتصادية، وهي المدينة التي تعد من أبرز المدن الاقتصادية في السعودية والمنطقة على حد سواء، التي تعد مثالا ناجحا لشراكة القطاع الحكومي مع القطاع الخاص.
يشار إلى أن المنتدى يقام في إطار جهود المدينة الاقتصادية في التعريف بالفرص الاستثمارية الواعدة في المدينة، والعمل على استقطاب المزيد من رؤوس الأموال الوطنية للاستفادة من المزايا التي توفرها المدينة الاقتصادية للمستثمرين، ومن المتوقع مشاركة كبار المستثمرين وقادة الأعمال من مناطق السعودية، إضافة إلى كبار المسؤولين الحكوميين المهتمين بالتنمية الاقتصادية من خلال بناء الشراكة مع القطاع الخاص.



التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

TT

التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

رسائل كثيرة بعثها مؤتمر العلا في نسخته الثانية، لكنَّ أبرزها أنَّ «زمن الانتظار» خلف الاقتصادات المتقدمة قد انتهى؛ فاليوم تقف الأسواق الناشئة لا كأنها قوة مكملة، بل بوصفها محركاً سيادياً يقود أكثر من 70 في المائة من النمو العالمي. هذه الرسائل لم تكن مجرد استعراض للأرقام، بل كانت «بيان ثقة» يرتكز على ثلاثة دروس جوهرية قدمها وزير المالية السعودي محمد الجدعان من واقع التجربة السعودية، لتكون بمثابة بوصلة للاقتصادات الناشئة.

لقد وضع الجدعان العالم أمام حقيقة اقتصادية صلبة أنَّ مصداقية السياسات لا تُقاس ببراعة الخطط، بل بجسارة التنفيذ. وتجسد ذلك في دروسه الثلاثة؛ أولها أن استقرار الاقتصاد الكلي والانضباط المالي هما حجر الزاوية لأي نهوض، وثانيها أن الإصلاحات الهيكلية لا قيمة لها دون مؤسسات قادرة على تنفيذها، إذ تنبع المصداقية من الحوكمة والشفافية لا من الوعود. أما الدرس الثالث، فهو أن التعاون الدولي متعدد الأطراف بات ضرورة وجودية لحماية هذه الأسواق من الصدمات المتكررة.

هذه «الثلاثية» (الاستقرار، وكفاءة المؤسسات، والتعاون) هي التي تلخص فلسفة التحول الجديدة؛ حيث لم تعد الأسواق الناشئة مجرد ساحة للتجارب، بل أصبحت هي المنصة التي تُصاغ منها الحلول لمواجهة تحديات الدين وتباطؤ التجارة. غير أنَّ هذه الرسائل لم تغفل الجانب التنبيهي؛ إذ إنَّ هذه الأسواق - ورغم تفوقها النموذجي على الاقتصادات المتقدمة - لا تزال تتحرك فوق أرضية ملغومة بالديون المرتفعة، مما يجعل من دعوة الجدعان لتحويل المؤسسات إلى «أدوات تنفيذية مرنة» المرتكز الذي لا يقبل المساومة لضمان استدامة النمو.

وكانت انطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الأحد، الذي تحتضنه محافظة العلا الواقعة (غرب السعودية) بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء مالية، ومحافظي بنوك مركزية، وقادة مؤسسات مالية دولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

«مجموعة العشرين»

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح الجدعان أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في «مجموعة العشرين» تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وتابع أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، التي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

جانب من حضور وزراء ومسؤولين في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

الإصلاحات الهيكلية

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

ولفت الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها بمثابة مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

النمو دون المستويات

من جهتها، ذكرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة، محذرة من أن ذلك يثير القلق في ظل توقع التعرض لمزيد من الصدمات، مع تآكل الهوامش المالية في كثير من الدول، وارتفاع ضغوط الإنفاق ومستويات الدين.

وحدَّدت غورغييفا أولويَّتين للسياسات؛ الأولى إطلاق نمو يقوده القطاع الخاص عبر تقليص البيروقراطية، وتعميق الأسواق المالية، وتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة، إلى جانب تمكين الشباب من اكتساب مهارات وظائف المستقبل وتشجيعهم على ريادة الأعمال.

أما الثانية، فتعزيز التكامل في عالم يشهد تبدل التحالفات وأنماط التجارة، عبر اغتنام فرص التعاون الإقليمي وعبر الأقاليم، وخفض الحواجز بما يحافظ على التجارة بوصفها محركاً للنمو.

وأبانت غورغييفا أن إطلاق المؤتمر، العام الماضي، جاء اعترافاً بالدور المتنامي للاقتصادات الناشئة في عالم يشهد تحولات واسعة في الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والتجارة.

وطبقاً لمديرة صندوق النقد الدولي، فإن السياسات الجيدة تؤتي ثمارها، وإن معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة تبلغ نحو 4 في المائة هذا العام، متجاوزة بفارق كبير نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة، البالغة قرابة 1.5 في المائة، بينما تزيد حصة الاقتصادات الناشئة من الاقتصاد العالمي على 56 في المائة.

غورغييفا تتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

من ناحيته، أكد وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، على ضرورة السرعة والمرونة في صنع السياسات لاقتصادات الأسواق الناشئة، قائلاً: «الوقت ليس محايداً، فالتأخير يحمل تكلفة اقتصادية كلية تتراكم بمرور الوقت، لذلك تمكنت الدول التي استطاعت ضغط دورات اتخاذ القرار مع الحفاظ على الثقة والمصداقية من تحويل تلك السرعة إلى ميزة استراتيجية».

وزاد الإبراهيم، أن السعودية «ستظل منارة للبراغماتية في شراكاتها»، وستعمل كأنها حلقة وصل تخلق منصة للفرص من جميع أنحاء العال، مفيداً أن التجارة والاستثمار لا يزالان محركين أساسيين للنمو والمرونة لاقتصادات الأسواق الناشئة.

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأردف وزير الاقتصاد والتخطيط: «أمامنا اليوم فرصة لبحث آليات المواكبة مع نظام التجارة المتطور، واستكشاف كيف يمكننا تحقيق قيمة أكبر من خلال ذلك»؛ مؤكداً على الدور الاستراتيجي للمؤسسات في ضمان المواءمة مع نظام التجارة العالمي.

المخاطر الجيوسياسية

من جانبه، صرّح وزير المالية الصيني لان فوان آن، بأن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وتابع أن الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة، مؤكداً أن ذلك يعود إلى تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عن ذلك من تباطؤ في التجارة العالمية، وتجزؤ الاقتصاد الدولي.

وزير المالية الصيني في كلمته الخاصة خلال مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكمل أن هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية. وحسب لان فوان آن، فإن أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار، ويؤثر سلباً على جهود التنمية، مشيراً إلى أن دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي.

السياسات النقدية

من جهة أخرى، أفاد محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، بأن حالة عدم اليقين الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية - لا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتنامي للوساطة المالية غير المصرفية.

وأبان السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات، مثل طلبات تغطية الهوامش، وخصومات الضمانات، وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

محافظ البنك السعودي المركزي في جلسة حوارية (الشرق الأوسط)

وزاد أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات.

وتحدث السياري عن تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وشرح أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

التضخم

أما محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، فيرى أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأردف، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في كثير من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، شرح أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

إصلاحات السعودية

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر العلا، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما سماه «التكامل المجزأ».

ولفت أنتراس إلى أن «رؤية السعودية» وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد البروفيسور بول أنتراس خلال حديثه إلى الحضور في المؤتمر (الشرق الأوسط)

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، أجاب أنتراس: «تحد أسعار الفائدة المرتفعة، مضافة إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ووفق أنتراس، فإن هذا النمو هو المخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».


السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
TT

السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)

أكد سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية»، على جاهزية المواني السعودية وقناة السويس لاستقبال عودة الخطوط الملاحية الكبرى للعبور مرة أخرى من المنطقة بعد استقرار الأوضاع.

وعبر المزروع، خلال لقائه الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس المصرية، على هامش فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) بالقاهرة، عن تقديره لجهود هيئة قناة السويس في تعزيز الاستدامة والاستقرار لحركة الملاحة العالمية المارة بمنطقة البحر الأحمر وباب المندب.

تجدر الإشارة إلى أن منطقة البحر الأحمر كانت تشهد فترة من الاضطرابات الملاحية، بسبب الهجوم على السفن التجارية، من قبل جماعة الحوثيين اليمنية، غير أن التوصل لوقف إطلاق النار في غزة، ساهم في توقف الحوثي بنسبة كبيرة عن تلك الهجمات، وعودة خطوط الملاحة الدولية الكبرى للمرور من قناة السويس، التي يمر بها نحو 12 في المائة من التجارة العالمية.

وأبدى المزروع رغبته في التعاون مع قناة السويس في مجال بناء المعديات، فضلاً عن التعاون مع شركات الهيئة العاملة في مجالات التكريك وأعمال الأرصفة، لا سيما مع اتجاه المملكة لتطوير ميناء جدة والقيام بالعديد من مشروعات البنية التحتية.

وشدَّد رئيس «الهيئة العامة للموانئ» بالمملكة العربية السعودية على أن التعاون مع هيئة قناة السويس يعكس قوة العلاقات الثنائية بين البلدين ووحدة الأهداف، متوقعاً أن تشهد الفترة المُقبلة مزيداً من التعاون البنَّاء بين الجانبين.

من جانبه، صرَّح الفريق أسامة ربيع، أنه بحث مع المزروع، سبل التعاون المستقبلي، والتباحث حول آليات التعاون في مجالات تقديم الخدمات اللوجيستية، وبناء الوحدات البحرية، وأعمال المواني والتكريك.

وأعرب ربيع، وفقاً لبيان صحافي صادر عن هيئة قناة السويس، عن تطلعه «لتعزيز علاقات الشراكة والصداقة ومد جسور التعاون لتشمل مجالات عمل جديدة بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة في ضوء تطور مفهوم الخدمات البحرية واللوجيستية بهيئة قناة السويس وزيادة متطلبات المواني البحرية السعودية».

وأكد الفريق ربيع أن «هيئة قناة السويس تمتلك تجربة تعاون ناجحة مع (هيئة الموانئ السعودية) حيث قامت أكاديمية المحاكاة والتدريب البحري التابعة للهيئة بعملية نمذجة ناجحة لميناء رأس الخير في السعودية تمهيداً لتنفيذ عملية ازدواج لقناة الاقتراب في الميناء، وهو التعاون الذي شهد إشادة كبيرة من جانب وفد (هيئة الموانئ السعودية)».

واستعرض ربيع جهود توطين الصناعة البحرية في الترسانات والشركات التابعة لهيئة قناة السويس والتي شهدت طفرة كبيرة خلال العامين الماضيين تحت شعار «صنع في مصر» بجودة عالمية وأسعار تنافسية.

بدأت فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) في نسخته الخامسة عشر، والذي تنظمه الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري تحت رعاية جامعة الدول العربية وبالتعاون مع وزارة النقل المصرية بالقاهرة، خلال الفترة من 8 - 10 فبراير (شباط) الحالي.

وأشار رئيس الهيئة إلى أن إحصائيات الملاحة بالقناة خلال النصف الأول من العام المالي (2025/ 2026) شهدت تحسناً نسبياً مُسجلة نمواً في أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8 في المائة، وارتفاعاً في الحمولات الصافية بنسبة 16 في المائة، بما انعكس إيجاباً على زيادة الإيرادات بنسبة 18.5 في المائة، وذلك مقارنة بالفترة ذاتها من العام المالي 2024/ 2025.

وأضاف أن حركة الملاحة بالقناة منذ بداية العام الحالي 2026 سجلت عبور 1315 سفينة بإجمالي حمولات صافية 56 مليون طن محققة إيرادات قدرها 449 مليون دولار مقابل عبور 1243 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 47 مليون طن، محققة إيرادات قدرها 368 مليون دولار، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.


«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
TT

«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)

وقّع «صندوق النقد الدولي» مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي»، على هامش «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»؛ بهدف تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين، وقد وقّعتها المديرة العامة لـ«صندوق النقد الدولي» الدكتورة كريستالينا غورغييفا، والمدير العام لـ«صندوق النقد العربي» الدكتور فهد التركي.

تهدف مذكرة التفاهم إلى «تعزيز التنسيق في مجالات السياسات الاقتصادية والمالية، بما يشمل التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض، وتبادل البيانات والأعمال التحليلية، وبناء القدرات، وتقديم المساندة الفنية، دعماً للاستقرار المالي والاقتصادي في المنطقة».

وأكد الجانبان أن هذه المذكرة تمثل خطوة مهمة نحو «تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين المؤسستين، والإسهام في دعم شبكة الأمان المالي الإقليمي؛ بما يخدم الدول الأعضاء، ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية».