الأرمن.. تأثيرهم وبصماتهم على المشرق العربي

تحكّموا بمصير الدولة الفاطمية وتولّى 8 منهم الوزارة.. وانتفعوا من الصفويين وحظوا برعاية بريطانية في العراق العثماني (2-2)

جامع الحاكم بأمر الله
جامع الحاكم بأمر الله
TT

الأرمن.. تأثيرهم وبصماتهم على المشرق العربي

جامع الحاكم بأمر الله
جامع الحاكم بأمر الله

في الحلقة الثانية من بحثنا في تاريخ الأرمن في العالم الإسلامي نتعرض للعلاقة مع مصر الفاطمية والمملوكية، وكذلك جوانب من تاريخ توطّنهم في العراق ومنطقة الخليج وإيران. ومما يلفت الدور السياسي الذي لعبه الأرمن الذين اعتنقوا الإسلام في كل من الدولتين الفاطمية في مصر والصفوية في إيران، ناهيك من بروزهم الإداري والتجاري والحرفي.

قد يبدو عنوان العلاقة مع الدولة الفاطمية لأول وهلة غريبا، لأن قلة نادرة من القراء ربما تعرف هذا الجانب من تأثير الأرمن في الكيانات السياسية التي قامت في العالمين العربي والإسلامي في العصر الوسيط، غير أنها حقيقة ذكرتها المصادر التاريخية، لا سيما في القرن الأخير من الحكم الفاطمي بين عامي 1074 و1163م.
هذه كانت حقبة عابرة لاتفاق دائم بين الأرمن الطائفيين المتعصبّين والمسلمين، نوقشت بمحتواها الشامل كظاهرة لما عُرف بـ«الفاطميين الأرمن»، وتُعدّ جزءًا من تيار تاريخي بدأ قبل رسوخ المسيحية في «أرمينيا الكبرى» بشرق هضبة الأناضول و«أرمينيا الأخيرة» في كيليكيا بغرب الأناضول وسواحل المتوسط خلال القرن الثالث الميلادي. ومنذ القرن الرابع وحتى القرن الخامس عشر شكّلت النزاعات والحركات مرحلة سياسية وثقافية كانت بعمومياتها مذاهب دينية اتخذت لها قرارات سياسية، وكثيرا ما كانت معاكسة للكنيسة الأرمنية في منظورها الشامل.
لكن جزءا من التاريخ الثقافي الأرمني خلال العصور الوسطى ظلّ مرتبطا بجذور شرق أوسطية، وتحديدا، بالمناخ الإسلامي، إلا أن المؤرخين الأرمن تجاهلوا هذا الارتباط واعتبروه مجرّد شوارد لا يُعتدّ بها، وغاب عن بالهم أنه الحلقة المفقودة للتاريخ الإسلامي الأرمني.
وهنا نشير إلى أن وثائق كتبها «الإسماني» هوفهان الأرضرومي (توفي عام 1293م) - والإسمانية (Nominalism) مذهب فلسفي يقول بأن المفاهيم المجرّدة لا وجود حقيقيا لها بل هي مجرد أسماء لا غير - تُعدّ خلاصة لأفكار ظهرت خلال القرن العاشر الميلادي هي «رسائل إخوان الصفاء»، أطلق عليها اسم «رؤية من كتابات المسلمين ومفكّريهم». وممّا قاله هوفهان «لمن يطلب المعرفة من الأرمن ألا يهمل ما يكتبه الأقوام الآخرون»، قاصدا المسلمين ومفكّريهم. كذلك لوحظ أنه كان يكتب عن تضامن شباب الأرمن بالأسلوب نفسه الذي كان الخليفة العباسي الناصر (1180 – 1225) يكتب به أفكاره عن «تشكيلات الفتوة» في بغداد التي لعب المفكّرون الإسماعيليون دورًا مهمًا في بعثها، وبالتالي، اعتُبرت كتابات هوفهان أول اتصال فكري بين الأرمن والمسلمين خلال العصور الوسطى.
أما كتُب «الإسماني» الآخر، كريكور التاتفي (1346 - 1409)، في الأدب الجدلي، فكانت تخاطب متكلّمي الفارسية من غُلاة المسلمين الشيعة، الذين كانوا مثل الأرمن المتعصبّين المعروفين منذ القرن الرابع. وعرض فيها سبعة قرون من التحالف العسكري والسياسي بين مسلمي تلك الأصقاع والأرمن، ومن ثم تهجير الأرمن إلى نواحٍ مختلفة من الإمبراطورية البيزنطية مثل قبرص وصقلية وصولا إلى بولندا، ما جعل غالبيتهم تعتنق الإسلام. ومن هذه الفئة جاء عدد من الوزراء الفاطميين من ذوي الأصول الأرمنية. وهنا ينبغي تذكّر أن التأثير الإسلامي أخذ ينمو ويحظى بقبول جماعي خلال فترة السيطرة الإسلامية على أرمينيا لمدة تقارب القرنين بعد موجة الفتوحات الإسلامية الأولى. ومن ثم انخرطت في النشاط العسكري مجموعات من المكوّن الأرمني، الذي كانت تغلب عليه حياة الزراعة والرّعي، ونمّت لديه المهارات القتالية والعسكرية، وقاتل بعض الأرمن غير المتعصبّين المعروفين بـ«الأرمن الشمسية» في بلاد الشام بالفعل ضد «الفرنجة» (أو الصليبيين) في الحملات الصليبية.
ولاحقا ازدادت هجرة الأرمن إلى بلاد الشام ومصر، ووفق المصادر الأرمنية فاقت أعداهم المائة ألف. وفي مصر بالذات بدأ نشاطهم نحو منتصف القرن الـ11 الميلادي انطلاقا من بروز دورهم في الجيوش الفاطمية، وتألف منهم ما سمي بـ«الجيوشية»، ثم تدرّجوا إلى حكم الولايات، ووصولا إلى التوزير، مع تعيين «أبي النجم» بدر الجمالي أول وزير أرمني مسلم عام 1074م.
لا بد لنا هنا من التوسّع في شرح هذه الفترة الأرمنية في مصر الفاطمية وما واكبها من أحداث أدت إلى بروزهم نتيجة النزاعات المستمرة بين الأتراك والبربر والأفارقة المنضوين في الجيوش الفاطمية، والتي أدت إلى أزمات شلّت مفاصل الحكم نتيجة المجاعة، فشارف الحكم على الانهيار، وبلغت أسوأ مراحلها إبان حكم الخليفة الفاطمي المستنصر بالله الذي امتد نحو 60 سنة.

بدر الجمالي

بدأت مسيرة بدر الجمالي صعودا مع تعيينه حاكما لدمشق عام 1063م (455هـ). وكان حقا من ألمع القادة العسكريين وأكثرهم حنكة وأقدرهم إدارة، وأثبت قدراته الاستثنائية عند توليه قيادة العسكر في عكا بفلسطين إبان فترة الصدامات مع السلاجقة الأتراك والطوائف المحلية المتمردة على الحكم الفاطمي الإسماعيلي. ونجح القائد اللامع في فرض الاستقرار على السواحل بين الشام ومصر، فاستنجد به الخليفة المستنصر عام 1073م. وحين عاد بدر إلى القاهرة رأى أن يكون على رأس أولوياته النظر في الشؤون الاقتصادية وتحسين أوضاعها والخروج من الضائقة المالية المطبقة على الدولة، والقضاء على محنة المجاعة، وبعدها إنقاذ البلاد من خطر السلاجقة ومنعهم من مهاجمة مصر نهائيا.
وحقق بدر الجمالي ما هدف إليه، وقضى على الخطر السلجوقي، فأطال عمر الحكم الفاطمي 100 سنة إضافية. وعندما توفي عام 1094م ترك للمستنصر حكما راسخا وقويا، وجاء شكره والامتنان له بما فاق المتوقّع إذ تزوّج المستنصر ابنته، وأعطيت الوزارة لابنه الأفضل من بعده. ومشى الأفضل على سيرة أبيه فشكّل معه عمليا «حكم الأرمن» الذي استمر نحو قرن.
وربما يلاحظ المتابع أن إخلاص الأرمن المسلمين لخلافة الفاطميين الإسماعيليين، على الخصوص، راجع لاحتمالين أساسيين:
الأول: العلاقات الوطيدة التي أرساها الداعية الإسماعيلي أبو حاتم الرازي (ت 932م)، الذي زار أرمينيا وتقرّب من أحبار الكنيسة الأرمنية وكان على معرفة وافية بمذاهبها واتجاهاتها، مما عزّز التقارب بين الفئتين.
والثاني: زواج الخليفة المستنصر من ابنة بدر الجمالي، الذي أثمر عن إنجاب ولده أحمد (الخليفة المستعلي بالله لاحقا) الذي كان الوزير الأفضل بن بدر خاله.
المستنصر، ثامن الخلفاء الفاطميين والإمام الثامن عشر للإسماعيليين، توفي بعد فترة وجيزة من وفاة بدر عام 1094م، مخلّفا أربعة أبناء هم: نزار وعبد الله وإسماعيل وأحمد. وعند وفاة المستنصر طالب الوزير الأفضل نزار – وكان في الخمسين من عمره حينئذٍ – بإبراز «النص» المكتوب لتوليته (وهذا مبدأ جعله الإمام جعفر الصادق شرطاً لانتقال الإمامة).
لكن نزار أخفق في ذلك وفرّ إلى الإسكندرية واستعان بمريديه، ومنهم حسن الصبّاح، الذي ادعى أن المستنصر كان قد أخبره شفاهةً حين كان في القاهرة عام 1086م بأحقّيّة نزار بالخلافة. غير أن الأفضل بن بدر بما لديه من سطوة ونفوذ أسند الخلافة إلى ابن أخته أحمد الذي سرعان ما حكم باسم المستعلي بالله – كما سبقت الإشارة – وكان له من العمر يومذاك 18 سنة. ثم هاجم الأفضل نزار ومناصريه، وبعد أسره جلبه إلى القاهرة وسجنه حتى مات في السجن (وفق رواية أتباع المستعلي).
وقع عند هذا المفصل الانشقاق الكبير في المذهب الإسماعيلي بين النزارية (يعرفون في الهند بـ«الخوجا»، وفي باقي العالم بـ«الآغاخانية») والمستعلية (الذين انقسموا إلى فرقتين هما «الحافظية» و«الطيبية» – «البهرة» في الهند – وهؤلاء بقوا ملتزمين النهج الفاطمي)، وظهور حركة الحشّاشين (Assassins) بزعامة حسن الصبّاح، ذي الأصول الحميرية اليمنية، في جبال شمال إيران - وهذا موضوع يطول شرحه.
لكن ما يمكن قوله هنا هو أن فترة توزير الأرمن المسلمين بدأت مع بدر الجمالي عام 1073م، وانتهت بعد مقتل ابن رزق (رزيق) آخر وزير أرمني ، عام 1163م. وتولّى خلالها ثمانية وزراء منهم. وللعلم، امتد العهد الفاطمي 262 سنة تولّى الخلافة خلالها 14 خليفة، حتى أفول نجمها عام 1171م، وتسلُّم الأيوبيين السلطة وإعادة صلاح الدين الأيوبي المذهب السنّي إلى مصر.

الأرمن والدولة الصفوية – إيران

لعب الشاه عباس (أعظم شاهات الصفويين) دورا كبيرا في توطين الأرمن في إيران عند نهاية القرن السادس عشر الميلادي ومطلع القرن السابع عشر – وتحديدا عام 1605م – وذلك إبان حروبه المستمرة ضد العثمانيين. وكان العثمانيون نتيجة إنهاكهم في حروب البلقان واجهوا موجة من الثورات والانتفاضات داخل دولتهم، سببها ضيق الناس من استمرار الحروب والتجنيد الإجباري والضرائب الباهظة المفروضة عليهم. ومنحت تلك الفترة الحرجة بين 1596 و1608م فرصة ذهبية استغلها الشاه عباس لنسف اتفاقيات السلام المعقودة بين الفريقين، عازيا ذلك إلى فقدان الأمان وتكرار تعديّات ولاة المناطق الحدودية على أراضي دولته.
استغل الشاه عباس تلك الظروف، وإن بدا لبعض الوقت وكأنه غير مكترث بما يحدث في الشمال مركزا جهوده جنوبا في التصدي للتوسع البرتغالي في الخليج. غير أنه سرعان ما باغت العثمانيين بالمسير شمالا نحو مدينة قزوين (العاصمة القديمة)، ثم احتلال اردبيل وتبريز. ومن هناك عبر بجيشه نهر آراس (آراكس) متوغّلا في أرض أرمينيا، حيث استسلمت مدنها له دون مقاومة، حتى غدا على مشارف العاصمة الأرمنية إريفان (يريفان). ولقد رافق الشاه الصفوي في زحفه هذا ممثل لإمبراطور النمسا رودولف الثاني الذي استقبله الأرمن بحرارة كونه – يومذاك - ممثل أقوى دولة مسيحية في أوروبا، وكانت تقاوم التوسّع العثماني في العالم المسيحي. ونظم الأرمن احتفالا مشهودا للجيش الصفوي حين دخل مدينة جلفا، التي كانت لتجّارها مصالح واسعة مع إيران.
وعلى صعيد تلك المعارك، استسلمت الحامية العثمانية في إريفان للصفويين طوعا بعد محاصرتها العاصمة الأرمنية، وتلقى الشاه الصفوي تهاني الإمبراطور أكبر، إمبراطور الهند المغولي. وكنتيجة للتوسع الصفوي بدأت الإمبراطوريات والممالك الأوروبية ترسل سفراءها إلى الشاه عباس، وكانت الغاية أن تتضامن كلها للانقضاض على العثمانيين الذين كانوا يقلقون أوروبا المسيحية. وفي المقابل، جرّد العثمانيون حملة عسكرية لصدّ تقدم جيش الشاه عباس قادها القائد (والصدر الأعظم لاحقا) سنان باشا.
وهنا، قرّر الشاه عباس الانسحاب، وطلب ذلك أيضا من الأرمن في إريفان ونخجوان وجلفا، وناشدهم ألا يتركوا أي مؤن أو طعام للجيش العثماني المتقدم، وبلغت أعداد الأرمن المنسحبين مع القوات الصفوية عبر نهر آراس نحو 60 ألف عائلة. حظي أرمن جلفا لذلك بمعاملة مُميزة من الشاه، فباتوا وسطاءه المفضّلين في توسيع تجارة الحرير الخام إلى أوروبا. وكان هذا الحرير يرسل إلى أسواق أوروبا عبر حلب مقابل عملات فضية، كما كان يرسل وفودا منهم إلى البندقية بإيطاليا للقيام بالمهمة نفسها، خصوصا أن الشاه عباس نفسه كان من أكبر المتاجرين بالحرير الخام، بل كان عمليا يحتكر تجارته في كل البلاد.
بناءً على ما سلف، تجدر الإشارة إلى تولّي الأرمن الوزارة حين ساءت الأحوال السياسية والاقتصادية في دولة الصفويين في أعقاب وفاة الشاه عباس، كما حصل لهم من قبل مع الفاطميين. إذ جرى توزير خليفة سلطان عام 1654م، وبعد وفاته خلفه محمد بك وهو مثل سلفه من الأرمن المسيحيين الذين تحوّلوا إلى الإسلام. ويمكن اعتبار عام 1605م بدء تاريخ استقرار الأرمن في إيران، ومن ثم ازداد تدفقهم، ومنها انتشروا لاحقا في عدد من الأقطار العربية بعد سقوط الدولة الصفوية عام 1722م التي كانت تحميهم.

الأرمن في العراق إبان الحكم العثماني

لعبت الأقلية الأرمنية دورًا مهمًا وكبيرًا في العراق، وتحديدًا في القطاع التجاري، منذ بداية القرن الميلادي السابع عشر مستفيدة من سياسة الصفويين وحمايتهم، وكانت تلك السياسة تقوم على تنشيط الحركة التجارية اعتمادًا على الأقليات الإثنية. وبالإضافة إلى الأرمن استفاد أيضا من هذا المناخ التجار اليهود والهنود (البانيان). وكانت الدولة الصفوية قد جعلت من عاصمتها أصفهان مركزا تجاريا رئيسيا لجذب المصالح الأوروبية في منافسة مباشرة مع النفوذ العثماني الذي كان يغطي العراق، ونجحت في التحالف مع بريطانيا بشل التوسع البرتغالي في الخليج والقضاء عليه نهائيا عام 1622م. وهنا من المفيد الإشارة إلى أنه إبان فترة الاحتلال الصفوي لبغداد تولى حكم المدينة ضابط من أصل أرمني هو بكداش باشا (1630 – 1635م). غير أن غروب شمس الصفويين عام 1722م حمل معه فقدان الأرمن الرعاية القوية التي حظوا بها نحو قرن من الزمن، لكنهم مع ذلك حافظوا قدر الإمكان على مكانتهم المالية والتجارية المهمة، وظل وضعهم طيبا قرنا آخر، أي طوال القرن التاسع عشر.
وتقرّ جميع المصادر بأن التجار الأرمن الذين استقروا في مدينة البصرة كانوا يسيطرون على معظم التجارة مع الهند، إذ تذكر تقارير وكالة الهند الشرقية البريطانية عام 1729م أنهم كانوا وراء عمليات الاستيراد من البنغال، وهو ما تثبته سجلات (Manifests) السفن البريطانية العاملة على خطوط الهند وموانئ الخليج. كذلك فإن السفن المغادرة من البصرة إلى سَورَت (Surat) كانت تحمل إرساليات من اللؤلؤ لحساب تجار أرمن. وكانت البصرة حينذاك مركزا رئيسيا لتجارة اللؤلؤ حتى إن اللؤلؤ في الهند كان ينسب إليها فيقال باللغة الهندية «موتي بصرة» أي لؤلؤ بصري. ثم إن السجلات نفسها تشير إلى تردد التجار الأرمن على الهند طوال القرن، وكذلك إلى العلاقات مع التجار الأرمن في حلب بشمال سوريا. والجدير بالذكر أن خط القوافل الذي يربط أوروبا والهند وشرق آسيا عبر البحر الأبيض المتوسط كان يمرّ بحلب ثم البصرة، ومنها إلى الهند فالشرق الأقصى.
أيضا، كانت المشاركات العائلية بين طوائف التجار البصريين تضع التجار الأرمن خلال السنوات الممتدة طوال القرن في المرتبة الثانية، بإحدى عشرة مشاركة، مباشرة خلف المسلمين العرب (16 مشاركة)، متقدمين على التجار الفرس بالمرتبة الثالثة (9 مشاركات). أما التجار اليهود فجاءوا في المرتبة الرابعة (5 مشاركات). وكان التنافس التجاري الأشد بين الأرمن واليهود.
ومعلوم أنه لا بد لطبقة التجار، من جميع الأطياف، من التمتّع بدعم الحكومات أو المؤسسات الضخمة لأسباب عرقية أو دينية أو طائفية. وفي هذا السياق نتوقف عند الروابط القوية التي قامت بين البريطانيين والأرمن. وكان يُعتقَد منذ القرن السابع عشر أن التجار الأرمن كانوا يشكلون عوائق أمام التجار الأوروبيين تمنعهم من التغلغل في الأسواق المحلية، فكانت منافستهم حادة إلى درجة العرقلة للتجار البريطانيين والهولنديين في مدن الإقليم وموانئها. ولغاية عام 1724م كان الوكيل البريطاني في البصرة يشكو من مزاحمة الأرمن التي «تصل إلى حد الضرر وفي كل مناسبة».
إلا أن التنافس تحوّل إلى تعاون وتوافق، خاصّة بعدما فقد الأرمن دعم الصفويين ورعايتهم، وهكذا تحوّلوا لتعويض سندهم السابق بصداقة البريطانيين ورعايتهم وحمايتهم. وحقا، كان البريطانيون راغبين في لعب هذا الدور، وكانوا يبرّرون ذلك بأنه يستحيل وجود تجارة مُربحة لبلد ما من دون مساندة من التجار المحليين. كما أن من عوامل نجاح هذه العلاقة إجادة اللغة وتحديد أو تنظيم مهمة الوكيل وهذا ما توافر للبريطانيين مع الأرمن.
وفي المقابل، أثبت البريطانيون القدرة على تأمين الحماية المطلوبة بامتياز عندما سُجن تاجر أرمني عام 1754م على أثر شرائه عبدا مسلما، وتمكّن الوكيل من إطلاق سراحه، وكانت تلك أول محاولة أثبتت فعليا مجال التعاون. وفي نهاية القرن أصبح كل التجار الأرمن محصّنين بالرعاية، بل والحماية، البريطانية وكأنهم جزء من الوكالة البريطانية.
أدى هذا الوضع الجديد إلى تفاقم الخلافات بين التجار الأرمن ومنافسيهم اليهود، والتي بلغت مداها الأقصى عام 1791م عندما عُثر على جثة تاجر يهودي مرمية قرب مكبّ للفضلات خارج حدود مدينة البصرة. ويومذاك اتهم اليهود رجلا أرمنيا بجريمة القتل، وعلّلوها بالكراهية الدينية المزمنة بين المسيحيين واليهود، وتجمّع مئات من اليهود أمام مقر المتسلّم مطالبين بقصاص القاتل. وبالفعل، أمر المتسلّم باعتقال عدد من الأرمن، إلا أنه عندما تناهى النبأ إلى أسماع الوكيل البريطاني قابل المتسلّم وأعلمه بأن الأرمن تحت حماية بريطانيا. وبعدها تعقّدت الأمور وانتقلت الشكوى إلى سليمان باشا، الوالي العثماني في بغداد، الذي أخذ جانب اليهود. وكانت النتيجة انسحاب الوكالة البريطانية وإغلاقها أعمالها وانتقالها إلى الكويت، وكان ذلك يوم 30 أبريل (نيسان) 1793م، وبقيت في الكويت لمدة سنتين.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الأرمن كانوا في تلك الفترة يشكلون غالبية المسيحيين في البصرة، غير أن نسبتهم تناقصت بفعل تزايد هجرات الكلدان (النساطرة الكاثوليك) خلال القرن التاسع عشر من بغداد وحلب، ثم هجرات الآثوريين (النساطرة الأرثوذكس) من محيط الموصل، للعمل أساسا على البواخر النهرية العاملة بين بغداد والبصرة، إضافة إلى السريان (اليعاقبة) الكاثوليك وبنسبة أقل السريان الأرثوذكس. ومجدّدا، ازدادت أعداد الأرمن بعد ما وصف بالمذابح الأرمنية بين 1911 و1917م. واستقرّ اللاجئون الأرمن في مدنٍ من خيام أقامتها لهم السلطات البريطانية بعد احتلال البصرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 1914، إلا أن اللاجئين نقلوا لاحقا إلى مساكن خاصة بهم في ما عُرف بـ«كامب أرمن» (معسكر الأرمن)، بقيت من دون تغيير حتى ستينات القرن العشرين. وكان الأرمن يشكلون قوة عاملة من الكتبة وذوي المهارات الحرفية العالية عملت في شؤون الموانئ وشركات النفط وغيرها.

الأرمن والخليج

عموما لم يكن للأرمن شأن يذكر أو وجود مؤثر، بل كانت هناك مبادرات فردية وشذرات فردية، منها ما يلي:
في الكويت، كانت المقابلات بين الشيخ مبارك (الكبير) الصباح وقباطنة السفن الروسية تجري باللغة الفرنسية. وذكر قبطان المدمرة «أسكولد» (Askold) عند زيارته الكويت يوم 9 نوفمبر 1902م أن المترجم كان رجلا أرمنيا يعمل وكيلا لشركة بواخر في الكويت، ويسكن في بيت الشيخ مبارك، مما يعني أن الأرمن كانوا من القلة التي تجيد اللغات الأوروبية. وتذكر السجلاّت البريطانية أن أفرادا أرمن عملوا في تجارة التبغ وموظفين في شركات الملاحة الأجنبية.
وفي البحرين، كانت لعبد النبي آغا جعفر كازروني تجارة ناشطة، وكان على علاقة وثيقة بتجار أرمن في البصرة بينهم كاربيبيان ودرفيشيان، وفي جلفا الجديدة بأصفهان كذلك.
أما في بوشهر، بجنوب غربي إيران، فاشتهرت عائلة مالكام (مالكولم) التي كانت لها علاقات قديمة أولا في بندر عباس إبان حكم الصفويين، ثم لاحقا في بوشهر. وبرز من هذه العائلة جيمس آرتون (وارطان) مالكولم (1888 – 1952م) الذي درس في جامعة أكسفورد البريطانية العريقة وقبلها في مدرسة خاصة راقية تحت رعاية السير ألبرت ساسون من مؤسسي البنك الشرقي، وكان صديقا للسير مارك سايكس أحد «مهندسي» اتفاقية «سايكس – بيكو»، وكان ممثلا للمنظمة الأرمنية العالمية في لندن. ويذكر أن بعض التجار من بقايا فترة الصفويين استقروا في بوشهر تحت الحماية البريطانية عندما كانت مقرّ المقيمية السياسية للمعتمدين البريطانيين في الخليج.

مقتطفات عن الأرمن من «كتاب الظاهر بيبرس» ـ مصر

> إبان عهد السلطان المملوكي الظاهر بيبرس في مصر والشام، كانت تقوم ممالك مسيحية مجاورة منها في كيليكيا، بجنوب الأناضول، منها مملكة أرمينيا المتأخرة (1223 - 1280) التي توّج أول ملوكها الإمبراطور فريديريك الأول بارباروسا ملك ألمانيا عام 1198، وكان لعائلتها المالكة مصاهرة مع أمراء أنطاكية Antioch. ولقد قامت هذه المملكة بموازاة ممالكة الفرنجة (الصليبية) في شرق المتوسط وزالت بزوالها.
ومن ثَم، غدت كيليكيا حاضنة للدولة السلجوقية المسلمة في منتصف القرن الميلادي الثالث عشر، التي توسّعت لاحقًا لتشمل كل بلاد الأناضول، وكان السلطان ملك شاه من أبرز سلاطينها، وفي عهده غدت دولة مترامية الأطراف ضمت العراق وإيران، وبلغت من القوة حد إلحاق جيشها الهزيمة بجيش الإمبراطور رومانوس السادس.
بعدها احتلّ المغول أرمينيا عام 1232 في زحفهم الكبير الذي قوّض الدولة العباسية في بغداد يوم 10 فبراير (شباط) 1258. وكان الملك هيثوم الأول (ملك أرمينيا الصغرى 1227 – 1270) قد توقّع سيطرة المغول الآتية، التي تحققت بالفعل عام 1243. وعندما كُسر الجيش السلجوقي استسلم هيثوم دافعًا من الأموال ضرائب تبغي سلامة مملكته وحمايته من أعدائه، مع العلم بأن السلاجقة أعادوا بعد ذلك تنظيم صفوفهم، وتحالفوا مع الأمير الأرمني لامبروت. وعندها ساعد الملك الأرمني القائد المغولي هولاكو في هجومه على حلب في فبراير 1260، كما شاركه بنصيب كبير من الغنائم، وأعاد إليه هولاكو ما اغتصب من أراضيه.
وعندما أرسل الظاهر بيبرس - سلطان المماليك الذين خلفوا الأيوبيين في حكم مصر - جيشه إلى حلب عام 1262 لمهاجمة المغول شارك الملك الأرمني هيثوم المغول - الذين كان قد ساعدهم على احتلال سوريا - بالتصدي لجيش المماليك ومعه بعض القبائل العربية القاطنة في البادية السورية. ولكن ما أن حلّ شهر يونيو (حزيران) 1264م (شعبان 662ه) حتى أطبق جيش بيبرس على جيش الأرمن من جميع الجهات وألحق بالأرمن هزيمة شنعاء وفرّ ملكهم. ولاحقًا، اضطر هيثوم للتنازل عن قلاع عسكرية كثيرة، كما تنازل عن عرشه لابنه ليفون الثاني عام 1270 واعتزل في أحد الأديرة حتى وفاته.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.