روسيا تشن هجوماً في اتجاهات عدة للسيطرة على دونباس بالكامل

المخابرات البريطانية: موسكو تحشد قوات الاحتياط قرب أوكرانيا لشن هجوم في المستقبل

واصل الجيش الروسي قصفه يوم السبت لمنطقة دونيتسك في شرق البلاد (رويترز)
واصل الجيش الروسي قصفه يوم السبت لمنطقة دونيتسك في شرق البلاد (رويترز)
TT

روسيا تشن هجوماً في اتجاهات عدة للسيطرة على دونباس بالكامل

واصل الجيش الروسي قصفه يوم السبت لمنطقة دونيتسك في شرق البلاد (رويترز)
واصل الجيش الروسي قصفه يوم السبت لمنطقة دونيتسك في شرق البلاد (رويترز)

واصل الجيش الروسي قصفه المتواصل، السبت، لمنطقة دونيتسك في شرق البلاد، حيث يخطط بعد أربعة أشهر ونصف شهر من بدء الحرب في أوكرانيا «لشن عمليات جديدة»، وفقاً لمسؤولين أوكرانيين، بينما وعدت الولايات المتحدة بتقديم مساعدات عسكرية جديدة لكييف، بما فيها قاذفات صواريخ قوية وقذائف دقيقة، تلبية لمطالب كييف بمزيد من المساعدات العسكرية. وقال مسؤولون أوكرانيون، إن القوات الروسية شنت قصفاً عنيفاً على بلدات وقرى بالتزامن مع هجوم من عدة اتجاهات، فيما قالت المخابرات العسكرية البريطانية، أمس السبت، إن روسيا تقوم بنقل قوات الاحتياط من جميع أنحاء البلاد وتحشدها بالقرب من أوكرانيا من أجل القيام بعمليات هجومية في المستقبل. وذكرت وزارة الدفاع البريطانية في نشرة دورية على «تويتر»، أن نسبة كبيرة من وحدات المشاة الروسية الجديدة تنتشر على الأرجح بمركبات مدرعة «إم تي - إل بي».
وقال حاكم منطقة لوغانسك، سيرهي غايداي، عبر تطبيق «تليغرام»، «الروس يطلقون النار على طول خط المواجهة بأكمله». وأضاف: «يحاول العدو التقدم من التجمعات السكنية بمنطقة لوغانسك إلى أقرب القرى في منطقة دونيتسك».
وتقول روسيا إنها تريد انتزاع السيطرة على منطقة دونباس بأكملها، وهي منطقة صناعية في الشرق مكونة من إقليمي لوغانسك ودونيتسك، لصالح الانفصاليين الذين تدعمهم في جمهوريتين أعلنتا استقلالهما من جانب واحد في وقت سابق. وبعد الاستيلاء على مدينة ليسيتشانسك، يوم الأحد الماضي، وإحكام السيطرة على لوغانسك، أوضحت روسيا أنها تخطط للاستيلاء على أجزاء من المنطقة المجاورة. وقال غيداي، إن القوات الروسية لم تتوقف بعد تقدمها الأخير في الشرق. وأضاف: «إنهم يهاجمون أراضينا، ويقصفونها بالشدة نفسها كما حدث في السابق». كما استولى الروس على مساحة كبيرة من الأراضي في جنوب أوكرانيا، وأضاف أن «خط الجبهة بأكمله يتعرض لقصف مستمر»، مضيفاً أن الروس «لا يكفون عن القصف باتجاه دونيتسك (...) باخموت وسلوفيانسك تُقصفان ليلاً نهاراً، وكذلك كراماتورسك».
واستبعد المبعوث الروسي لدى لندن احتمال انسحاب بلاده من المناطق الأوكرانية الخاضعة لسيطرة موسكو. وقال السفير أندريه كيلين لـ«رويترز»، إن القوات الروسية ستسيطر على باقي أنحاء دونباس، مستبعداً انسحابها من أي أراضٍ على الساحل الجنوبي. وأضاف أن أوكرانيا سيتعين عليها عاجلاً أم آجلاً أن تبرم اتفاق سلام مع روسيا أو «ستواصل الانزلاق من على هذا التل» إلى هاوية الدمار.
وفي الأجزاء التي تحتلها روسيا من منطقتي خيرسون وزابوريجيا في الجنوب، حثت نائبة رئيس الوزراء الأوكراني السكان على الإجلاء قبل أن تشن القوات الأوكرانية هجوماً مضاداً. ونقلت وسائل إعلام أوكرانية عن إيرينا فيريشتشوك، قولها «أرجوكم غادروا. سيبدأ جيشنا في استعادة هذه المناطق. إرادتنا قوية للغاية». كما ذكرت وسائل إعلام أوكرانية، نقلاً عن مصادر عسكرية، أنه تم «القضاء» على 194 جندياً روسياً في الجنوب خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.
وقال ميخايلو بودولياك، كبير المفاوضين الأوكرانيين في المحادثات المتوقفة مع موسكو، في وقت سابق، إن الجيش الروسي اضطر إلى وقف عملياته لإعادة إمداد قواته، وكذلك بسبب الخسائر التي تكبدها. وأخبر بودولياك «قناة 24» التلفزيونية الأوكرانية: «من الواضح أنه يتعين عليهم إعادة الانتشار والدفع بقوات وأسلحة جديدة، وهذا أمر جيد جداً. هناك نقطة تحول بدأت تتشكل لأننا نثبت أننا سنهاجم مرافق التخزين ومراكز القيادة».
وأعطت تصريحات السفير كيلين في المقابلة التي جرت في مقر إقامته بلندن فكرة أوضح عن الهدف النهائي لروسيا من حربها في أوكرانيا، وهو السيطرة على الأراضي بما سيحرم الجمهورية السوفياتية السابقة من أكثر من خمس أراضيها. وقال مسؤولون أوكرانيون، إنهم بحاجة إلى مزيد من الأسلحة الغربية الثقيلة لتعزيز دفاعاتهم. ووقع الرئيس الأميركي جو بايدن، أمراً بإرسال أسلحة جديدة تصل قيمتها إلى 400 مليون دولار لأوكرانيا، أمس الجمعة، تشمل أربعة أنظمة صاروخية إضافية من طراز «هيمارس» والمزيد من الذخيرة.
وشكر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بايدن، على «تويتر»، على الأنظمة الصاروخية والذخائر التي قال إنها احتياجات ذات أولوية.
وتعليقاً على توريد الأسلحة الجديدة، قالت السفارة الروسية في واشنطن، إن الولايات المتحدة تريد «إطالة أمد الصراع بأي ثمن» وتعويض الخسائر العسكرية الأوكرانية.
وبدأت الولايات المتحدة في تقديم أنظمة الصواريخ الدقيقة لأوكرانيا، الشهر الماضي، بعد تأكيدات بأنها لن تستخدمها لضرب أهداف في روسيا. وعزت كييف نجاحاتها الأخيرة في المعارك إلى تسلح قواتها بأنظمة «هيمارس».
أعلنت الحكومة البريطانية، السبت، وصول أول مجموعة من الجنود الأوكرانيين إلى المملكة المتحدة لتلقي التدريب في إطار دعم لندن لكييف منذ الغزو الروسي لأوكرانيا.
وقال وزير الدفاع البريطاني بن والاس، في بيان، «هذا البرنامج التدريبي الجديد والطموح هو المرحلة التالية من دعم المملكة المتحدة للقوات المسلحة الأوكرانية في حربها للتصدي للعدوان الروسي». وأضاف وزير الدفاع الذي حضر التدريبات هذا الأسبوع أنه بفضل «خبرة» الجيش البريطاني «سنساعد أوكرانيا على إعادة بناء قواتها وتكثيف مقاومتها للدفاع عن سيادة البلاد وحقها في تقرير مستقبلها». وفقاً لوزارة الدفاع، تم حشد 1050 جندياً بريطانياً في هذا البرنامج الذي ينظم في مواقع عسكرية شمال غربي وجنوب غربي وجنوب شرقي المملكة المتحدة. وستستغرق كل دورة أسابيع و«ستزود المجندين المتطوعين أصحاب الخبرة المحدودة أو المعدومة بالمهارات اللازمة ليكونوا فاعلين في القتال على خط الجبهة»، كما ذكرت وزارة الدفاع البريطانية في بيان. ويشمل التدريب استخدام الأسلحة والإسعافات الأولية والتقنيات الميدانية والدوريات وقانون النزاعات المسلحة.


مقالات ذات صلة

روسيا تريد «ضمانات أمنية» في أي تسوية لحرب أوكرانيا

أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (إ.ب.أ)

روسيا تريد «ضمانات أمنية» في أي تسوية لحرب أوكرانيا

وزير الخارجية سيرغي لافروف يقول إنه لا يوجد ما يدعو للتحمس تجاه الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي على أوروبا وأوكرانيا، إذ لا يزال هناك طريق طويل للمفاوضات.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟