ملامح من تاريخ الأرمن في العالم الإسلامي

مئوية ما يطلق عليها بـ«الإبادة» وعلاقتها بالأتراك

أطفال أرمن في أحد مخيمات اللاجئين عام 1915 (غيتي)
أطفال أرمن في أحد مخيمات اللاجئين عام 1915 (غيتي)
TT

ملامح من تاريخ الأرمن في العالم الإسلامي

أطفال أرمن في أحد مخيمات اللاجئين عام 1915 (غيتي)
أطفال أرمن في أحد مخيمات اللاجئين عام 1915 (غيتي)

لقد عُنيت وأنا أسجل بعُجالة واختصار، مع شيء من العسر، بعرض تعريف هاد ربما يزيح بعض اللغط والكابوس، ويلطف ما يعتري النفوس، فقد ذهب أمس بما فيه وجاء يوم بما يقتضيه، ولقد حاولت منه جمع مضامين تاريخية غنية تنطلق بمعطيات علاقة الأرمن بالعالم الإسلامي بعيدة عن بلاء التكرار والنمطية، قريبة ما أمكن من التشويق بقدر ما يسمح فيه المجال، وقديمًا قالت العرب «المكان من المكين».
في نهاية سبتمبر (أيلول) 331 قبل الميلاد قضى الإسكندر المقدوني على الإمبراطورية الأخمينية الفارسية بعد إلحاقه الهزيمة بجيش داريوس (داريوش أو دارا) الثالث وضمه أراضيها إلى إمبراطوريته الممتدة من بلاد الإغريق إلى شبه القارة الهندية، وما بينهما، وبالتالي غدت أرمينيا جزءًا منها.
وعمومًا، تأخذ الأمصار أسماءها من تسميات شعوبها أو سكانها، في حالات أخرى تسميات حكامها ملوكًا كانوا أم زعماء، وثمة أسماء ترتبط بمواقع ومعالم جغرافية. وتبعًا لذلك يذكر المؤرخ الأرمني القديم موسى الخوريني أن تسمية أرمينيا جاء نسبة إلى الملك أرمو، وترجع إلى نهاية الإمبراطورية الآشورية، كما أنه يصرّ ومواطنه المؤرخ توما الأردزوني، وغيرهما من مؤرخي الأرمن القدماء، بأن الشعب الأرمني يتحدّر من نسل النبي نوح، ويعزون ذلك إلى قرب ديارهم أرمينيا من جبل آرارات الذي استقرّ عليه فلك نوح - أو سفينة نوح - بعد الطوفان الكبير، كما تذكر الديانات السماوية التوحيدية، ونحن هنا نعرض روايةً من وجهة نظر المؤرخين الأرمن ولا نجزم - طبعًا - بصحتها.
أما عن اتصال الأرمن بالعرب، فإنه بدأ منذ بداية الفتوحات الإسلامية وسقوط الإمبراطورية الساسانية الفارسية عام 642م. ونتج عنه احتكاكات بين الأرمن الذين كانوا قد اعتنقوا المسيحية عبر المُبشّر (المُنصّر) غريغوري (جرجورة) نحو عام 303م، وكثيرًا ما تدخّلت الكنيسة عبر رئيسها بتهدئة الاحتكاك والصراع بين أمراء الأرمن والخليفة الأموي عبد الملك بن مروان عام 702م. وهو ما أدى إلى استقرار الأمور وازدهار العلاقات، لا سيما، بعد العهود المواثيق التي وقعت بين الخليفة الأموي وملك الأرمن آشوت.
وما أن أخذت الإمبراطورية البيزنطية تبذل محاولات لكي يتبع الأرمن الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية حتى ابتدأ السلاجقة التحرّش عام 1020م، ومن ثم انتهى الأمر باحتلال جزء كبير من بلاد بيزنطة، وفي ما بعد أدى إلى اتحاد الأرمن مع الكُرد ليتولى زعامتهم لاحقًا من أطلق عليه مسمى «شاه الأرمن»، وهو كردي من أبناء عمومة صلاح الدين الأيوبي، وذلك حتى الاحتلال المغولي عام 1240م، وحينذاك هاجر من أرمينيا أعداد كبيرة إلى أوروبا (بولندا وبلاد البلقان) وبقية أراضي بيزنطة.
تخبرنا الوثائق التاريخية بوجود أدلة يُستشفّ منها من الإقليم الذي تقع فيه أرمينيا كانت تسكنه أقوام لا تنتمي إلى العنصر الآري قبل الميلاد بألف وخمسمائة سنة من العنصر الذي يُطلَق عليه في علم الأعراق الحديث اسم «آرمينويد»، ويعتبر الحثيون هم من يمثّل هذا العنصر. وأما سكان تلك البقعة فيطلقون على أنفسهم اسم «كالديني» نسبة إلى ربّ كانوا يعبدونه. ولكن نحو 700 قبل الميلاد غزت أقوام هندو أوروبية (آرية) مرتفعات أرمينيا وفرضت على السكان الأصليين لغتها. وعند بروز الميديين والفرس امتزجوا بهم ليصبحوا ما بات يعرف بالأرمن لاحقًا. إن سكان سلسلة جبال طوروس (في جنوب هضبة الأناضول) ومعظمهم من الفلاحين، وفق علماء الأعراق، كانوا من أصحاب البُنيات القوية الطويلة القامة والأشكال الوسيمة الجميلة، وكانوا يتميزون بالشجاعة أيضًا. أما سكان الوديان فكانوا من أصحاب البنيات المليئة (جسيمون) النشطة والشعر الأسود السابل والأنوف المعقوفة وكانوا زرّاعًا مهرة ورعاة ماشية، وأما أهل المدن منهم فكانوا حرفيين بارعين وتجار ناجحين وذوي ذكاء حاد، مما جعلهم يتعاملون مع أصقاع بعيدة مثل الهند والصين، كما كانت أفراد الطبقة الراقية منهم متعلمين متفوقين.

الأرمن وتركيا

كان همّ السلطان العثماني محمد الثاني «الفاتح» أن يجعل من مدينة بيزنطة أو القسطنطينية - كما عُرفت لاحقًا تكريمًا للإمبراطور قسطنطين - التي غدت إسطنبول (أو إسلامبول أو الآستانة) بعدما فتحها، عاصمة الدولة العثمانية. ويجعل منها بوابة لتفاعل الإسلام والمسيحية. كذلك كان محمد الثاني، وفق المصادر التاريخية، معجبًا بالثقافة الإغريقية، وبالذات، بشخصية الإسكندر المقدوني الذي كان كُتّاب يونانيون يقرأون له سيرته في مجالسه الخاصة، وكان يفكّر كثيرًا بما يمكن أن يجلبه اليونانيون من غنى ورخاء لعاصمته إسطنبول.
وبالفعل، قرّر مع مشاوريه عام 1455م - بعد سنتين من فتحه عاصمة المسيحية الشرقية سابقًا عام 1453م وجعلها عاصمة الخلافة - زيارة مقر رئيس البطارقة جيناديوس، ولقد طلب منه أن يكتب له شرحًا عن المسيحية تُرجِم من اليونانية إلى التركية لكي يطلع عليه السلطان، وأطلق على الشرح اسم «التفسير القصير لدين المسيح». والحقيقة، إن ذلك العمل لم يكن قصيرًا أو بسيطًا بل إن فحواه كانت صعبة حتى على من اعتنق المسيحية بعدما آمن بها. غير أن هذه الصعوبة لم تضعف عزيمة السلطان العثماني على الاهتمام بالتعاليم المسيحية ومبادئها. وكان من مُجمل مقتنياته «مهد المسيح» الذي قال عنه إنه لن يتخلّى عنه ولن يبيعه بأغلى الأثمان، كذلك احتفظ بجمجمة وعظام يوحنا المعمدان. ومع أن ليس كل مستشاري محمد الثاني كانوا يشاركونه عقليّته المنفتحة، فإنهم لم يستطيعوا تغيير تفكيره واهتمامه باحتواء المسيحيين وحمايتهم حتى وإن حدثت أعمال من شأنها إثارة الفتنة من جانب بعض المسلمين.
وهنا، تجدر الإشارة إلى أن السلطان محمد الثاني «الفاتح» كان أول من شجّع الأرمن المسيحيين على التوطّن في عاصمته إسطنبول، بعدما كانوا جماعات معزولة تسكن منذ القرن السادس قبل الميلاد بين شرق الأناضول وجبال القوقاز، ولقد انقرضت آخر مملكة لها خلال القرن الرابع عشر وكانت لها لغتها وحروفها، وكانت من الناحية الدينية تؤمن بأن المسيح ذو طبيعة واحدة (مونوفيسية) إنسانية مقدسة، بينما كانت الكنيستان الأرثوذكسية والكاثوليكية تؤمنان بأن له طبيعتين (دووفيسية) واحدة إنسانية والثانية قدسية.
أما من الناحية الاجتماعية، ومع أن الأرمن من أبناء بيئة جبلية فإنهم أجادوا المهن والحِرَف التي تحتاج إلى دقة ومهارة كالصياغة والنسج والبناء والنشاط التجاري عمومًا. وبناء عليه، من يتمتع بمهارات كهذه يكون هدفًا مطلوبًا لبناء الإمبراطوريات. وحقًا كتب المؤلف مايكل كرتوفوليوس أن السلطان محمد الثاني اهتم بجلب الأرمن ووضعهم تحت رعايته «لحيازتهم على كفاءات ومهارات استثنائية في شؤون المال والصناعة والمعرفة والبناء والقدرة على التعامل في الأسواق». وقد تكون هذه العبارة هي الصفة الناعمة لما فعله السلطان العثماني، بيد أن ما كتبه التاجر الأرمني نرسيس عام 1480م ليس بالقدر نفسه من الإيجابية؛ إذ كتب لائمًا السلطان «على إثارته زوبعة بين قومه والمسيحيين عندما نقلهم من مكان إلى آخر، وإني أخلط بين الوقت والمرارة حينما تحوّلنا من أماسيا إلى القسطنطينية (أي إسطنبول) بالقوة وليس برضانا، وإني لأخطّ ذلك بدموع وعويل».
بدأ صعود نجم الأرمن في الدولة العثمانية منذ عام 1700 مقابل انخفاض مكانة اليهود، حتى إن بعض كنس اليهود وأماكن عبادتهم في إسطنبول مهددة بالإقفال لتعثّر الحالة المادية للجالية وتعذر صيانتها، في حين ارتفعت أعداد القادمين الأرمن إليها بنتيجة تردي الأوضاع السياسية في أرمينيا وغرب الأناضول بفعل الثورات والحروب. ولقد أمتهن في مطلع عهد استقرارهم في العاصمة العثمانية مهنًا بسيطة مثل بيع الخبز وأواني الفخّار واللحم المجفّف المقدّد (البسطرمة) في شوارع المدينة. ثم انتقلوا إلى أعمال أرفع بفضل مساعدة القصر السلطاني خلال حكمي السلطانين مراد الثاني وإبراهيم نتيجة بروز اسم المعماري الأرمني سركيس باليان الذي أصبح معماري القصر، كما عيّن الأرمني دوزيان مدير دار المسكوكات النقدية عام 1727 بدلاً من مديرها السابق اليهودي ياقو بونفيل. ومن ثم، أصبح جميع العاملين فيها من الأرمن بفضل استمرار تولي مدراء من أسرة دوزيان حتى 1890 لأن سجلات العمل كانت تكتب باللغة والأحرف الأرمنية التي يجهلها الجميع باستثناء الأرمن.
أيضًا غدا أبناء أسرة دوزيان مسؤولين عن جواهر السلاطين الذين كانوا يعتبرونهم أكثر أمانة وصدقًا من موظفيهم من اليهود واليونانيين. ومن ثم صار ممصلافي القصر من الأرمن بين عامي 1770 و1840، وهكذا صار الأرمن العنصر الرئيسي في تمويل الولايات وجباية الضرائب وسن تشريعاتها، فبلغوا من رفعة الشأن والشهرة حد إطلاق عليهم ألقاب كـ«قادة الأمة» و«الأمراء اللامعين» أو «أمراء الشرف الرفيع». وكان قصر أرتين دوزيان، مدير دار المسكوكات من أفخم قصور المدينة المطلة على مضيق البوسفور، وفي هذا دليل على الجاه والسطوة. كذلك كان السلطان محمود الثاني صديقًا حميميًا لمستشاره الأرمني بازديجان هوريتليان وكان يزوره في بيته، وعند وفاته أمر السلطان بنقل جثمانه إلى القصر ليودعه قبل دفنه. وكان مدينًا له بإنقاذه إسطنبول من المجاعة عام 1829.
وبالنسبة لأمور الصناعة العسكرية، لعب الأرمن دورًا لا يستهان به، وبرز في مجال صناعة البارود والمتفجرات أفراد من أسرة داديان الشهيرة التي حصلت على صيت كبير امتد نحو قرن من الزمن منذ عام 1795 بدءًا من عميدها أراكيل الذي كسب لقب «بارود باشي»، ولقبه السلطان محمود الثاني «أسطى أراكيل أمين وعامل مجد دام حفظ الله». وجاء من بعد ابنه أوهانس الذي تولى أعمال أبيه وأضاف إليها مصنعًا للورق وآخر للنسيج وثالثًا للبنادق. وكان أوهانس داديان يجيد عدة لغات أوروبية، وزار فرنسا وبريطانيا مرتين أقام خلالهما لمدة سنتين لدراسة تطور صناعة الأسلحة ومستلزماتها حتى ما عادت الدولة العثمانية بحاجة إلى استيرادها.
من ناحية ثانية، وكدليل على تطوّر مكانة الأرمن، أخذت الكنيسة الكاثوليكية تنشط لاختراق الأرمن. وحقًا بدأت اجتذاب بعضهم للالتحاق بالكنائس الغربية (الكاثوليكية) والاعتراف بسلطة البابا مع إبقاء معتقداتهم القديمة وتخفيف بعضها، مثل خفض مدة صيامهم من 240 يومًا إلى 40 يومًا فقط، وخفض ما كانوا يدفعونه للكنيسة ورجالها الإكليروس: وبالنتيجة نشأت كنيسة أرمنية كاثوليكية وبات الأرمن الكاثوليك يتوقون للانضواء تحت حماية فرنسا. غير أن غالبية الأرمن ظلوا أرثوذكس لم يقبلوا بالتغريب الكاثوليكي، ورفع بطريركهم شكوى إلى الصدر الأعظم (رئيس الوزراء العثماني) عام 1707 ضد بعض القساوسة الأرمن الذين اعتنقوا الكثلكة، مطالبًا بمعاقبتهم بحجة أنهم يشقّون وحدة الطائفة وينقلون ولاءهم من «الدولة العلية» (أي الدولة العثمانية) إلى الإفرنج ليصبحوا عُملاء لهم، تلبية لطلب البطريرك أعدم عدد منهم.
لقد دفعت تحوّلات جيو سياسية، صاحبتها ضغوط اجتماعية واقتصادية كبيرة بعض المجتمعات لأن تستسلم لمعطيات وطنية وقومية، منها الدولة العثمانية وعاصمتها الكوزموبوليتانية إسطنبول. فعوامل كالأعراق والاقتصاد والثقافة وإن كان يمسكها رباط المعيشة بحدوده الحضارية المتوافرة، فإن الانصهار الكامل لا يتحقق بالضرورة. فـ«المدينة» عند البعض غير كافية بل يطمح إلى ما هو أكبر مثل «دولة» خاصة بهم. وبما يخص الأرمن، هذا ما عبر عنه نفر من مثقفيهم مثل كريكور أدويان، الذي درس في العاصمة الفرنسية باريس ولقد كتب بعد رجوعه إلى إسطنبول في كبريات صحفها «إن حب الأمة يبعث أقوى شعور هو في طبيعته كحب الإنسان لوالديه والبر والعاطفة لإخوته بالدم والحب والدفء اللامنتهي إلى أبنائه. كل ذلك بمجموعه لا يعادل حب الإنسان لأمته».
الأمة - أو الملّة - التي قصدها أوديان ما كانت الدولة العثمانية بل «الأمة الأرمنية». فهناك فارق حاسم بين النصين اللغويين الأرمني والعثماني تمثله نصوص دستور عام 1863، التي تقول إن «الأرمن طائفة (ملّت – أي ملّة) مثل اليهود واليونانيين»، ولقد هيئ لهم مجلسان أحدهما للشؤون الدينية والثاني للزمنية. وهذان المجلسان انتخبا بموافقة عامة وحقّقت النقابات والمثقفون في المدينة النصر على الكنيسة والطبقة المتنفذة، ومن ثم رأى الأرمن في ما تحقق «القانون الوطني للأرمن»، أما بالنسبة للعثمانيين الترك فرأوه مجرد تنظيمات للكنيسة الأرمنية.
ولقد كان أمل السلطان عبد الحميد الثاني أن يتخلى رعايا الدولة العثمانية عن هويّاتهم القومية لهويتهم إمبراطوريتهم على غرار مهاجري الولايات المتحدة غير أن ذلك لم يتحقق بين مصالح شللية العوائل والشعور القومي. فأسرة باليان كانت تبني قصور السلطان وأسرة داديان تصنع لجيشه البارود. وكان الأرمن موظفي المحاسبة والأطباء والطبّاعين والمصوّرين وخياطي القصور السلطانية. وباختصار، لم تتمتع أقلية بثقة السلاطين ومنافعهم مثل الأرمن.
السلطان عبد الحميد منح الأرمن المقربين منه شرف وضع الختم الذهبي على طرابيشهم، ومثل أبيه كان يزور بيوتهم عام 1832، وأقام في قصر داديان بين يومين وثمانية أيام في أعوام 1842 و1843 و1845 و1846؛ فأن يبيت السلطان في بيت مواطن يعد شرفًا لا يدانيه شرف، ولا سيما إذا كان هذا المواطن غير مسلم. ومن جهة ثانية، احتفظت كنيسة سان ستيفان الأرمنية بالإبريق والطشت اللذين استخدمهما السلطان لغسل يديه. وصرّح أحد أبناء أسرة داديان بفخر عام 1867 بـ«أن السلاطين يمحضون الأرمن ثقتهم الكاملة»؛ مما أثار سخط كثرة من المسلمين وحسدهم.
ومن ثم أخذت بوادر النزعات القومية تطل برؤوسها وتظهر على السطح بشكل احتجاجات على سوء إدارة ولاة المناطق وفسادهم في استغلال مواطنيها.
وهكذا، ظهر شعور اليونانيين بالتفوق التاريخي في كل المناسبات باعتبارهم أنفسهم «العنصر المنتصر» وأنهم في «أرض الآباء»، حسب تعبيرهم. وبلغت قمة العداء عند البلغار الذين حاولوا غير مرة إحراق العاصمة وظهر هذا العداء بوضوح على لسان أحد قادتهم الثوريين ليوبين كارافيلوف الذي كتب عام 1869 «التركي يبقى تركيًا، ولن تستطيع الآلهة أو الشياطين أن تجعل منه آدميًا».
واستمر كريكور أوديان بمقالاته مخاطبًا البطريرك: «لا تحبط نفسك بالآمال المزيفة يا ابن أرض الآباء الحبيب. إن طائر الفينيق لن ينهض من الرماد. هنا نرى القصور التي شيّدتها أيادي الأساتذة، دع عنك ذلك الرماد وارجع. تعال إلى هنا لكي تنام عيناك على رداء الكهنوت الذهبي». وفي المقابل، رد بعض المسلمين وتعالت أصواتهم مشبعة بنزعة وطنية قومية تركية، منهم الضابط الشاب سليمان باشا، آمر المدرسة العسكرية ومؤلف كتاب «قواعد اللغة التركية» الذي كتب عام 1876: «إن عبارة عثماني هي مجرد اسم لدولتنا فقط، بينما اسم أمتنا هو الترك، ومن المحتم أن لغتنا هي التركية وأدبنا هو الأدب التركي». وبالفعل، انتشرت النزعة القومية التركية أو «الطورانية»، وطالب المنادون بها «بالعودة إلى الجذور» آخذين المبادئ من جنكيز خان لا من الإسكندر وقيصر، كما راجت الأشعار في تمجيد «طوران» بلاد الترك الأسطورية في الشرق.
والتحق بالركب الأكراد، فأصدر السيد عبد القادر جريدة «كردستان» التي ظهرت باللغتين الكردية والتركية، وأسست «جمعية التقدم والتطوّع» المتبادل التي نادت بإنشاء المدارس الكردية، وبرز منهم لطفي فكري المبعوث (النائب) الكردي الذي كان يطالب بالحكم المدني لا الديني للدولة والكتابة بالأحرف اللاتينية.
وبحلول 1908 انضم العرب إلى مسيرة نهوض الشعور القومي، وصارت إسطنبول مركزًا لحركتهم وليست القاهرة أو بيروت. وازدادت الأمور تعقيدًا حين ظهر أن السلطان عبد الحميد أخذ يشجع جواسيس ومرافقين من العرب. ولما هاجمت جريدة «إقدام» التركية، العرب، تعرضت لرد عنيف من العرب المقيمين في إسطنبول أدى إلى تخريب مطابعها. كذلك أسّست في المدينة جمعيتان سرّيتان هما «القحطانية» و«العهد» بين عامي 1909 و1914 التحق بهما معظم الضباط العرب في الجيش العثماني.

«المسألة الأرمنية»

في ثمانينات القرن التاسع عشر، كما توقّع البطريرك كرمنيان، اختار الأرمن طريق الثورة والعنف؛ إذ أسّس نفر منهم بينهم أرمني روسي اسمه آفاديس نازاربكيان عام 1886 في مدينة جنيف بسويسرا حزب «الهنشاق» (أي: الناقوس) فكان أول منظمة ماركسية ثورية في المنطقة متأثرة بالمبادئ الشعبية والثورات العامية أو «العاميّات».
واستطاع «الهنشاق» ضم 700 عضو في إسطنبول معظمهم من الأرمن العاملين في مصالح وشركات أجنبية. وبعد ثلاث سنوات أسست منظمة ثورية أرمنية قومية حملت اسم «تروشاق» (أي: العلم) في مدينة تفليس (تبيليسي) - عاصمة جورجيا الحالية - ثم غير اسمها إلى «طاشناق» (أي: الاتحاد) عندما فقد الأرمن التأييد القيصري الحكومي الروسي، لكنه وفق بالحصول على التأييد الثوري المنظم. ومن ثم شن الحزبان الأرمنيان «الهنشاق» و«الطاشناق» حملة اغتيالات استهدفت الشخصيات الأرمنية العاملة في خدمة السلطان العثماني.
وعلى الأثر، أخذت شكوك الحكومة تحوم حول سلوك الأرمن. وعام 1889 أجريت مقابلة في قصر يلدز بين السلطان عبد الحميد والمؤرخ المجري فامبري المتخصّص بالشأن التركي الذي كان يقوم بعمليات تجسس لصالح بريطانيا، أبدى السلطان غضبه لدرجة أنه رفع غطاء رأسه عدّة مرات، وقال له: «أبلغ أصدقاءك الإنجليز، خصوصًا اللورد سولزبري، الذي أكن له الاعتبار والتقدير، بأنني أستطيع معالجة مصدر الشر في أرمينيا، لكنني (قالها بغضب بالغ) لاحقًا سأفضل أن أترك له أن يقطع هذا الرأس عن جسدي من أن أترك من يريد فصل أرمينيا».
واستمرت محاولات «الهنشاق»، ومعظمهم من أرمن القوقاز، إثارة المشكلات بين الأرمن في إسطنبول ووصلت إلى حد احتلال الكاتدرائية الأرمنية واحتجاز البطريرك وقراءة بيانات تهاجم السلطان، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات أسفرت عن سقوط 20 أرمنيًا من المتظاهرين ورجلي شرطة. وكانت تلك أول مواجهات دامية تشهدها المدينة منذ فتحها محمد الثاني عام 1453م وأول مرة يجرؤ فيها مسيحيون على مهاجمة رموز سلطة آل عثمان.
وبعدها تردّت الأوضاع، فاستقال البطريرك وارتفعت الشعارات والهتافات المنادية بحياة الأرمن وأرمينيا علنًا، وهكذا سقطت الحجب وظهر التحدّي بكل أبعاده. وفي العام التالي، عام 1894 جمّد «القانون الوطني للأرمن» وأصيب البطريرك بجروح خلال محاولة اغتياله على يد شاب أرمني متحمس. وفي سبتمبر 1895 سارت تظاهرة ضمت ألفين من الأرمن المسلحين بالمسدّسات والسكاكين أمام «الباب العالي» (مقر رئاسة الوزراء) وهتفت «الحرية أو الموت!» وأنشدت أناشيد قومية أرمنية. وجاء الردّ شديدًا وتحوّل المشهد إلى «حرب شوارع» بين المسلمين والأرمن، واستمر الوضع على هذا المستوى من التوتر حتى أغسطس (آب) من العام التالي حين أقدم أفراد من «الطاشناق» بتفجير قنابل في أنحاء متعددة من إسطنبول، كما هوجم المقر الرئيسي للبنك العثماني في حي غلاطة التجاري بالمدينة.
واستمرت الاعتداءات على الأرمن وبيوتهم ومحلاتهم التجارية وأدت تلك الحوادث سقوط نحو ستة آلاف قتيل، وشنت الصحف الأوروبية حملة عنيفة على العثمانيين ووجهت احتجاجات حكومية عنيفة طاولت أعلى المراتب بل أطلق الزعيم الفرنسي جورج كليمنصو على السلطان عبد الحميد بعد تلك الأحداث لقب «غول يلدز» (في إشارة إلى قصر السلطان) و«السلطان الأحمر» وينسب هذا اللقب الأخير إلى الصحافي بيار كيار. وفي المقابل، من جملة ما قاله السلطان عبد الحميد في مذكراته عن الأرمن «لقد عاملت الأرمن معاملة رحيمة لكنني منعت تجمعهم على فكر واحد».
غير أن الأمور وصلت إلى منتهاها حين وقعت محاولة اغتيال فاشلة استهدفت السلطان عبد الحميد في باحة جامع يلدز بعد صلاة الجمعة يوم 21 يوليو (تموز) 1905 حين انفجرت عربة ملغمة بقنابل موقوتة أعدها بلجيكي اسمه شارل إدوار جوريس، كان من مناصري «الطاشناق» في باريس، ومع أن السلطان لم يصب بأذى راح ضحية المحاولة نحو 80 بين قتيل وجريح.
بعد هذه المحاولة بأربع سنوات عُزل السلطان عبد الحميد الثاني يوم الثلاثاء 27 أبريل (نيسان) 1909 ومن ثم نُفي إلى مدينة سالونيك (في شمال شرقي اليونان اليوم) وعاش فيها ثلاث سنوات حتى نوفمبر (تشرين الثاني) 1912. ثم نقل إلى بيلرباي المطل على البوسفور في إسطنبول حتى وفاته عام 1918.
بين 1909 و1914 تحسنت الأوضاع بين حكومة جمعية «الاتحاد والترقي» – التي أطاحت بالسلطان عبد الحميد – وبين الأرمن، وساد جو من الهدوء على الساحة السياسية. وعقدت اجتماعات بين مجلس المبعوثان (البرلمان) وأعضاء من حزب «الهنشاق» في إسطنبول. وعلى أثر هذا التحسن في العلاقة عيّن الأرمني جبرائيل نردونجيان وزيرًا للخارجية، ولاحقًا عرضت خطط للتحديث والتطوير في شرق الأناضول.
ولكن، ما أن حلّ عام 1914 ودخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى بجانب ألمانيا، في شهر أكتوبر (تشرين الأول)، حتى بدأت الأجواء تكفهر. ومن ثم بادرت جهات أرمنية إلى التعاون مع الروس ضد القوات العثمانية في الأناضول، أعقبتها أعمال عنف في مدينة فان (وان) بشرق الأناضول، كما بدا واضحًا تأييد الأرمن في إسطنبول لروسيا وسرورهم بنجاحات الروس العسكرية على الجبهة الشرقية في أوروبا.
عندها قررت «الاتحاد والترقي» الحاكمة اتخاذ سياسات حازمة والقضاء على تدخلات الأرمن، ووصلت الأمور في النهاية إلى إقصائهم وطردهم نهائيًا من الأناضول، وهنا اندلعت المجازر التي بلغ عدد ضحاياها من الأرمن مئات الألوف. وفي سياق الحملة، صدرت أوامر عليا بنفي وعزل ألفين من الشخصيات الأرمنية البارزة من النواب والساسة وكبار الموظفين والكتّاب، تلتها عمليات تهجير جماعية للأرمن نحو بلاد الرافدين (العراق) باتجاه الموصل ودير الزور في ظروف سيئة للغاية، وهام المهجّرون الأرمن على وجوههم في الجبال والصحارى حفاة عراة، شيوخًا ونساء وأطفالاً، وتوفي الألوف ضحايا الجوع والعطش والمرض.



آثار السعودية... اكتشافات نوعية أعادت كتابة تاريخ الجزيرة العربية

تمثال من العلا‬ معروض مؤقتاً في متحف اللوفر يعود للفترة اللحيانية ويعكس ثراء العلا ودورها في الحضارة الإنسانية (واس)
تمثال من العلا‬ معروض مؤقتاً في متحف اللوفر يعود للفترة اللحيانية ويعكس ثراء العلا ودورها في الحضارة الإنسانية (واس)
TT

آثار السعودية... اكتشافات نوعية أعادت كتابة تاريخ الجزيرة العربية

تمثال من العلا‬ معروض مؤقتاً في متحف اللوفر يعود للفترة اللحيانية ويعكس ثراء العلا ودورها في الحضارة الإنسانية (واس)
تمثال من العلا‬ معروض مؤقتاً في متحف اللوفر يعود للفترة اللحيانية ويعكس ثراء العلا ودورها في الحضارة الإنسانية (واس)

على أبعاد جغرافية متقاربة في قلب التاريخ، تقف مدينتان سعوديتان لتختصرا لوحةً إنسانية ممتدة عبر آلاف السنين؛ خيبر، الواحة الرابضة فوق الحرات البركانية السوداء، والتي نجحت في حراسة أسرار ما قبل التاريخ؛ حيث تروي منشآتها الحجرية الغامضة و«مستطيلاتها» الأثرية قصة استيطان بشري موغل في القدم، يعود لأيامٍ سبقت ابتكار الكتابة نفسها.

وعلى بعد خطواتٍ بالتاريخ والمكان، تتلالأ «مهد الذهب»، مهد «التبر» والمعادن الثمينة في الحضارة الإسلامية المبكرة، التي ضجت جبالها بحركة التعدين، وخلّد «درب زبيدة» العابر بها خطى الحجيج والمسافرين في العصور الإسلامية الأولى، مخلّفاً وراءه نقوشاً ومحطاتٍ تنبض بالروحانية والنشاط الاقتصادي.

وبين أسرار خيبر العتيقة وكنوز مهد الذهب الإسلامية، حيث تجولت «الشرق الأوسط» لساعات بين تفاصيلها وكنوزها الأثرية التي تعكس حجم وعمق الإرث التاريخي الاستثنائي الذي تحتفظ به السعودية فوق أراضيها، تقدم الاكتشافات الأثرية الجديدة التي أعلنت عنها السعودية تباعاً، عن تكثف عمر البشرية وعمق التاريخ الإنساني والحضاري في أراضيها، وعن إعادة كتابة تاريخ الجزيرة العربية، وتحول الجغرافيا السعودية إلى متحفٍ مفتوح يختصر فصول الوجود الإنساني، ويقدم قراءة جديدة لعمق إرثٍ تاريخي يعيد صياغة خطوط الحضارة العالمية من قلب الصحراء.

مواسم التنقيب كشفت عن المزيد من أسرار عاصمة مملكة كندة بمنطقة الفاو الأثرية (هيئة التراث‬)‬‬‬‬

أقدم وجود على أراضي السعودية

تتابُع الإعلان عن الآثار المكتشفة في السعودية، وقد حمل كل إعلان عمقاً جديداً من تاريخ الوجود البشري المبكر في الجزيرة العربية، يفصح عن مكانتها بوصفها موطناً أصيلاً للبشر الأوائل، ومستقراً للإنسان في تطوره وتطلعه ودوره في الحضارة البشرية عبر العصور.

ووفقاً لإعلانات هيئة التراث السعودية والبعثات الدولية، فإن أعمق ما دلّت عليه المكتشفات الأثرية حتى الآن عن بداية الاستيطان البشري في أراضي السعودية، يعود إلى العصر الحجري القديم الأسفل، ومن الدلائل على ذلك «موقع الشويحطية» الذي يقع على بعد 30 كيلومتراً شمال مدينة سكاكا بمنطقة الجوف شمال السعودية، حيث تم اكتشاف أدوات حجرية بدائية مصنوعة من حجر الكوارتز، تدل على ارتباط الموقع بمواقع في شرق أفريقيا تعود إلى ما قبل الحضارة الآشولية.

واكتشفت في «شعيب دحضة» في نجران جنوب السعودية، مجموعة من الأدوات الحجرية والدلائل الأثرية الأخرى، التي أثبتت استيطاناً بشرياً قديماً في منطقة نجران.

وترجح اكتشافات الموقع من أدوات بدائية وقواطع ومطارق حجرية كبيرة ومكاشط وشفرات صغيرة، انتماء هذه الآثار إلى الحضارة الألدوانية؛ وهي مرحلة مبكرة من العصر الحجري القديم.

وعن أقدم مستوطنة معمارية، تعبر عن أول استقرار بشري مبني، فقد دلت الاكتشافات إلى موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك، ويعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار.

وأعلنت هيئة التراث أن هذا الموقع يمثل أقدم مستوطنة معمارية معروفة في الجزيرة العربية بأكملها، وعُثر فيها على مطاحن حجرية، وأدوات زينة مصنوعة من الرخام، وعظام آدمية وحيوانية، وهياكل معمارية تثبت تحول الإنسان في المنطقة من حياة التنقل إلى الاستقرار والبناء.

جانب من أعمال الموسم السابع عشر للتنقيب الأثري في موقع جُرش بمحافظة أحد رفيدة في منطقة عسير (هيئة التراث‬)

أطياف الحضارات

تزخر السعودية بتاريخ حافل وحضارات متعاقبة، وتُعدّ الاكتشافات الأثرية في العقود الأخيرة شهادة علمية قاطعة على مكانة شبه الجزيرة العربية بوصفها مركزاً تجارياً وثقافياً رئيسياً في العالم القديم، كانت خلاله أرض السعودية مهداً لحوار الشعوب، وشرياناً ناطقاً بالفنون والعلوم والهندسة المعمارية؛ حيث تحتضن السعودية اليوم ثمانية مواقع مُدرجة رسمياً على قائمة التراث العالمي لمنظمة (اليونيسكو)، تتنوع بين مدن أثرية، وفنون صخرية، وواحات ثقافية.

وعبر هذه الجولة القائمة على التتبع الجغرافي والطبوغرافي، تأخذنا الرحلة داخل خريطة المجد المدفون، ونتنقل فيها بين جزء من الشواهد الأثرية، التي استطاعت أن تحول قلب الصحراء من مجرد مجالات عبور جغرافية، إلى مراكز ثقل حضاري وسياسي.

وعلى بُعد نحو 100 كيلومتر جنوب شرقي مركز مدينة وادي الدواسر، تتربع عاصمة كِندة الأولى، «قرية الفاو» المسجلة على قائمة التراث العالمي (UNESCO) بتاريخها الزاخر وكونها نقطة التقاء مهمة وحيوية بين الممالك والحواضر المنتشرة في الجزيرة العربية، مؤهلاً لتطور الفاو من محطة مرور قوافل صغيرة إلى مركز تجاري وديني وحضري مهم في وسط الجزيرة العربية، وقد اتخذها ملوك كندة العربية عاصمة لملكهم لـ8 قرون، منذ القرن الرابع قبل الميلاد حتى القرن الرابع للميلاد.

وتتجسد القيمة العلمية للموقع في الهندسة المتقدمة؛ حيث طور سكانها شبكات أنفاق حجرية عميقة للوصول إلى المياه الجوفية واستصلاح الواحات وسط بيئة قاحلة. وعلى الصعيد الفني والتاريخي، أظهرت التنقيبات نضجاً ثقافياً ونشاطاً استيرادياً هائلاً عبر جداريات ملونة ساحرة، وتماثيل برونزية ذات طابع دقيق.

قصر الحمراء مشيّداً من الحجارة المشذبة على مرتفع صخري في تيماء (هيئة التراث‬)

نقوش فرعونية

باتجاه شمال السعودية، تبرز «تيماء» الواحة التي تضم كنزاً من الآثار المهمة في قيمتها التاريخية، حتى أصبحت من أهم المناطق في السعودية، من حيث مكانتها التاريخية ومواقعها الأثرية المتعددة.

وعثر باحثو الآثار على أحفورة «ناب الفيل» ضمن مجموعة كبيرة من الأحافير لحيوانات كثيرة كانت تعيش قرب بحيرة قديمة يزيد عمرها على خمسمائة ألف سنة.

وفيها أعلنت بعثات سعودية ودولية مشتركة عن اكتشاف آثار مهمة، منها نقوش فرعونية في مواقع أخرى ارتبطت بوجود الإنسان خلال فترة ما قبل التاريخ، إضافة إلى ما تزخر بها من قصور أثرية باقية حتى الآن.

وشهدت هذه الواحة اندماجاً حضارياً نادراً بين الثقافات البابلية، الآشورية، الآرامية، والممالك العربية القديمة مثل لحيان.

ومن أبرز المعالم والاكتشافات فيها، مسلة تيماء (المحفوظة أصلها في متحف اللوفر)، وهي حجر بازلتي مكتوب باللغة الآرامية يوثّق دخول عبادات بابلية للمنطقة، إضافة إلى (مسلة نابونيد) وهي نقوش صخرية تظهر الملك البابلي بالرموز الدينية للقمر والشمس، و(بئر هداج) أقدم وأضخم نظام مائي للري والاستخدام البشري في الجزيرة العربية، وقصور الحمراء والرضم والأبلق، وهي مجمعات معمارية تعكس النضج الهندسي والعسكري.

وليس ببعيد عن تيماء، تبرز الفنون الصخرية في جبة والشويمس في حائل، التي توصف بسجل الإنسان الأول قبل نحو عشرة آلاف عام، وعلى صخور جبل أم سنمان في جبة (100 كيلومتر شمال مدينة حائل) وجبال الشويمس (270 كيلومتراً جنوب غربي مدينة حائل)، يقف الباحث أمام واحد من أهم متاحف الفنون الصخرية في الشرق الأوسط، والمدرج على قائمة «اليونيسكو».

وتعود القيمة التاريخية لهذه النقوش إلى العصر الحجري الحديث، وتوثق التحولات المناخية والبيئية في شبه الجزيرة العربية، وتطرح النقوش الدقيقة أدلة علمية حول استيطان الحيوانات المنقرضة للمنطقة، وتفاصيل أدوات الصيد، والطقوس الاجتماعية والدينية لإنسان شبه الجزيرة القديم.

وبالانتقال إلى درة التراث العالمي، «العلا» بكنوزها الأثرية، والنقوش على واجهات جبال العلا المحيطة بدادان، والمكتوبة بعددٍ من اللغات والخطوط، إلى «المكتبة اللحيانية» المفتوحة في موقع جبل عِكْمة الذي احتفظ بسجلات أثرية لأقوام وحضارات ازدهرت ومن ثَمّ اندثرت على أرض العلا.

وتتجلى قيمة العلا التاريخية في موقعين رئيسيين، هما مملكة دادان ولحيان (الألفية الأولى قبل الميلاد)، حيث كُشف عن «مقابر الأسود» والنقوش الدادانية واللحيانية التي تُعد الحاضنة الأولى لتطور الخطوط الكتابية العربية، والحِجر (مدائن صالح) وهي العاصمة الجنوبية للمملكة النبطية بعد البتراء، وأول موقع سعودي يُدرج على قائمة «اليونيسكو» للتراث العالمي (2008).

وتضم الحِجر أكثر من 100 مدفن ضخم منحوت في الصخور الرملية بواجهات معمارية مزخرفة بالكامل تعود للقرن الأول قبل الميلاد. وتبرز في الحِجر الهندسة المعمارية والدقيقة النبطية، والقدرة على التحكم في إدارة الموارد المائية وتحصين المقابر والمراكز السياسية.

تضم الحِجر أكثر من 100 مدفن ضخم منحوت في صخور رملية بواجهات مزخرفة تعود للقرن الأول قبل الميلاد (هيئة التراث)

شريان القوافل

على مسافة بعيدة عن العلا، حيث جنوب السعودية، يبرز موقع «جُرَش» الأثري الذي يبعد نحو 15 كيلومتراً عن مركز مدينة أحد رفيدة (ونحو 35 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة أبها).

وتعود الحضارات المكتشفة في موقع جرش الأثري لفترة ما قبل الميلاد، وازدهر الاستيطان فيه خلال القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن الأول الميلادي، حيث استمر الاستيطان خلال الفترات اللاحقة في وسط الموقع.

وتنوعت المعثورات الأثرية بين الأواني الزجاجية والمصنوعات الحجرية، وأوانٍ فخارية من فترة ما قبل الإسلام، إضافة إلى نقش على صخرة لأسد وثور مكتوب أسفل منهما بخط المسند، حيث نُفّذ هذا الرسم بالحفر البارز، ويرمز إلى النماء والقوة التي كانت تتمتع بهما مدينة جرش آنذاك.

وقريباً منها، تظهر منطقة حِمَى الثقافية (نجران)، أو مكتبة النصوص الصخرية العظمى، التي تبعد نحو (130 كيلومتراً شمال مدينة نجران)، ويعد من أحدث المواقع السعودية المسجلة في قائمة التراث العالمي عام (2021)، بما يمثله كإحدى أكبر المجموعات للفنون الصخرية والنقوش والمكتبات في العالم.

وتكمن القيمة الاستثنائية لـ«حِمَى» في كونها الشريان الأساسي لمرور القوافل التجارية والعسكرية عبر العصور؛ حيث كشف الموقع عن آلاف النقوش المكتوبة بأقلام متعددة (المسند، الثمودي، النبطي، والكوفي والعربي المبكر).

وتُعد «حِمَى» بمثابة «أرشيف مفتوح» يوثق أساليب الحياة، والحروب، والديانات، والأنشطة الاقتصادية، وتطور الكتابة في شبه الجزيرة العربية على مدى آلاف السنين.

شاهد أثري من «مهد الذهب» التي ضجت جبالها بحركة التعدين وخلَّد درب زبيدة ذكرها في العصور الإسلامية الأولى (هيئة التراث)

إعادة كتابة التاريخ

تواصلت «الشرق الأوسط» مع هيئة التراث السعودية للاستفسار عن تفاصيل ما شهدته السعودية خلال الفترة الماضية من اكتشافات أثرية نوعية عززت مكانة الجزيرة العربية في التاريخ الإنساني، وأسهمت في إعادة النظر في بعض التصورات السائدة حول عمق الاستيطان البشري وتطور المجتمعات القديمة.

ومن أبرز هذه الاكتشافات، أطول سجل مناخي في دحول الصمان شرق الرياض والذي يعود لأكثر من 8 ملايين سنة بناء على تحليل الترسبات القديمة.

كما أعلنت الهيئة عن اكتشاف وتوثيق مجموعة من الفنون الصخرية المبكرة للجمل بالحجم الطبيعي يتراوح عمرها بين 11 - 12 ألف سنة في موقع جبال عرنان بمنطقة حائل، تبرز ثقافة ونشاط المجتمعات البشرية القديمة التي استوطنت المكان، إضافة إلى ما كشفت عنه أعمال المسح والتنقيب، بالتعاون مع جامعة كانازاوا اليابانية، عن دلائل أقدم مستوطنة معمارية معروفة في الجزيرة العربية.

وأشارت الهيئة أن هذه النتائج تعكس مراحل مبكرة من الاستقرار البشري وبدايات العمارة في المنطقة، بما يقدم أدلة مادية جديدة تسهم في إعادة قراءة تاريخ الجزيرة العربية ودورها في حركة الإنسان واستقراره.

وتؤكد نتائج مشروعات المسح والتنقيب المستمرة، التي تنفذها هيئة التراث بالشراكة مع جهات علمية محلية ودولية، أن الجزيرة العربية كانت موطناً للاستيطان والتفاعل البشري منذ فترات مبكرة، وليست مجرد ممر للهجرات البشرية.

السعودية في خريطة التراث العالمي

يقود التركيز الكبير الذي يشهده قطاع الآثار في السعودية حالياً على آثار «العصر الحجري الحديث» والمستوطنات المبكرة، إلى سؤال عن موقع السعودية بأراضيها الواسعة والزاخرة بالتاريخ، على خريطة التراث العالمي مقارنة بالحضارات الكبرى الأخرى كالحضارة الفرعونية أو بابل.

وتقول هيئة التراث إن السعودية أصبحت اليوم من أبرز المناطق عالمياً في دراسة عصور ما قبل التاريخ عموماً، والعصر الحجري الحديث على وجه التحديد، حيث أسهمت الاكتشافات والبرامج البحثية الحديثة في إبراز الجزيرة العربية بوصفها منطقة رئيسة في دراسة الهجرات البشرية القديمة، وهو ما انعكس في نشر نتائج عدد من المشروعات الأثرية في مجلات ودوريات علمية دولية مرموقة.

وتتميز السعودية بسجل أثري واسع ومتعدد الفترات يقدم أدلة مهمة لفهم مراحل مبكرة من التاريخ البشري وتطور الاستيطان، يسبق الحضارات القديمة المعروفة، مع وجود شواهد أثرية وثَّقتها هيئة التراث، أعطت دلائل على التواصل الحضاري مع الحضارات المجاورة في بلاد الرافدين ومصر القديمة في تيماء منطقة تبوك مع ما تم توثيقه من تأثيرات حضارية أخرى في جانب المصنوعات واللقى الفخارية المكتشفة، والذي يمكن اعتباره دليلاً مادياً على أنها لم تكن بمنأى عن التطور الحضاري في كافة بلدان العالم.

شاهد حجري كوفي يعود لعام 311هـ ولقىً متنوعة تروي تفاصيل الحياة قديماً في موقع جُرش (هيئة التراث‬)

خلايا نحل التنقيب

وتشهد السعودية توسعاً مستمراً في أعمال الاستكشاف والتنقيب الأثري، ونفذت هيئة التراث أعمالاً ميدانية في 68 موقعاً أثرياً بمناطق متعددة من السعودية، في عام 2025، بمشاركة أكثر من 25 بعثة دولية من مختلف الجامعات والمعاهد، ومن مختلف المدارس الأثرية في العالم، مع مشاريع دولية نوعية في المنشآت الحجرية وأنظمة المياه القديمة مع مراكز وجامعات دولية أخرى، كما تعمل الهيئة من خلال 75 بعثة محلية أخرى في مختلف مناطق السعودية، ضمن خطط علمية ومنهجية تسهم في توسيع قاعدة المعرفة الأثرية.

وفي عمل البعثات، يتم التنسيق باستمرار مع الجامعات والمراكز البحثية الدولية من خلال مشاريع بحثية مشتركة واتفاقيات تعاون تحدد نطاق العمل وأهدافه العلمية، بما يعزز تبادل الخبرات ونقل المعرفة واستخدام التقنيات الحديثة في البحث الأثري. كما أسهمت هذه الأعمال في إشراك أكثر من 60 طالباً وطالبة في التدريب الميداني، بما يدعم بناء القدرات الوطنية الشابة وتأهيل جيل متخصص في مجال الآثار.

التنقيب تحت الماء

وعن مشاريع التنقيب تحت الماء (الآثار الغارقة) في البحر الأحمر والخليج العربي، تواصل هيئة التراث تنفيذ مشاريع المسح الأثري البحري في البحر الأحمر والخليج العربي، وقد كشفت هذه الأعمال عن مواقع ومؤشرات واعدة تسهم في توثيق تاريخ الملاحة والتجارة البحرية، وما زالت الدراسات مستمرة للكشف عن المزيد.

وقدمت هذه المشاريع أدلة تاريخية على أهمية الطرق التجارية البحرية ودورها في التبادل التجاري والاقتصادي على مر التاريخ، وتعمل الهيئة مع العديد من البعثات الدولية والمحلية في هذا الجانب، حيث كشفت عن سفن جانحة في البحر وثقت لمحتوياتها الأثرية، وقد وصل عدد المواقع الأثرية المسجلة كتراث مغمور إلى 1293 موقعاً أثرياً تم تصنيفها على أنها مواقع للتراث المغمور مع تصنيف بعضها الآخر مواقعَ للأنشطة البشرية والموانئ القديمة؛ إذ يمكن إجمالاً الإشارة إلى أن مواقع التراث المغمورة لا تقل أهمية عن المواقع الأثرية في اليابسة، وهي دليل على وجود طرق للملاحة البحرية تضاهي الطرق التجارية البرية الداخلية والدولية.

‏نقش جبل الحقون في منطقة حمى الثقافية ضمن متحف النقوش الأثرية الصخرية في منطقة نجران (هيئة التراث)

«مسلة تيماء»

تستقرّ «مسلة تيماء»، وهي اللوح الحجري الشهير المنحوت من الحجر الرملي والمحاط بنقوش آرامية تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، اليوم خلف زجاج متحف اللوفر بباريس، محتفظةً بتفاصيل دقيقة تجسد تقديم الملك البابلي «نَبونيد» القرابين لإله الشمس، لتكون واحدة من أبلغ الشواهد على العمق الحضاري والمكانة التاريخية للجزيرة العربية بصفتها ملتقىً للإمبراطوريات العظمى، ومحوراً للتواصل الإنساني عبر العصور.

غير أن وجود هذا الأثر الفريد على بعد آلاف الكيلومترات من وطنه الأم لا يروي حكاية الريادة التاريخية لمدينة تيماء فحسب، بل يفتح ملفاً شائكاً حول الكيفية التي خرجت بها آلاف القطع والنفائس السعودية خلال القرن الماضي؛ حيث انتُزعت من بيئتها الأصيلة في ظل ظروف تاريخية معقدة ورحلات استكشافية غربية، لتستقر في كبرى المتاحف والمجموعات الخاصة حول العالم.

ومع التحول الكبير الذي تشهده السعودية في حماية تراثها الوطني واستعادة هويتها التاريخية، يقف ملف «استرداد الآثار» في صدارة الاستراتيجية الثقافية السعودية، وفي مواجهة تعقيدات القوانين الدولية ومواقف المتاحف العالمية.

وحتى عام 2025، نجح قطاع الآثار في استعادة أكثر من 8500 قطعة أثرية، وفي إطار الجهود المستمرة لحماية التراث الثقافي الوطني واستعادة الممتلكات الأثرية، وبتعاون سفارات المملكة في الخارج، عادت مجموعة قطع أثرية للمملكة خرجت بصورة غير مشروعة قبل صدور نظام الآثار.

وتحاول هيئة التراث توسيع شبكة جهود استرداد الآثار الوطنية من داخل السعودية وخارجها، من خلال التنسيق مع الجهات المحلية والدولية ووفق الأنظمة والاتفاقيات ذات الصلة.

ولتجنب تكرار حوادث خروج الآثار بطريقة غير شرعية خارج حدود البلاد، تكثف وزارة الثقافة جهودها لتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية المحافظة على الآثار، وتشجيع المواطنين على الإبلاغ عن القطع الأثرية وتسليم ما بحوزتهم، بما يسهم في توثيقها ودراستها وحفظها وإبرازها ضمن سياقها الحضاري الصحيح، وصونها للأجيال المقبلة، وأطلقت هيئة التراث في السياق نفسه، برامج وطنية ومجتمعية مثل حملة «عادت» التي ركزت على تسليم القطع الأثرية، وأماكن وجودها، وأصبحت المجتمعات المحلية والأفراد، إلى جانب الجهات الحكومية، شركاء رئيسيين في هذا الجانب.

مدفن فوق الأرض في منطقة وعرة من العلا‬ يؤرخ إلى فترة العصر الحجري الحديث - النحاسي (الهيئة الملكية للعلا)

وفي السياق نفسه، يبرز تحدي «النبش العشوائي»، والتعدي على المواقع الأثرية في المناطق النائية، وعما إذا كانت العقوبات الحالية كافية للردع، أم أن الرهان الأكبر هو على وعي المجتمع.

وأفادت هيئة التراث أنها تعتمد على منظومة متكاملة تشمل تطبيق الأنظمة، والتعاون مع الجهات الأمنية والرقابية، إلى جانب تكثيف برامج التوعية المجتمعية.

وكشفت هيئة التراث عن أنها تلحظ تطوراً وتفاعلاً ملحوظَين للحد من هذه الظاهرة التي تعاني منها كافة المجتمعات والجهات المعنية بالآثار في كل دول العالم؛ إذ يبقى المواطن شريكاً رئيسياً في الإبلاغ عن التعديات مع حفظ كافة حقوقهم من خلال برامج التكريم والمكآفات وفق ضوابط محددة، إلى جانب ما يتم رصده من فرق الهيئة الميدانية أو المشاريع التي تنفذها الهيئة في التعريف والتسوير وتنفيذ اللوحات التحذيرية والتعريفية.

ليس مجرد ممر للقوافل

تحدثت «الشرق الأوسط»، مع أستاذ التاريخ بجامعة طيبة، الدكتور عبد الرحمن الوقيصي، الذي يرى أن الاكتشافات الأثرية الحديثة في السعودية، بدءاً من النقوش الصخرية والقطع الفخارية، وصولاً إلى الأحافير الحيوانية وشواهد القبور، أحدثت تحولاً جذرياً في تصحيح التصورات التقليدية حول تاريخ المنطقة، مؤكداً أنها تكشف عن استيطان بشري متواصل، ودور فاعل للجزيرة في صناعة التاريخ الإنساني قبل الإسلام وبعده.

وأشار الوقيصي إلى أن هذه الاكتشافات «أسهمت في تصحيح كثير من التصورات التقليدية عن الجزيرة العربية؛ إذ أثبتت أن هذه الأرض المباركة لم تكن مجرد ممر للقوافل، بل كانت مركزاً للحراك الإنساني والتبادل الثقافي والاقتصادي عبر آلاف السنين».

وحول المحطات التي شكلت نقطة تحول في التعامل مع التراث الوطني، يوضح الوقيصي أن الاهتمام بالآثار شهد تطوراً تدريجياً؛ حيث كانت الانطلاقة العلمية الأولى مع استكشاف قرية «الفاو» على حافة الربع الخالي، على يد فريق أثري سعودي بقيادة الراحل البروفسور عبد الرحمن الطيب الأنصاري.

جانب من أعمال ميدانية بمناطق متعددة من السعودية بمشاركة أكثر من 25 بعثة دولية عام 2025 (هيئة التراث‬)

غير أن التحول الأكبر والأنضج، بحسب الوقيصي، جاء مع تبني السعودية «رؤية 2030»، التي تعاملت مع التراث بوصفه ركيزة أساسية للهوية الوطنية ومحركاً للتنمية المستدامة. وأثمرت هذه الرؤية عن تأسيس هيئات متخصصة، وتطوير الأنظمة التشريعية لحماية الآثار، وتسجيل العديد من المواقع السعودية على قائمة التراث العالمي لـ«اليونيسكو»، مما أتاح تقديم تاريخ المملكة للعالم بصورة تليق بعمقها الحضاري.

وفي جوابه عن أهمية هذه المكتشفات للأجيال الشابة، ينفي الوقيصي الفكرة السائدة لدى البعض بأن الآثار مجرد «بقايا مادية لا قيمة لها»، مشدداً على أنها «شواهد حية على مسيرة الإنسان فوق هذه الأرض».

ويضيف: «عندما تُوثق هذه الآثار وتُعرض بأسلوب علمي حديث، فإنها تمنح الأجيال الناشئة فهماً أعمق لجذورهم التاريخية، وتزرع في نفوسهم الاعتزاز بالهوية الوطنية. فالوعي بالتراث هو الوقود الحقيقي لتعزيز الانتماء».

معرفة الآثار

يرى الوقيصي أن دور الأكاديمي والمؤرخ لم يعد محصوراً داخل قاعات المحاضرات أو بين رفوف المكتبات، بل أصبحت هناك مسؤولية مجتمعية تفرض عليه تقديم المعرفة المتخصصة بأسلوب يسير يجمع بين الدقة العلمية والتشويق الصحافي، عبر ربط المكتشفات بالقصص الإنسانية واستغلال المنصات الرقمية للوصول إلى مختلف فئات المجتمع.

وعن التطلعات المستقبلية، أشار أستاذ التاريخ بجامعة طيبة إلى وجود حاجة ماسة لسد بعض الفجوات الأكاديمية والبحثية، من خلال التركيز على الربط بين المكتشفات الأثرية والسياقات الاجتماعية والتاريخية، وإلقاء الضوء على مواقع أثرية لم تحظَ بالقسط الكافي من الدراسة والبحث حتى الآن.

واختتم الدكتور عبد الرحمن الوقيصي حديثه بالإشارة إلى الدور المحوري للإعلام في هذه الملحمة الثقافية، مؤكداً أن الصحافة العلمية والتحقيقات الميدانية هما الوسيلة المثلى لتحويل المعرفة الأثرية من نطاق النخبة والمتخصصين إلى ثقافة مجتمعية عامة.


«العنف التوليدي» تحت الأضواء بمصر بعد صخب في «السوشيال»

صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى
صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى
TT

«العنف التوليدي» تحت الأضواء بمصر بعد صخب في «السوشيال»

صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى
صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى

قبل بضعة أسابيع، فجرت الطبيبة المصرية الشابة أمنية سويدان جدلاً واسعاً، بتدوينة نشرتها على «فيسبوك»، حول العنف الذي تتعرض له نساء خلال الولادة، وفق ما يعرف اصطلاحياً بـ«العنف التوليدي»، وهو حديث أُثير لأول مرة في مصر على نطاق واسع، رغم أن الأحداث التالية أظهرت أن مثل هذه التجاوزات فعل قديم ومتكرر، وتتعرض له آلاف النساء، وسط تساؤلات عالقة عن مصير مقترفيه.

عدّدت سويدان، التي هجرت الطب من أجل الإخراج السينمائي، أشكالاً للعنف بين لفظي وجسدي وجنسي، تعرّضت له نساء داخل مستشفى الشاطبي خلال قضائها «فترة الامتياز»، أو التدريب المؤهل لممارسة المهنة، قبل عدة سنوات. المنشور الذي بدأ بعبارة تحذيرية على أنه «تريغر» قادر على إيقاظ ذكريات مؤلمة لدى من يشاهدنه، شجّع مئات النساء على كتابة تجاربهن المؤلمة، التي تنوعت بين مستشفيات حكومية وخاصة، ومع أطباء ذكور وإناث على السواء، بالإضافة إلى الجسم التمريضي.

من ضمن ما حكته سويدان، في 15 يونيو (حزيران) 2026، شتائم وإهانات واستهزاء بالألم تتعرض له نساء من أطباء وممرضين خلال الوضع (الولادة)، تجتمع كلها تحت اسم «العنف اللفظي»، فيما تتعرض أخريات لعنف جسدي موصوف من ضرب وضغط على البطن والفم لمنعهن من الصراخ، بالإضافة إلى الحديث عن الأعضاء الحميمة للسيدات والتندر عليها والتحرش الجنسي بذريعة تحفيز بعض السيدات لتسريع الطلق، وتكرار الكشف على نحو غير ضروري، وصولاً إلى الامتناع عن تقديم الرعاية الصحية لبعض الحالات.

مدخل مستشفى الشاطبي بمحافظة الإسكندرية. (مواقع التواصل الاجتماعي)

ذاكرة الألم

«كل ليلة لمدة 3 شهور، كنت أتذكر ما حدث معي وأبكي»، كان ذلك جزءاً من مضمون رسالة أرسلتها صديقة شخصية للناشطة النسوية صاحبة منصة «أحكي»، ناميس عرنوس، ونشرتها الأخيرة مصحوبة بتعليق منها على العنف التوليدي على صفحتها بـ«فيسبوك» بتاريخ 17 يونيو الماضي.

حكت صاحبة الشهادة أنها عند ولادتها في مستشفى خاص، سخر الطبيب في الطوارئ ضاحكاً من ألم الطلق. ولما بدا عليها الامتعاض، أخضعها لفحص نسائي «عنيف لدرجة النزف»؛ تقول صاحبة الشهادة. وتضيف: «كنت قرأت عن فحص النساء قبل ولادتي، وما تعرضت له لا يمت له بصلة»، مشيرة إلى أن طبيباً قبل دخولها العمليات للولادة القيصرية جاء لها واعتذر ثم انصرف، ولا تعلم إن اتخذ أي إجراء بحق الطبيب المخالف.

وصفت دعاء أبو صالح، ممن كتبن شهادتهن عن العنف التوليدي على «فيسبوك»، تجربة ولادتها الثانية بأنها «أسوأ ساعات مرت علي في حياتي»، مشيرة إلى تأفف الطبيبة المشرفة على ولادتها وتلكؤها بمعاينتها. وكانت دعاء تتمسك بالولادة الطبيعية، لكنها واجهت تعنت الطبيبة، ورفضها الكشف عليها لفترة طويلة، وقالت: «جهاز قياس نبض الجنين بدأ يعطي إنذارات، وأنا أرجو الممرضة أن تستدعي الطبيبة لتكشف علي ولكنها رفضت»، مشيرة إلى أنها قدمت شكوى فيها، لكن ذلك لم ينه الألم النفسي لذلك اليوم في ذاكرتها.

أما نادية أبو زيد، فقالت: «أنا ولدت بالحيا»، في إشارة إلى شدة الألم خلال تعرضها لولادة قيصرية بتخدير لم يأخذ مفعوله تماماً. وكان الطبيب أعطاها البنج، وسألها عما إذا كانت تشعر بشيء، وقبل أن تُجيب أو تُمنح وقتاً «كانت بطني بتتشق وأنا بصرخ». وبقيت تصرخ لفترة، حتى جاء طبيب من الخارج وأعطاها بنجاً مرة أخرى، لكن المشرط كان قد فعل فعله في جسدها ونفسها. وتضيف بعد الولادة مباشرة: «كانت تأتي ممرضة وتضغط على جرحي بحجة إخراج الدم الفاسد».

نائبة وزير الصحة خلال جولة في بني سويف داخل مستشفى توليدي في يونيو 2026. (وزارة الصحة المصرية)

شاهدة أضحت متهمة

رغم الشهادات المتعددة التي ضجت بها وسائل التواصل المصرية وتحولت لقضية رأي عام، ألقت قوات الأمن القبض على سويدان، غداة كتابة المنشور، باتهامات «التعدي على قيم الأسرة المصرية ونشر أخبار كاذبة».

صدم القبض عليها كثيرين، خصوصاً مع اختلاف نهج ما اعتادت عليه النيابة العامة المصرية ووزارة الداخلية خلال السنوات الماضية، من فتح قضايا لمجرد نشر شهادات أو فيديوهات عنها عبر السوشيال ميديا، أما في حالة سويدان فتحولت «الشاهدة إلى متهمة»، حسب وصف المحامية الحقوقية عزيزة الطويل لـ«الشرق الأوسط».

في اليوم التالي، أفرجت النيابة العامة على سويدان على ذمة القضية، ونشرت بياناً تصفها فيه بأنها تعاني من مرض نفسي مزمن، وبعد نحو أسبوعين صدر الحكم عليها من المحكمة الاقتصادية، ببراءتها من تهمة التعدي على قيم الأسرة المصرية، والإدانة في نشر أخبار كاذبة، وسجنها 6 شهور مع إيقاف التنفيذ على ذلك، وغرامة 20 ألف جنيه (الدولار نحو 50 جنيهاً) بتاريخ 4 يوليو (تموز) 2026.

لم تعترف الجهات القضائية والرسمية بشهادات السيدات، وحتى الأطباء الذي تجرأوا وأكدوا أيضاً عبر شهاداتهم الشخصية ما قالته سويدان.

الطبيب أيمن العطار، كتب في منشور على «فيسبوك»، عن واقعة حدثت عام 2000 أمامه في مستشفى القصر العيني، قائلاً: «أثناء توليد إحدى السيدات وكانت تشعر بألم شديد، كان النائب (الطبيب المشرف) يصيح فيها بطريقة مهينة لكي تحزق (الضغط على عضلات البطن)، ويبدو أنها لا تفعل ذلك، المهم في لحظة ما شتمها وضربها بقوة على فخذيها ضربة يميناً ويساراً».

وقالت الطبيبة سارة ناصر إنها خلال حضورها ولادة في مستشفى الشاطبي، خلال فترة امتيازها، كانت السيدة مرعوبة وتصرخ من الألم، فجاء الطبيب وعنفها وسبها حتى تصمت.

مع تجاهل كل هذه الشهادات النسائية والطبية، فتحت الجهات الرسمية، مثل جامعة الإسكندرية باب التحقيق فيما نُشر، وفق بيان نشرته في اليوم التالي لتفجير القضية، وناشدت من لديهن شهادات تقديمها للجامعة، ولما سألت «الشرق الأوسط» المتحدث باسم وزارة التعليم العالي، عادل عبد الغفار عن نتيجة التحقيقات رفض التعليق قائلاً: «الأمر أصبح أمام القضاء».

الواجهة الأمامية لمبنى جامعة الإسكندرية. (الشرق الأوسط)

قل: «ولادة آمنة» ولا تقل: «عنف توليدي»

اختلف تعامل الجهات المعنية في مصر تجاه الأزمة، لكنها اتفقت على تجنب مصطلح «العنف التوليدي»، فحتى الجهة التي تفاعلت مع الأزمة إيجابياً وهي نقابة الأطباء، استخدمت بدلاً منه «الولادة الآمنة» بهدف تجنب أي تجاوزات قد تحدث.

التحفظ المصري، يقابله انفتاح عالمي على المصطلح الذي ذكرته منظمة الصحة العالمية لأول مرة في عام 2014، عادّةً في بيان أن «سوء المعاملة أثناء الولادة انتهاك لحقوقهن»، ودعت إلى مزيد من الحوار والبحث والتوعية في هذا الملف. وفي عام 2019 أظهرت دراسة للمنظمة داخل أربع دول: «غانا، وغينيا، وميانمار، ونيجيريا»، أن أكثر من ثلث النساء تعرضن لسوء معاملة أثناء الولادة داخل المستشفيات.

وإذا كانت السيدات اليوم أكثر جرأة في الإفصاح عما مررن به، فإن تلك الحوادث نفسها قديمة ومتجذرة. فقبل 35 عاماً، وضعت هيام محمد (53 سنة) مولودها الأول في مستشفى الحسين الجامعي، بعد 5 ساعات قضتها في مستشفى الزهراء بمنطقة العباسية وسط القاهرة، حيث نهرها الطبيب المباشر لحالتها بسبب صراخها: «إنتِ مش هتولدي، إنتِ هتموتي». وقتها أصرت على مغادرة المستشفى: «قلبي انقبض وحسيت إني هموت فعلاً».

ومثلها ماجدة محمود (اسم مستعار)، التي تحدثت إلى «الشرق الأوسط» أنها لجأت في عام 1987 إلى مستشفى ناصر الحكومي في شبرا، وهي تشكو من ألم في الرحم. وتقول: «طيلة 10 أيام، كنت أنا والمريضات الأخريات مكشوفات قدام بعض وقدام الدكاترة، مفيش واحدة تقدر تعترض، ودكاترة كتير بيجوا يشوفونا، ومحدش بيقولي عندي إيه».

الموافقة المستنيرة

صنفت الطبيبة المصرية فريدة محجوب، والباحثة في ملف العنف التوليدي، أشكاله إلى 14 صنفاً، من ضمنها «غياب الخصوصية، والموافقة المستنيرة»، أي إعلام المريضة بكيفية إجراء الفحص وهدفه قبل أن تتعرض السيدة له، وضرورة أخذ موافقتها عليه.

وأضافت محجوب، في فيديو على «فيسبوك» بتاريخ 17 يونيو، أنها تفاجأت بغياب الوعي لدى بعض الأطباء وأطقم التمريض، قبل السيدات المقبلات على الولادة. وتقول: «في أمهات متعرفش إن من حقها إن الدكتور ميزعلقهاش»، وذلك في دراسة أعدتها داخل مستشفى القصر العيني عام 2018 عن «العنف التوليدي».

ورصدت الدراسة، التي لم تُنشر بعد، أن 90 في المائة من العينة العشوائية، تعرضت لشكل واحد على الأقل من 11 شكلاً من أشكال العنف التوليدي.

جدل واسع تعرض نساء لتجاوزات خلال الولادة في مصر. (جامعة الإسكندرية)

الفقيرات الأكثر عرضة للعنف

تستقبل المستشفيات الحكومية والجامعية، التي تقدم خدماتها بالمجان أو بأسعار رمزية، مئات الآلاف من النساء للوضع سنوياً، وأكثرهن من غير المقتدرات، واشتكت 5 حالات تحدثت مع «الشرق الأوسط» من التعنيف، فيها أشادت واحدة بتجربتها.

ويقع أكثر من 30 في المائة من المصريين تحت خط الفقر، وفق تقديرات رسمية.

في مارس (آذار) عام 2023، خضعت ميادة إبراهيم (32 عاماً) لولادتها الأولى في مستشفى الشاطبي؛ تتذكر اليوم الذي أمرتها فيه طبيبتها بالتوجه إلى المستشفى على وجه السرعة لأن «التاسع بيخلص وابني مقلوب، ولازم أولد قيصري». عند الباب مُنع زوجها من مرافقتها، وتعرضت للإهانة والسخرية من ممرضة ثم خلال أول كشف للطبيب، وفي رد فعل على وجعها وقف قربها وراح يضحك ويسخر منها.

«اتحجزت في عنبر النساء وكل شوية يدخل دكتور من الامتياز ويكشف عليّ»، تقول ميادة لـ«الشرق الأوسط»، وحين سألناها: «عشرة أطباء مثلاً»، ردت: «أكثر»، ولم يخبرها أحد عن سبب الكشف، ولم يطلب أحد إذناً به وهي أصلاً ستلد قيصري. بعد الولادة: «خدوا ابني وخرجوه لزوجي، مشوفتوش غير لما روحت البيت بعد ساعات من الولادة، حتى ما سمحوش أرضعه أول رضعة».

حملة «الساعة الذهبية»

ذلك كله يخالف ما تتبناه وزارة الصحة حالياً من حملة للتوعية بأهمية «الساعة الذهبية» في إطار التشجيع على الولادة الطبيعية، وهي الساعة الأولى بعد الوضع، يمنح خلالها المولود للأم لملامسة جلدها والشعور بنبضات قلبها ما يساعد على انتظام نبضه وتثبيت حرارة جسمه.

وتأتي تلك الحملة بعدما سجّلت مصر أرقاماً قياسية في أعداد الولادة القيصرية، على الرغم من مخاطرها وتبعاتها الصحية، التي قفزت من 52 في المائة عام 2014 إلى 72 في المائة عام 2024؛ وفقاً للمسح الصحي للأسرة المصرية، فيما توصي منظمة الصحة العالمية بنسبة لا تتراوح أكثر من 10 إلى 15في المائة من مجموع الولادات. هذا علماً بأن غالبية هذه الولادات القيصرية تجري لأسباب غير طبية، ومن دون «موافقة مستنيرة» من السيدة نفسها.

لم تستطع منار سعيد (اسم مستعار)، وهي ربة منزل وزوجها سائق تاكسي، من محافظة الإسكندرية، أن تتحمل تكلفة الولادة في مركز أو مستشفى خاص قبل 3 أعوام. وتقول: «تابعت مع طبيب يعمل في مستشفى (يتبع وزارة الصحة)، على أمل أن ألد معه في المستشفى، بأسعار رمزية».

يوم الولادة، فاجأها الطبيب بطلب أضعاف المبلغ حتى تلد في القسم الاقتصادي، وحين سألته عن الفارق «كشف الستار عن سيدة تلد وهي غرقانة في دمها وحولها 7 أو 8 طلبة امتياز طب بيتعلموا فيها»، تقول منار: «من خوفي فقدت الوعي ولم أشعر إلا وأنا على السرير بعد الوضع».

تقول سناء سمير (اسم مستعار) لـ«الشرق الأوسط»، وهي مدرسة للغة الفرنسية خضعت للولادة في مستشفى الدمرداش عام 2019، إنها «شعرت بالمسؤولية بعد حديث سويدان، لحماية النساء غير القادرات بمشاركة قصتها»، موضحة أنها تستطيع مادياً الولادة في مستشفى خاص، لكن «الدكتور طلب مني أن أذهب للدمرداش لأني هولد في السابع والطفل سيحتاج إلى حضّانة»، وذلك بعد أزمة تعرضت لها في الحمل، ووعدها بأن يقوم هو بنفسه بتوليدها هناك.

«في الطريق إلى غرفة العمليات رأيت سيدة تلد في الممر وأخرى في الأسانسير، الوضع فوضوي ومرعب» تقول لـ«الشرق الأوسط». وفي غرفة العمليات «لم تتوفر الخصوصية الكافية»، صرخت سناء من الألم، فنهرها الطبيب وتدخلت طبيبة شابة في الامتياز، هدأتها وأخبرتها أنه عند مجيء الطلق عليها «الحزق لا الصراخ» لمساعدة الهواء المحتبس على دفع الجنين إلى مجرى الولادة عوضاً عن إخراجه من الفم فتزيد الانقباضات. وتعلق سناء: «لم أكن أعلم هذه المعلومة ولم يحضّرني لها أحد».

ملصق إرشادي نشرته وزارة الصحة المصرية ضمن حملة للحد من معدلات الولادة القيصرية

لماذا لا تشتكي النساء؟

سألت «الشرق الأوسط» السيدات عن أسباب عزوفهن عن تقديم شكوى رسمية، وهو ما تعد المؤسسات غيابه دليلاً على أن ما يثار مفتعل ومبالغ فيه، وكان جهل أكثر من حالة بأسماء المتورطين في العنف ضدهم سواء من أطقم التمريض أو الأطباء سبباً، مع عدم قدرتهن بعد الوضع على التفكير في الشكوى، خصوصاً وأن بعضهن ولدن أطفالاً خضعوا لعلاج لفترة حتى تحسنت أوضاعهم.

أخريات كن غير قادرات على التمييز أن ما حدث لهن هو «عنف توليدي» مثل منار، التي روت لـ«الشرق الأوسط» أكثر من موقف وقالت في بداية حديثها، ما حدث معي «سوء معاملة مش عنف توليدي»، رغم أن «سوء المعاملة» خلال الوضع جزء من العنف التوليدي.

أما ميادة إبراهيم، فقالت لـ«الشرق الأوسط»، «إحنا سكتنا، وقت ما عملوا فينا كده، وعلشان إحنا غلابة سكتنا، شكوى إيه اللي هنقدمها؟»، في نمط متكرر لشعور الضحية بالذنب.

ورأت سناء أن «شهادتها سواء عبر (فيسبوك) أو من خلال الإعلام تكفي لتوعية أخريات حتى لا يتعرضن لما تعرضت له خصوصاً الفقيرات»، فاقدة الأمل في المقابل أن تؤدي شكواها في المسارات الرسمية لنتيجة.

لقطة مأخوذة من فيديو لمبنى مستشفى الدمرداش الجامعي. (وزارة الصحة)

الولاية الطبية

تقدم المحامية الحقوقية عزيزة الطويل، تفسيرات إضافية لأسباب صمت النساء وعدم التقدم بشكوى تقتص لهن عند التعرض لتجاوز لا سيما من الناحية الطبية، أولها يتعلق بالسياق العام لمعاملة النساء بعدّهن «ناقصات الأهلية الطبية». وتقول الطويل لـ«الشرق الأوسط»: «على سبيل المثال، يرفض الأطباء إجراء عمليات للنساء حتى لو كانت منقذة للحياة مثل استئصال الرحم في حالة الورم، إلا بعد الحصول على موافقة الزوج»، عادّةً أن ذلك، يُشعر النساء بأن حقوقهن مهدرة، وأنهن لا يملكن القرار القانوني والطبي في أجسادهن، وبالتالي فإن الشكوى لن تأتي بنتيجة.

ووفق التقرير السنوي للمركز المصري لحقوق النساء، عن عام 2025، فقد «سجل العنف ضد المرأة تصاعداً ملحوظاً في وتيرة وشدة الجرائم الموجهة ضدهن، امتدت من الفضاء الخاص إلى العام. ولم يقتصر الأمر على جرائم قتل الزوجات والمشاجرات العائلية (...) بل تجاوزها إلى محاولات منهجية لفرض الوصاية الذكورية، وترهيب النساء في الأماكن العامة».

وتشير الطويل إلى أسباب اقتصادية في عزوف النساء عن التقدم بشكوى: «لا يوجد وسائل سهلة للشكوى، فالشكوى الجنائية تتطلب وقتاً وجهداً ومالاً في ظل طول مدد التقاضي في المحاكم المصرية، حتى الشكاوى التأديبية تحتاج إلى رسوم، ومحامٍ لمتابعتها في الأغلب مع تعقيد إجراءاتها». ولفتت إلى أن الشكوى في نقابة الأطباء تتكلف 750 جنيهاً رسوماً، وغير مضمونة النتائج، ومعتمدة في حكمها على تجربة خاضتها بنفسها مع موكلة عندها لتقديم شكوى في طبيب نهاية عام 2024.

وأرجع عضو مجلس نقابة الأطباء شادي صفوت، رسوم الشكاوى إلى «جدية الشكوى»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «عدم فرض رسوم يجعل من السهل التقدم بشكوى كيدية».

أما السبب الثالث وفق الطويل فهو «اليأس من الوصول لنتيجة»، مستشهدة بواقعة هي كانت طرفاً فيها لشابة عشرينية تعرضت لـ«تحرش جنسي من طبيبها وتقدمت بشكوى للنقابة، لنكتشف أن الطبيب نفسه مقدم ضده أكثر من شكوى سابقة، ولم يتم اتخاذ أي قرار بحقه حتى الآن».

خطاب رسمي صامت

كل ذلك الضجيج ووزارة الصحة المصرية لم تصدر بياناً واحداً يُعلق على الأزمة. لم تنشر حتى أرقاماً للشكاوى أو إيضاحات، بل سلكت نهجاً «دعائياً»، للرد على ما عدّته «دعاية مضادة» تستهدف مستشفياتها.

وتنقسم المستشفيات العامة في مصر إلى مستشفيات حكومية تتبع وزارة الصحة، ومستشفيات جامعية تتبع وزارة التعليم العالي، التي يتلقى فيها طلاب الطب تدريبهم ويعرف ذلك بفترة الامتياز، مثل القصر العيني في القاهرة، والشاطبي في الإسكندرية، وتظل وزارة الصحة هي المظلة الأوسع المعنية بالقطاع الصحي ككل.

تتبعت «الشرق الأوسط» خطاب الوزارة عقب الأزمة لمدة أسبوعين، بتحليل محتوى صفحتها الرسمية على «فيسبوك»، فكانت نسبة المحتوى المتعلق بصحة النساء 10.3 في المائة فقط من مجمل المنشورات خلال فترة البحث، بعدد 20 بوستاً من بين 194 بوستاً، واشتبكت الوزارة مع «العنف التوليدي» في 5 منشورات منها، وهي عبارة عن مقاطع فيديو دعائية، مصورة بجودة عالية، تُظهر الجودة والانضباط والنظافة في المستشفيات الجامعية والحكومية مثل «الشاطبي، والدمرداش، والجلاء، وأحمد ماهر».

أظهرت المقاطع سيدات بعد وضعهن يحملن أطفالهن ويحكين تجربتهن «الممتازة والمميزة»، في الولادة بهذه المستشفيات، وقالت سيدة في فيديو عن مستشفى أحمد ماهر، المنشور بتاريخ 23 يونيو الماضي «والله مفيش نظرة اتنظرت لي من دكتور مش كويسة، جيت هنا أكني جيت مستشفى خاص». وكأن الأزمة أصبحت بين المستشفيات الحكومية والخاصة، وليست بين تجاوزات قد تحدث في أي منها كما قد تحدث في أي بلد آخر، علماً بأن شهادات كثيرة عبر السوشيال ميديا حكت عن تجاوزات في مستشفيات خاصة، وبعضها حتى من طبيبات نساء.

بين صحة النساء ونظام الطيبات

لم تضع الوزارة هدف توعية النساء بحقوقهن خلال الولادة في خطتها للتعامل مع الأزمة، أو حتى التوعية بالصحة الإنجابية عموماً رغم الطفرة التي يشهدها الخطاب الإعلامي للوزارة من حملات ضخمة لمواجهة الإدمان والتدخين، أو للاشتباك مع أزمة «الطيبات» التي شهدتها مصر خلال الشهور الماضية.

و«الطيبات» هو نظام غذائي ادعى واضعه الطبيب السابق الراحل، ضياء العوضي، قدرته على شفاء الأمراض كافة والوصول بمتبعه إلى أفضل النتائج. يحظر النظام تناول الخضراوات والبيض واللحوم البيضاء، ويسمح بتناول السكر بكميات كبيرة، ويدعو للتوقف عن تناول الأدوية. اكتسب النظام شهرة واسعة بعد وفاة العوضي في 21 أبريل (نيسان) الماضي، وكان قد مُنع من مزاولة مهنة الطب قبل وفاته بشهور. وأطلقت وزارة الصحة حملة توعوية كبيرة تقدم خطاباً صحياً بديلاً، وتشدد على أهمية تناول الأطعمة التي منعها العوضي، وتصحيح المفاهيم حولها، علماً بأن الوزارة استمرت في نشر الحملة خلال فترة البحث، بواقع 5 منشورات.

ويحتل المضمون التوعوي المرتبة الأولى بين محتوى الوزارة، متجاوزاً حتى المضمون الإعلامي الخاص ببيانات الوزارة، بنسبة 61.9 في المائة من مجمل المحتوى. ويتنوع هذا المضمون بين حملات بعضها موسمية مما يرتبط بيوم عالمي لمرض معين، وأخرى دائمة مثل كبسولة الصحة، وهي فيديوهات قصيرة يظهر فيها طبيب أو طبيبة للتوعية أو الرد عن تساؤل يُثار حول مرض معين.

سألت «الشرق الأوسط» المتحدث باسم وزارة الصحة الدكتور حسام عبد الغفار، في رسالة عبر «واتساب»، عما إذا كانت الوزارة تنوي استغلال الأزمة الأخيرة في حملات توعوية للمريضات بحقوقهن، ولم نتلق رداً حتى نشر التحقيق. السؤال نفسه توجهنا به إلى نائبة وزير الصحة الدكتورة عبلة الألفي، خصوصاً وأنها المعنية بالتوعية ضد مخاطر الولادة القيصرية، في ظل زيادة معدلاتها إلى نحو 72 في المائة، لكن لم نتلق رداً منها أيضاَ.

وعلى أهمية الحملات السوشيالية، يظل قطاع كبير من المتضررات أو المتضررات المحتملات من العنف التوليدي، خصوصاً من الطبقات الفقيرة أو اللواتي يفتقرن للقراءة والكتابة، بعيداً عن هذا النوع من المضمون، لذا لا بد من استهدافهن بحملات تلفزيونية أو حملات طرق للأبواب.

تقول وزارة الصحة المصرية إنها تركز على تقليل الولادات القيصرية بعد ارتفاع نسبتها. (موقع الوزارة)

ميثاق «الولادة الآمنة»

في 6 يوليو 2026، صدر أول رد فعل إيجابي مع الحراك الأخير حول «العنف التوليدي» من نقابة الأطباء المصرية، «الميثاق الوطني لتعزيز الرعاية الآمنة والكريمة أثناء الحمل والولادة»، في نتاج لورشة عمل أقامتها النقابة في 23 يونيو الماضي، الذي رغم شموليته، يظل تطبيقه صعباً تحت عقبات خاصة بنقص الكادر الطبي والإمكانات الطبية مقارنة بعدد السكان، ومع غياب الجهة المنوط بها تنفيذ معظم مراحله، سواء في ورشة العمل أو بالأسماء والجهات الواضعة الميثاق في ختامه.

يبدأ الميثاق خطته بعنصر «التوعية»، والمنوطة بتقديمه وفق الميثاق، وزارة الصحة، وإدارات المستشفيات، ومنظمات المجتمع المدني والإعلام، ويقترح فيه تقديم جلسة تثقيفية موثقة ضمن متابعة الحمل، ونشر ميثاق عن حقوق الأم في جميع المنشآت الصحية.

ينتقل الميثاق إلى ضمان الخصوصية داخل الغرف بالستائر في حد أدنى، وتوفير وسائل تخفيف الألم، والسماح بوجود مرافق أو داعم للولادة. كما ينص على ضرورة توثيق موافقة الأم على التدخلات الطبية غير الطارئة (الموافقة المستنيرة)، ثم إلى الإمكانات الطبية، بتنمية الموارد البشرية وبناء القدرات والكوادر المساعدة، من خلال تدريب الفرق الطبية ومقدمي الخدمة على التواصل والموافقة المستنيرة، وتفعيل برنامج القابلات، والاستعانة بالأخصائيين الاجتماعيين ومقدمي المشورة لتقديم الدعم للأمهات أثناء الولادة، وتحسين بيئة العمل ودعم مقدمي الخدمة، بداية من توفير القوى البشرية بأقسام النساء والتوليد والطوارئ بما يتناسب مع عدد من يتردد على الخدمة، وتنظيم ساعات العمل والمناوبات بأجر عادل، وزيادة بدل (المقابل المادي) المناوبات، وتوفير الدعم النفسي للعاملين.

ورشة عمل في نقابة الأطباء المصرية انبثقت عنها وثيقة «الولادة الآمنة». (موقع النقابة)

نظرياً، تحل هذه الوثيقة أزمة العنف التوليدي، بل وأزمة الأطباء في مصر، لكنها تصطدم بالواقع الذي يتسم بنقص الأطباء مقارنة بعدد السكان، وكذلك الإمكانات الطبية، بل ومنظومة الأجور التي يطالب الأطباء منذ سنوات بتحسينها.

وقبل أيام من صدور هذا الميثاق، أشار الوكيل العام لنقابة الأطباء جمال عميرة، إلى الضغط الواقع على الأطباء، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر تحدث بها 5 آلاف ولادة يومياً، فلو اشتكى 10 مش رقم»، مؤكداً في الوقت نفسه سعيهم إلى أن تكون الخدمة الطبية على أعلى مستوى ومرضية، لكنه أشار إلى أنه «حتى يحدث ذلك نحتاج إلى ضعف عدد الأطباء الموجود حالياً في مصر».

يوجد 11.8 طبيب في مصر لكل 10 آلاف نسمة عام 2024، وفق عدد الأطباء خلال العام نفسه الذي نشره الجهاز المركزي للإحصاء. وتبتعد هذه النسبة عن النسب العالمية 17.2 طبيب لكل 10 آلاف نسمة. زيادة عدد الأطباء في مصر ليست أمراً سهلاً، فبخلاف هجرة الأطباء «تحتاج زيادة الأعداد التوسع في كليات الطب، وهو ما ترفضه النقابة وتحذر منه في ظل غياب المستشفيات الجامعية، ما يضعنا أمام طبيب غير مؤهل... الأزمة متشعبة ومتشابكة» يقول عميرة.

وعلقت الطبيبة والباحثة فريدة محجوب على الميثاق، وهي ضمن من شارك في وضعه: «الحركة على مستوى السياسات الصحية والتغيير يحتاج إلى تشبيك معتبر ومجهود سنين. واللحظة الحالية تحتاج إلى عمل مع كل الأطراف وعلى كل المستويات»، مشيرة إلى أن الأهم بالنسبة لها «معرفة النساء بحقوقهن، وأن من يخطئ يُحاسب بآلية شكوى ومساءلة واضحة».

ونصت الوثيقة فيما يتعلق بالشكوى على «إنشاء خط ساخن لتلقي الشكاوى في وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية والنقابات المهنية، وتوفير الحماية للشاكي، مع تحديد إطار زمني للتحقق من الشكوى».

وحتى تاريخ النشر، لم تتفاعل وزارة الصحة المصرية مع الوثيقة أو تصدر أي بيانات أخرى عن آليات تطبيقها، أو تجيب عن استفسارات الصحافة والسيدات.


واشنطن تضبط ساعة الشرق الأوسط على توقيتها... إسرائيل حليف لا قائد

لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)
لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تضبط ساعة الشرق الأوسط على توقيتها... إسرائيل حليف لا قائد

لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)
لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)

لم تعد العلاقة الأميركية - الإسرائيلية تُقاس بحجم السلاح الذي تمنحه واشنطن لتل أبيب فحسب، ولا بعدد المرات التي تحميها فيها داخل المؤسسات الدولية، بل أصبح الاختبار الحقيقي اليوم في مكان آخر: من يملك فعلاً حق رسم نهاية الحروب وترتيب الخرائط بعدها؟

فالذي يطفو على سطح العلاقة ليس انشقاقاً استراتيجياً ولا تراجعاً أميركياً عن الالتزام بأمن إسرائيل، بل صراع متزايد على حدود القوة، وعلى الجهة التي ستقرر شكل النظام الإقليمي بعد سلسلة الحروب التي أعادت فتح ملفات الشرق الأوسط كلها دفعة واحدة.

فإدارة الرئيس دونالد ترمب لا تزال تسلّح إسرائيل وتحميها سياسياً، وتنسق معها عسكرياً في الحرب على إيران، لكنها لم تعد مستعدة لمنح حكومة بنيامين نتنياهو حق تقرير توقيت الحروب ونهاياتها، أو تعطيل علاقات واشنطن مع تركيا والسعودية ودول الخليج ومصر والعراق وسوريا ولبنان. بهذا المعنى، لا تواجه إسرائيل خصماً أميركياً، بل حليفاً قرر أن يستعيد موقع القيادة.

من يقود سياسة الشرق الأوسط؟

هذا التحول يدحض المقولة الرائجة بأن تل أبيب هي التي تقود السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. تستطيع إسرائيل التأثير في القرارات الأميركية، وقد تدفع واشنطن نحو خيارات لم تكن في مقدمة أولوياتها، لكن الوقائع الأخيرة تظهر أن الإدارة الأميركية تحتفظ بسلطة ضبط الإيقاع وفرض التسويات عندما تتعارض الأجندة الإسرائيلية مع المصالح الأميركية الأوسع، من أمن القوات والأسواق والطاقة إلى تماسك حلف شمال الأطلسي ومستقبل النفوذ الأميركي في المنطقة.

وتتجسد هذه الحقيقة في سلسلة وقائع متزامنة تبدأ باحتضان ترمب للرئيس التركي رجب طيب إردوغان رغم اعتراض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ثم مطالبة إسرائيل بإعادة نشر قواتها خارج سوريا ولبنان، ودفاع نائبه جي دي فانس عن التفاوض مع إيران في مواجهة الضغوط الإسرائيلية، وصولاً إلى رهان ترمب على الدولة والمؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية في كل من لبنان والعراق بدلاً من تحويلهما إلى ساحتي حرب مفتوحتين. وليس البديل الأميركي إقصاء إسرائيل، بل إنهاء احتكارها تعريف مصالح المنطقة وترتيب أولوياتها.

ومن هذه الزاوية، تبدو تركيا المدخل الأوضح لفهم حدود النفوذ الإسرائيلي داخل القرار الأميركي.

إردوغان لدى استقباله ترمب في أنقرة قبيل انطلاق أعمال قمة الناتو يوم 7 يوليو الحالي (رويترز)

تركيا تكسر الاحتكار

يشكل الملف التركي أوضح اختبار لهذا التحول في العلاقة الأميركية الإسرائيلية. فقد طلب نتنياهو من ترمب، قبيل قمة «الناتو» في أنقرة، كبح خطاب إردوغان ومنع تزويد تركيا بتقنيات تعزز سلاحها الجوي. وربط رئيس الوزراء الإسرائيلي بين بيع مقاتلات «إف-35» أو محركات متطورة لأنقرة وبين المحافظة على التفوق الجوي الإسرائيلي، معتبراً في مقابلة مع «فوكس آند فريندز» أن النظام التركي «مصاب» بفكر «الإخوان المسلمين» وأن تسليحه سيخلّ بتوازن القوى.

جاء ذلك بعد وصف إردوغان الصهيونية بأنها «آيديولوجيا إبادة»، وقول وزير خارجيته هاكان فيدان إن الحكومة الإسرائيلية أصبحت «مشكلة للعالم بأسره»، وفق تفاصيل أوردها موقع «أكسيوس».

لكن واشنطن تنظر إلى تركيا من زاوية مختلفة. فهي صاحبة ثاني أكبر جيش في «الناتو»، وقوة مؤثرة في سوريا والبحر الأسود، ووسيط استخدمته الإدارة في غزة وإيران وملفات أخرى. لذلك مضت واشنطن في حزمة تزيد قيمتها على 700 مليون دولار لتزويد مشروع المقاتلة التركية «قآن» بمحركات أميركية، رغم أن العودة الكاملة إلى برنامج «إف-35» لا تزال مرهونة بتخلي أنقرة عن منظومة «إس-400» الروسية (الحالي العمل على مخارج لها) وبقيود قانونية أميركية.

وفي قمة أنقرة، أعلن ترمب أنه سيلغي العقوبات المفروضة على تركيا وأنه منفتح على بيعها «إف-35»، وإن لم يتخذ القرار النهائي. كما أشاد بإردوغان ودافع عنه في مواجهة الاعتراض الإسرائيلي، في مشهد وصفته «رويترز» بأنه مكسب سياسي كبير للرئيس التركي. وبذلك تعاملت الإدارة مع خطاب أنقرة المناهض لإسرائيل باعتباره خلافاً يمكن احتواؤه، لا سبباً لإخراج تركيا من الحسابات الإقليمية.

وبالنسبة إلى إسرائيل، تمثل تركيا قوة منافسة تجمع بين القدرة العسكرية والخطاب العقائدي والامتداد داخل سوريا والعلاقة بحماس. أما واشنطن فتراها شريكاً صعباً، لكنه لا غنى عنه. والخلاف هنا ليس على تقييم إردوغان أخلاقياً، بل على ما إذا كان أمن إسرائيل يمنحها حق الاعتراض على تسليح حليف أطلسي تحتاج إليه الولايات المتحدة في ملفات تتجاوز الصراع العربي - الإسرائيلي.

وإذا كان الملف التركي يكشف حدود الاعتراض الإسرائيلي على شراكات واشنطن، فإن الملف الإيراني يكشف حدود قدرة إسرائيل على تحديد سقف الحرب ونهايتها.

لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)

إيران: من يبدأ ومن يختم؟

تكشف الحرب مع إيران حدود التباعد وحدود التحالف في آن واحد. فالولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا عملياتهما في 28 فبراير (شباط) الماضي بتنسيق عسكري عميق، ولا تزال واشنطن توفر لإسرائيل قدرات لا تستطيع تأمينها منفردة. وقبل التصعيد الأخير، أبلغت الإدارة تل أبيب أنها سترسل عشرات طائرات التزود بالوقود الإضافية إلى المطارات الإسرائيلية، فيما كانت خطط ضرب منشآت نووية وبنى تحتية إيرانية تُناقش في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، وفق «أكسيوس». وهذا وحده ينفي الحديث عن انتقال واشنطن إلى معسكر مناوئ لإسرائيل. غير أن الشراكة في الحرب لم تنتج عملياً اتفاقاً على نهايتها.

حكومة نتنياهو تريد إزالة القدرات النووية والصاروخية الإيرانية جذرياً، والإبقاء على حرية استئناف القتال وضرب حلفاء طهران. أما ترمب، فعليه أن يوازن بين هذه الأهداف وبين سلامة القوات الأميركية، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وأسعار الطاقة، والتكلفة السياسية لحرب مفتوحة. وبعد أيام متتالية من الغارات الأميركية في موجة التصعيد الأخيرة، كانت قطر ومصر وباكستان وعُمان تدفع نحو هدنة لعشرة أيام تتيح التفاوض على الملاحة في المضيق؛ وهي مبادرة لم يقبلها الطرفان بعد.

وبلغ التوتر ذروته عندما قال جي دي فانس إن أشخاصاً داخل الحكومة الإسرائيلية حاولوا التأثير في الرأي العام الأميركي لإبقاء الحملة العسكرية مستمرة «إلى أجل غير مسمى». وأضاف أنه لا يعترض على محاولات الدول التأثير في واشنطن، بل على تحولها إلى «عامل يشوّه الحكم السياسي الأميركي». لكنه شدد، في الوقت نفسه، على أن ترمب كان سيعارض امتلاك إيران سلاحاً نووياً حتى من دون ضغط إسرائيلي.

كما نقل «أكسيوس» عن مسؤول كبير في الإدارة قوله إن نتنياهو قدم «وعوداً كثيرة» بشأن حرب إيران لم تتحقق، في إشارة إلى تقديرات إسرائيلية متفائلة حول سرعة انهيار قدرات طهران. وتفسر هذه التجربة تشدد البيت الأبيض في فحص المطالب الإسرائيلية وعدم التعامل معها باعتبارها حقائق مسلّماً بها.

الخلاصة أن إسرائيل استطاعت التأثير في توقيت الحرب وبيئتها، لكنها لم تحصل على تفويض بتحديد مدتها أو تسويتها. وقد دعا ترمب إسرائيل وإيران في يونيو (حزيران) إلى التوقف الفوري عن إطلاق النار عندما أوشك اتفاق سابق على الانهيار. القيادة الأميركية، إذن، لا تعني دائماً ضبط النفس؛ فقد تقود واشنطن التصعيد بنفسها، لكنها تصر على أن يكون قرار الحرب والسلام أميركياً.

لبنان: الدولة قبل «المنطقة الأمنية»

الإشكالية نفسها تظهر في لبنان وإن بأدوات مختلفة؛ فهنا لا يدور الخلاف حول خطر «حزب الله» بقدر ما يدور حول الطريقة الأجدى لمعالجته.

الاختلاف يتبلور في مشروعين: مشروع أميركي يريد إعادة بناء سلطة الدولة تدريجياً، ومشروع إسرائيلي يعطي الأولوية لحرية العمل العسكري المباشر. وقد وفَّر الاتفاق الإطاري الموقع في 26 يونيو (حزيران) الماضي مختبراً عملياً لهذا التباين، إذ نص على نزع سلاح «حزب الله»، وانسحاب إسرائيلي مرحلي، وفتح الطريق نحو علاقات سلمية.

وخلال استقباله الرئيس جوزيف عون في البيت الأبيض، وصف ترمب لبنان بأنه بلد «عومل بصورة سيئة جداً»، وتعهد بمساعدته، مع إقراره بوجود «مشكلة اسمها حزب الله». وقدم عون خطة مكتوبة لحصر السلاح بيد الدولة وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، قائلاً لترمب إن نجاح المسار يمكن أن يصبح جزءاً من إرثه.

وبالتزامن، بدأ الجيش اللبناني الانتشار في زوطر الغربية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، ضمن برنامج «المناطق النموذجية» الذي يشمل أيضاً صريفا وفرون.

وتتلخص الفكرة في انتقال المنطقة إلى الجيش اللبناني، وتنظيفها من الذخائر غير المنفجرة والبنى المسلحة، ثم تكرار التجربة في مناطق أخرى. وقال مسؤول عسكري إسرائيلي إن الاختبار يهدف إلى إثبات أن الجيش اللبناني هو الجهة الرسمية الوحيدة المخولة حمل السلاح.

لكن الخلاف يبرز عند تحديد الجدول الزمني والجهة التي تصادق على نجاح التجربة. تريد بيروت وواشنطن منح الجيش مهلة ودعماً مالياً ولوجستياً لبسط سيادته، بينما تطالب إسرائيل بالتحقق بنفسها من إزالة أسلحة «حزب الله» وبإبقاء مناطق أمنية وحرية تدخل إذا فشل التنفيذ. ونقل «أكسيوس» أن ترمب قال لنتنياهو عن الوجود الإسرائيلي في سوريا ولبنان: «لا يريدونكم هناك، عليكم إعادة الانتشار»، بينما رد مكتب نتنياهو بالتشديد على الحاجة إلى مناطق أمنية على الحدود.

واشنطن لا تطالب إسرائيل بانسحاب غير مشروط ولا تتجاهل سلاح «حزب الله»؛ لكنها تريد أن يصبح الانسحاب أداة لتقوية الدولة، لا أن يتحول الاحتلال إلى بديل دائم عنها. وتراهن على عون والجيش لعزل الحزب وسحب لبنان من النفوذ الإيراني، في حين تشكك إسرائيل في قدرة الدولة وتفضل الاحتفاظ بضمانة القوة المباشرة.

وقد يفتح الاتفاق، إذا نجح، طريقاً نحو إنهاء حالة العداء، وربما نحو اندماج إقليمي أوسع. لكن عون لم يوافق حتى الآن على لقاء نتنياهو، وربط أي حديث عن السلام بالمبادرة العربية؛ ولذلك فإن الحديث عن انضمام لبناني سريع إلى «اتفاقيات إبراهيم» لا يزال طموحاً أميركياً - إسرائيلياً أكثر منه قراراً لبنانياً.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب واللبناني جوزيف عون في البيت الأبيض (أ.ب)

سوريا والعراق: سيادة دول أم ساحات مفتوحة؟

من لبنان يتسع النقاش إلى سوريا والعراق، حيث تتكرر المعضلة: هل تُدار بقايا النفوذ الإيراني عبر بناء الدولة، أم عبر إبقاء الجبهات مفتوحة؟ ففي هذين البلدين تسعى واشنطن إلى تحويل ضعف النفوذ الإيراني إلى فرصة لبناء دولتين أقل ارتهاناً للميليشيات، بينما تنظر إسرائيل إلى البلدين أساساً بوصفهما ممرات للسلاح ومنصات لتهديد حدودها.

في سوريا، التقى ترمب الرئيس أحمد الشرع على هامش قمة الناتو في أنقرة، ثم طلب من نتنياهو البدء بسحب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد. وأقرّ مسؤول أميركي إن وجودها يخلق توتراً قد يقود إلى تصعيد. وكانت الإدارة قد أمضت أشهراً في محاولة التوصل إلى اتفاق أمني يضمن حدود إسرائيل ويعيد الأراضي تدريجياً إلى دمشق، قبل أن تخلص إلى أن حكومة نتنياهو لا تريد تقديم التنازلات المطلوبة، وفق تقارير صحافية.

المقاربة الأميركية تقوم على دعم سلطة مركزية سورية تستطيع منع عودة التنظيمات المتطرفة، ودمج القوى الكردية في مؤسسات الدولة، والعمل مع تركيا والأردن. وقد رحبت واشنطن باتفاق وقف النار والاندماج المرحلي بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» في يناير (كانون الثاني) باعتباره «محطة تاريخية». أما إسرائيل فتطالب بحزام أمني طويل الأمد، وتقول إن الانسحاب قد يسمح بتكرار هجوم شبيه بالسابع من أكتوبر على حدودها الشمالية.

وفي العراق، لا تستطيع واشنطن التعامل مع الدولة كساحة قصف فقط؛ فلديها قوات وعلاقات اقتصادية وأمنية ومصلحة في منع انهيار النظام السياسي. وقد أبرز استقبال ترمب رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي هذه الأولوية. فالزيدي، الذي شارك قبل أيام في مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق، تحدث في البيت الأبيض عن تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، وإنجاز انسحاب القوات الأميركية المقرر في سبتمبر (أيلول)، ووضع جميع الأسلحة تحت سلطة الدولة. وكان نزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران محوراً رئيسياً في محادثاته مع الإدارة الأميركية.

إسرائيل، في المقابل، تقيس العراق بمعيار الصواريخ والمسيَّرات وممرات الإمداد. وقد أدت غارات على مواقع «الحشد الشعبي» في مارس (آذار)، نسبتها بغداد إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى مقتل 15 عنصراً وأثارت احتجاج الحكومة العراقية. ولهذا تفضل واشنطن، كلما أمكن، نزع السلاح عبر الحكومة العراقية، لأن الضربات غير المنضبطة قد تقوي خصومها وتحوّل العراق مجدداً إلى ساحة مواجهة أميركية - إيرانية.

غير أن أي هندسة إقليمية لا يمكن أن تكتمل من دون العودة إلى الملف الفلسطيني، بوصفه العقدة التي تحدد حدود التطبيع العربي مع إسرائيل.

فلسطين... القفل والمفتاح

لا تستطيع واشنطن بناء منظومة إقليمية تضم السعودية ومصر وتركيا ودول الخليج إذا بقي الاندماج الإسرائيلي منفصلاً تماماً عن القضية الفلسطينية. وقد طلب ترمب في مايو (أيار) من السعودية وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن الانضمام جماعياً إلى «اتفاقيات إبراهيم» بعد تسوية حرب إيران. غير أن الدعوة لم تلقَ استجابة، لأن المزاج الشعبي في تلك الدول ومواقف حكوماتها لا يسمحان بتطبيع مجاني في ظل واقع غزة والضفة الغربية.

السعودية، وهي الجائزة الكبرى للمشروع الأميركي، أبلغت واشنطن مراراً أنها تحتاج إلى خريطة طريق موثوقة نحو دولة فلسطينية. وفي المقابل، يرفض نتنياهو وحلفاؤه اليمينيون قيام تلك الدولة، ويتمسكون بمقاربة «السلام مقابل السلام»، أي التطبيع الإقليمي من دون أي تنازل سياسي للفلسطينيين. وهو ما دعا الرياض إلى القول إنها لا ترى إمكاناً قريباً للتطبيع ما دام هذا الرفض قائماً.

أما خطة ترمب لغزة، فتتضمن إعادة إعمار بمليارات الدولارات وقوة استقرار دولية وحكماً فلسطينياً تكنوقراطياً وانسحاباً إسرائيلياً مرحلياً، لكنها تعثرت عند الانتقال إلى المرحلة الثانية. وتواصل إسرائيل السيطرة على مساحات واسعة وبناء حاجز ترابي يمتد أكثر من 23 كيلومتراً داخل القطاع، ما يثير مخاوف من تكريس تقسيم دائم وفق العديد من المراقبين. ومن دون معالجة ذلك، يصعب إقناع الدول العربية بتمويل إعادة الإعمار أو تحمل أي مسؤوليات أمنية وسياسية في غزة.

هنا يصبح الملف الفلسطيني جزءاً من الخلاف الأميركي - الإسرائيلي على هندسة المنطقة ومستقبلها السياسي لا بصفتها مجرد قضية إنسانية مؤجلة. واشنطن تريد توظيف ضعف إيران لبناء شبكة شراكات عربية - إسرائيلية تحت قيادتها؛ واليمين الإسرائيلي يريد توظيف الضعف نفسه لتوسيع السيطرة الإقليمية من دون كلفة فلسطينية. وبين المنهجين تقف السعودية ومصر وتركيا والخليج بوصفها قوى لم تعد الولايات المتحدة مستعدة لتجاهل شروطها.

وتنعكس هذه التوازنات الإقليمية، في النهاية، على الداخل الإسرائيلي نفسه، حيث يصبح صندوق الاقتراع اختباراً لقدرة نتنياهو على الاستمرار في إدارة التحالف بالشروط القديمة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية بالقدس في يونيو 2026 (رويترز)

صندوق الاقتراع المقرر الأخير

هذه التوازنات كلها ستوضع في ميزان الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وهي الأولى منذ هجوم السابع من أكتوبر والحروب في غزة ولبنان وإيران. وقد أعلن نتنياهو ترشحه مجدداً، لكنه يواجه تحدياً متصاعداً من رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، الذي تظهر استطلاعات الرأي أنه قادر على منافسته من موقع أمني متشدد، لا من موقع يساري تقليدي.

وتراجع موقع نتنياهو في واشنطن بصورة واضحة. فبعد ست زيارات سريعة إلى البيت الأبيض منذ عودة ترمب، حاول لأكثر من أسبوعين الحصول على موعد جديد، قبل أن يحدد أخيراً الثلاثاء، في وقت وصف فيه موقع «أكسيوس» مكانته بأنها باتت هشة لدى الديمقراطيين وداخل الدائرة الترمبية وقاعدة «ماغا».

ويتزامن ذلك مع تغير أوسع في الرأي العام. فقد أظهر استطلاع مركز «بيو» للأبحاث أن 60 في المائة من الأميركيين يحملون نظرة سلبية إلى إسرائيل، بينهم 80 في المائة من الديمقراطيين و41 في المائة من الجمهوريين، مع ارتفاع الرفض خصوصاً بين الجمهوريين دون الخمسين.

لكن لا توجد أدلة علنية تثبت أن إدارة ترمب قررت إسقاط نتنياهو أو التدخل المنظم لاستبداله. فترمب دافع عنه في مواجهة مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، وضغط سابقاً لمنحه عفواً في قضايا الفساد، وأعلن أنه لن يُعتقل في أميركا، رداً على تهديدات عمدة نيويورك زهران ممداني، ولا تزال إدارته توفر لإسرائيل حماية وتسليحاً استثنائيين. الأصح أن واشنطن لم تعد مستعدة لتكييف مشروعها الإقليمي مع احتياجات نتنياهو الانتخابية، وأن سياساتها قد تساعد خصومه بصورة غير مباشرة إذا أقنعوا الناخب الإسرائيلي بأن استمرار حكومته يهدد العلاقة مع الحليف الأميركي.

في المحصلة، لا تقف إسرائيل أمام خيار بين التحالف مع الولايات المتحدة أو القطيعة معها، بل أمام امتحان أكثر تعقيداً: هل تقبل أن تكون شريكاً مركزياً داخل مشروع تقوده واشنطن، أم تصر على تحويل التحالف إلى تفويض مفتوح يتيح لها فرض الوقائع العسكرية ثم مطالبة أميركا بتغطيتها؟

التحالف الأمني سيبقى، وربما يزداد عمقاً، لكن شروطه السياسية تتغير. فالولايات المتحدة لا تنسحب من الشرق الأوسط، ولا تتخلى عن إسرائيل، لكنها تقول بوضوح إن أمن إسرائيل لا يمنح حكومتها حق الفيتو على علاقات أميركا الإقليمية، ولا على مستقبل الدول التي تريد واشنطن إعادة إدخالها في معادلة الاستقرار.

هذه هي الرسالة الأهم في لحظة ما بعد الحروب: إسرائيل باقية حليفاً أول، لكنها لم تعد القائد الوحيد للخرائط الجديدة.