«أنيسي» لسينما الرسوم يختتم دورة ناجحة

بين أفلام البراءة والنوايا السياسية

«نيكولا الصغير»
«نيكولا الصغير»
TT

«أنيسي» لسينما الرسوم يختتم دورة ناجحة

«نيكولا الصغير»
«نيكولا الصغير»

منذ إطلاقه أول مرّة سنة 1960. ومهرجان أنيسي للرسوم المتحركة، ينطلق كل سنة في مواكبة مع كل ما يمكن أن يدخل في عداد فن «الأنيميشن» كتقنيات عمل ومواضيع وأساليب أيضاً.
ومنذ 30 سنة تطوّر المهرجان ليصبح أهم مهرجان لهذه السينما في العالم. بحسبان أن هناك أكثر من 120 مهرجاناً لسينما الأنيميشن حول العالم، فإن احتلال المركز الأول بينها والبقاء على القمّة طوال هذه السنوات ليس بالشيء الذي يمكن تجاهله.
في كل عام هناك ما يُضاف إلى قيمته سواء أكان ذلك في نوعية الأفلام المشاركة، أو نوعية الفائز من بينها بجوائزه، أو لناحية تعدد الأفكار التي يطرحها فن الرسم المتحرك، أو الأساليب التي يلجأ إليها مبدعون من كل أنحاء العالم، يحاول كل منهم إيصال فكرته بطريقته الخاصة.

«الجزيرة»

- سوق مُحتكَرة
أقيم المهرجان هذا العام ما بين 13 و18 من الشهر الماضي يونيو (حزيران)، وتمتّع جمهوره (المحتشد دوماً في قاعة قلّ مثيلها في عواصم عديدة) بأفلام لا تتوفر في المهرجانات الدولية الأخرى إلا لُماماً. الحال، أن «برلين»، و«كان»، و«فينيسيا»، و«لوكارنو»، و«صندانس» وسواها من مهرجانات الصف الأول، ليست متخصصة بهذا النوع من الأفلام وإذا ما عرضت أحدها التزمت بمبدأ أن يكون الإنتاج كبيراً وتابعاً لمؤسسة من حجم ووزن يونيفرسال أو ديزني.
هذا ما يترك المجال مفتوحاً أمام «أنبسي» لعرض أفلام لا (والغالب أنها لن) تصل إلى الجمهور العريض إلا إذا تمتع بعضها بتوزيع كافٍ. هذا لا يحدث على النحو المطلوب عادة، لأن الفيلم الكولومبي، أو المجري، أو الفنلندي، عموماً لا يشهد عروضاً خارج دولته حتى ولو كان من الأفلام «الحيّة»، فما البال بفيلم رسوم؟ سوق أفلام «الأنيميشن»، من هذا المنطلق، محتكر من قبل الولايات المتحدة تليها اليابان وفرنسا. الباقي ينتج ويعرض ضمن احتمالات أقواها عروض مهرجانات متخصصة، كـ«أنيسي»، تتبعه عروض محلية غالباً.
ما لوحظ على نحو لافت هذا العام ارتفاع عدد الأفلام الأميركية المنتجة من استوديوهات هوليوود مثل «بيكسار»، «وديزني» و«نتفليكس». هذا لم يحدث بهذا الحجم من قبل. ولا نجد أن إدارة المهرجان تمانع في تمديد مجالات اختيارها لتشمل أفلاماً مثل «Entergatactic»، و«Sea Beast» من «نتفليكس»؛ أو «Rock‪، ‬ Paper‪، ‬ Scissors»، من نيكولوديون؛ و«Strange World»، من ديزني. هذا مع استبعاد دخولها المسابقات المختلفة التي يحتويها المهرجان.‬‬
الفكرة هي الاحتواء وليس الاستبعاد، خصوصاً أن بعض هذه الأفلام اقتصرت على دقائق ترويجية وليس على الأفلام كاملة. كذلك فإن الجمهور الذي يداوم الحضور على هذا المهرجان الفرنسي، وهو جمهور أوروبي غالباً، ليس هنا لمشاهدة أفلام أميركية ستعرض لمن يشاء في صالات السينما، بل لمشاهدة ابتكارات وفنون وأفكار مختلفة مترجمة إلى خيالات سوريالية متباينة ومتعددة التقنيات والأساليب.
نجوم هذه العروض هي الأفلام وليس طواقم ممثليها. لن تجد توم كروز، أو آن هاذاواي، أو ميريل ستريب، أو كنيث برانا، على عتبات الصالة وحولهم مئات المصوّرين. ليس هناك من مقالات عمن ارتدت ماذا من فساتين السهرة، ولا ما قاله الممثل في مؤتمره الصحافي، مما أزعج الموجودين أو أثار ضحكهم. المسألة أكثر جدية بطبيعة حالها، وهذا يكفي، والمهرجان لا يكترث لأكثر من ذلك.

- من وإلى...
أحد أفضل ما شوهد من أعمال في دورة العام الحالي من «أنيسي»، فيلم «لا كلاب ولا إيطاليين مسموح لهم” (No Dogs or Italians Allowed). موضوع الهجرة من أوروبا إلى أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر، إبّان الحرب العالمية الأولى. الفيلم قصّة شخصية إلى حد، فالمخرج الفرنسي لويجي أوغيتو من أصل إيطالي. عائلته نزحت من قريتها الشمالية (اسمها أوغيتيرا) إلى فرنسا سيراً على الأقدام فوق ثلوج جبال فيسو. لم تتألف العائلة من فردين أو ثلاثة ولا حتى أربعة أو خمسة، بل من الأب والأم و11 ولداً. يقص المخرج من خلال فيلمه مآسي النزوح ومآسي التموضع ومن ثَم التطبّع والاعتياد على القبول هنا والرفض هناك. وهو فيلم يأتي على ذكر الاحتلال الإيطالي لليبيا وبداية الحرب العالمية الأولى. بذلك هو فيلم قاسٍ حين يصوّر الأجواء، وحميمي عندما يسرد حكايات العائلة ومصائرها.
بدوره يُثير فيلم «الجزيرة» نوعاً آخر من الرحيل. إنه رحيل كامل من عالم واقعي إلى خيالي. مخرجته الرومانية أنكا داميان وجدت في طيّات رواية «روبنسون كروزو»، أكثر مما وجد المؤلف دانيال دافو (الذي وضع الرواية سنة 1719).
الحكاية المعروفة هي وصول ذلك الأوروبي إلى الجزيرة بعد حطام السفينة التي كان يستقلها. بعد فترة من الوحدة يلتقي بمواطن اسمه فرايداي وكلاهما يمنح الآخر شيئاً من فكره وثقافته وذاته. هذا الخط لا يزال هنا مضافاً إليه شخصيات جديدة منها ما هو آدمي، ومنها ما هو مترجم إلى أشكال غير ذلك. من الإضافات المهمّة هو أن كروزو الآن، وقد التقى بمن التقى من شخصيات الجزيرة ينطلق في بحث عن الجنّة أو عن العالم المثالي الذي يتجاوز عقدة لون البشرة أو الثقافة الوطنية أو تلك الآتية من بعيد.
الصفة البصرية الأولى لهذا الفيلم هي أن المخرجة صاغت عالماً سلساً في انتقاله من مشهد لآخر. غزير في أفكاره، ومتلاحق في حكايته، وثري بألوانه المختارة كما بالأفكار الإنسانية التي يعرضها.
على نحو أقل إتقاناً، يأتي الفيلم الإيطالي «يايا وليني - الحرية السائرة» (Yaya and Lennie‪ - ‬ The Walking Liberty). هنا ينقلنا المخرج أليساندرو راك إلى زمن مستقبلي لا يُغادر الأرض، لكن أحداثه تقع بعد أن تغيّرت شروط الحياة عليها. في منطقة نابولي أدّت نهاية الحضارة كما نعرفها، إلى انتشار كثيف لأدغال استوائية في إيطاليا وعلى الفتاة يايا والعملاق ليني (شخصيتان متناقضتان إلا في فهمهما ضرورة مواجهة الأشرار معاً)، أن يواجها متاعب تلك الحياة التي تسعى السلطات إلى السيطرة على كل مقاديرها ومواطنيها سيطرة تصل إلى حد العبودية (على غرار يذكّر بتوقعات جورج أوروَل).‬
منهج المخرج راك عثرة في سبيل قبول الفيلم خارج نطاق فكرته. لقطاته مؤسسة كما لو كان المرء يُشاهد فيلماً حيّاً ركيك الأسلوب. القطع متوال وكثيف والتركيز على خلق حالة مفاجئة في كل مشهد حتى ولو لم يكن هناك ما هو مفاجئ.
من بين العشرين فيلماً التي عرضت في المسابقة شاهدنا كذلك «نايولا» للبرتغالي جوزيه ميغيل ربييرو. هذا أول فيلم له وأسلوب عمله ليس مبهراً، بل يعكس متاعب في كيف يمكن للفيلم وحكايته الانتقال من حالة إلى أخرى بتلقائية أفضل. تنطلق الأحداث في أنغولا سنة 1995 من ثَم تنتقل إلى الزمن الحالي. في الزمن الأول صراع سلطة خلال حرب أهلية، وفي الزمن الحاضر هناك بحث لامرأة عن زوجها الذي اختفى منذ ذلك الحين.

«لا كلاب ولا إيطاليين مسموح لهم»

- تركيا ـ أرمينيا
الكثير مما يعرضه الفيلم هو نتيجة دمج الدراما الشخصية مع الخلفية الاجتماعية والسياسية، وهذا أفضل ما لديه من نتائج. شخصية المرأة نايولا الباحثة عن زوجها ليست الوحيدة التي يسردها الفيلم، بل تؤازرها شخصيتان نسائيتان أخريان هما ابنة نايولا وأمها. بذلك لدى الفيلم غاية عرض ثلاثة أجيال تتهادى في عالم قاسٍ وصعب.
هذا المنحى السياسي متكرر في أكثر من فيلم آخر، من بينها «شروق أورورا» لمخرجته الأرمينية إينا ساهاكيان. هو إنتاج ألماني - أرميني يتناول ما تعرّض له الأرمن على أيدي العثمانيين في العقد الثاني من القرن الماضي. وهو في الوقت نفسه، يحمل أسلوب الفيلم التسجيلي لأنه لا يريد تحويل الفاجعة إلى حكاية تُروى. أخرجته ساهاكيان عن الناجية الوحيدة من بين أفراد عائلتها واسمها أورورا.
يوفّر الفيلم حكاية بطلته منذ أن كانت في الـ14 من العمر. هي في بعض أنحاء تركيا تتعرّض لتحرّشات الأتراك والألمان قبل أن يبدأ ما يصفه الفيلم بالتطهير العرقي. من حسن حظ أورورا أنها فازت، بعد سنوات قليلة، بمنحة من مؤسسة مسيحية للسفر إلى الولايات المتحدة حيث بقيت هناك.
النصف الثاني من الفيلم يتابع حياتها في مستقرّها الجديد حيث لم تتوقف عن محاولة لفت الأنظار إلى المأساة الأرمينية. وهو من حقائق الأمور أنها قادت بطولة فيلم صامت عن هذا الموضوع سنة 1919 عنوانه «مزاد من الأرواح» (Auction of Souls) أخرجه أوسكار أبفل.
ليس غريباً الموقف الذي يتّخذه الفيلم سياسياً من موضوعه والسعي إلى تكثيفه باتخاذ أسلوب تسجيلي مستبعداً الرواية. لكن هذا السعي لا يتحقق على النحو المنشود كون اللغة العاطفة هي التي يتعامل بها الفيلم مع مشاهديه.
الفيلم الذي خطف إحدى الجوائز الأولى هو «نيكولا الصغير‪:‬ سعيد قدر الإمكان» (Little Nicolas‪:‬ As Happy as Can Be)، الذي حمل بالفرنسية عنواناً مختلفاً هو نيكولا الصغير، ما الذي تنتظره لتكون سعيداً؟».‬‬
بالمقارنة مع سواه مما شُوهد، هو فيلم منفّذ بأسلوب سهل خالٍ من التعقيدات ومحاولات تغليب البصريات على المواضيع نفسها كشأن «نايولا» أو «يايا وليني». هو عن كاتب يطبع على آلته الكاتبة حكاية بطله نيكولا ونشاهد في تلك الحكايات التي ينصرف الفيلم لسردها.
ينتقل المخرجان أماندين فريدو، وبنجامين ماسوبري بين الكاتب وصوته معلّقاً خلال كتابته (يؤديه ألان شابات) وبين حكايات بطله (سيمون فاليو) بسهولة وبمعالجة متناسقة وملهمة.
ليس أن الفيلم ملهاة للصغار. فهناك ما ينضح به من مشاعر إنسانية. هناك ألم الوحدة وألم الحياة العائلية حين تتعرّض لمشاكل كل يوم. ومن ثَم هو عن علاقة حميمة بين الكاتب وشخصيته مجسّدة جيداً لتعبّر عن وجهة نظر الكاتب داخل الفيلم نقلها المخرجان على نحو سلس.


مقالات ذات صلة

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

يوميات الشرق الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق فيلم «صوت هند رجب» الأفضل عربياً في استفتاء «نقاد السينما المصريين» (الشركة المنتجة)

«نقاد السينما»: «أبو زعبل 89» و«صوت هند رجب» و«خاطئون» أفضل أفلام 2025

أعلنت جمعية نقاد السينما المصريين، برئاسة الناقد أحمد شوقي، فوز الفيلم الوثائقي المصري «أبو زعبل 89» للمخرج بسام مرتضى بوصفه أفضل فيلم مصري.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

«وقائع زمن الحصار» يرصد معاناة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال

يطرح الفيلم الجزائري «وقائع زمن الحصار» للمخرج والكاتب الفلسطيني عبد الله الخطيب، رؤية سينمائية تنحاز إلى الإنسان العادي في قلب المأساة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

في فيلمه الروائي القصير «نيير»، المشارك ضمن قسم «أجيال» بالدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي. يراهن المخرج على الصمت والمراقبة.

أحمد عدلي (القاهرة)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.