«أنيسي» لسينما الرسوم يختتم دورة ناجحة

بين أفلام البراءة والنوايا السياسية

«نيكولا الصغير»
«نيكولا الصغير»
TT

«أنيسي» لسينما الرسوم يختتم دورة ناجحة

«نيكولا الصغير»
«نيكولا الصغير»

منذ إطلاقه أول مرّة سنة 1960. ومهرجان أنيسي للرسوم المتحركة، ينطلق كل سنة في مواكبة مع كل ما يمكن أن يدخل في عداد فن «الأنيميشن» كتقنيات عمل ومواضيع وأساليب أيضاً.
ومنذ 30 سنة تطوّر المهرجان ليصبح أهم مهرجان لهذه السينما في العالم. بحسبان أن هناك أكثر من 120 مهرجاناً لسينما الأنيميشن حول العالم، فإن احتلال المركز الأول بينها والبقاء على القمّة طوال هذه السنوات ليس بالشيء الذي يمكن تجاهله.
في كل عام هناك ما يُضاف إلى قيمته سواء أكان ذلك في نوعية الأفلام المشاركة، أو نوعية الفائز من بينها بجوائزه، أو لناحية تعدد الأفكار التي يطرحها فن الرسم المتحرك، أو الأساليب التي يلجأ إليها مبدعون من كل أنحاء العالم، يحاول كل منهم إيصال فكرته بطريقته الخاصة.

«الجزيرة»

- سوق مُحتكَرة
أقيم المهرجان هذا العام ما بين 13 و18 من الشهر الماضي يونيو (حزيران)، وتمتّع جمهوره (المحتشد دوماً في قاعة قلّ مثيلها في عواصم عديدة) بأفلام لا تتوفر في المهرجانات الدولية الأخرى إلا لُماماً. الحال، أن «برلين»، و«كان»، و«فينيسيا»، و«لوكارنو»، و«صندانس» وسواها من مهرجانات الصف الأول، ليست متخصصة بهذا النوع من الأفلام وإذا ما عرضت أحدها التزمت بمبدأ أن يكون الإنتاج كبيراً وتابعاً لمؤسسة من حجم ووزن يونيفرسال أو ديزني.
هذا ما يترك المجال مفتوحاً أمام «أنبسي» لعرض أفلام لا (والغالب أنها لن) تصل إلى الجمهور العريض إلا إذا تمتع بعضها بتوزيع كافٍ. هذا لا يحدث على النحو المطلوب عادة، لأن الفيلم الكولومبي، أو المجري، أو الفنلندي، عموماً لا يشهد عروضاً خارج دولته حتى ولو كان من الأفلام «الحيّة»، فما البال بفيلم رسوم؟ سوق أفلام «الأنيميشن»، من هذا المنطلق، محتكر من قبل الولايات المتحدة تليها اليابان وفرنسا. الباقي ينتج ويعرض ضمن احتمالات أقواها عروض مهرجانات متخصصة، كـ«أنيسي»، تتبعه عروض محلية غالباً.
ما لوحظ على نحو لافت هذا العام ارتفاع عدد الأفلام الأميركية المنتجة من استوديوهات هوليوود مثل «بيكسار»، «وديزني» و«نتفليكس». هذا لم يحدث بهذا الحجم من قبل. ولا نجد أن إدارة المهرجان تمانع في تمديد مجالات اختيارها لتشمل أفلاماً مثل «Entergatactic»، و«Sea Beast» من «نتفليكس»؛ أو «Rock‪، ‬ Paper‪، ‬ Scissors»، من نيكولوديون؛ و«Strange World»، من ديزني. هذا مع استبعاد دخولها المسابقات المختلفة التي يحتويها المهرجان.‬‬
الفكرة هي الاحتواء وليس الاستبعاد، خصوصاً أن بعض هذه الأفلام اقتصرت على دقائق ترويجية وليس على الأفلام كاملة. كذلك فإن الجمهور الذي يداوم الحضور على هذا المهرجان الفرنسي، وهو جمهور أوروبي غالباً، ليس هنا لمشاهدة أفلام أميركية ستعرض لمن يشاء في صالات السينما، بل لمشاهدة ابتكارات وفنون وأفكار مختلفة مترجمة إلى خيالات سوريالية متباينة ومتعددة التقنيات والأساليب.
نجوم هذه العروض هي الأفلام وليس طواقم ممثليها. لن تجد توم كروز، أو آن هاذاواي، أو ميريل ستريب، أو كنيث برانا، على عتبات الصالة وحولهم مئات المصوّرين. ليس هناك من مقالات عمن ارتدت ماذا من فساتين السهرة، ولا ما قاله الممثل في مؤتمره الصحافي، مما أزعج الموجودين أو أثار ضحكهم. المسألة أكثر جدية بطبيعة حالها، وهذا يكفي، والمهرجان لا يكترث لأكثر من ذلك.

- من وإلى...
أحد أفضل ما شوهد من أعمال في دورة العام الحالي من «أنيسي»، فيلم «لا كلاب ولا إيطاليين مسموح لهم” (No Dogs or Italians Allowed). موضوع الهجرة من أوروبا إلى أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر، إبّان الحرب العالمية الأولى. الفيلم قصّة شخصية إلى حد، فالمخرج الفرنسي لويجي أوغيتو من أصل إيطالي. عائلته نزحت من قريتها الشمالية (اسمها أوغيتيرا) إلى فرنسا سيراً على الأقدام فوق ثلوج جبال فيسو. لم تتألف العائلة من فردين أو ثلاثة ولا حتى أربعة أو خمسة، بل من الأب والأم و11 ولداً. يقص المخرج من خلال فيلمه مآسي النزوح ومآسي التموضع ومن ثَم التطبّع والاعتياد على القبول هنا والرفض هناك. وهو فيلم يأتي على ذكر الاحتلال الإيطالي لليبيا وبداية الحرب العالمية الأولى. بذلك هو فيلم قاسٍ حين يصوّر الأجواء، وحميمي عندما يسرد حكايات العائلة ومصائرها.
بدوره يُثير فيلم «الجزيرة» نوعاً آخر من الرحيل. إنه رحيل كامل من عالم واقعي إلى خيالي. مخرجته الرومانية أنكا داميان وجدت في طيّات رواية «روبنسون كروزو»، أكثر مما وجد المؤلف دانيال دافو (الذي وضع الرواية سنة 1719).
الحكاية المعروفة هي وصول ذلك الأوروبي إلى الجزيرة بعد حطام السفينة التي كان يستقلها. بعد فترة من الوحدة يلتقي بمواطن اسمه فرايداي وكلاهما يمنح الآخر شيئاً من فكره وثقافته وذاته. هذا الخط لا يزال هنا مضافاً إليه شخصيات جديدة منها ما هو آدمي، ومنها ما هو مترجم إلى أشكال غير ذلك. من الإضافات المهمّة هو أن كروزو الآن، وقد التقى بمن التقى من شخصيات الجزيرة ينطلق في بحث عن الجنّة أو عن العالم المثالي الذي يتجاوز عقدة لون البشرة أو الثقافة الوطنية أو تلك الآتية من بعيد.
الصفة البصرية الأولى لهذا الفيلم هي أن المخرجة صاغت عالماً سلساً في انتقاله من مشهد لآخر. غزير في أفكاره، ومتلاحق في حكايته، وثري بألوانه المختارة كما بالأفكار الإنسانية التي يعرضها.
على نحو أقل إتقاناً، يأتي الفيلم الإيطالي «يايا وليني - الحرية السائرة» (Yaya and Lennie‪ - ‬ The Walking Liberty). هنا ينقلنا المخرج أليساندرو راك إلى زمن مستقبلي لا يُغادر الأرض، لكن أحداثه تقع بعد أن تغيّرت شروط الحياة عليها. في منطقة نابولي أدّت نهاية الحضارة كما نعرفها، إلى انتشار كثيف لأدغال استوائية في إيطاليا وعلى الفتاة يايا والعملاق ليني (شخصيتان متناقضتان إلا في فهمهما ضرورة مواجهة الأشرار معاً)، أن يواجها متاعب تلك الحياة التي تسعى السلطات إلى السيطرة على كل مقاديرها ومواطنيها سيطرة تصل إلى حد العبودية (على غرار يذكّر بتوقعات جورج أوروَل).‬
منهج المخرج راك عثرة في سبيل قبول الفيلم خارج نطاق فكرته. لقطاته مؤسسة كما لو كان المرء يُشاهد فيلماً حيّاً ركيك الأسلوب. القطع متوال وكثيف والتركيز على خلق حالة مفاجئة في كل مشهد حتى ولو لم يكن هناك ما هو مفاجئ.
من بين العشرين فيلماً التي عرضت في المسابقة شاهدنا كذلك «نايولا» للبرتغالي جوزيه ميغيل ربييرو. هذا أول فيلم له وأسلوب عمله ليس مبهراً، بل يعكس متاعب في كيف يمكن للفيلم وحكايته الانتقال من حالة إلى أخرى بتلقائية أفضل. تنطلق الأحداث في أنغولا سنة 1995 من ثَم تنتقل إلى الزمن الحالي. في الزمن الأول صراع سلطة خلال حرب أهلية، وفي الزمن الحاضر هناك بحث لامرأة عن زوجها الذي اختفى منذ ذلك الحين.

«لا كلاب ولا إيطاليين مسموح لهم»

- تركيا ـ أرمينيا
الكثير مما يعرضه الفيلم هو نتيجة دمج الدراما الشخصية مع الخلفية الاجتماعية والسياسية، وهذا أفضل ما لديه من نتائج. شخصية المرأة نايولا الباحثة عن زوجها ليست الوحيدة التي يسردها الفيلم، بل تؤازرها شخصيتان نسائيتان أخريان هما ابنة نايولا وأمها. بذلك لدى الفيلم غاية عرض ثلاثة أجيال تتهادى في عالم قاسٍ وصعب.
هذا المنحى السياسي متكرر في أكثر من فيلم آخر، من بينها «شروق أورورا» لمخرجته الأرمينية إينا ساهاكيان. هو إنتاج ألماني - أرميني يتناول ما تعرّض له الأرمن على أيدي العثمانيين في العقد الثاني من القرن الماضي. وهو في الوقت نفسه، يحمل أسلوب الفيلم التسجيلي لأنه لا يريد تحويل الفاجعة إلى حكاية تُروى. أخرجته ساهاكيان عن الناجية الوحيدة من بين أفراد عائلتها واسمها أورورا.
يوفّر الفيلم حكاية بطلته منذ أن كانت في الـ14 من العمر. هي في بعض أنحاء تركيا تتعرّض لتحرّشات الأتراك والألمان قبل أن يبدأ ما يصفه الفيلم بالتطهير العرقي. من حسن حظ أورورا أنها فازت، بعد سنوات قليلة، بمنحة من مؤسسة مسيحية للسفر إلى الولايات المتحدة حيث بقيت هناك.
النصف الثاني من الفيلم يتابع حياتها في مستقرّها الجديد حيث لم تتوقف عن محاولة لفت الأنظار إلى المأساة الأرمينية. وهو من حقائق الأمور أنها قادت بطولة فيلم صامت عن هذا الموضوع سنة 1919 عنوانه «مزاد من الأرواح» (Auction of Souls) أخرجه أوسكار أبفل.
ليس غريباً الموقف الذي يتّخذه الفيلم سياسياً من موضوعه والسعي إلى تكثيفه باتخاذ أسلوب تسجيلي مستبعداً الرواية. لكن هذا السعي لا يتحقق على النحو المنشود كون اللغة العاطفة هي التي يتعامل بها الفيلم مع مشاهديه.
الفيلم الذي خطف إحدى الجوائز الأولى هو «نيكولا الصغير‪:‬ سعيد قدر الإمكان» (Little Nicolas‪:‬ As Happy as Can Be)، الذي حمل بالفرنسية عنواناً مختلفاً هو نيكولا الصغير، ما الذي تنتظره لتكون سعيداً؟».‬‬
بالمقارنة مع سواه مما شُوهد، هو فيلم منفّذ بأسلوب سهل خالٍ من التعقيدات ومحاولات تغليب البصريات على المواضيع نفسها كشأن «نايولا» أو «يايا وليني». هو عن كاتب يطبع على آلته الكاتبة حكاية بطله نيكولا ونشاهد في تلك الحكايات التي ينصرف الفيلم لسردها.
ينتقل المخرجان أماندين فريدو، وبنجامين ماسوبري بين الكاتب وصوته معلّقاً خلال كتابته (يؤديه ألان شابات) وبين حكايات بطله (سيمون فاليو) بسهولة وبمعالجة متناسقة وملهمة.
ليس أن الفيلم ملهاة للصغار. فهناك ما ينضح به من مشاعر إنسانية. هناك ألم الوحدة وألم الحياة العائلية حين تتعرّض لمشاكل كل يوم. ومن ثَم هو عن علاقة حميمة بين الكاتب وشخصيته مجسّدة جيداً لتعبّر عن وجهة نظر الكاتب داخل الفيلم نقلها المخرجان على نحو سلس.


مقالات ذات صلة

عرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية»

يوميات الشرق يعقوب الفرحان في أحد مشاهده في فيلم «القيد» (تلفاز 11)

عرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية»

تعرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية» الذي ينظمه مهرجان «مالمو السينمائي» برعاية «هيئة الأفلام السعودية».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

انحازت جوائز المسابقة الرسمية للنسخة الخامسة عشرة من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» للقضايا الاجتماعية في مجمل اختياراتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)

لقاء فريد بين نجمين لامعين... «حفّار» يجمع إيناريتو وتوم كروز

تفاصيل الحكاية في فيلمه الجديد «حفّار» غير واضحة بعد، لكنّ خيطها الأساسي يدور حول رجل عُرِف بأنه الأقوى في العالم...

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق عرض الفيلم في النسخة الماضية من «مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

إليزابيث راسموسن: نشأتي قرب الدائرة القطبية جعلت السماء جزءاً من هويتي

قالت المخرجة النرويجية، إليزابيث راسموسن، إن الشرارة الأولى للفيلم الوثائقي «نحن غبار النجوم» جاءت من قصة بدت لها في البداية أقرب إلى الحكايات الخيالية.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما «أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية»

محمد رُضا (لندن)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً