تشكيل «لواء درع الساحل» وفتح باب الانتساب في القرداحة

القلق يضرب حاضنة النظام السوري

تشكيل «لواء درع الساحل» وفتح باب الانتساب في القرداحة
TT

تشكيل «لواء درع الساحل» وفتح باب الانتساب في القرداحة

تشكيل «لواء درع الساحل» وفتح باب الانتساب في القرداحة

وسط تفاقم قلق مؤيدي النظام، لا سيما العلويين الذين يشكلون غالبية سكان مناطق الساحل السوري، من إمكانية انتقال المعارك إلى مناطقهم بعد تمكّن «جيش الفتح» المعارض من السيطرة على كامل محافظة إدلب، أعلن «الحرس الجمهوري» في قوات النظام عن فتح باب الانتساب أمام الراغبين من أبناء الساحل للانضمام إلى «لواء درع الساحل». وكان قد أعلن عن تشكيل هذا «اللواء» خلال الأسبوع الماضي في أعقاب اقتحام مسلحي «جيش الفتح» مستشفى جسر الشغور ومقتل وفرار جنود النظام الذين كانوا محاصرين فيه.
دريد رفعت الأسد، ابن عم الرئيس السوري بشار الأسد، كان أول المبشّرين والمرحّبين بالإعلان عن تشكيل «لواء درع الساحل». إذ كتب على صفحته الإلكترونية الأسبوع الماضي يوم 27 / 5 / 2015 «لواء درع الساحل المنبثق عن فرقة الحرس الجمهوري.. أن تصل متأخرًا خير من أن لا تصل أبدًا». وذكّر دريد الأسد في تعليقاته أنه سبق له أن دعا مرارًا خلال السنوات الثلاث الماضية لتشكيل قوة تتبع للجيش النظامي لحماية مناطق الساحل، لكن دعواته لم تلقَ تجاوبًا إلى أن فرضت المتغيرات على الأرض ذلك على النظام، كما زادت حظوظ سيناريو التقسيم واكتفاء النظام بالساحل كحصّة له من الأراضي السورية بعد خروج 70 في المائة منها عن سيطرته. وهذا، في ظل تفاقم المخاوف من شبح انتقام ثوار المعارضة والتنظيمات الإسلامية من الطائفة العلوية.
للعلم، دريد هو ابن رفعت - شقيق الرئيس الراحل حافظ الأسد - المتهم الرئيس في ارتكاب مجازر مدينة حماه في فبراير (شباط) 1982. وكان قد انتقد مؤيدي النظام لرفضهم مقترحه الذي طرحه قبل ثلاث سنوات واتهمهم إياه بالطائفية. ومما ورد على صفحته يوم أول من أمس أنه عندما طرح فكرة تشكيل فرقة عسكرية في الساحل السوري، كان «المنحبكجية» - أي محبي الرئيس السوري - أول المعترضين، ووصفوا المقترح بـ«الطائفي». ثم وصف هؤلاء المعترضين بـ«الفهلوية والعباقرة». وتابع أن فكرته لم تكن تشكيل القوة على أساس طائفي، بل أن «ينبثق التشكيل عن المؤسسة العسكرية الوطنية حصرًا». ولفت إلى أن فرقة «الحرس الجمهوري» تعلن الآن تشكيل «لواء درع الساحل»، متسائلا عما إذا كان «الحرس الجمهوري» أيضا طائفيًا؟!
يذكر، أنه جاء في الإعلان الصادر في مدينة القرداحة، معقل آل الأسد، عن فتح باب الانتساب لـ«اللواء» المستحدث عن التعهد بمنح المنتسبين رواتب شهرية «مجزية» تقدر بأربعين ألف ليرة سوريا (ما يعادل 140 دولار أميركي تقريبًا)، وسيُقبل الراغبون ضمن عقد تطوّع لمدة سنتين أو عقد دائم، مع تسوية أوضاع المتخلفين عن الخدمة الاحتياطية والإلزامية، وحالات الفرار، قبل تاريخ 1 / 1 / 2015. كذلك تحدث الإعلان عن رواتب ومكافآت شهرية «مجزية» تصل إلى 40 ألف ليرة سورية، وهو ما يعادل (140 دولارًا). وحُدد مقر الالتحاق والاستعلام في مركز «الحرس الجمهوري»، قبالة الكلية البحرية - مدرسة الفنون في القرداحة، مما يؤكد أن الإعلان موجه بصورة خاصة لأبناء الطائفة العلوية.
وللحظة، تفاوتت ردود الفعل تجاه هذا الإعلان بين أبناء الساحل، وإن كانت الغلبة للمرحّبين به باعتباره خطوة تأخرت كثيرًا، غير أن الرواتب والإغراءات المادية تثير السخرية. إذ إن الرواتب المدفوعة في تشكيلات مشابهة كـ«فوج فهود حمص» للمهام الخاصة في «جيش الدفاع الوطني» (إحدى الميليشيات الشعبية التابعة للنظام) الذي فتح باب التطوع خلال الأسبوع الماضي أمام الرجال ما دون سن الخمسين، ستين ألف ليرة (200 دولار تقريبا) كراتب شهري إضافة لتعويضات «جيش الدفاع الوطني».
وحسب تعبير أحد شباب الساحل على صفحته على موقع «فيسبوك» فإن أربعين ألف ليرة لا تكفي «ثمن دخان حمرا ومتة بيشربها مقاتل واحد على الجبهة». وتابع: «المعركة الآن نكون أو لا نكون لذا فإن أي مال يعرض لا قيمة له». وفي المقابل رأى المعارضون في التشكيلات العسكرية الجديدة التي يسعى إليها النظام في الساحل ومناطق تركز الطائفة العلوية «محاولة لزج ما تبقى من أبناء فقراء الطائفة في معركة طاحنة تحصد منهم يوميا العشرات». وقالت ناشطة معارضة في دمشق إن التوابيت تصل يوميًا بالعشرات إلى الساحل، وأردفت: «صحيح أن تلك المناطق لم تدمَّر ولم تنزل عليها حمم من حقد وغضب النظام، لكن مساحات المقابر والمآسي فيها اتسعت كثيرًا» والمشكلة - بحسب الناشطة - أن «الطائفة لا تزال تعتقد أنها تدفع هذا الثمن دفاعا عن وجودها الذي هو جزء من وجود هذا النظام». ولذا لا تستبعد أن يلقى تشكيل «لواء درع الساحل» إقبالاً من شباب العلويين بل وحتى بناتهم، كما سبق أن لقيت تشكيلات أخرى مماثلة كـ«صقور الصحراء» بزعامة أيمن جابر، وكانت مهمتها حماية مراكز النفط مقابل راتب عشرين ألف ليرة سورية (أقل من 100 دولار).
ولفتت الناشطة إلى أن المتطوعين من شباب العلويين ومن الأقليات الأخرى لا تعنيهم الرواتب الضئيلة، وإنما يتطلعون إلى حيازة امتيازات تسلطية في مناطقهم، تبيح لهم الاستيلاء و«السلبطة» (الهيمنة) وفرض الإتاوات والتهريب.. وغيرها، مما تعد «مصادر استرزاق زمن الحرب». وأكدت أن هذه التوجهات للنظام تشير إلى «عمق التهتك الذي أصاب المؤسسة العسكرية التي لم تعد قادرة ماليًا وبشريًا على حماية مناطق نفوذها».
وكان لافتًا، بالفعل، خلال الشهر الأخير، ومع تحقيق قوى المعارضة والتنظيمات الإسلامية تقدمًا كبيرًا مقابل خسارة النظام معظم مواقعه في محافظة إدلب (شمال غربي البلاد) وفي مدينة تدمر (الوسط)، تصاعد الدعوات في صفوف المؤيدين لـ«عسكرة» كامل المجتمع ودون استثناء. كذلك كان لافتًا دعوة السفير السوري السابق لدى عمان اللواء بهجت سليمان إلى القيام بعمليات «استشهادية» في مواجهة «الانغماسيين» في التنظيمات المسلحة لا سيما «جبهة النصرة» و«داعش» بزعم لا يفل «الحديد إلا الحديد».
لكن دعوة سليمان لاقت استهجان الجميع مؤيدين ومعارضين، إذ ضم زعيم المؤيدين في دمشق عمّار إسماعيل صوته إلى صوت فتاة مؤيدة من مدينة جبلة في الرد على الدعوة «من بعدك أبو المجد» استشهد ونحن وراءك. وطالبه جمهور المؤيدين على صفحات التواصل الاجتماعي أن يقدم ولديه مجد سليمان - وهو صاحب أكبر شركات إعلامية وإعلانية في سوريا -، وحيدرة سليمان الذي تتداول معظم الصفحات صوره في الملاهي مع نجمات الإعلان والاستعراض.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.