باريس طرحت السؤال على مثقفيها: حقا.. بم أنتم معجبون؟

الإجابة كثيرا ما تدل على شخصية المعجب

الرئيس هولاند أمي أولا  -  فيري معجب بالحضارة الأوروبية العلمانية الحديثة  -   سوليرز: اللامُعدب تافه لا يستحق الحياة  -  زمور: المتشائم الأكبر
الرئيس هولاند أمي أولا - فيري معجب بالحضارة الأوروبية العلمانية الحديثة - سوليرز: اللامُعدب تافه لا يستحق الحياة - زمور: المتشائم الأكبر
TT

باريس طرحت السؤال على مثقفيها: حقا.. بم أنتم معجبون؟

الرئيس هولاند أمي أولا  -  فيري معجب بالحضارة الأوروبية العلمانية الحديثة  -   سوليرز: اللامُعدب تافه لا يستحق الحياة  -  زمور: المتشائم الأكبر
الرئيس هولاند أمي أولا - فيري معجب بالحضارة الأوروبية العلمانية الحديثة - سوليرز: اللامُعدب تافه لا يستحق الحياة - زمور: المتشائم الأكبر

قل لي بأي شيء أنت معجب, أقل لك من أنت. فأن تكون معجبا بتلك الغليظة التافهة بريجيت باردو غير أن تكون معجبا بتلك الإنسانة الملائكية صوفيا لورين. أن تكون معجبا بكانط غير أن تكون معجبا بنيتشه. أنا شخصيا معجب بالاثنين معا. أو قل إن قلبي مع نيتشه وعقلي مع كانط. أن تكون معجبا بفيكتور هيغو غير أن تكون معجبا ببودلير. أن تكون معجبا بفصل الربيع غير أن تكون معجبا بفصل الشتاء. كل من يحب الشتاء لا أحبه. نقطة على السطر.
باختصار، أعجبتني تلك الفكرة التي طرحتها إحدى المجلات الفرنسية على مجموعة من المثقفين والشخصيات، وتنطلق من السؤال التالي: بمن أنتم معجبون؟ أو بأي شيء أنتم معجبون؟
بالطبع، كانت الإجابات شديدة الاختلاف والتنوع بتنوع هذه الشخصيات واختلاف مشاربها. فالكاتب المعروف فيليب سوليرز قال بأنه معجب بالإعجاب! بمعنى أنك إذا كنت غير معجب بأي شيء فهذا يعني أنك شخص تافه لا تستحق حتى الحياة. ما معنى حياة من دون دهشة وإعجاب؟ وأضيف: ما معنى حياة من دون حب أو عشق وغرام؟ هل تستحق أن تعاش؟ بإمكانكم أن تشطبوا على إضافاتي وثرثراتي، أنتم أحرار. دائما أخرج عن السكة غصبا عني. غلب الطبع التطبع. اعتبروها مراهقات متأخرة أو زلة لسان. الآتي أعظم!
أما الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، فقد كان معجبا بأمه التي ماتت لكن ليس بأبيه الذي ما يزال حيا. وهذا من حقه. كان يعبد أمه عبادة، كما يقال، وإني لأتفهمه جيدا وأقدره لهذا السبب بالذات. ولكني أرفض كليا إصراره على زواج المثليين وكسره لإرادة الشعب الفرنسي الرافض لذلك والمشمئز. وأعتقد أنه ارتكب خطيئة تاريخية قد يدفع ثمنها غاليا في الانتخابات المقبلة. أما أكبر فيلسوف في التاريخ، أي أفلاطون، فقال هذه العبارة: غاية الحياة الإعجاب بالجمال. لكن لا نستطيع شرحها، لأن ذلك يتطلب صفحات وربما مجلدات، على فرض أننا قادرون على ذلك. وعلى ذكر الجمال، فقد كدت أفقد عقلي مؤخرا في المطار، عندما مرت من أمامي إحدى الفاتنات ورمقتني بنظرة عدائية خاطفة ذبحتني ذبحا، وأكاد أقول دمرتني تدميرا. فذهلت عن نفسي إلى درجة أنني نسيت حقيبتي وبطاقة الطائرة، بل وحتى اسم البلد الذي أنا متوجه إليه. تخربطت تماما، تشوش الرادار.. هل يعني ذلك أنني من جماعة أفلاطون؟ من دون شك. أنا أفلاطوني أبحث عن النصف الآخر من زمان، من دون أن أجده. ويفضّل ألا أجده على الإطلاق. أحيانا أتساءل: هل أنا ملاحق من قبل جاسوسات جيمس بوند؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنا لست ممانعا على الإطلاق. على العكس تماما: يا أهلا ومرحبا. أنا لست من جماعة المقاومة والممانعة ولا الصمود والتصدي. أنا من جماعة السلام والاستسلام على طول الخط، خصوصا أمام مخلوقات من هذا النوع. لكن لنكف عن هذه الثرثرات والترهات ولنعط حق الكلام لشخصيات جدية محترمة.
فالقاضي الشهير رينو فان رمبيك، الذي يرعب السياسيين الفرنسيين بواسطة ملاحقاته وتحرياته، قال: إنه معجب بسقراط. لماذا؟ لأن سقراط علمنا كيف نشك بيقينياتنا الراسخة. وأفهمنا بأن هذه اليقينيات ليست حقائق كما نتوهم، وإنما عبارة عن أحكام مسبقة وأفكار تعصبية غرست في أذهاننا من قبل البيئة والعائلة والطفولة. وبالتالي ينبغي أن نضعها على محك التساؤل والشك إذا ما أردنا أن نتوصل إلى الحقائق الحقيقية. ولكن من يتجرأ على ذلك؟ من يتجرأ على مساءلة الأفكار الطائفية التي تلقاها في طفولته الأولى وكأنها حقائق معصومة لا تقبل النقاش؟ ليس كل الناس فلاسفة. ليس كل الناس سقراط! ينبغي أن نعترف: نحن لسنا جديرين بأن نكون تلامذة لهذا الفيلسوف العظيم. لكن ينبغي ألا ننسى أن هذه المنهجية التنويرية أدت به إلى حتفه. فقد أجبروه على تجرع السم الزعاف متهمين إياه بإفساد الشبيبة والنيل من العقائد الدينية المقدسة لأهل أثينا وشعب اليونان. دائما تتكرر التهمة نفسها على مدار العصور. ممنوع أن تفكر بشكل شخصي حر. أو قل هناك خطوط حمراء ممنوع منعا باتا تجاوزها. فلا تغامر بنفسك أكثر من اللزوم أيها الإنسان.
أما رئيس اتحاد أرباب العمل الفرنسيين، أي أهم من رئيس الدولة، فقال بأنه معجب بشخصيتين اثنتين: الجنرال ديغول، والزعيم الصيني دينغ هزياو بينغ. فالجنرال ديغول انتشل فرنسا من الحضيض بعد الاحتلال الألماني وأعاد إليها كرامتها وشرفها في ظرف سنوات معدودات. لقد أعاد لها ثقتها بنفسها، بل ووضعها في صف الأمم الظافرة، بعد أن كانت مستباحة، مهانة، مذلة. وهذا دليل على مدى أهمية الرجال العظام في التاريخ. أما دينغ هزياو بينغ، فقد أنقذ الصين من جحيم الآيديولوجيات الفارغة والشعارات الديماغوجية لماو تسي تونغ والشيوعية. لقد انعطف بالصين 180 درجة عندما أدخلها في «الثورة الرأسمالية» بعد خمسين سنة قاحلة من الاقتصاد الاشتراكي الموجه والعقيم. لقد كان رجلا براغماتيا لا يغره بريق الشعارات المؤدلجة، فتجرأ على أحداث القطيعة مع إرث زعيمه ماو تسي تونغ، رغم كل الهالة الأسطورية التي كانت تحيط به. لقد كان قائدا رؤيويا عرف كيف يفتح الصين على العالم وعلى الحداثة في آن معا. إنه الرجل الذي جلب للصين الرفاهية الاقتصادية. كما أنه انتهج سياسة تربوية جديدة وحازمة أتاحت نهضة البلاد، وتشكل نخبة مثقفة تكنولوجية وانبثاق طبقة وسطى. لقد عرف كيف يدخل الصين في عصر العولمة، حين أصبحت قوة عظمى بالمعنى الحقيقي للكلمة، قوة يحسب لها الحساب. وكل ذلك بفضل القطيعة مع الأدلجة والآيديولوجيا التي طالما استلبت عقول المثقفين العرب، وليس فقط الصينيين. متى سيخرج العرب من العصر الآيديولوجي العقيم؟
أما الفيلسوف لوك فيري، أحد نجوم الفكر الفرنسي حاليا، فقال بأنه معجب بالحضارة الأوروبية العلمانية الحديثة: أي الحضارة الناتجة عن عصر الأنوار. وفهمنا منه أنه ضد كل هذه الموجة التشاؤمية التي تطغى على فرنسا حاليا بعد صدور كتاب «الانتحار الفرنسي» للصحافي إريك زمور، وبعض الكتب السوداوية الأخرى أيضا. وقال ما معناه: قارنوا الحضارة الأوروبية بكل حضارات العالم الأخرى لكي تروا بأم أعينكم، حجم النعيم الذي نعيش فيه قياسا إلى الآخرين. فنحن نتمتع بكل الحريات، وبكل أنواع الضمان الصحي والاجتماعي. هذا في حين أن الآخرين غارقون في الفقر والبؤس، ولا يستطيعون أن يتعالجوا بالمجان مثلنا وفي أحدث المستشفيات والعيادات الطبية. هل هذا قليل؟ العالم كله يحسدنا على هذا التقدم، ومع ذلك فلا نكف عن الشكوى والتذمر والنعيق والنعيب. عيب عليكم أيها الفرنسيون! اخجلوا على حالكم واعترفوا بميزات الحضارة والتقدم والرقي. أين كنا وأين أصبحنا؟ كنا غارقين في ظلمات الجهل والتعصب الديني ومحاكم التفتيش والحروب المذهبية. والآن تخلصنا من كل ذلك، بعد أن تنورنا ونضجنا عقليا وحضاريا.
ويضيف لوك فيري: انظروا إلى الشعوب الأخرى المواجهة لنا على الضفة الأخرى من المتوسط، كيف تتخبط في حروبها الأهلية وصراعاتها الطائفية، كما كنا نحن سابقا. واحسدوا أنفسكم أو احمدوا ربكم على السلامة.. ولو خرج فيكتور هيغو من قبره ورأى كل هذا التقدم الذي حققناه منذ موته عام 1885 لجن جنونه فرحا ولما صدق عينيه. فصاحب رواية «البؤساء» الشهيرة، كان يعرف حجم الفقر ومعنى العذاب. إذا كانت فرنسا تشكو من واقعها فماذا ستقول الصومال أو أفغانستان والباكستان والحبل على الجرار... ويحكم أفلا تخجلون!



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.