دارين أرونوفسكي بـ «نوح» في مواجهة ريدلي سكوت بفيلم عن النبي موسى

موجة من الأفلام الدينية قادمة

راسل كراو في «نوح» - ريدلي سكوت خلال تصوير «نزوح»
راسل كراو في «نوح» - ريدلي سكوت خلال تصوير «نزوح»
TT

دارين أرونوفسكي بـ «نوح» في مواجهة ريدلي سكوت بفيلم عن النبي موسى

راسل كراو في «نوح» - ريدلي سكوت خلال تصوير «نزوح»
راسل كراو في «نوح» - ريدلي سكوت خلال تصوير «نزوح»

غادر المخرج ريدلي سكوت إسبانيا عائدا إلى لندن، وفي غضون أسبوع يعود إلى لوس أنجليس لاستكمال العمل على فيلمه الجديد «نزوح» (Exodus). وهو‫ تمويل إسباني تقوم شركة «فوكس» بتوزيعه حول العالم، ويتناول الفترة التاريخية التي شهدت النزوح الجماعي لليهود من مصر لاجئين إلى فلسطين.‬
سكوت منح كريستيان بايل دور النبي موسى، عليه السلام، ووزع الأدوار الرئيسة الأخرى على سيغورني ويفر، وبن كينغسلي، وجون تورتورو و(الإيرانية الأصل) غولديشفته فرحاني و(الفلسطينية الأصل) هيام عباس، من بين آخرين بينهم الأسترالي جويل إدغرتون في شخصية الملك الفرعوني رمسيس.
التاريخ الإنتاجي لهذا الفيلم يعود إلى يوليو (تموز) سنة 2011 عندما تم إنجاز السيناريو وعرضه على عدد من المخرجين. بعد نحو سنة أعيد إلى مرحلة الكتابة من جديد ثم أعيد مرة أخرى في مطلع العام الماضي. في أغسطس (آب) سنة 2013 بوشر التصوير ما بين إسبانيا واستوديوهات باينوود البريطانية، وهو الآن يدخل مراحل ما بعد التصوير ليكون جاهزا للعرض في الشهر الأخير من هذا العام.

* تاريخ مشروع
قبل أن يحل هذا الوقت، بل وفي غضون الأسابيع القليلة المقبلة، سينطلق للعرض عملان دينيان آخران أحدهما من إنتاج «فوكس» التلفزيونية بعنوان «ابن الآلهة» الذي يستعين بمشاهد عديدة من مسلسل تم تحقيقه قبل حين بعنوان «الإنجيل» ليحكي قصة السيد المسيح، ثم يضيف عليها مشاهد جديدة تم تصويرها في معالجة جديدة لا تخرج عن الحبكة الرئيسة لمعظم ما سبق تقديمه من أفلام استخلصت عن حياة النبي عيسى بن مريم أو من الإنجيل ذاته.
الفيلم السينمائي هو «نوح»، لمخرجه دارين أرونوفسكي، وهذا من إنتاج «باراماونت»، وتم وضع السيناريو قبل شهر واحد من سيناريو «نزوح»، وتمت كتابة نسخة ثانية قبل نهاية عام 2011 قبل أن يدخل مرحلة ما قبل التصوير في مارس (آذار) 2012. في يوليو (تموز) من العام ذاته بوشر التصوير الذي انتهى في نوفمبر (تشرين الأول) سنة 2012 أيضا.
طوال العام الماضي كان «نوح» محط عمليات ما بعد التصوير التي تتطلب الكثير من المؤثرات والخدع البصرية الخاصة، كما محط خلاف بين مخرجه وبين الاستوديو. كل منهما يريد إنجاز النسخة التي يفضلها من الفيلم.
نوح يؤديه راسل كراو (الذي لعب «غلادياتور» لحساب ريدلي سكوت سابقا)، بينما تتوزع الأدوار المساندة على عدد كبير من الممثلين المعروفين، من بينهم جنيفر كونيللي وأنطوني هوبكنز وإيما واتسون ونك نولتي وراي وينستون.
مشروع «نوح» بالنسبة للمخرج أرونوفسكي له من العمر 30 سنة أو نحوها. ليس كمشروع سينمائي متكامل بل كفكرة واكبته عندما كان لا يزال طالبا وطلبت منه المعلمة أن يكتب، ورفاقه، مقطوعة نثرية عن النبي نوح. أرونوفسكي شذ عن القاعدة وكتب شعرا عن السلام تسلل إلى مسابقة أقامتها الأمم المتحدة وفاز بجائزة. من هنا، يقول المخرج في لقاء عابر تم قبل عامين في لندن، إن الفكرة ترسخت: «أعلنت لنفسي أنه في يوم ما سأقوم بإخراج فيلم عن نوح».

* خلافات
نام أرونوفسكي على الفكرة طويلا. أنجز منذ عام 1998 وحتى سنة 2010 خمسة أفلام روائية طويلة أولها بعنوان «Pi»، وآخرها «البجعة السوداء» سنة 2010. عندما استجابت «باراماونت» لفكرة تحقيق فيلم عن سيدنا نوح، سنة 2011، توسم المخرج أن نجاح «البجعة السوداء» نقديا وحصوله على خمسة ترشيحات للأوسكار (وفوز واحد نالته بطلة الفيلم ناتالي بورتمان) سيمنحه بعض التأثير على جوانب العمل المختلفة وسيجعله طليقا في القرارات الحاسمة ومنها ما يعرف بـ «نسخة المخرج»، أي تلك التي تحمل بصمته كاملة حين عرضها على الجمهور.
الاستوديو كان له رأي آخر. بميزانية ترتفع عن 125 مليون دولار، لا يستطيع تسليم القيادة للمخرج حتى وإن كان فيلمه الناجح «بجعة سوداء» حصد 330 مليون دولار عالميا. صحيح أن التصوير بدأ و«باراماونت» ترقب من بعيد، إلا أنها قررت الاقتراب أكثر من المشهد والتدخل فيه أول ما اكتملت لدى المخرج نسخة عمل. هنا طلبت منه عرض نسخته غير المنجزة على جمهور اختبار وغايتها من ذلك التأكد من أن رؤيته الفنية ستستقبل جيّدا.
المفاجأة هي أن توقعاتها كانت صحيحة. لقد تجاهلت معارضة المخرج ودعت مشاهدين من فئات مختلفة للعرض الخاص وتلقفت ما كانت تخشاه: رد فعل سلبي. رد الفعل تمحور حول الدكانة التي رسمها المخرج للنبي نوح وللفيلم بأسره. «ليس هذا فيلما مسيحيا» كما كتب أحد الرهبان الذي شاهد تلك النسخة. وكتب آخرون امتعاضهم من أن المخرج صوّر نوح في أحد المشاهد سكيرا. وربما الأهم هو أن نوح أراد محو البشرية بأسرها عن الأرض، كما يقول الفيلم.
بناء على ذلك، قام الاستوديو بالتدخل في المونتاج، وعرضت معالجات عدة من العمل على عينات أخرى من المشاهدين قبل أن يجري الاستقرار على النسخة التي جلبت أكبر نسبة من القبول وهي تلك التي ستنطلق للعروض بعد ثلاثة أسابيع.

* مخرج مريح
هذا لم يقع طبعا مع ريدلي سكوت الذي يعمل بمنهج مختلف تماما. هو أهل ثقة مطلقة ولم يسجل عليه أنه سقط في أي خلاف مع الاستوديوهات التي عمل لها على الرغم من أنه أنجز أفلاما تاريخية ودينية متعددة بميزانيات كبيرة. في عام 1992 حقق «1942: غزو الفردوس»، وفي عام 2000 أنجز «غلادياتور»، ثم قام بتحقيق فيلمه عن الحملة الصليبية «مملكة الفردوس» سنة 2005 لجانب أنه حقق «روبين هود» (2010) وأنتج سلسلتين تلفزيونيتين من الصنف التاريخي هما «غيتسبورغ» (على اسم واحدة من أهم مواقع الحرب الأهلية الأميركية) و«العالم بلا نهاية» (2011 و2012).
ما وراء انتعاش النوع الديني - التاريخي (وهناك أفلام دينية ليست تاريخية مثل «ذا ماستر» و«ايدا» و«وراء الهضبة») حقيقة أن الدين لا يزال يشكل موضوعا فلسفيا ووجدانيا وطرحا سياسيا لجانب أنه يشكل حجما دوليا من الروحانية. وهذا التشكيل ليس جديدا (يعود تاريخ الأفلام المشابهة إلى العقد الأول من القرن العشرين على شكل أفلام روائية قصيرة) لكنه في عالم اليوم وما يخالجه متجدد دوما.
الفيلمان المذكوران، «نوح» و«نزوح»، إلى جانب الفيلم التلفزيوني «ابن الآلهة»، تحاول اليوم اختبار مدى رغبة المشاهدين الراغبين في أعمال دينية وتاريخية ذات حجم ملحمي مشاهدة هذه الأعمال داخل البيت أو على الشاشات الكبيرة. لا أحد في هوليوود يعتقد أنه من الممكن الركون إلى الرغبة في إنعاش هذا اللون من الأفلام وحدها. لكن الطريقة التي يستخدم فيها دارين أرونوفسكي المؤثرات لخلق فيضان هائل، والأسلوب الذي يسرد المخرج ريدلي سكوت فيلمه ليعاين التاريخ اليهودي من جديد، سيكونان مثار اهتمام كبير على أكثر من صعيد وربما بداية تعامل متجدد لهوليوود مع المواضيع ذات الشأنين المسيحي واليهودي.

* الدين والسينما: السنوات الأولى
* أول فيلم ديني تاريخي ذا حيز كبير كان «بن حور» الذي حققه سيدني أولكوت سنة 1907. من «المهد إلى الصليب» لأولكوت أيضا (1912) و«كو فاديس» للإيطالي إنريوك غواتزوني، الذي تبعه سنة 1913 كفيلم روائي طويل، تبعاه بنجاح. أعيد تحقيق «بن حور» على أيدي فرد نبلو ومخرجين آخرين سنة 1925 وقبل ذلك قام ديفيد و. غريفيث بتقديم «جوديث وبيتولا» (1914)، وقام سيسيل ب. ديميل بتحقيق نسخته الأولى من «الوصايا العشر» سنة 1923، وهو الذي عاد للأفلام الدينية أكثر من مرة في ما بعد بما في ذلك فيلم صامت بعنوان «ملك الملوك» (1927) ثم نسخة ناطقة من «الوصايا العشر» سنة 1956.



جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.