«قياس أسلوب حياة الإنسان».. ثورة رقمية صحية

بروفسور أميركي يقيس 150 من عناصر جسده يوميًا على مدى 15 سنة

شريحة كومبيوترية للرصد والاستشعار  -  سوار «مايكروسوفت باند» الصحي
شريحة كومبيوترية للرصد والاستشعار - سوار «مايكروسوفت باند» الصحي
TT

«قياس أسلوب حياة الإنسان».. ثورة رقمية صحية

شريحة كومبيوترية للرصد والاستشعار  -  سوار «مايكروسوفت باند» الصحي
شريحة كومبيوترية للرصد والاستشعار - سوار «مايكروسوفت باند» الصحي

منذ اللحظة التي يصحو فيها من النوم صباحًا كل يوم، وعلى امتداد يومه حتى الليل، تدور حياة لاري سمار حول سلسلة من الأرقام: معدل قلب هادئ يبلغ 40 نبضة في الدقيقة، وضغط دم 130-70 (ملم زئبق)، ومستوى ضغط عصبي (أي توتر) يبلغ 2 في المائة، 191 رطلا، 8000 خطوة تم قطعها، 15 طابقًا قطعت صعودًا، و8 ساعات نوم.
وقد يجعل هذا من سمار، العالم المتخصص في الكومبيوتر، أكثر إنسان على وجه الأرض يجري قياسه. وعلى امتداد 15 عامًا، أبدى البروفسور الذي يعمل في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، ولعه بما وصفه بأنه أكثر الموضوعات التي عايشها تعقيدًا: جسده!

* عناصر قياس
يحتفظ سمار بمقاييس لأكثر من 150 من العناصر، بعضها يتولى قياسه باستمرار فورًا، مثل نبضات القلب والحركة، وما إذا كان واقفًا أو جالسًا أو مستلقيًا على ظهره، باستخدام جهاز لا سلكي مرتبط بالحزام الذي يرتديه. بينما يتابع قياسات أخرى، مثل وزنه، بصورة يومية. وهناك عناصر لا يقيسها إلا مرة كل شهر، مثل ما يتعلق بالدم والبكتريا الموجودة في أمعائه.
ويقارن سمار بين الأسلوب الذي يتعامل به مع جسده بالأفراد الذين يتولون مراقبة سياراتهم وصيانتها. وعن ذلك، قال: «نحن نعلم على وجه التحديد حجم الوقود في السيارة، ودرجة حرارة المحرك، والسرعة التي نسير بها. وعليه، فإن ما أقوم به هو وضع رسم بياني لجسدي».
في وقت مضى، ذاع صيت سمار باعتباره رئيس مختبر بحثي تولى مارك أندريسين داخله تطوير متصفح الإنترنت للشبكة العنكبوتية مطلع تسعينات القرن الماضي. أما اليوم، فمن المحتمل أن يتحول سمار، 66 عامًا، لزعيم حركة عالمية بين الأشخاص العاديين لـ«قياس» أنفسهم باستخدام أجهزة تعنى باللياقة البدنية ومعدات طبية وكاميرات يمكن ارتداؤها، بجانب الاختبارات المختبرية التقليدية والأخرى التي تجري داخل المنزل - كل ذلك بهدف إيجاد سبل للحفاظ على أجسادهم وعقولهم لمعاونتها على العيش حياة أطول وأكثر صحة - وربما اكتشاف بعض الحقائق المهمة عن أنفسهم وهدفهم في الحياة.

* ثورة رقمية
ويأتي هذا الانتشار الواسع في القياس الدؤوب لمختلف وظائف الجسم كجزء من ثورة رقمية بمجال الرعاية الصحية بقيادة الخبراء التقنيين الذين ابتكروا نظما خاصة بشركات «أبل» و«غوغل» و«مايكروسوفت» و«صن».. وباستخدام رقائق وقاعدة بيانات ورياضيات خوارزمية نجحت في إجراء ثورة معلوماتية على امتداد العقود القليلة الماضية، يحاول هؤلاء حاليًا إعادة بناء وتحفيز وبرمجة الجسد البشري.
وفي خضم مجمل البيانات التي يجري جمعها من ملايين أجهزة التتبع الشخصية، تظهر أنماط قد تكشف النقاب عن العناصر الموجودة في الأنظمة الغذائية وأنظمة إنقاص الوزن والبيئة المحيطة بالإنسان، التي ربما تسهم في حدوث الأمراض.
والتساؤل القائم الآن: إن كان بالإمكان استخدام أنماط النشاط البدني في تتبع صحة القلب لدى الأفراد فحسب، فهل يمكن استخدامها أيضًا في توجيه القرارات المتعلقة بالمكان الأمثل لبناء متنزه عمومي وكيفية تحسين بيئة العمل؟ وهل يمكن للمعنيين بمسألة التتبع العثور على تجمعات سرطانية أو قنوات مائية ملوثة؟ وعلى سبيل المثال، يستخدم مشروع رائد في لويزيانا مشتقات مزودة بأجهزة استشعار لتحديد بؤر تمركز الربو داخل المدينة.
من جهته، قال فينود كوسلا، أحد مؤسسي «صن» والمستثمر في عدد من الشركات الناشئة المعنية بأجهزة متنقلة لمتابعة الحالة الصحية، خلال مقابلة أجريت معه، إنه: «لدينا المزيد والمزيد من الأجهزة المعقدة التي يمكن ارتداؤها والتي بمقدورها باستمرار قياس عناصر تتنوع بين نشاطاتك البدنية ومستويات التوتر والحالة الانفعالية، ويمكننا البدء في تفحص وتفهم كيف يؤثر كل جانب من حياتنا، بوعي منا أو غير وعي، على جانب آخر».

* دراسات شخصية
ولا تعد فكرة أن البيانات تمثل سبيلاً لتفهم الذات بالأمر الجديد، فمنذ أكثر من 200 عام ماضية، عكف بنجامين فرانكلين على تتبع 13 فضيلة شخصية عبر مفكرة يومية بهدف تطوير الجانب الأخلاقي في شخصيته. ومن شأن توافر تقنيات رخيصة التكلفة وما يصاحبها من مجموعة كبيرة من التطبيقات، السماح لأعداد متزايدة من الأميركيين بتتبع تفاصيل حياتهم الدقيقة على نحو غير مسبوق.
من جهته، قضى جيمس نوريس، في الثلاثينات من عمره ويعمل مقاولا في أوكلاند بكاليفورنيا، السنوات الـ15 الأخيرة في تتبع وتحليل تجاربه الأولى - بداية من أول قبلة في حياته إلى أول مرة يرى فيها ألعابا نارية. أما لوري فريك، 59 عامًا، وهي فنانة، فقد حولت أنماط نومها وحركتها إلى مؤثرات بصرية ملونة مصنوعة من الورق والخشب.
كما حرص نيكولاس فلتون، 37 عامًا، العالم المتخصص في شؤون البيانات في بروكلين، على نشر تقرير سنوي بخصوص كل رسالة نصية أو عبر «تويتر» أو «فيسبوك» والبريد الإلكتروني يبعث بها. ويتابع أكثر من 30.300 شخص عبر «تويتر»، حياته.
أما أكثر الأشخاص تطرفًا في متابعتهم لحياتهم فهم فأولئك الذين يرتدون كاميرات لمدة 24 ساعة يوميًا وطيلة أيام الأسبوع، ويسجلون كل فكرة جديدة تطرأ على أذهانهم، علاوة على تسجيل نشاطاتهم اليومية بالتفصيل الدقيق. ويرمي هؤلاء لبناء مجموعة من المعلومات تمثل امتدادًا لذكرياتهم.
حتى الرئيس أوباما يرتدي سوار «فتبيت سيرج» Fitbit Surge حول معصمه الأيسر، الذي يراقب نبضات القلب وحالة الجسم أثناء النوم وموقع الشخص، مثلما كشفت صورة التقطت له في مارس (آذار) الماضي.

* أدوات رصد
من جهتها، تستجيب شركات التقنية بحماس للرغبة الإنسانية في الوصول للمثالية عبر اختراع مزيد من الأجهزة التي يمكنها جمع مزيد من البيانات والتي تعتبرها الشركات الكبرى العاملة بمجال التقنية بمثابة منجم ذهب حقيقي.
جدير بالذكر أنه خلال معرض الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية لعام 2015 الذي أقيم في يناير (كانون الثاني)، كان من بين المعروضات الجديدة زجاجة لطفل وليد تقيس قيمة المدخلات الغذائية لجسده، وشريط يقيس مدى ارتفاع القفزة التي قمت بها، وملابس «ذكية» مرتبطة بأجهزة رصد للأدخنة.
من جانبها، تعكف شركة «غوغل» على صناعة عدسات ذكية تقيس مستوى الغلوكوز في الدموع. أما «أبل ووتش» فأنتجت جهازا لمراقبة نبضات القلب أثناء الحركة والتدريبات الرياضية والوقوف. كما تقدمت الشركة بطلب الحصول على براءة اختراع لتحديث سماعات الأذن الدقيقة التي يتم ارتداؤها داخل الأذن التي اخترعتها بحيث تقيس مستوى الأكسجين في الدم ودرجة حرارة الجسم.
وتأمل الشركات أن تتمكن في المستقبل القريب من تقوية أجهزة التتبع تلك بإضافة أجهزة جديدة تقيس وظائف الجسم الحيوية من الداخل عبر رقائق يمكن بلعها، أو تسبح مع تيار الدم.

* خرق الخصوصية
على الجانب الآخر، ينتقد بعض الأطباء والأكاديميين والمهتمين بالأخلاق مثل هذه الأجهزة باعتبارها دليلاً على نرجسية العصر التكنولوجي، وعنصرًا يثير تساؤلات خطيرة بخصوص دقة وخصوصية البيانات الصحية التي يجري تجميعها ومن يمتلكها وكيف ينبغي استغلالها. كما أن هناك قلقا بشأن انتشار مثل تلك الأجهزة وإمكانية استغلال الحكومة لها في مراقبة المواطنين، مثلما حدث بين شركات الأجهزة النقالة ووكالة الأمن الوطني.
ويشير النقاد للضجة الكبيرة التي حدثت عام 2011 عندما لاحظ بعض مستخدمي أجهزة «فتبيت» المزودة بأجهزة استشعار معنية بالتدريبات الرياضية، أن نشاطاتهم الجنسية يجري نشر البيانات المتعلقة بها علانية.
ويساور القلق البعض من أن مثل هذه الأجهزة الإلكترونية التي يجري ارتداؤها ستستخدم بمثابة «صندوق أسود» لجسم الإنسان في إطار قضايا قانونية. يذكر أنه منذ 3 سنوات، عندما صدم قائد دراجة في سان فرانسيسكو شخصًا من المشاة يبلغ عمره 71 عامًا وقتله، حصل المدعون على بياناته من «سترافا»، وهو جهاز تتبع لمستوى اللياقة يستخدم خاصية نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس)، لإظهار أنه كان يقود الدراجة بسرعة كبيرة واخترق الكثير من العلامات التي تطالب بالتوقف قبل أن يقع الحادث. وأخيرا، تحاول شركة محاماة استخدام بيانات من «فتبيت» كدليل على إصابات تعرض لها أحد العملاء في حادث تصادم سيارة.
ومن بين الأجهزة الأكثر تعقيدًا التي يجري تطويرها، تطبيق على الهاتف الذكي يحلل صوت الشخص للتنبؤ بدخوله حالة من الجنون، وأجهزة يمكن حقنها أو زرعها في الجسم لإجراء اختبارات للدم، ما يحمل فوائد طبية كبيرة، لكن في الوقت ذاته مخاطر أكبر.
في هذا الصدد، أوضح ديس سبنس، وهو طبيب إنجليزي، أن المراقبة غير الضرورية للوظائف الحيوية تثير قدرًا هائلاً من القلق بين المهووسين بمتابعة الحالة الصحية الذاتية ممن لا يتمتعون بأجسام صحية. وفي مقال له نشرته «بريتيش ميديكال جورنال» في أبريل (نيسان) الماضي، قال: إن الصحة واللياقة البدنية تحولا إلى بدعة اجتماعية جديدة، ما يخلق جيلاً مفرطا في القلق.
وأوضحت ديبورا إسترين، بروفسورة علوم الكومبيوتر والصحة العامة في جامعة كورنيل، أن: «الحصول على البيانات أيسر كثيرًا من الاستفادة منها».
وأضافت أن قياس معدل نبضات القلب باستمرار قد يكون مفيدًا لشخص يشارك بقوة في نشاط رياضي أو يواجه مخاطر التعرض لأزمة قلبية: «لكن من غير الواضح مدى أهمية ذلك ومعناه للشخص العادي».
وتشير إسترين وخبراء آخرون إلى أن الجنس البشري عاش قرابة 130 ألف عام من دون هذه التقنيات لأن الجسم البشري به بالفعل عدد من أنظمة الإنذار بداخله، فأي أم اعتادت الاستيقاظ في قلب الليل على صوت بكاء طفلها بمقدورها بلمسة من ظهر يديها على الجبهة، التعرف بسرعة ودقة على وجود حمى لديه مثلا!

* خدمة «واشنطن بوست»
ـ خاص بـ«الشرق الأوسط»



حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟


الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة
TT

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

حديثاً، طرح أحد المدرسين على الطلاب سؤالاً بسيطاً حول الذكاء الاصطناعي، خلال تدريسه لأحد مواضيع العلوم الإنسانية: «هل لاحظتم أنكم تُصبحون أكثر تعلقاً ببرامج الدردشة الآلية المُفضلة لديكم؟ على سبيل المثال: هل تجدون أنفسكم تُرددون كلمتَي: «من فضلك»، و«شكراً»، لبرامج الدردشة الآلية أكثر من ذي قبل؟». أومأ جميع الطلاب تقريباً بالموافقة.

ثم سأل المدرس: «لماذا؟»، حينها رفعت إحدى الطالبات يدها وقالت: «حتى يتذكر الذكاء الاصطناعي عندما يسيطر أنني كنت لطيفة معه». وضحك الطلاب، ولكن ليس كلهم، كما كتب ويل جونسون*.

الخوف والتهويل حول الذكاء الاصطناعي

تميل المناقشات العامة حول الذكاء الاصطناعي إلى التأرجح بشدة بين التهويل الواعد والكارثة. فمن جهة، نرى وعوداً بإنتاجية وإبداع غير مسبوقين. ومن جهة أخرى، لا يخلو الأمر من تحذيرات بشأن البطالة الجماعية، وفقدان القدرة على التأثير البشري، وحتى انقراض جنسنا البشري.

في استطلاع رأي وطني أجريناه في ديسمبر (كانون الأول) شمل أكثر من 1600 أميركي، أفاد نحو 4 من كل 10 أشخاص بقلقهم البالغ إزاء التهديد الوجودي الذي يمثله الذكاء الاصطناعي للبشرية. ويُضاهي مستوى هذا القلق مستوى القلق الذي يشعر به كثيرون حيال تغير المناخ. والجدير بالذكر أن هذا القلق يتجاوز السن والدخل والعِرق والجنس والانتماء السياسي.

وتستحق هذه المخاوف اهتماماً جاداً، لذا ينبغي للحكومات وشركات التكنولوجيا مواصلة الاختبارات والإشراف والضمانات الصارمة، للتأكد من التطوير المسؤول لنماذج اللغة الضخمة.

ولكن التركيز حصرياً على أسوأ السيناريوهات قد يُغفل سؤالاً أكثر هدوءاً، وربما أكثر أهمية: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي الناس على أن يصبحوا أكثر وعياً بأهدافهم؟

الذكاء الاصطناعي: الغاية والهدف

لاستكشاف هذا السؤال، قدَّمنا ​​مقياساً جديداً في استطلاع رأي شمل بالغين أميركيين: «مقياس الذكاء الاصطناعي من أجل غاية وهدف محددين»، AI for Meaningful Purpose Scale» (AMPS)».

يسأل المقياس عما إذا كان الناس يشعرون بأن الذكاء الاصطناعي يُساعدهم على تحقيق أهداف مهمة بالنسبة لهم، وتطوير مهارات يجدونها ذات مغزى، والبقاء على اتصال بقيمهم وشعورهم بالاتجاه.

على سبيل المثال: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي المعلمين على قضاء وقت أطول مع الطلاب بدلاً من الأعمال الورقية؟ هل يُساعد مقدمي الرعاية على التعامل مع الأنظمة الصحية المعقدة؟ هل يُتيح لكبار السن فرصاً جديدة للإبداع والتعلم والتواصل؟ وهل يُساعد الشباب -الذين يُعتبرون اليوم الجيل الأكثر قلقاً في التاريخ الحديث- على إيجاد مسار حياة يبدو حقيقياً وقابلاً للتحقيق؟

تباين رأي الأجيال

كان التباين بين الأجيال لافتاً للنظر. فقد كان الشباب أكثر ترجيحاً بـ«نعم» بمرتين تقريباً من الجيل الأسبق، للقول بأن الذكاء الاصطناعي يدعم هذه الأهداف الأعمق. وكان الرجال أكثر ترجيحاً بمرتين من النساء، للحصول على درجة عالية في مقياس «AMPS».

ومن المرجح أن تعكس هذه الفجوة اختلافات في درجة الوصول المتاحة للتكنولوجيا، والتشجيع، والخيارات المبكرة، أكثر من كونها اختلافات جوهرية في الاهتمام أو القدرة. وهذه التفاوتات ليست قدراً محتوماً، ولكنها مؤشرات مبكرة. وإذا حدث وأصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً مُضاعفاً لقوة الحياة الهادفة، فلن يحدث ذلك تلقائياً أو بشكل عادل.

كيف يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُؤثر في الرفاهية؟

لكن ما أثار دهشتنا أكثر هو مدى ارتباط درجات مقياس «AMPS» بمؤشرات أوسع للرفاهية. كان الأشخاص الحاصلون على درجات عالية في مقياس «AMPS» يعبِّرون بأكثر من الضعف عن شعور قوي لديهم بالاعتداد وقدرة التأثير الشخصي، والتواصل الاجتماعي، والأمل في المستقبل. بعبارة أخرى: كانوا يبدون أكثر أملاً في ازدهار حياتهم.

وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يجعل الناس سعداء بطريقة سحرية، ولكنه يشير إلى أنه عندما يستخدم الناس الذكاء الاصطناعي بطرق تتوافق مع ما يهمهم حقاً، فإنهم يشعرون بمزيد من الكفاءة والتوجيه.

وجهات نظر متضاربة

ظهرت إحدى أكثر النتائج إثارة للاهتمام عند دراسة كيفية امتلاك الناس وجهات نظر متضاربة حول الذكاء الاصطناعي. كانت الأجيال الأكبر سناً التي كانت قلقة للغاية بشأن التهديد الوجودي للذكاء الاصطناعي، أقل عرضة بنسبة أقل من النصف لاستخدامه في خدمة ما يهمهم حقاً. أما بين الشباب، فلم يكن القلق بشأن الذكاء الاصطناعي مؤشراً على عدم الانخراط فيه.

وكان أفراد جيل الشباب قلقين بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي تماماً مثل كبار السن، ومع ذلك، كانوا لا يزالون يستخدمونه بنشاط للتعلم والنمو والسعي وراء أهدافهم.

مهارة تقبُّل حقيقتين متناقضتين

يُظهر لنا هذا أن الأجيال الشابة تبدو أكثر استعداداً لتقبُّل حقيقتين تبدوان متناقضتين في آن واحد: أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل مخاطر جسيمة، وأنه لا يزال بإمكانه أن يكون أداة قوية لحياة كريمة. قد تُصبح هذه القدرة على التعايش مع التوتر -دون تفاؤل ساذج أو خوف مُشلّ- إحدى أهم مهارات عصر الذكاء الاصطناعي.

كيف سيبدو مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

لن يتحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي بما سيؤول إليه تطوير الآلات فحسب؛ بل إن كيفية استخدام البشر لها، والغايات التي يسعون لتحقيقها، ستؤثر أيضاً على مسار تطوره وتُشكّله.

إذا تعاملنا مع الذكاء الاصطناعي كمجرد تهديد، أو أداة لزيادة الكفاءة، فإننا نُفوّت فرصة ثمينة. ولكن إذا استخدمناه بوعي، فبإمكانه أن يُعزز الإنتاجية؛ بل والغاية أيضاً. فهو يمنح الناس شعوراً بالقدرة على التأثير، ويُضفي الأمل والتواصل في زمنٍ يندر فيه كل ذلك.

إذن، السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُغير حياتنا، فقد غيّرها بالفعل. السؤال هو: هل سنُصمم الذكاء الاصطناعي -ونُعلّم الناس استخدامه- بطرقٍ تُعزز إحساسنا بالمعنى والغاية بدلاً من أن تُمحوهما؟

* مجلة «فاست كومباني».


الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟
TT

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

يدور كثير من المناقشات حول ميزانيات التسويق اليوم في الشركات والمؤسسات، في سؤال واحد: هل نستثمر في توظيف كاتب؟ أم نترك للذكاء الاصطناعي كتابة المحتوى؛ خصوصاً أن النسخ المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي سريعة وغير مكلفة، كما يزعم مصمموها أنها تتحسن في محاكاة أسلوب الكتابة البشري؟ هكذا تساءلت ديانا كيلي ليفي*.

أسلوب الكتابة البشري- إنساني

هنا تكمن المشكلة؛ إذ قد يبدو أسلوب كتابة الذكاء الاصطناعي بشرياً، ولكن الكُتّاب الحقيقيين يدركون أن الصحافة ليست مجرد أسلوب كتابة؛ بل هي ممارسة مبنية على العلاقات مع المصادر، والخبرة في الموضوع، والتجربة العملية. وهي الممارسة التي تُنتج تفاصيل مُدهشة أو عبارة مؤثرة تُثير مشاعر القارئ.

بين محتوى المقال وعمق التفاعل

لقد ثبت أن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة بنية المقال، ولكنه لا يُحاكي حدس شخص أمضى سنوات في إجراء مقابلات مع الخبراء، والاستماع إلى مخاوف الجمهور، والتعاون مع محررين ذوي خبرة، وفهم ما يُبقي القراء مُتفاعلين.

وغالباً ما يشعر الجمهور عندما يبدو المحتوى عاماً ومكرراً؛ لأنهم يرغبون في تعلم شيء جديد أو الاستمتاع. ونادراً ما تحقق النقاط المتكررة في مجال الذكاء الاصطناعي أياً من هذين الهدفين.

قيمة الصحافيين

هنا تكمن قيمة الصحافيين؛ إذ يعمل كثير من كتّاب ومحرري المجلات السابقين الآن مع الشركات التجارية كمسوقين للمحتوى. وهم يستخدمون مهاراتهم الصحافية لصياغة قصص تجذب الانتباه، وتشرح المواضيع المعقدة، وتترك القراء متشوقين للمزيد.

الصحفي- الخيار الأمثل

إليكم 6 أسباب تجعل الصحافي الخيار الأمثل لفريق المحتوى لديكم:

1- الصحافيون مدرَّبون على الكتابة للناس، لا لمحركات البحث:

تُعلّمك دراسة الصحافة -وسنوات العمل في غرف الأخبار وعلى صفحات المجلات– الكتابة للشخص الجالس أمامك. وهذا يعني كتابة فقرات افتتاحية آسرة تجذب القراء. ويعني أيضاً الانتقالات المنطقية التي تحافظ على انسيابية القراءة. ويتجلى ذلك في فقرات ختامية تجمع كل شيء معاً برؤية واضحة.

2- يتمتع الصحافيون بانضباط فطري:

تُدرّب ثقافة غرف الأخبار الصحافيين على الالتزام بالمواعيد النهائية كأمر لا يقبل المساومة. ويلازمهم هذا الانضباط في جميع المشاريع. ويعتبر الصحافيون سرعة التسليم معياراً أساسياً في العمل. لذا، ينبغي على المؤسسات التي تبحث عن محتوى عالي الجودة يلتزم بالمواعيد النهائية أن تفكر في توظيف صحافيين سابقين.

سهولة القراءة ومتعتها

3- تحويل المواضيع المعقدة إلى مقالات سهلة القراءة وممتعة:

يعرف الصحافيون كيفية تحويل المواضيع التقنية المعقدة إلى مقالات يفهمها القارئ العادي ويتذكرها. إذا كانت مؤسستك تعمل في مجال الصحة، أو التمويل، أو القانون، أو الصيدلة، أو تكنولوجيا الأعمال، أو أي مجال يتطلب تعلماً سريعاً، فإن هذه المهارة لا تُقدّر بثمن.

4- يعرف الصحافيون كيفية إيجاد المصادر واستخدامها:

لم يكن هناك وقت أفضل من الآن لإضافة مزيد من اقتباسات الخبراء إلى المحتوى الإعلامي. ويعرف الصحافيون كيفية تحديد المصادر المناسبة، وإجراء المقابلات، ودمج تلك الأفكار في المحتوى بطريقة سلسة وطبيعية. قد تستغرق هذه المهارات سنوات لتطويرها، ولكنها تُحسّن المحتوى بشكل ملحوظ.

عناوين جذابة

5- يعتقد الصحافيون أن كتابة العناوين رياضة أولمبية:

ما الفرق بين المحتوى الذي يجتذب الناس والمحتوى الذي يمرون به مرور الكرام؟ العناوين. يُدرك الصحافيون الذين عملوا في الصحف والمجلات مدى أهمية العنوان المناسب لجذب انتباه القارئ، وحثّه على شراء المنشور.

إنّ القدرة الفطرية على فهم المشاعر التي تدفع القارئ للنقر على مقال أو فتح رسالة إخبارية من أي مؤسسة، تنبع من سنوات من التجربة والملاحظات التحريرية.

6- إتقان أسلوب المؤسسة في التعامل والحفاظ على جاذبية المحتوى:

إنّ العمل في منشورات ومجالات مختلفة، ومع جمهور متنوع، يُعلّم الصحافيين المخضرمين تغيير النبرة والأسلوب باستمرار. عندما تُوظّف صحافياً للكتابة لمؤسستك، فإنك ستُقدّر إضفاءه طابعاً شخصياً على المحتوى، مع الحفاظ على النبرة والأسلوب المُحددين في وثائق المؤسسة.

يمكن لنماذج اللغة الكبيرة اتباع دليل لتطوير الأسلوب، ولكنها لا تستطيع مُحاكاة ما يحدث عندما يستمع الصحافي إلى قصة شخص ما، ويُحوّل تلك المُحادثة إلى محتوى يتفاعل معه جمهورك، ويرغب في قراءته مُجدداً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».