ناشرون لبنانيون: القارئ فقد الثقة بالكتاب العربي والبديل هو المترجم

دور نشر تصدر 70 % من نتاجها منقولاً من لغات أجنبية (3 ـ 3)

حسن ياغي مؤسس «دار التنوير»
حسن ياغي مؤسس «دار التنوير»
TT

ناشرون لبنانيون: القارئ فقد الثقة بالكتاب العربي والبديل هو المترجم

حسن ياغي مؤسس «دار التنوير»
حسن ياغي مؤسس «دار التنوير»

إقبال القارئ العربي على الكتب المترجمة بشكل ساحق، ظاهرة لا ينكرها الناشرون؛ لكن لكل منهم تفسيره لها، ورؤيته لأبعادها وأسبابها، وإن كان أحد لا يرى فيها ظاهرة صحية. وإذا كان الخليجيون هم الأكثر شراء للمترجم من المؤلفات، فقد لحق بهم المصريون وقراء المغرب العربي والعراق، بحسب صاحبة «دار الآداب» رنا إدريس.
ولا يملك الناشر إلا أن يحقق رغبة الشراة، بتوفير أفضل ما يصدر باللغات الأجنبية، بانتظار أن تتغير الأمزجة. ويصل الأمر حد أن يصبح بيع الروايات المترجمة الوسيلة المتبقية لدعم الكتاب العربي الذي لا يجد له ما يكفي من القراء. وتشرح إدريس: «نحن بصدد إصدار 9 روايات عربية، حالياً، لن نستطيع أن نغطي خسائرها سوى من بيع الروايات المترجمة، مع أن هذه الأخيرة مكلفة، نسبة إلى الكتاب العربي، بسبب حاجتنا إلى دفع حقوق النشر وتكلفة الترجمة».
غير صحيح أن الكتب المترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية، غير مدفوعة الحقوق. «هذا أمر كان يحصل في السابق. اليوم تغير الوضع»، بحسب ما يشرح لنا حسن ياغي، مؤسس «دار التنوير» في بيروت الذي يؤكد أن «زمن الفوضى في هذا المجال ولّى، والسوق ضُبطت. ثمة ضغط كبير الآن، والدور مضطرة لشراء حقوق نشر الكتاب الأجنبي، وهذا لصالح الكتاب والنشر؛ حيث يحدّ من الفوضى، ومن انتشار الترجمات السيئة التي كنا نراها». وعن التكاليف يقول: «حقوق نشر الكتاب الأجنبي ليست ذات تكلفة واحدة، منها ما يكلف ألف دولار، أو ألفين، ومنها ما يصل إلى 10 آلاف». ويشرح ياغي: «هناك كتب عادية، وأخرى مطلوبة، وغيرها شهيرة وذات مبيعات عالية، ومنها ما عليه منافسة كبيرة. وبالتالي على الناشر أن يدفع تكاليفها كي يحصل عليها. نحن في سوق عالمية، ومن مصلحة الناشر عدم سرقة الحقوق؛ لأن هذا يسهم في تراجع حركة التأليف. الكاتب يعمل سنوات طويلة على تأليف كتابه، ثم يأتي من يسرق جهده. هذا سبب أول في إضعاف حركة النشر».
الدور تتعامل مع جهات وبلدان مختلفة، ولكل منها أصولها وقواعدها وأسلوبها. رنا إدريس تنشر روايات مترجمة من لغات متعددة. النقل مكلف دائماً بالنسبة لها، تقول: «حين أحصل على عنوان مهم لرواية، أدفع مقدماً من 15 إلى 20 ألف دولار، ثم هناك حوالي 5 آلاف دولار تقريباً أتعاب المترجم، وبالطبع بعد ذلك هناك التصحيح وإعادة القراءة، والمراجعة، وهذا كله مدفوع ولا مهرب منه. لنقل إنني حصلت على حقوق ترجمة كتاب لموراكامي، لا بد من أن أدفع بين 10 و15 ألف دولار للدار، ثم لا بد من أن أدفع للمترجم، أضف إلى ذلك تكاليف التحرير والطبع والتدقيق ورسم الغلاف، وغيرها».
لكن بسام شبارو، رئيس مجلس إدارة «الدار العربية للعلوم ناشرون» يلفت النظر إلى أن بعض الدول تشجع الترجمة من لغاتها، وتدفع للدور التي تفعل ذلك، وهذا يسهل مهمة الناشر، ويوفر عليه جزءاً من التكاليف. فالحكومات التركية والروسية والكورية مثلاً، تساعد في تكلفة الترجمة. أما الاعتماد على البيع، فهو غير مجدٍ؛ لأنه في كل الأحوال قليل وغير كافٍ. يضيف شبارو: «أنا في المهنة منذ 35 سنة. كنا نطبع من الكتاب كمرحلة أولى 5 آلاف نسخة على سبيل التجربة، ثم نطبع غيرها وغيرها، أما اليوم فالتجربة تكون بألف نسخة لا أكثر، وبعض الدور تكتفي بـ500 نسخة. أمة من 350 مليون نسمة، لا نستطيع أن نطبع لها أكثر من هذا، وأحياناً هذه النسخ القليلة تتراكم ولا تنفد. ما بين الفيديو والموبيل ووسائل التواصل، شعبنا لا يقرأ ولا يستهلك الكتب، ولا يساعد على تحريك حركة الإنتاج».
هل رواج مبيع الكتاب المترجم في السوق العربية يعني أن الرواية العربية تراجعت وحلّت محلها روايات آتية من لغات أخرى؟ يجيب ياغي: «الرواية العربية لم تتراجع، ولم تتقدم. فهي لم تبلغ يوماً مبلغاً مهماً، ولم تفرز أسماء تنافس عالمياً، بالمعنى الحقيقي للكلمة». يضيف ياغي: «لا، بل أكثر من ذلك، التأليف في العالم العربي ضعف كثيراً؛ خصوصاً في المجال الفكري، بعد كتب نصر حامد أبو زيد، وعبد الله العروي، وغيرهما، وغياب محمد أركون. المستوى الأكاديمي انحدر، والتعليم عموماً، وكذلك النتاجات العملية. كما أن ثمة تغيراً في مزاج القراء الذين باتوا لا يحبذون الكتب الفكرية الصعبة، ويفضلون عليها الكتب الفلسفية السهلة والخفيفة، إضافة إلى الروايات المسلية».
الأرقام التي يعلن عنها الناشرون مؤرقة، في «الدار العربية للعلوم» حوالي نصف الكتب مترجم، والنصف الآخر لمؤلفين عرب. يقول شبارو: «من أصل 6 آلاف كتاب أصدرتها الدار، نصفها منقول من لغات أجنبية».
أما «دار الآداب» فمقابل 65 في المائة من الروايات المترجمة التي تنشر سنوياً، هناك 35 في المائة فقط من الروايات العربية. قبل عام 2010 كانت النسبة معكوسة، والرواية العربية هي الأساس عند القارئ؛ لكن الطلب تغير تدريجياً، وصارت الأمور تتسارع لتصل إلى ما هي عليه بحلول عام 2017. تقول إدريس: «أنا غالباً ما أستفيد من بيع الرواية المترجمة في معرض الكتاب، لأشرح للقارئ أن ثمة روايات عربية جميلة تستحق اهتمامه. أي أن الرواية المترجمة قد تتحول إلى مصيدة للتشجيع على قراءة المؤلف العربي. أقول للقارئ، مثلاً: لماذا لا تجرب قراءة الكاتبة الفلانية، إنها تكتب مثل إيزابيل الليندي، أو أنها تناولت مواضيع تشبه التي تكتب عنها أليف شافاك».
الوضع في «دار التنوير» أكثر دلالة، إذ أصبحت الكتب المترجمة تصل إلى نسبة ساحقة هي 70 في المائة من مجمل نتاجات الدار السنوية، ولا تحتل الكتب العربية سوى 30 في المائة من الإصدارات. وهذا رقم مخيف بالفعل. نسأل مؤسس الدار حسن ياغي: هل معنى هذا أن الكاتب العربي قد انقرض، أو في طريقه إلى الانقراض؟ يجيب: «نعم، قد يكون الكاتب العربي في طريقه إلى الانقراض. المجتمع لم يعد قادراً على أن يفرز كاتباً، ويقرأه، وينقده، ويروج له، ويعرّف به. حتى القراء يرون في (أمازون) مرجعيتهم لمعرفة الكتاب الأجود والأشهر، وليس أي مرجعية عربية. (أمازون) كموقع يفرض نفسه في العالم أجمع، وله مصداقية، ومراجعات وآراء القراء تنال ثقة المشترين. وهذا ما يبحث عنه القارئ، يريد مرجعاً يوليه ثقته».
رنا إدريس تعزو الصدود تجاه الكتاب العربي إلى عدة أسباب، منها: «عدم ثقة القراء بمستوى الكاتب العربي. وهذا ظلم لروائيين يُقرأون في العالم أجمع؛ لكن أبناء لغتهم لا يريدون قراءتهم، ولا يقدرون موهبتهم». وتعتبر إدريس أننا «نعيش مرحلة انعدام الثقة. لا ثقة لنا بحضارتنا، أو ثقافتنا أو كتّابنا. هناك انعدام ثقة باللغة العربية نفسها، بأنها قادرة على تأدية واجبها تجاه أبنائها. يضاف إلى ذلك انعدام النقد الجدي، في الصحف ووسائل الإعلام الذي يكون في العادة الوسيط بين القارئ والكاتب؛ خصوصاً بعد أن تحول بعض النقاد إلى مجرد مدّاحين ومداهنين». تأسف إدريس لأن الفرق شاسع بين جدية النقد الذي يمكن أن يركن إليه في «نيويوركر» مثلاً، وما نقرأه في بعض المطبوعات العربية. هذا كله يسهم في تراجع الكتب العربية، ويعزز رواج بعض الكتاب المحليين الصغار الذين ينشرون الشذرات التي يضعونها على «تويتر»، أو كتابات فيها رعب أو إثارة، تلعب على ميول القراء.
لا يريد بسام شبارو أن يقلل من خطر القرصنة على مجمل النتاج العربي، وعمل الناشرين عموماً. فإذا ما طلبنا على غوغل «كتب عربية»، سنرى عشرات آلاف الكتب العربية المعروضة للتنزيل مجاناً، وهذا ما لا تسمح به دول غير عربية، تفاوضت مع «غوغل» وقوننت النشر الإلكتروني، ووضعت حداً لهذه الممارسات. ويضيف شبارو: «في الحقيقة، نحن لا نعرف، في العمق، ما نبيع وما لا نبيع؛ لأن سوق التزوير أكبر من الناشرين، ومنشوراتنا مستباحة. فكتبنا تقرصن بسرعة، ونحن نهرع لنبيع عدداً من النسخ قد لا تصل إلى 3 أو 4 آلاف نسخة، قبل أن يصبح الكتاب منشوراً بالمجان، ويجده القارئ بالبحث على (غوغل). لهذا نقول إن الكتب العربية منتهَكة، وهو ما تحاول نقابة الناشرين العرب معالجته، ونرجو أن يوفَّقوا فعلاً إلى حلّ هذه المشكلة».
ومع ذلك، يصر شبارو على أنه لن يتجاهل كتاباً مهما باع 700 مليون نسخة، ولن يعفّ عن ترجمته ونشره باللغة العربية، فقط لأنه خائف من التزوير ومن غدر القرصان. فالمسيرة مستمرة.
«ليست القرصنة وحدها التي تؤرق الناشرين العرب. نحن جزء من حركة الكتابة والنشر في العالم، هذا صحيح» يقول حسن ياغي: «لكننا غير مؤثرين في هذه الحركة العالمية. ضعف النقد ذي المصداقية أدى بشكل مباشر إلى ضعف النشر، وضعف الثقة بالكتاب العربي من قبل القارئ. نحن جزء من سوق كبيرة، الحضور العربي فيها هزيل، وهزيل جداً».



«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي
TT

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

تؤسس رواية «صفر فاصل خمسة» للكاتب المصري أحمد القرملاوي عالماً تتداخل فيه الحدود بين الإنساني والاصطناعي، ويختلط فيه وعي بطلها البشري بـ«طموحات» الآلة، وتختبر الرواية موقع الإنسان أمام تكنولوجيا لم تعد مجرد أداة مسخّرة لخدمته، وإنما عقل موازٍ يشارك في تشكيل تجربته واختبار إرادته.

صدرت الرواية أخيراً عن دار ديوان للنشر بالقاهرة، ومنذ استهلالها بعبارة «الريلز تحاصرني»، يدخلنا القرملاوي إلى وعي بطله وراويه بضمير المتكلم، وتمارس عليه الريلز (مقاطع فيديو سريعة) صورة من الضغط، عبر خلق عالم بديل يبدو أكثر إغراءً من واقعه؛ فرغم عمله مديراً لشؤون العاملين في شركة متعددة الجنسيات، وما يبدو عليه من استقرار مادي واجتماعي، يصف وظيفته بأنها مغموسة «في سخام الروتين وقانون العمل واللوائح الداخلية»، ويتصوّر أنه لو استُبدل مدير آخر به «لما شعر أحد بفارق يُذكر»، ولا ينفصل خوفه من أن يصبح «قابلاً للاستبدال» عن انجذابه إلى تجربة تعده بأن يكون مركز عالم يُصنع من أفكاره ورغباته.

يضعنا السرد أمام خريطة لوعي البطل، يبدو فيها «السأم» جزءاً من تكوينه منذ الطفولة، قبل أن يتفاقم إلى أزمة وجودية وشعور بانعدام المعنى مع انتصاف عمره، عندئذ يجد في المقاطع التي تروّج لتجربة «أخوية صفر فاصل خمسة» وعداً بعالم آخر، خصوصاً أنها تخاطب أزمته مباشرة، كما يقول: «يعرفون كيف يسحبونني من خيط السأم حيث يريدونني أن أكون»، فالإعلان لا يعرض عليه متعة عابرة فحسب، إنما يلتقط شعوراً قديماً بالعجز عن احتمال حياته كما هي، ويقدّم الدخول إلى التجربة كأنه فرصة للخروج منها.

عالمان وذهنان

يتشكّل المستوى الأول في الرواية من حياة البطل اليومية، بداية أزمته العمرية، ووظيفته، وعلاقته بعائلته الصغيرة، ويبدأ المستوى الثاني داخل الشقة التي يُعزل فيها المشاركون في تجربة «صفر فاصل خمسة»، كلٌّ في غرفة منفصلة، ليخوض تجربته مرتدياً «نظارة المحاكاة»، ليجمع المكان الواحد بين المشاركة والعزلة؛ فيدخل كل مشارك عالماً لا يصاحبه فيه سوى وعيه والعقل الاصطناعي.

أما المستوى الثالث فهو العالم الذي تفتحه النظارة أمام البطل، فيخوض رحلة سفر طويلة يلتقي خلالها بـ«باتريشيا»، راقصة المهرجانات التي ينجذب إليها، قبل أن تنزلق علاقتهما نحو الجنون. وتقوده مفاجآت الرحلة إلى مواجهة ذاته «الأخرى»، وإعادة اكتشاف علاقته بزوجته وعالمه العائلي، وكأن العقل الاصطناعي يعيد تركيب ما يكمن داخل البطل، ويمنحه هيئة أشخاص وأماكن ومواقف يستطيع التفاعل معها. فتغدو الرحلة مواجهةً مع الذات.

وتتجسد الصلة بين العالمين في «سلمى»، وهي كيان مطوّر من الذكاء الاصطناعي يتجسد للبطل وراء النظارة «بسمرة لطيفة وبشرة ملساء». يراها ويتفاعل معها، لكنه يظل يسألها: «هل أنت حقيقية؟»، وهو سؤال يزيد الالتباس والشك في الحدود بين الخوارزمي والواقعي. فملامحها البشرية لا تحسم طبيعتها، بقدر ما تجعل التمييز بين ما يشعر به البطل وما يعرفه عنها أكثر صعوبة.

تكشف «سلمى» طبيعة التجربة بعبارة تبدو «نزيهة» في اعترافها بحدود العقل الاصطناعي: «أنت تخوض هذه التجربة بمفردك، ليس ثمة سواك أنت والعقل الاصطناعي، هو من يتغذى على أفكارك وهواجسك، يترجمها إلى حياة وأحداث، وقد يقع في أثناء الترجمة في أخطاء جسيمة، فلا يزال أمامه كثير لكي يتعلمه»، وهكذا يتشكل وراء النظارة عالم «هجين» من ذهنين؛ فالبطل يمدّ الآلة بأفكاره وهواجسه، وهي تحوّلها إلى أمكنة وشخصيات وأحداث. فلا يكون المكان الروائي امتداداً خالصاً لوعيه، ولا ابتكاراً مستقلاً للعقل الاصطناعي؛ إذ إن ما يراه ينشأ من التفاعل بين ما يعرفه عن نفسه وما تصنعه الخوارزمية من تلك المادة.

من هذا التبادل تنشأ سردية الرواية المضادة؛ فالعقل الاصطناعي يحتاج إلى خبرة البطل كي يتعلم ويطوّر أدواته، بينما يتعلّق البطل بالعالم الذي تفتحه له التجربة، تعلقاً يقترب من «الإدمان»، إذ يختبر فيه احتمالات ومشاعر لا تبدو له أقل «حقيقية» مما يعيشه خارجها. ويصبح في الوقت نفسه مشاركاً في صنع التجربة ومادةً تتغذى عليها، وكلما أمدّها بالمزيد من ذاته، ازدادت قدرتها على منحه عالماً يصعب عليه الانفصال عنه.

اختبارات فلسفية

يصف البطل تجربته بمفردات تستدعي أسئلة قديمة عن الحقيقة والوجود وإرادة الإنسان، فهو يتحدث عن «الحقيقة» و«حُلكة العدم»، ويتساءل عن حدود اختياره في عالم تستخدم فيه الخوارزمية رغباته وهواجسه لتقوده إلى مسار قد تكون رسمته له مسبقاً، وهنا لا يتعلق الشك بما إذا كانت الصور التي يراها مصنوعة، فهو يعرف أنه يرتدي نظارة محاكاة، بل بما إذا كانت معرفته هذه تمنحه قدرة فعلية على مقاومة تأثيرها فيه.

فيصف «باتريشيا»، التي يلتقيها خلال التجربة، بأنها «حقيقية، مطلقة، جوهرية، داحضة للشك»، فتبدو هذه الصفات محاولةً منه للتمسك بيقين واحد، في وقت لم يعد يستطيع فيه الجزم بما إذا كان ما يراه نابعاً من وعيه أم من العالم الذي تصنعه له الخوارزمية، كلما اشتد يقينه بحقيقة شعوره تجاهها.

تحافظ لغة الرواية على صلتها بالتفاصيل اليومية الراهنة، من حصار مقاطع «الريلز»، وأداة الذكاء الاصطناعي «جيميناي»، إلى حضور السجائر الإلكترونية «الأيكوس» بديلاً للسجائر التقليدية، وهي مفردات يستخدمها القرملاوي لرسم عالم بطله قبل دخوله المحاكاة، فلا تبدو التجربة قطيعة مفاجئة مع حياته، إنما امتداد لواقع تتدخل فيه التكنولوجيا بالفعل في انتباهه وعاداته اليومية، وصورته عن نفسه. ومن هذا الواقع نفسه ينتقل البطل تدريجياً ليصبح أحد «مواد» العالم الاصطناعي وموارده.

ويكثف عنوان «صفر فاصل خمسة» المنطقة البينية التي تتحرك فيها الرواية؛ فرغم غموض دلالته، يوحي الرقم الكسري، الواقِع بين الصفر والواحد، بحالة البطل المعلّقة بين الحقيقة والمحاكاة، والاختيار والخضوع، وربما موقع ذكاء اصطناعي لم يكتمل تعلّمه، وإنسان لم يصل إلى يقين بعد.


«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.