ناشرون لبنانيون: القارئ فقد الثقة بالكتاب العربي والبديل هو المترجم

دور نشر تصدر 70 % من نتاجها منقولاً من لغات أجنبية (3 ـ 3)

حسن ياغي مؤسس «دار التنوير»
حسن ياغي مؤسس «دار التنوير»
TT

ناشرون لبنانيون: القارئ فقد الثقة بالكتاب العربي والبديل هو المترجم

حسن ياغي مؤسس «دار التنوير»
حسن ياغي مؤسس «دار التنوير»

إقبال القارئ العربي على الكتب المترجمة بشكل ساحق، ظاهرة لا ينكرها الناشرون؛ لكن لكل منهم تفسيره لها، ورؤيته لأبعادها وأسبابها، وإن كان أحد لا يرى فيها ظاهرة صحية. وإذا كان الخليجيون هم الأكثر شراء للمترجم من المؤلفات، فقد لحق بهم المصريون وقراء المغرب العربي والعراق، بحسب صاحبة «دار الآداب» رنا إدريس.
ولا يملك الناشر إلا أن يحقق رغبة الشراة، بتوفير أفضل ما يصدر باللغات الأجنبية، بانتظار أن تتغير الأمزجة. ويصل الأمر حد أن يصبح بيع الروايات المترجمة الوسيلة المتبقية لدعم الكتاب العربي الذي لا يجد له ما يكفي من القراء. وتشرح إدريس: «نحن بصدد إصدار 9 روايات عربية، حالياً، لن نستطيع أن نغطي خسائرها سوى من بيع الروايات المترجمة، مع أن هذه الأخيرة مكلفة، نسبة إلى الكتاب العربي، بسبب حاجتنا إلى دفع حقوق النشر وتكلفة الترجمة».
غير صحيح أن الكتب المترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية، غير مدفوعة الحقوق. «هذا أمر كان يحصل في السابق. اليوم تغير الوضع»، بحسب ما يشرح لنا حسن ياغي، مؤسس «دار التنوير» في بيروت الذي يؤكد أن «زمن الفوضى في هذا المجال ولّى، والسوق ضُبطت. ثمة ضغط كبير الآن، والدور مضطرة لشراء حقوق نشر الكتاب الأجنبي، وهذا لصالح الكتاب والنشر؛ حيث يحدّ من الفوضى، ومن انتشار الترجمات السيئة التي كنا نراها». وعن التكاليف يقول: «حقوق نشر الكتاب الأجنبي ليست ذات تكلفة واحدة، منها ما يكلف ألف دولار، أو ألفين، ومنها ما يصل إلى 10 آلاف». ويشرح ياغي: «هناك كتب عادية، وأخرى مطلوبة، وغيرها شهيرة وذات مبيعات عالية، ومنها ما عليه منافسة كبيرة. وبالتالي على الناشر أن يدفع تكاليفها كي يحصل عليها. نحن في سوق عالمية، ومن مصلحة الناشر عدم سرقة الحقوق؛ لأن هذا يسهم في تراجع حركة التأليف. الكاتب يعمل سنوات طويلة على تأليف كتابه، ثم يأتي من يسرق جهده. هذا سبب أول في إضعاف حركة النشر».
الدور تتعامل مع جهات وبلدان مختلفة، ولكل منها أصولها وقواعدها وأسلوبها. رنا إدريس تنشر روايات مترجمة من لغات متعددة. النقل مكلف دائماً بالنسبة لها، تقول: «حين أحصل على عنوان مهم لرواية، أدفع مقدماً من 15 إلى 20 ألف دولار، ثم هناك حوالي 5 آلاف دولار تقريباً أتعاب المترجم، وبالطبع بعد ذلك هناك التصحيح وإعادة القراءة، والمراجعة، وهذا كله مدفوع ولا مهرب منه. لنقل إنني حصلت على حقوق ترجمة كتاب لموراكامي، لا بد من أن أدفع بين 10 و15 ألف دولار للدار، ثم لا بد من أن أدفع للمترجم، أضف إلى ذلك تكاليف التحرير والطبع والتدقيق ورسم الغلاف، وغيرها».
لكن بسام شبارو، رئيس مجلس إدارة «الدار العربية للعلوم ناشرون» يلفت النظر إلى أن بعض الدول تشجع الترجمة من لغاتها، وتدفع للدور التي تفعل ذلك، وهذا يسهل مهمة الناشر، ويوفر عليه جزءاً من التكاليف. فالحكومات التركية والروسية والكورية مثلاً، تساعد في تكلفة الترجمة. أما الاعتماد على البيع، فهو غير مجدٍ؛ لأنه في كل الأحوال قليل وغير كافٍ. يضيف شبارو: «أنا في المهنة منذ 35 سنة. كنا نطبع من الكتاب كمرحلة أولى 5 آلاف نسخة على سبيل التجربة، ثم نطبع غيرها وغيرها، أما اليوم فالتجربة تكون بألف نسخة لا أكثر، وبعض الدور تكتفي بـ500 نسخة. أمة من 350 مليون نسمة، لا نستطيع أن نطبع لها أكثر من هذا، وأحياناً هذه النسخ القليلة تتراكم ولا تنفد. ما بين الفيديو والموبيل ووسائل التواصل، شعبنا لا يقرأ ولا يستهلك الكتب، ولا يساعد على تحريك حركة الإنتاج».
هل رواج مبيع الكتاب المترجم في السوق العربية يعني أن الرواية العربية تراجعت وحلّت محلها روايات آتية من لغات أخرى؟ يجيب ياغي: «الرواية العربية لم تتراجع، ولم تتقدم. فهي لم تبلغ يوماً مبلغاً مهماً، ولم تفرز أسماء تنافس عالمياً، بالمعنى الحقيقي للكلمة». يضيف ياغي: «لا، بل أكثر من ذلك، التأليف في العالم العربي ضعف كثيراً؛ خصوصاً في المجال الفكري، بعد كتب نصر حامد أبو زيد، وعبد الله العروي، وغيرهما، وغياب محمد أركون. المستوى الأكاديمي انحدر، والتعليم عموماً، وكذلك النتاجات العملية. كما أن ثمة تغيراً في مزاج القراء الذين باتوا لا يحبذون الكتب الفكرية الصعبة، ويفضلون عليها الكتب الفلسفية السهلة والخفيفة، إضافة إلى الروايات المسلية».
الأرقام التي يعلن عنها الناشرون مؤرقة، في «الدار العربية للعلوم» حوالي نصف الكتب مترجم، والنصف الآخر لمؤلفين عرب. يقول شبارو: «من أصل 6 آلاف كتاب أصدرتها الدار، نصفها منقول من لغات أجنبية».
أما «دار الآداب» فمقابل 65 في المائة من الروايات المترجمة التي تنشر سنوياً، هناك 35 في المائة فقط من الروايات العربية. قبل عام 2010 كانت النسبة معكوسة، والرواية العربية هي الأساس عند القارئ؛ لكن الطلب تغير تدريجياً، وصارت الأمور تتسارع لتصل إلى ما هي عليه بحلول عام 2017. تقول إدريس: «أنا غالباً ما أستفيد من بيع الرواية المترجمة في معرض الكتاب، لأشرح للقارئ أن ثمة روايات عربية جميلة تستحق اهتمامه. أي أن الرواية المترجمة قد تتحول إلى مصيدة للتشجيع على قراءة المؤلف العربي. أقول للقارئ، مثلاً: لماذا لا تجرب قراءة الكاتبة الفلانية، إنها تكتب مثل إيزابيل الليندي، أو أنها تناولت مواضيع تشبه التي تكتب عنها أليف شافاك».
الوضع في «دار التنوير» أكثر دلالة، إذ أصبحت الكتب المترجمة تصل إلى نسبة ساحقة هي 70 في المائة من مجمل نتاجات الدار السنوية، ولا تحتل الكتب العربية سوى 30 في المائة من الإصدارات. وهذا رقم مخيف بالفعل. نسأل مؤسس الدار حسن ياغي: هل معنى هذا أن الكاتب العربي قد انقرض، أو في طريقه إلى الانقراض؟ يجيب: «نعم، قد يكون الكاتب العربي في طريقه إلى الانقراض. المجتمع لم يعد قادراً على أن يفرز كاتباً، ويقرأه، وينقده، ويروج له، ويعرّف به. حتى القراء يرون في (أمازون) مرجعيتهم لمعرفة الكتاب الأجود والأشهر، وليس أي مرجعية عربية. (أمازون) كموقع يفرض نفسه في العالم أجمع، وله مصداقية، ومراجعات وآراء القراء تنال ثقة المشترين. وهذا ما يبحث عنه القارئ، يريد مرجعاً يوليه ثقته».
رنا إدريس تعزو الصدود تجاه الكتاب العربي إلى عدة أسباب، منها: «عدم ثقة القراء بمستوى الكاتب العربي. وهذا ظلم لروائيين يُقرأون في العالم أجمع؛ لكن أبناء لغتهم لا يريدون قراءتهم، ولا يقدرون موهبتهم». وتعتبر إدريس أننا «نعيش مرحلة انعدام الثقة. لا ثقة لنا بحضارتنا، أو ثقافتنا أو كتّابنا. هناك انعدام ثقة باللغة العربية نفسها، بأنها قادرة على تأدية واجبها تجاه أبنائها. يضاف إلى ذلك انعدام النقد الجدي، في الصحف ووسائل الإعلام الذي يكون في العادة الوسيط بين القارئ والكاتب؛ خصوصاً بعد أن تحول بعض النقاد إلى مجرد مدّاحين ومداهنين». تأسف إدريس لأن الفرق شاسع بين جدية النقد الذي يمكن أن يركن إليه في «نيويوركر» مثلاً، وما نقرأه في بعض المطبوعات العربية. هذا كله يسهم في تراجع الكتب العربية، ويعزز رواج بعض الكتاب المحليين الصغار الذين ينشرون الشذرات التي يضعونها على «تويتر»، أو كتابات فيها رعب أو إثارة، تلعب على ميول القراء.
لا يريد بسام شبارو أن يقلل من خطر القرصنة على مجمل النتاج العربي، وعمل الناشرين عموماً. فإذا ما طلبنا على غوغل «كتب عربية»، سنرى عشرات آلاف الكتب العربية المعروضة للتنزيل مجاناً، وهذا ما لا تسمح به دول غير عربية، تفاوضت مع «غوغل» وقوننت النشر الإلكتروني، ووضعت حداً لهذه الممارسات. ويضيف شبارو: «في الحقيقة، نحن لا نعرف، في العمق، ما نبيع وما لا نبيع؛ لأن سوق التزوير أكبر من الناشرين، ومنشوراتنا مستباحة. فكتبنا تقرصن بسرعة، ونحن نهرع لنبيع عدداً من النسخ قد لا تصل إلى 3 أو 4 آلاف نسخة، قبل أن يصبح الكتاب منشوراً بالمجان، ويجده القارئ بالبحث على (غوغل). لهذا نقول إن الكتب العربية منتهَكة، وهو ما تحاول نقابة الناشرين العرب معالجته، ونرجو أن يوفَّقوا فعلاً إلى حلّ هذه المشكلة».
ومع ذلك، يصر شبارو على أنه لن يتجاهل كتاباً مهما باع 700 مليون نسخة، ولن يعفّ عن ترجمته ونشره باللغة العربية، فقط لأنه خائف من التزوير ومن غدر القرصان. فالمسيرة مستمرة.
«ليست القرصنة وحدها التي تؤرق الناشرين العرب. نحن جزء من حركة الكتابة والنشر في العالم، هذا صحيح» يقول حسن ياغي: «لكننا غير مؤثرين في هذه الحركة العالمية. ضعف النقد ذي المصداقية أدى بشكل مباشر إلى ضعف النشر، وضعف الثقة بالكتاب العربي من قبل القارئ. نحن جزء من سوق كبيرة، الحضور العربي فيها هزيل، وهزيل جداً».



كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

سالي روني
سالي روني
TT

كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

سالي روني
سالي روني

تعدّ الروائية الآيرلندية سالي روني، البالغة 35 عاماً، من أبرز ظواهر النشر الأدبي في العقد الأخير. بدأت بـ«محادثات مع أصدقاء» عام 2017، ثم حققت انتشاراً واسعاً مع «أناس عاديون» عام 2018، وأتبعتها بـ«عالم جميل... أين أنت؟» عام 2021، و«إنترميتسو» عام 2024.

وقد اعتذرت أخيراً الدار الناشرة كتبها؛ «فيبر آند فيبر»، من عدم توزيع كتبها بعدما قالت «فيبر» إن التشريعات البريطانية تمنعها من تحويل عائدات المبيعات إلى المؤلفة، إثر تحذير من السلطات البريطانية.

وتحت عنوان «سالي روني كاتبة وليست إرهابية»، اجتمعت أسماء بارزة في فضاءات الأدب والسينما والفكر على رسالة مفتوحة نشرتها مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية دفاعاً عن الروائية الآيرلندية المجليّة بعدما توقفت دار النشر «فيبر آند فيبر» عن بيع كتبها في السوق البريطانية - ورقياً وإلكترونياً - إثر تحذير من السلطات؛ وذلك على خلفية إعلانها التبرع بجزء من عوائد كتبها لدعم حركة «بالستاين (فلسطين) أكشن»، لتتحوّل قضية صاحبة «أناس عاديون» مواجهةً سياسيةً ثقافيةً بشأن امتداد آثار تشريعات مكافحة الإرهاب إلى النشر، وحدود قدرة الكاتب على إعلان مواقفه السياسية من دون خسارة الوصول إلى قرائه.

الرسالة التي نشرتها المجلّة الأسبوع الماضي جاءت قصيرة وحاسمة، ويطالب موقّعوها بإتاحة كتب روني للجمهور، عادّين أن سحبها من البيع هو نتيجة تشريعات «سيئة التدبّر» وشديدة القسوة، ويمثل اعتداءً على المبادئ الأساسية لحرية الكلام والتعبير التي لطالما عُدّت حقوقاً مستقرة ومحترمة في بريطانيا. وأعلن الموقعون رفض الرقابة؛ المباشرة وغير المباشرة، داعين الحكومة إلى تغيير مسارها وتعديل التشريعات التي أوصلت البلاد، على حد تعبيرهم، إلى هذه الحالة من «العبث القمعي».

وتكشف قائمة التوقيعات عن اتساع الاعتراض خارج الدائرة المعتادة للتضامن الأدبي المحليّ. فمن بين الأسماء آني إرنو، وجي. إم. كوتزي، وزادي سميث، وأرونداتي روي، وجوليان بارنز، وجورج سوندرز، وبرناردين إيفاريستو، إلى جانب آن كارسون، وكولم تويبين، وآن إنرايت. وتضم القائمة أيضاً أسماء عربية، بينها أهداف سويف وهشام مطر وعمر العقاد، ومفكرين وكتّاباً مثل نعومي كلاين وسلافوي جيجيك وطارق علي وآدم توز. ويمنح هذا التنوع الرسالة ثقلاً يتجاوز الدفاع عن زميلة كاتبة، إلى مساءلة البيئة التي يعمل فيها الكتّاب والمفكرون في بريطانيا المعاصرة.

ومن الشاشة، انضم بول ميسكال وديزي إدغار جونز، بطلا المسلسل المقتبس من «أناس عاديون»، ومخرجه ليني أبراهامسون، فضلاً عن تيلدا سوينتون، وسوزان ساراندون، وجيسي باكلي، والمخرج جوناثان غليزر. وتحمل مشاركة بطلي المسلسل دلالة خاصة، فالعمل الذي أسهم في إطلاق نجوميتهما جاء من رواية أصبح تجديد مخزونها في المكتبات البريطانية موضع إشكال قانوني.

مع ذلك، يحتاج وصف ما جرى بأنه «منع للكتب» إلى تدقيق. فلم يصدر قرار رسمي صريح يحظر روايات روني بسبب محتواها، ويبدو أنّه سمح للمكتبات بمواصلة بيع النسخ الموجودة لديها مسبقاً. الذي حدث هو توقف الناشر عن توريد نسخ جديدة، باتفاق مع روني نفسها، بعدما قالت «فيبر» إن التشريعات البريطانية تمنعها من تحويل عائدات المبيعات إلى المؤلفة. وهكذا يمكن أن تصبح رواياتها أقل توفراً أمام القراء، ثم تختفي تدريجياً من السوق، عبر القيود المالية والقانونية، حتى من دون صدور أمر مباشر بمصادرتها.

وقالت دار النشر المرموقة إن بيع أعمال كاتب مع العجز عن دفع مستحقاته وضع يتعذر عليها قبوله، ولذلك قررت، بموافقة الكاتبة الكاملة، وقف تزويد السوق البريطانية بأعمالها بأي صيغة، مؤكدة على استمرار اعتزازها بنشر رواياتها وإتاحتها خارج المملكة المتحدة. أما روني فأعلنت استعدادها لتحمّل تبعات معتقداتها ونياتها التي حرصت دائماً، وفق بيانها، على البوح بها للجمهور.

وتعود خلفية الحدث إلى تعهّد الروائية باستخدام عائدات كتبها واقتباساتها التلفزيونية لدعم حركة «بالستاين (فلسطين) أكشن»، التي أدرجتها الحكومة البريطانية ضمن المنظمات الإرهابية في يوليو (تموز) العام الماضي. ودخل الحظر حيز التنفيذ في 5 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بموجب «قانون مكافحة الإرهاب لعام 2000»، فأصبح الانتماء إلى الحركة والدعوة إلى دعمها من الأفعال المجرّمة. وقد تصل عقوبة بعض جرائم دعم التنظيمات المحظورة وفق القانون المذكور إلى السجن 14 عاماً.

وبررت الحكومة قرارها وصم «بالستاين (فلسطين) أكشن» بالإرهاب بما قالت إنّها سلسلة من عمليات تخريب وإتلاف ممتلكات استهدفت منشآت وشركات مرتبطة بالصناعات الدفاعية ذات صلة بالكيان العبري؛ وذلك احتجاجاً على الإبادة في غزّة والأراضي الفلسطينية المحتلة، وبما عدّته السلطات تهديداً للأمن القومي. وجاء الإعلان عن نية الحظر بعد اقتحام ناشطين قاعدة «بريز نورتون» الجوية في يونيو (حزيران) 2025. وشددت وزارة الداخلية وقتها على أن القرار يخص الحركة تحديداً، وأنه لا يستهدف الاحتجاج القانوني أو المنظمات الأخرى المناصرة لفلسطين. في المقابل، يرى أصحاب الرسالة المفتوحة أن قضية روني تكشف عن توسع أثر التشريع ضد الإرهاب إلى مجالات التعبير الثقافي.

مواقف روني المناصرة للفلسطينيين سابقة للأزمة الحالية... فقد رفضت منح حقوق ترجمة «عالم جميل... أين أنت؟» إلى دار نشر إسرائيلية

وروني، البالغة 35 عاماً، من أبرز ظواهر النشر الأدبي في العقد الأخير. بدأت بـ«محادثات مع أصدقاء» عام 2017، ثم حققت انتشاراً واسعاً مع «أناس عاديون» عام 2018، وأتبعتها بـ«عالم جميل... أين أنت؟» عام 2021، و«إنترميتسو» عام 2024. وتستكشف رواياتها العلاقات الحميمة والصداقة والتفاوت الطبقي، وكيف يتسلل المال والتعليم والموقع الاجتماعي إلى الخيارات الشخصية. وقد وسّع انتقال أعمالها إلى التلفزيون جمهورها، وجعل اسمها حاضراً خارج أوساط قراء الرواية.

وفي «أناس عاديون»، تتبع علاقة ماريان وكونيل من المدرسة إلى الجامعة، حيث تتبدّل موازين الثقة والانتماء بينهما مع تبدّل الوسط الاجتماعي. أما «إنترميتسو» فتتناول علاقة أخوين بعد وفاة والدهما، وما يحيط بالفقد والحب من ارتباك. وبين العملين يتضح اهتمامها بأثر الظروف المادية في الحياة العاطفية، وبالمسافة بين ما يعرفه الأشخاص عن أنفسهم وما يستطيعون قوله لمن يحبون.

مواقف روني المناصرة للفلسطينيين سابقة للأزمة الحالية، فقد رفضت منح حقوق ترجمة «عالم جميل... أين أنت؟» إلى دار نشر إسرائيلية لا تستجيب لمعايير حركة المقاطعة، على أن موقفها الأخير دعماً لـ«بالستاين (فلسطين) آكشن» يكتسب حساسية مختلفة؛ لأنه يتصل بعائدات عملها، وبقدرة المؤسسات البريطانية على نشر وبيع أعمالها.

ويواجه الناشرون هنا معضلة تتجاوز مكانة روني الأدبية، إذ كيف يستمر نشر مؤلف باع ملايين النسخ من أعماله عندما تصبح مستحقاته مصدر مخاطرة قانونية؟ كما تواجه المكتبات وضعاً يتناقص فيه المخزون المتاح من دون إمكانية تعويضه عبر الناشر من فرعه البريطاني. وبين الطرفين يقف القارئ الذي يتأثر بقرار يتعلق بمواقف الكاتبة خارج صفحات رواياتها.

وتنقل الرسالة المفتوحة الجدل من مقدار الاتفاق مع روني إلى طبيعة السابقة التي تنشأ عن قضيتها. فموقّعوها يطالبون بحماية تداول الأدب من آثار التجريم السياسي، ويرفضون أن تصبح إمكانية شراء الأعمال الأدبية معلّقة بمواقف مؤلفها السياسية.


«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً
TT

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية؛ فالبطل الذي يقيّد تاريخه الشخصي مع المرض النفسي علاقته بالعالم، لا يكف عن التطلع إلى حياة تتجاوز هذه القيود، ليجد نفسه أسير عالم يتسع في خياله وخبراته المعرفية، ويضيق في تجربته الفعلية، ليتشكل الأمل لديه بوصفه عزاءً ومصدراً إضافياً للمعاناة في آن واحد.

في الرواية، الصادرة عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، تتوزع حياة «ميشيل» بين تاريخ عائلي مثقل بالاضطرابات وجروح الطفولة، وعلاقات عاطفية تتأرجح بين الخلاص وإعادة إنتاج الألم، وعبر فصول قصيرة تحمل عناوين مجردة، من قبيل «علاقة»، و«قِط»، و«أنثى»، و«قصيدة»، و«تاريخ»، و«ذات»، يتخذ الكاتب من تفاصيل الحياة اليومية متكآت سردية، تبدو أقرب إلى مفاصل جسد يتفحصه البطل بما يحمله من ندوب متفرقة.

يُستدعى الماضي بوصفه قوة تواصل تشكيل وعي ميشيل واختياراته، ففي علاقته بأبيه، الحاضر جسدياً والغائب عاطفياً، تتجلى مفارقة السلطة والحرمان؛ إذ يفرض الأب رغباته على ابنه، ويطالبه في الوقت نفسه بالمودة والقرب، حتى تتحول سلطته إلى شعور داخلي بالذنب، يجعل ميشيل يحمّل نفسه مسؤولية المسافة بينهما.

ويمتد هذا الجرح إلى تاريخ عائلي أقدم، تتصدره حكاية الجدة التي عانت اضطراباً نفسياً حاداً، ومن خلالها يتجاوز المرض حدود التجربة الفردية ليصبح جزءاً عضوياً من الذاكرة العائلية، ومن أنماط الخوف وانعدام الثقة التي تتردد بين الأجيال.

تردد أصداء هذا النمط في علاقته بحبيبته «هند»، حيث يجد كل منهما في الآخر فرصة لمداواة جراح قديمة، وتتيح العلاقة لميشيل تجاوز بعض الحدود التي فرضها عليه «الرهاب»، غير أن الحب لا ينفصل عن خوفه من الهجر والرفض، ولا عن ميله إلى إضفاء طابع رومانسي على المعاناة، حتى «يتحوّل الفشل إلى ذريعة لإذكاء التراجيديا الرومانسية داخله»، وهنا يحضر مفهوم «إجبار التكرار» الفرويدي على لسان السارِد في علاقة يبدو فيها الحب الجديد إعادة تمثيل لجرح قديم، ومحاولة متجددة لتغيير مصيره.

ومن اللافت أن أفكار ميشيل تعود في سياقات مختلفة عبر الرواية، فتتحول العبارة التي بدت يقيناً إلى سؤال، فمقولته «الحياة اختيارات» تعود لاحقاً في صيغة متشككة: «هل قال إن الحياة اختيارات؟»، في مراجعة لمعنى حرية الاختيار أمام تاريخ من القيود النفسية والاجتماعية التي لم يخترها.

تكوين معرفي

يتصل بذلك وعيه بالعمر والزمن، إذ افترض مبكراً أنه سيموت في العشرين، قبل أن يجد نفسه في الثلاثينيات أمام حياة لم يتوقع استمرارها، وهنا يصبح البقاء نفسه مدعاة للأمل، وربما في تصوره أنه «سيكبر خارج حياته السابقة»، تتجلى رغبته في أن يمنحه الزمن خلاصاً من الماضي، قبل أن يكتشف أن التقدم في العمر لا يعني التحرر من قبضته.

يصبح المرض في الرواية أكثر من ثيمة متكررة، إذ يتدخل في تشكيل علاقة البطل بالمكان والآخرين والمستقبل؛ فرهاب (الأغورافوبيا) يحد من حركته بين الغرباء، ويغلق أمامه احتمالات مهنية وعاطفية، وحتى علاقته بهند يعيد قراءتها بوصفها «علاقة بدأت بمرض ووُسمت بمرض وانتهت بمرض»، فيتحول المرض إلى أداة لتفسير التجربة وإعادة ترتيب حكايتها.

ويواكب هذا التكوين راوٍ عليم، شديد القرب من وعي ميشيل بوصفه كاتباً ومثقفاً، فتتخلل السرد إحالات إلى رولان بارت ودوستويفسكي وفالتر بنيامين وفرويد، وتتداخل هذه المرجعيات مع معرفة تراكمية بالمرض النفسي، تشكلت عبر التاريخ العائلي وتجارب ميشيل الشخصية.

يظهر هذا الوعي في كثافة المفاهيم والتصنيفات النفسية التي يستدعيها السرد، من اضطراب الشخصية الحدّية، وثنائي القطب، إلى المازوخية، والرهاب، وإجبار التكرار. وهي مفاهيم تتداخل مع الطريقة التي يفسر بها ميشيل سلوك الآخرين وعلاقاته بهم، حتى يبدو أحياناً كأنه لا يستطيع خوض التجربة دون أن يمنحها اسماً أو تفسيراً نفسياً. وفي إحدى لحظات المفارقة، حين ينصحه طبيب باطنة بالذهاب إلى طبيب نفسي، يستقبل النصيحة بثقة قائلاً: «فهذا مضماري الذي أنا خبير فيه»، في تعبير يكشف عن المسافة بين معرفته الواسعة بالأزمات النفسية وقدرته المحدودة على تجاوز أزمته الخاصة.

غير أن هذا الحضور المعرفي يترك أثره أيضاً في حركة السرد، الذي يميل أحياناً إلى تقديم التفسير قبل الحكاية، ففي أحد المواضع، يطرح السارِد سؤالاً عن كيفية انتهاء الحب، ثم يقدم إجابة بنبرة فلسفية تتعلق بتغير الموقع الرمزي للآخر، قبل أن ينتقل إلى واقعة من حياة ميشيل بعبارة: «لشرح هذه الإجابة، يمكن سرد قصة حدثت لميشيل...»، وهي حركة تكشف عن نزوع إلى تنظيم التجربة داخل إطار تفسيري سابق عليها، بحيث تتحول الحكاية أحياناً إلى شاهد على الفكرة، لتتشكل خصوصية هذا الصوت السردي بين محاكاة وعي شخصية البطل المثقفة، والميل إلى شرح دوافعها وتحليلها، وما يثيره من أسئلة حول المسافة بين الراوي وبطله.

الجيل والمدينةويتسع هذا التاريخ الشخصي ليشمل جراحاً اجتماعية أوسع، تتقاطع مع خبرة الانتماء إلى أقلية دينية، وما يصفه البطل بـ«الشعور القبطي بالذنب الذي يمقته»، وتأثيرات (ثورة يناير «كانون الثاني») على جيل يرى أنه «ورث تناقضات الأجيال السابقة وبلغ بها منتهاها»، ليجد أفراده أنفسهم ذوات هشة في واقع فوضوي.

تمتد أصداء هذا الحزن إلى المدينة، حتى إن السرد يرى أن «لا وعي المدينة نفسه مُحمّل بالحزن»، في انتقال من جراح الفرد إلى ذاكرة المكان، وما تختزنه من خسارات وتحولات اجتماعية وسياسية.

كما يمتد هذا التأمل إلى تحولات العلاقات الإنسانية في زمن «الافتراضية»، وما فرضه إيقاعها من روابط هشة، وإلى ثقافة «الفيديوهات القصيرة» التي يرى أنها ضاعفت الجهل والغرور بوهم المعرفة، وهكذا يتجاوز صوت ميشيل حدود التجربة الفردية إلى مساءلة واقع اجتماعي وثقافي أوسع، وإن ظلت هذه الأحكام مرتبطة بمنظوره الخاص، وما يحمله من خيبات وتناقضات.


الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»
TT

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي». ويمثل الديوان حلقة جديدة في تجربة الصائغ الشعرية التي طالما انشغلت بوجع الإنسان، وبالذاكرة المثقلة بالحروب والمنافى. وتتجاور في القصائد ثيمات الحنين والفقد، الغضب والخوف، الحب والانكسار، الثورة واللاجدوى، في مزيج يختزل التجربة العراقية والعربية خلال عقود من الاضطراب.

في الديوان، يصنع الشاعر «مرآتين» لوجه واحد، ينعكس فيهما صوته الشعري وهمومه ورؤيته للعالم، المرايا هنا ليست مجرّد استعارة، بل أداة تأمل واشتباك مع الذات والتاريخ. في المرآة الأولى، يبتعد الشاعر عن ذاته بمسافة تفرضها الجغرافيا والغربة وزمن المنفى، فينظر إلى المشهد العراقي الفاجع بعين اكتسبت خبرة الألم وهدوء التأمل بعد سنوات من التشرد، تلك المسافة تمنحه القدرة على إعادة تشكيل الصورة، وقراءة الخراب الإنساني والوطني من منظور أكثر نضجاً وعمقاً.

أما المرآة الثانية، فهي عودة إلى اللحظة الأولى للوجع؛ إلى سنوات الحرب العراقية - الإيرانية، حيث كان الألم لا يزال طازجاً والجرح لم يلتئم بعد، يلتقط الصائغ في هذه المرآة صورة للذات الشاعرة وهي في مواجهة الموت اليومي، وفي الوقت نفسه تحمل شرارة الأمل والتحدي والرغبة في غد أكثر عدلاً وحرية.

وبين المرآتين، يتحرك الشاعر بين زمنين ومنفين، ويوثق عبر نصوصه المتوترة واللامعة اللحظة الإنسانية التي يعيشها العالم العربي.

وللشاعر عدد من المجاميع الشعرية، منها: «مرايا لشعرها الطويل»، و«تحت سماء غريبة»، و«نشيد أوروك»، و«نرد النص».

من أجواء الديوان نقرأ:

«أرسم دبابة وأوجهها إلى شرفة الجنرال

أرسم غيمة وأقول: تلك بلادي

أرسم لغماً وأضعه في خزانة اللغة

أرسم عنكبوتاً وأحنطه على باب الأحزان

أرسم أبي وأقول له: لماذا تركتني وحيداً أمام اللئام؟

أرسم مائدة وأدعو إليها طفولتي

أرسم ناياً وأنسل من ثقوبه إلى القرى البعيدة

أرسم شارعاً وأتسكع فيه مع أحلامي

أرسم قلبي..

.. وأسأله: أين أنتِ؟!»