نحو استئناف القول الفلسفي العربي الإسلامي

الجابري وعبد الرحمن.. رائدان وضعا مشروعيهما في سياق تجاوز القراءات السابقة

نحو استئناف القول الفلسفي العربي الإسلامي
TT

نحو استئناف القول الفلسفي العربي الإسلامي

نحو استئناف القول الفلسفي العربي الإسلامي

اشتد الاشتغال بالتراث العربي الإسلامي، كمدخل لنقد آليات التفكير الذي أنتجه، دفاعا عن الحداثة وعن مشروع النهضة العربية الإسلامية، من دون السقوط في التبعية والتقليد. إذ يعد هذا التراث المرجعية التأسيسية لكل الخطابات العربية الإسلامية المعاصرة، سواء في المشرق أو في المغرب. إلا أن هذا الاشتغال، أو الحضور، اتخذ طابعا تركيبيا بين من يعتبره نموذجا قابلا للنسخ والاسترجاع، وبين من يرفضه جملة وتفصيلا، ويخندقه في الماضي السحيق الذي وجب سحقه، وبين من يستحضره كحاجة رمزية لتلبية أغراض نفسية تاريخية فرضها واقع متأخر بائس.
وفي ظل المذبحة التي شهدها التراث، عبر عمليات تحنيط وتقطيع، انبثقت في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، ظهرت محاولات جديدة في التعامل مع هذا التراث، متسلحة بكل ما استجد في مدارس الفلسفة والعلوم المعاصرة مادة ومنهجا. وسنقتصر هنا على نموذجين رائدين في الحقل الفلسفي العربي الإسلامي بشكل عام، والمغربي بشكل خاص، وضعا مشروعيهما، رغم اختلاف وجهتي نظرهما، في سياق تجاوز كل القراءات السائدة، بعدة منهجية تنهل من مستجدات العلوم المعاصرة، وقدرة تنظيرية تكشف عن تهافت القراءات السابقة. إنهما الفيلسوفان المغربيان المجددان: محمد عابد الجابري (1935 - 2010)، ومن مؤلفاته: «العصبية والدولة»، «نحن والتراث»، و«تكوين العقل العربي»، و«بنية العقل العربي»، و«العقل السياسي العربي»، و«العقل الأخلاقي العربي»، و«الخطاب العربي المعاصر»، و«المسألة الثقافية»، و«مسألة الهوية: العروبة والإسلام والغرب»، وطه عبد الرحمن (1944) ومن بين أهم مؤلفاته: «في أصول الحوار وتجديد علم الكلام»، و«العمل الديني وتجديد العقل»، و«تجديد المنهج في تقويم التراث»، و«فقه الفلسفة»، و«سؤال الأخلاق»، و«الحق العربي في الاختلاف الفلسفي»، و«الحق الإسلامي في الاختلاف الفلسفي»، و«سؤال العمل»، و«بؤس الدهرانية». فكل واحد منهما، يمثل مدرسة فكرية قائمة الذات، سواء في عمليات تفكيك أو تركيب وبناء النظام المعرفي الإسلامي: فقها وفلسفة وأصولا وتصوفا وكلاما، أو في إنتاج أفق لأسئلة الحاضر، كل بطريقته الخاصة.
تعد مقاربتا كل من الجابري وطه عبد الرحمن للتراث، منعطفا جديدا في الدرس التراثي، لما تحملانه من مستجدات وخيارات على مستوى المسلمات والنتائج. لذلك جاءت قراءتهما للتراث مزدوجة ومتمثلة في استنطاق المأصول منه، وفي تقريب المنقول الغربي من خلال تصحيحه وإخضاعه لما يلائم مقتضيات المجال التداولي العربي الإسلامي منهجا ومضمونا. فهذا الوعي بطبيعة المادة التراثية وكيفية معالجتها، لدى كل من الجابري وعبد الرحمن، يجعلنا نقدم مجموعة من الملاحظات تخص خطابيهما، وهي:
- إذا كان خطاب طه عبد الرحمن يتوخى تقويم التراث، من خلال استكشاف الأدوات اللغوية والمنطقية التي أنشأته، واستغراقه في استخراجها وتحديدها وتبويبها بكثير من التدقيق والتنسيق والتجريد، أو لنقل انشغاله بـ«منطق الخطاب»، فإن خطاب الجابري لا يندرج ضمن استراتيجية محايدة وموضوعية لقراءة النص التراثي، لأن الأدوات المنهجية التي توسل بها ليست غاية في ذاتها، بقدر ما هي وسيلة للكشف عن المعاني المتعددة التي اكتسبها هذا النص في صيرورته التاريخية، التي تستوجب الحفر والتأويل الذي يستجيب بدوره لأسئلة الحاضر ورهاناته، أو لنقل بأن الجابري كان منشغلا بـ«سياسة الخطاب» أكثر من منطق الخطاب.
- إذا كانت رؤية طه عبد الرحمن محكومة بالهاجس المعرفي الصرف، بغية تحرير المتفلسف العربي من آفة التقليد والاتباع، وتأسيس حداثة إسلامية جوهرها الأخلاق، فإن رؤية ناقد العقل العربي مشغولة بهاجس التأخر التاريخي وسؤال النهضة والحداثة والتنمية والتقدم.
- إذا كانت رؤية طه عبد الرحمن تتعالى عن السياسة، وتنظر إلى السياسي نظرة شك وريبة، وتحتقر الفيلسوف المشتغل بالسياسة خشية اتباعه لمصالحه الضيقة دون نشدان الحقيقة والفضيلة، فإن رؤية الجابري النقدية يحركها الموقف السياسي، والالتزام السياسي بقضايا المجتمع، وهموم الناس، والانخراط في حركية التاريخ بكل نجاحاته وإخفاقاته. وهذا ما جعل صاحب الرؤية التداولية خارج حركة التاريخ ومفعول السياسة.
- لقد شدد طه عبد الرحمن في نقده للأدوات والمفاهيم التي توسل بها الجابري في قراءته للتراث، حيث بيّن عدم اتساقها مع طبيعة المادة المدروسة، وتهافتها في الإمساك بحيثيات سياق اشتغالها، بالإضافة إلى كونها متقادمة ولا تساير تطور المعرفة ومستجدات البحث العلمي. لكن المتتبع لمشروع الجابري، يلاحظ أن أطروحته الخاصة بالتراث لم تأتِ دفعة واحدة، بل خضعت عملية تشكل عبر مراحل، حيث استندت إلى رصيد هائل من النصوص التراثية والمعطيات التاريخية. كما اعتمدت على أدوات منهجية مستمدة من حقول معرفية معاصرة، وموظفة في سياق بناء البحث واستخلاص النتائج.
وحاصل القول هو أن طه عبد الرحمن في قراءته للتراث، قدم نموذجا في «العمارة المعرفية» لا يضاهيه فيها إلا مكابر أو جاحد، لما يتميز به من قدرة خارقة على الترتيب والتنسيق واشتقاق المفاهيم وتوليدها بلغة قوية وذات نفحة تراثية، وبآلة منطقية رهيبة في بناء الاستدلالات واستخلاص النتائج، وبعدة معرفية قوية تجمع بين النصوص التراثية وما استجد في الفكر الغربي مادة ومنهجا. لكن ورغم كل هذه الإمكانات والنتائج المحصل عليها من خلال هذه القراءة، فإنها تفتقد إلى «بوصلة سياسية» تؤطرها وتجعلها محايثة للتاريخ والمجتمع، ومنخرطة في صراعاتنا وقضايانا الراهنة في كل أبعادها المحلية والإقليمية والجهوية والدولية، لأن سؤال التراث هو سؤال الحاضر - سؤال الذات وسؤال الآخر - وليس سؤال الماضي.
تعاملت رؤية طه عبد الرحمن للتراث مع مشروع الجابري من زاوية «الصواب والخطأ»، وتناست التعامل معه «فيما وراء الصواب والخطأ». إذ يقترح بنعبد العالي – في قراءته لمشروع الجابري - التوقف عند ما يدعوه بـ«مفعول الجابري» في التراث وعلى التراث، حيث اعتبر أن تصنيف الجابري لحقول المعرفة في الثقافة العربية، فرض إعادة النظر في أسلوب التناول ومنهج الدراسة، بل إعادة النظر في الفلسفة الثاوية وراء التصنيفات المتوارثة. ولن يعود بإمكاننا أن نفهم تراثنا على النحو المتداول الذي تُصنف وفقه معارفنا إلى نقلية وعقلية، وإنما سينقسم إلى أنظمة ثلاثة تستوعب كل الاختلافات الداخلية والخارجية لمجالات المعرفة، وتغدو علوم البيان، وعلوم العرفان، وعلوم البرهان بالتتالي، مجال المعقول الديني واللامعقول العقلي والمعقول العقلي. هذا فيما يخص مفعول الجابري في التراث. أما ما يتعلق بمفعوله على التراث، فقد لاحظ بنعبد العالي أن الجابري حقق ما يسمى بـ«شيوعية تراثية»، أي أنه جعل النص التراثي في متناول الجميع، بعد أن كان محتكرا من طرف شرذمة من المحققين، ومحجوبا عنا كما تحجب الذخائر والكنوز.
إن مفعول الجابري على التراث مكن من تيسير إدراكه وتقريب المسافة الزمانية والمكانية التي تفصلنا عنه، إذ أعطى لكل منا الحق في تملكه. وما عسى تكون السياسة لو لم تكن بالضبط هي هذا السعي نحو توفير الحق للجميع، على حد تعبير بنعبد العالي.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.