أوريغي... البطل الذي لن ينساه جمهور ليفربول أبداً

أهدافه الحاسمة ستظل في الذاكرة رغم دوره الهامشي خلال رحلة 8 سنوات

لاعبو ليفربول يصطفّون في ممر تكريمي لأوريغي خلال احتفالية الفوز بالكأس (أ.ف.ب)
لاعبو ليفربول يصطفّون في ممر تكريمي لأوريغي خلال احتفالية الفوز بالكأس (أ.ف.ب)
TT

أوريغي... البطل الذي لن ينساه جمهور ليفربول أبداً

لاعبو ليفربول يصطفّون في ممر تكريمي لأوريغي خلال احتفالية الفوز بالكأس (أ.ف.ب)
لاعبو ليفربول يصطفّون في ممر تكريمي لأوريغي خلال احتفالية الفوز بالكأس (أ.ف.ب)

بعد فترة وجيزة من رفع ليفربول لدرع الدوري الإنجليزي الممتاز على ملعب «آنفيلد» الذي كان شبه فارغ بسبب غياب الجماهير عن الملاعب آنذاك نتيجة تفشي فيروس «كورونا» في يوليو (تموز) 2020، منهياً فترة انتظار طويلة استمرت 30 عاماً كاملة للحصول على اللقب، لفت شيء ما انتباه المراقبين داخل الملعب. لقد رحل جميع اللاعبين والموظفين إلى نفق الملعب قبل أن يعود أحدهم فجأة، وهو ديفوك أوريغي، الذي اتجه نحو دائرة منتصف الملعب ووضع ذراعيه خلف ظهره وثبّت بصره على المدرجات... لقد كان مشهداً مثيراً للفضول، لكنه كان مشهداً معبراً أيضاً، لأن هذه هي طريقة البلجيكيين في الوداع!
وإذا كان ذلك وداعاً، فقد طال هذا الوداع بكل تأكيد، لأن قرار رحيل أوريغي عن أنفيلد جاء بعد ما يقرب من عامين على تلك الواقعة، بعدما أعلن الخميس الماضي أنه يستعد لمغامرة جديدة بعيداً عن ليفربول عندما ينتهي عقده في نهاية الشهر الجاري. وتشير تقارير إلى أن ميلان، الذي تُوِّج مؤخراً بطلاً للدوري الإيطالي الممتاز، سيكون وجهته التالية.
ونشر الحساب الرسمي لنادي ليفربول على موقع «تويتر» تغريدة قال فيها: «رحلة استثنائية حقاً، مع لحظات مميزة في تاريخنا قدمها لنا ديفوك أوريغي مراراً وتكراراً... شكراً لك على كل شيء». يأتي ذلك في أعقاب الممر الشرفي الذي أُعد لأوريغي بعد الفوز على وولفرهامبتون في الجولة الأخيرة من موسم الدوري الإنجليزي الممتاز، والذي حصل خلاله على تصفيق حار من زملائه في الفريق، كما حصل على هدايا من المديرين التنفيذيين للنادي، بما في ذلك المالك الأميركي جون دبليو هنري، بينما كانت الجماهير الحاضرة في المدرجات تهتف باسمه بحماس شديد، كأنه أحد اللاعبين الأساسيين، وليس المهاجم السادس بالفريق!

ديفوك أوريغي يسجل برأسه هدفاً حاسماً لليفربول في الديربي أمام إيفرتون (أ.ف.ب)

لكن تجب الإشارة إلى أن ليفربول دائماً ما كان مكاناً يقدّر اللاعبين الأبطال، بدءاً من جوي جونز وديفيد فيركلو وصولاً إلى دجيمي تراوري ولوكاس ليفا. صحيح أن أوريغي لم يكن هدافاً قديراً –لم يحرز سوى 41 هدفاً في 175 مباراة لعبها خلال السنوات الثماني التي قضاها في أنفيلد- لكن لا يمكن إنكار أنه سجل الكثير من الأهداف المهمة والحاسمة، بما في ذلك ثلاثة أهداف من أشهر الأهداف في تاريخ النادي، وأعني بذلك هدفه في مرمى إيفرتون، وهدفه في مرمى برشلونة، وهدفه في توتنهام.
وبالتالي، لم يكن غريباً أن يصف حساب ليفربول على «تويتر» أوريغي بأنه «أسطورة» يوم الخميس الماضي، وهو الوصف الذي استخدمه المدير الفني الألماني، يورغن كلوب، في أكثر من مناسبة أيضاً.
وكانت المرة الأولى التي يفعل فيها المدير الفني الألماني ذلك في غرفة مليئة بالصحافيين قبل مباراة ليفربول وجينك البلجيكي في دوري أبطال أوروبا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، وكرد فعل بعد أن فشل أحد المراسلين في ذكر اسم أوريغي بينما كان يذكر أسماء اللاعبين الذين تخرجوا في أكاديمية الناشئين بالنادي البلجيكي. من المؤكد أن كيفين دي بروين هو من يأتي في الصدارة، وعلى الرغم من أن أوريغي ليس بمستواه ولن يصل إلى مستواه أبداً، فإن حقيقة أن أوريغي قد ساهم في فوز ليفربول بستة ألقاب، بما في ذلك الدوري الإنجليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا، تعد مصدر فخر كبير لهذا اللاعب.
وقال ميشيل ريبيرو، لاعب خط وسط جينك السابق والذي يعمل مساعداً للمدير الفني للفريق الأول بالنادي وسبق له أن عمل مع أوريغي خلال فترة عمله مديراً تقنياً في أكاديمية الناشئين: «أنا أعرف ديفوك منذ ولادته.
لقد لعب والده، مايك، أيضاً في صفوف جينك، لذلك رأيت ديفوك وهو يكبر وعملت معه منذ سن الثامنة أو التاسعة حتى تركَنا في عام 2010».
وأضاف: «لقد كان طفلاً رائعاً، وكان دائماً في حالة معنوية جيدة، ولديه رغبة دائمة في التعلم، وأدركنا منذ صغره أنه يمتلك شيئاً مميزاً. لقد كان أحد أفضل اللاعبين الواعدين، وكان هناك أمل في أن يلعب يوماً ما مع نادٍ كبير، وقد نجح في القيام بذلك بالفعل ولعب مع ليفربول، وهو أمر رائع».
يشير ريبيرو إلى أن التكوين البدني القوي لأوريغي ساعد أيضاً في التنبؤ بوصول اللاعب إلى مكانة كبيرة، ويقول: «كان ديفوك طويل القامة مقارنةً بالأطفال الآخرين، لكن الشيء الجيد فيه هو أنه لم يكن قوياً فقط، فقد كان يجيد اللعب بقدميه أيضاً. لذلك عملنا على تطوير وتحسين تحركاته داخل الملعب لتعظيم قدرته على الركض بالكرة والمراوغة. وقد استوعب ذلك بشكل مذهل».
أظهر أوريغي هذه القدرات والإمكانيات الهائلة في كأس العالم 2014، حيث تألق مع منتخب بلجيكا ولعب جميع المباريات الخمس التي لعبها منتخب بلاده في المونديال، وأصبح أول لاعب شاب يسجل في كأس العالم منذ أن فعل ذلك النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي في عام 2006. كان أوريغي يبلغ من العمر آنذاك 19 عاماً، وكان يبدو أنه قادر على الوصول إلى مستويات استثنائية، واتخذ مسؤولو ليفربول قراراً ذكياً للغاية عندما تعاقدوا معه في وقت لاحق من ذلك الصيف مقابل 10 ملايين جنيه إسترليني. وقال المدير الفني لليفربول آنذاك، بريندان رودجرز: «لديه كل المقومات التي تجعله لاعباً من الطراز العالمي، وأنا أؤمن بذلك تماماً».

أوريغي يحتفل بأحد أهدافه (إ.ب.أ)

أُعير أوريغي على الفور إلى ليل الفرنسي، الذي كان قد أمضى معه المواسم الأربعة السابقة، قبل أن ينضم إلى ليفربول بشكل كامل في موسم 2015 – 2016، لقد كان وقتاً مضطرباً تماماً لنادي ليفربول، حيث أُقيل رودجرز من منصبه مبكراً وحل محله يورغن كلوب. كان من الممكن أن يكون تغيير المدير الفني كارثياً بالنسبة لأوريغي، لكنه تأقلم مع الوضع الجديد، وبعد أن سجل أربع مرات في ثلاث مباريات خلال شهر أبريل (نيسان)، بما في ذلك في مباراتا الذهاب والإياب للدور ربع النهائي للدوري الأوروبي أمام بروسيا دورتموند، بدأ أوريغي يثبت نفسه كأحد العناصر الأساسية للريدز تحت قيادة كلوب.
ثم جاء ديربي الميرسيسايد أمام إيفرتون في وقت لاحق من ذلك الشهر، عندما سجل أوريغي مرة أخرى، لكنه تعرض لإصابة في أربطة الكاحل بعد التدخل العنيف عليه من قبل راميرو فونيس موري. أبعدته هذه الإصابة عن الملاعب لمدة شهر، كما غاب عن المباراة النهائية للدوري الأوروبي، وهو الأمر الذي كان بمثابة اختبار جدي لمدى رغبته في العودة بكل قوة. لكن مع بداية الموسم التالي، فقد أوريغي مكانه في التشكيلة الأساسية، سواء بسبب جلوسه على مقاعد البدلاء أو بسبب غيابه المتكرر بداعي الإصابة.
ربما كان من المحتمل أن يحدث هذا على أي حال بعدما بدأ كلوب في تعزيز صفوف فريقه، حيث تعاقد ليفربول مع السنغالي ساديو ماني والمصري محمد صلاح في صيفين متتاليين، ليشكلا إلى جانب المهاجم البرازيلي روبرتو فيرمينو واحداً من أقوى خطوط الهجوم وأكثرها إثارةً وتدميراً في تاريخ كرة القدم الإنجليزية. لم يكن أوريغي في مستوى هذا الثلاثي الهجومي، وكان ذلك واضحاً كلما شارك بديلاً لأحدهم، حيث كان أداء خط الهجوم يصبح أقل سلاسة وسرعة وفاعلية عند مشاركته.
خرج أوريغي مرة أخرى على سبيل الإعارة قبل موسم 2017 - 2018، وهذه المرة إلى فولفسبورغ الألماني، وعندما عاد إلى «أنفيلد» لم يجد نفسه بعيداً عن التشكيلة الأساسية فحسب، بل وجد نفسه يلعب في مركز غير مركزه الأصلي عندما يشارك كبديل. لقد أصبح يلعب بشكل متزايد على الأطراف وليس في الوسط، لدرجة أنه في موسم 2019 - 2020 الذي فاز فيه ليفربول باللقب لعب أوريغي في مركز الجناح الأيسر أكثر مما لعب في مركز المهاجم الصريح (21 مرة كجناح أيسر، مقابل 18 مرة كمهاجم صريح) وكانت الغالبية العظمى من هذه المباريات كبديل.
ويمكن القول إن أوريغي كان إلى حد ما ضحية للتعليم الذي تلقاه في جينك، ويوضح ريبيرو ذلك قائلاً: «في أكاديمية الناشئين، نجعل الأطفال دائماً يلعبون في مراكز مختلفة لكي يكونوا لاعبين متكاملين قدر الإمكان. لذلك لعب ديفوك كجناح أيسر، وكمهاجم صريح وكصانع ألعاب، ويمكنك أن ترى أنه بإمكانه اللعب كجناح مع المنتخب البلجيكي وعندما كان في ليفربول».
ويصف ريبيرو إنهاء أوريغي للهجمات خلال الفترة التي قضاها في جينك بأنه كان «لا بأس به». وكان هذا هو الحال بشكل عام في ليفربول أيضاً، لكن لا يمكن إنكار أن الأمر كان أفضل من ذلك بكثير في ثلاث مناسبات خلال ستة أشهر، حيث أحرز هدفاً قاتلاً في الدقيقة 96 من رأسية مذهلة ليقود ليفربول للفوز في مباراة الديربي، ثم أحرز هدفاً بالقدم اليمنى ليكمل واحدة من أعظم مباريات العودة (الريمونتادا) في تاريخ كرة القدم الأوروبية أمام برشلونة، ثم أحرز هدفاً بالقدم اليسرى ليقود فريقه للفوز بدوري أبطال أوروبا للمرة السادسة في تاريخه. لم تُظهر هذه اللحظات الحاسمة مدى براعة وكفاءة أوريغي فحسب، لكنها أظهرت أيضاً قدرته على التحلي بالهدوء الشديد في أصعب الأوقات والظروف. وبالنسبة إلى المشجعين الذين كانوا في ملعب أنفيلد في ديسمبر (كانون الأول) عام 2018 ومايو (أيار) 2019 وفي ملعب ميتروبوليتانو في يونيو (حزيران) 2019، فمن المؤكد أنهم لن ينسوا الشعور الذي انتابهم عندما وضع المهاجم البلجيكي الكرة في الشباك!
يقول ريبيرو: «لقد شاهدت جميع الأهداف الثلاثة، وبعد الهدف الذي أحرزه في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا صرخت مثل الطفل الصغير لأنني كنت سعيداً للغاية. لقد بعثت برسالة تهنئة إلى ديفوك بعد نهاية المباراة مباشرةً. لكي أكون صريحاً، أنا أفعل ذلك دائماً -وحتى عندما يلعب مباراة عادية ويسجل هدفاً فإنني أرسل له رسالة نصية أبارك له فيها، ويردّ دائماً بالشكر. هذه هي طبيعته دائماً، فهو طفل رائع».
لكنّ أوريغي وصل الآن إلى العمر الذي يجب أن يقدم فيه أفضل مستوياته على الإطلاق، وبالتالي من المفهوم أن يفكر في الانتقال إلى مكان آخر من أجل المشاركة في المباريات بشكل أكبر. وهناك حاجة أيضاً إلى التغيير بالنظر إلى المدى الذي تراجع فيه ترتيب أوريغي في قائمة مهاجمي ليفربول، حيث لم يجد نفسه خلف ماني وصلاح وفيرمينو فحسب، لكنه وجد نفسه خلف ديوغو غوتا ولويس دياز أيضاً. وعلاوة على ذلك، فإن اللاعب البالغ من العمر 27 عاماً قد شارك في مباريات أقل من الياباني تاكومي مينامينو الموسم الماضي، على الرغم من أن الإصابة العضلية التي تعرض لها قد ساهمت في ذلك، لكن ما يُحسب لأوريغي حقاً هو أنه دائماً ما كان يترك بصمة واضحة عندما يعود للمشاركة في المباريات.
أحرز أوريغي ستة أهداف في 18 مباراة، من بينها هدفه الرائع في مرمى بريستون، وهدف الفوز في الوقت القاتل في مرمى وولفرهامبتون، وهدفه من ضربة رأس في مرمى إيفرتون والذي كان هدفه السادس في ديربي الميرسيسايد، وهو ما يجعله أكثر اللاعبين الأجانب تسجيلاً للأهداف في هذا الديربي.
والآن، يرحل أوريغي عن ليفربول وهو ممتنٌّ للفترة التي قضاها في النادي، وهو أمر واضح للغاية من الرسالة التي نشرها على «تويتر» بعد فترة وجيزة من خيبة الأمل التي شعر بها الجميع في ليفربول بعد الخسارة أمام ريال مدريد في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا في العاصمة الفرنسية باريس، حيث قال: «لقد كانت رحلة استثنائية». ومع ذلك، ربما يكون قد ندم على فشله في الوصول إلى أفضل المستويات في أنفيلد. يمكن وصفه بأنه لاعب يظهر في المباريات والأحداث الكبرى، لكن من المؤكد أيضاً أنه لم يحافظ على تقديم نفس المستويات القوية لفترات طويلة، كما أنه لم يقدم الأداء الذي يجعله لاعباً من الطراز العالمي، بالشكل الذي تحدّث عنه رودجرز. لقد كانت هناك أسباب لذلك، بعضها خارج عن إرادة أوريغي، وبالنسبة للرجل الذي يتحدث أربع لغات ولديه شغف كبير بعلم النفس البشري، تأتي الآن الفرصة لتجربة شيء جديد والتطور بشكل أكبر على المستوى الشخصي والمهني.
يقول ريبيرو عن ذلك: «ديفوك يمتلك قدرات هائلة وبالتالي فمن غير المنطقي أن يبقى جالساً على مقاعد البدلاء كل أسبوع. إنه بحاجة إلى اللعب، للحفاظ على هذا النهم ولكي يظهر للجميع ما يمكنه القيام به. بالنسبة لي هو لاعب متكامل».
وعندما سئل ريبيرو عمّا إذا كان لديه شيء آخر يودّ أن يقوله لأوريغي، رد قائلاً: «ديفوك يعرف أنني أحبه وأتمنى له الأفضل».
ولا يوجد أدنى شك في أن الجميع في ليفربول أيضاً يحبونه ويتمنون له التوفيق!


مقالات ذات صلة


مواجهة كسر العظم... «أسود الأطلس» و«طواحين» هولندا في صراع العبور لثمن النهائي المونديالي

لاعب المنتخب المغربي أشرف حكيمي (يمين) ولاعب هولندا فيرجيل فان دايك (يسار)
لاعب المنتخب المغربي أشرف حكيمي (يمين) ولاعب هولندا فيرجيل فان دايك (يسار)
TT

مواجهة كسر العظم... «أسود الأطلس» و«طواحين» هولندا في صراع العبور لثمن النهائي المونديالي

لاعب المنتخب المغربي أشرف حكيمي (يمين) ولاعب هولندا فيرجيل فان دايك (يسار)
لاعب المنتخب المغربي أشرف حكيمي (يمين) ولاعب هولندا فيرجيل فان دايك (يسار)

تتجه أنظار الملايين من عشاق الساحرة المستديرة يوم الاثنين المقبل، صوب الأراضي المكسيكية، وتحديداً نحو ملعب مدينة مونتيرّي، حيث يصطدم المنتخب المغربي بنظيره الهولندي في مواجهة نارية لا تقبل القسمة على اثنين ضمن منافسات دور الـ32 لبطولة كأس العالم 2026.

وتكتسب هذه الملحمة المونديالية المبكرة رمزية تاريخية استثنائية، إذ تعيد «أسود الأطلس» إلى الأرض التي شهدت ولادة أمجادهم الكروية الأولى وألهمت جيل 1986 الذهبي ليكون أول منتخب أفريقي وعربي يتصدر مجموعته ويتأهل للدور الثاني في تاريخ المونديال. واليوم، يعود الأحفاد إلى المكسيك بالكبرياء والطموح نفسه، متسلحين بمسيرة مجموعات خالية من الهزيمة حصدوا فيها 7 نقاط ثمنية، ليلتقوا كتيبة «الطواحين» في لقاء يمزج بين السحر المهارة الأفريقية والانضباط التكتيكي الأوروبي على ملاعب المكسيك المشتعلة حماساً صاخباً، حيث يرفع النجوم شعار الفوز ولا شيء غيره للعبور نحو ثمن النهائي وإحياء الإرث المكسيكي الخالد.

لاعبو منتخب المغرب خلال الاستعدادات (أ.ف.ب)

إرث تاريخي متكافئ... تفوُّق الأسود في الوديات وعقدة بيركامب الرسمية

منتخب هولندا (رويترز)

عند تقليب دفاتر الماضي، نجد أن هذا الصدام المتجدد يحمل الرقم 4 في تاريخ مواجهات الطرفين، إذ التقى المنتخبان سابقاً في 3 مباريات. وتشير لغة الأرقام إلى تفوق طفيف لمنتخب المغرب الذي حقق الفوز في مناسبتين وديتين، بينما يظل الفوز الهولندي الوحيد مسجلاً في الذاكرة الرسمية للمونديال. وتعود تلك المواجهة التاريخية إلى نهائيات كأس العالم في أميركا عام 1994، حينما قاد النجم الشهير دينيس نيكولاس ماريا بيركامب بلاده للفوز بنتيجة (2-1) في دور المجموعات، مما يجعل لقاء مونتيرّي فرصة مثالية لكتيبة الأسود للثأر التاريخي، وبوابة سانحة للطواحين لتأكيد العقدة الرسمية في المحافل العالمية.

زحف مجموعاتي مثير... صحوة مغربية وثبات هولندي نحو بطاقة العبور

المنتخب المغربي (أ.ف.ب)

بلغ كلا المنتخبين هذا الدور الإقصائي بعد مسيرة مميزة في دور المجموعات حصد خلالها كل طرف 7 نقاط من فوزين وتعادل. وجاء تأهل المنتخب المغربي كوصيف للمجموعة الثالثة بفارق الأهداف خلف البرازيل، إذ استهل مشواره بتعادل مثير أمام السيلساو بهدف لمثله، ثم انتصار ثمين على اسكوتلندا بهدف نظيف، قبل أن يختتم جولاته بعرض هجومي قوي اكتسح فيه هايتي بنتيجة 4-2. وفي المقابل، تربع المنتخب الهولندي على عرش صدارة المجموعة السادسة بالرصيد ذاته، بعدما تعادل مع اليابان بهدفين لمثلهما، واكتسح السويد بخمسة أهداف لهدف، ثم أكد جاهزيته الفنية الكاملة بإسقاط تونس في الجولة الأخيرة بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد.

ميزان القوى بالأرقام... صراع الخطوط الثلاثة تحت المجهر التكتيكي

منتخب هولندا (أ.ف.ب)

تكشف لغة الأرقام الصادرة من غرف التحليل عن ملامح الصراع الشرس بين الخطوط الثلاثة لكلا الفريقين، فعلى مستوى حراسة المرمى والدفاع، يرتكز المغرب على صمام أمانه في العرين لحماية الشباك التي استقبلت 3 أهداف في المجموعات، بينما تلقت الشباك الهولندية 4 أهداف، مما يعكس بعض الهفوات التي يسعى المدرب رونالد كومان لمعالجتها. وفي الشق الهجومي، تبرز القوة الضاربة لمنتخب «الطواحين» الذي سجل خط مقدمته 10 أهداف كاملة في 3 مباريات بفضل التحولات السريعة، في حين لا يقل الهجوم المغربي شراسة بعدما زار شباك منافسيه في 6 مناسبات، مستفيداً من انطلاقات ظهيره الطائر وقائده أشرف حكيمي وهدافه إسماعيل الصيباري وعناصره المهارية في الثلث الأخير من الملعب.

نقاط القوة والضعف... مهارة الأطلس الفردية في مواجهة الانضباط الأوروبي

تكمن القوة الحقيقية للمنتخب المغربي في التنوع الهجومي الفائق والقدرة العالية على الاحتفاظ بالكرة تحت الضغط، إلى جانب الانسجام الكبير بين لاعبي خط الوسط والارتداد السريع للأطراف، وإن عاب الفريق في بعض الأحيان حاجته لمزيد من الدقة في اللمسة الأخيرة أمام التكتلات الدفاعية.

وعلى الجانب الآخر، يستمد المنتخب الهولندي خطورته من انضباطه التكتيكي الصارم، والتميز الواضح في استغلال الكرات الثابتة بوجود مدافعين طوال القامة، بالإضافة إلى الفاعلية الهجومية المفرطة، إلا أن بطء الارتداد الدفاعي في مواجهة المهاجمين السريعين يظل الثغرة التي يأمل الأسود استغلالها لخلخلة الخط الخلفي البرتقالي.

ترشيحات خارج نطاق التوقع... مَن يبتسم له الحظ في المكسيك؟

يقف خبراء كرة القدم عاجزين عن ترجيح كفة منتخب على حساب الآخر، إذ تبدو فرص التأهل متكافئة بنسبة 50 في المائة لكل فريق عطفاً على الجاهزية الفنية والبدنية التي ظهرت في الدور الأول. وتميل الكفة المهارية والفردية نسبياً لصالح لاعبي المغرب القادرين على صناعة الفارق من أنصاف الفرص، بينما تمنح الصرامة الأوروبية والخبرة في المباريات الإقصائية الأفضلية لهولندا. وستكون الكلمة العليا في النهاية للمنتخب الأكثر تركيزاً وذكاءً في التعامل مع تفاصيل اللقاء الصغيرة، لانتزاع بطاقة العبور ومواصلة كتابة التاريخ في المحفل المونديالي الكبير.

اقرأ أيضاً


قلوب مغربية بوعي تكتيكي برتقالي... حكاية الثلاثي الذي يعرف أسرار هولندا

قلوب مغربية بوعي تكتيكي برتقالي... حكاية الثلاثي الذي يعرف أسرار هولندا
TT

قلوب مغربية بوعي تكتيكي برتقالي... حكاية الثلاثي الذي يعرف أسرار هولندا

قلوب مغربية بوعي تكتيكي برتقالي... حكاية الثلاثي الذي يعرف أسرار هولندا

تحمل مواجهة دور الـ32 في كأس العالم 2026 بمدينة مونتيرّي المكسيكية طابعاً دراماتيكياً استثنائياً، إذ تشهد صداماً عاطفياً وتكتيكياً من طراز رفيع بين المغرب وهولندا.

في هذه الملحمة الإقصائية، يقف ثلاثة من أبرز نجوم المنتخب المغربي المولودين والمنشَّئين في هولندا، وجهاً لوجه ضد البلد الذي علَّمهم أبجديات كرة القدم في الصغر. هؤلاء النجوم اختاروا تمثيل وطنهم الأم تلبيةً لنداء الجذور، واليوم يجدون أنفسهم أمام فرصة تاريخية لكتابة مجد مغربي خالص على حساب أصدقاء الطفولة ومكتشفي مواهبهم الأوائل في الملاعب البرتقالية.

نصير مزراوي... أسد مانشستر الذي نشأ في مدرسة أياكس الصارمة

النجم المغربي نصير مزراوي (رويترز)

يجسد مدافع مانشستر يونايتد الإنجليزي، نصير مزراوي، القصة النموذجية للتربية الكروية الهولندية الصارمة، فاللاعب الذي وُلد في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 1997 بمدينة لايدن الهولندية، انضم إلى أكاديمية أياكس أمستردام الأسطورية وهو في السابعة من عمره فقط، وتدرج هناك حتى قاد الفريق الأول في أكثر من 130 مباراة، محقِّقاً الدوري الهولندي 3 مرات، قبل رحلته نحو بايرن ميونيخ ثم أولد ترافورد.

ويمتاز مزراوي بمرونة تكتيكية فائقة تسمح له بشغل مراكز الظهيرين الأيمن والأيسر بدقة تمرير تتجاوز 85 في المائة تحت الضغط، وسيكون في ملحمة مونتيرّي بمنزلة الصخرة التي تتكسر عليها أطراف الطواحين، مستغلاً معرفته اللصيقة بأسلوب لعب زملائه السابقين في الملاعب المنخفضة لشل حركة الأجنحة البرتقالية تماماً.

سفيان أمرابط... بلدوزر الوسط والقلب النابض الفاهم للكرة الشاملة

خط الوسط المغربي سفيان أمرابط (غيتي)

وفي عمق الميدان، يبرز المحارب سفيان أمرابط، المولود في 21 أغسطس (آب) 1996 بمدينة هويزن الهولندية، الذي تشرَّب أسلوب الضغط العالي والكرة الشاملة منذ بداياته الاحترافية الأولى مع نادي أوتريخت عام 2014 ثم فينورد روتردام العريق الذي تُوِّج معه بكأس هولندا. أمرابط، الذي تحول إلى ركيزة عالمية لا غنى عنها وبطل الملحمة المونديالية السابقة في «قطر 2022» كأفضل لاعب ارتكاز دفاعي، هو امتداد حي لإرث عائلي مونديالي خالد، فهو الشقيق الأصغر للنجم المغربي السابق نور الدين أمرابط، الذي صال وجال بقميص المنتخب المغربي لسنوات.

يمتلك أمرابط الذي ينشط حالياً في الدوري الإسباني مع نادي ريال بيتيس، أكثر من 55 مباراة دولية، ويواجه اختباراً فريداً من نوعه لتفكيك منظومة الوسط الهولندي والحد من خطورة نجوم الطواحين.

مستنداً إلى قوته البدنية الهائلة، يسعى أمرابط لفرض ميزان القوى وحرمان رفاق الأمس من السيطرة على أم المعارك في وسط الملعب.

أنس صلاح الدين... الموهبة البرتقالية السابقة المتمردة في الرواق الأيسر

الظهير الأيسر المغربي أنس صلاح الدين (فيسبوك)

ويكتمل هذا المثلث الاستراتيجي بالظهير الأيسر الواعد أنس صلاح الدين، المولود في 18 يناير (كانون الثاني) 2002 في قلب العاصمة أمستردام، والذي مثَّل سابقاً المنتخبات السنية الصغرى لهولندا وتُوِّج معها بكأس أمم أوروبا للناشئين، قبل أن يختار نداء الوطن الأم. وينشط صلاح الدين حالياً عنصراً رئيسياً صاعداً في صفوف نادي بي إس في آيندهوفن الهولندي بعد فترة إعارة ناجحة من ناديه الأصلي روما الإيطالي أسهم خلالها بقوة في تتويج الفريق بلقب الدوري هذا الموسم رفقة إسماعيل صيباري والهولندي غوس تيل. صلاح الدين، الذي يمتاز بالسرعة الكبيرة والجرأة في الصعود الهجومي، أكد قبل الملحمة تخليه التام عن العواطف، مستهدفاً توظيف خبرته العميقة بأسرار الكرة الهولندية لتأمين الرواق الأيسر للأسود وإبطال مفعول أجنحة الخصم.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


إخوة الأمس... أعداء اليوم: نجوم «أسود الأطلس» و«الطواحين» من غرف ملابس واحدة إلى صدام المكسيك

إخوة الأمس... أعداء اليوم: نجوم «أسود الأطلس» و«الطواحين» من غرف ملابس واحدة إلى صدام المكسيك
TT

إخوة الأمس... أعداء اليوم: نجوم «أسود الأطلس» و«الطواحين» من غرف ملابس واحدة إلى صدام المكسيك

إخوة الأمس... أعداء اليوم: نجوم «أسود الأطلس» و«الطواحين» من غرف ملابس واحدة إلى صدام المكسيك

تتَّجه الأنظار في قمة دور الـ32 لبطولة كأس العالم 2026 بمونتيري المكسيكية إلى صراع فريد من نوعه، حيث تتحوَّل زمالة الملاعب الأوروبية العريقة إلى ندية شرسة فوق المستطيل الأخضر المكسيكي. وتضع هذه المواجهة الإقصائية الحارقة نجماً ضد نجم ممَّن تقاسموا الخطط والأسرار والتتويجات في أنديتهم طوال الموسم، ليصبحوا خصوماً يبحث كل منهم عن تدمير حلم الآخر للعبور نحو ثُمن النهائي المونديالي.

إسماعيل الصيباري... العقل البافاري وصاحب صك العقدة لرفاق آيندهوفن

إسماعيل الصيباري لاعب منتخب المغرب (د.ب.أ)

يتربع النجم المغربي المتألق إسماعيل الصيباري على رأس قائمة هذه المفارقات الكروية، إذ يعيش اللاعب أسابيع استثنائية بعد تسجيله 3 أهداف في دور المجموعات، وفجَّر مفاجأة الميركاتو الكبرى بتوقيعه الرسمي مع العملاق الألماني نادي بايرن ميونيخ في صفقة قياسية بلغت قرابة 55 مليون يورو.

الصيباري، الذي نال جائزة لاعب العام في هولندا بعد أن قاد بي إس في آيندهوفن للتتويج بلقب الدوري، سيجد نفسه كتاباً مفتوحاً أمام زملائه السابقين في الفريق الهولندي، وعلى رأسهم نجم خط الوسط غوس تيل، حيث تفرض هذه المواجهة على الصيباري استخدام عبقريته التكتيكية لتفكيك الخطوط التي شارك في بنائها بالأمس القريب.

نجم خط وسط هولندا غوس تيل (ويكيبيديا)

أنس صلاح الدين... ابن أمستردام المتمرد على أصدقاء الطفولة

يجسِّد الظهير الأيسر المغربي أنس صلاح الدين حالةً خاصةً جداً في هذه الملحمة المونديالية، فاللاعب المولود في قلب العاصمة الهولندية أمستردام، ترعرع كروياً في الملاعب المنخفضة، وتُوِّج بالدوري الهولندي مع آيندهوفن برفقة الصيباري وغوس تيل، قبل أن يعود رسمياً هذا الصيف لناديه الأصلي روما الإيطالي.

صلاح الدين يدخل اللقاء بمشاعر استثنائية مشحونة بالتحدي، حيث صرَّح بوضوح بأنَّه لا مجال للعواطف فوق الميدان، وسيُوظِّف معرفته اللصيقة والدقيقة بنقاط ضعف الأجنحة الهولندية المقربة منه وأصدقاء طفولته لشلِّ حركة الأطراف البرتقالية وتأمين الرواق الأيسر لـ«أسود الأطلس».

نائل العيناوي... صمام أمان روما في معركة ترويض الطائرة البرتقالية

نائل العيناوي لاعب المنتخب المغربي (إ.ب.أ)

في عمق الميدان، يبرز النجم المغربي الواعد نائل العيناوي، العقل المدبر وضابط الإيقاع المتألق في صفوف نادي روما الإيطالي، والذي يُمثِّل ركيزةً لا غنى عنها في خطط المدرب الوطني محمد وهبي.

العيناوي سيتعيَّن عليه خوض مواجهة بدنية وتكتيكية شرسة وجهاً لوجه ضد زميله المباشر في نادي الذئاب الإيطالي، المهاجم الهولندي السريع دونيل مالين.

المهاجم الهولندي دونيل مالين (ويكيبيديا)

هذا الصدام الثنائي المباشر يحوِّل المعركة إلى حوار مألوف وتصفية حسابات تكتيكية يدرك فيها العيناوي أنَّ نجاحه في قراءة تحركات مالين وقطع إمداداته هما المفتاح الأساسي لإبطال مفعول القوة الضاربة للطواحين.