الغلاء يؤجج الإضرابات حول العالم

تمتد من أوروبا إلى آسيا تأثراً بالتضخم

تستعدّ المملكة المتحدة لأكبر إضراب للقطارات منذ أكثر من 30 عاماً (رويترز)
تستعدّ المملكة المتحدة لأكبر إضراب للقطارات منذ أكثر من 30 عاماً (رويترز)
TT

الغلاء يؤجج الإضرابات حول العالم

تستعدّ المملكة المتحدة لأكبر إضراب للقطارات منذ أكثر من 30 عاماً (رويترز)
تستعدّ المملكة المتحدة لأكبر إضراب للقطارات منذ أكثر من 30 عاماً (رويترز)

مع اشتداد الغلاء حول العالم، تتكاثر الإضرابات العمالية المعترضة على الأحوال المعيشية وضعف الأجور، فمن كوريا شرقاً إلى بريطانيا غرباً، واحتمالات التسلل إلى موانئ أميركية لاحقاً، لا تتوقف الدعوات للإعلان عن الامتعاض جراء التضخم الجامح.
وتستعدّ المملكة المتحدة لأكبر إضراب للقطارات منذ أكثر من 30 عاماً بين 21 و25 يونيو (حزيران) الحالي، إذ تطالب نقابات العاملين في القطاع بتحسين الأجور وظروف العمل.
وأعلنت النقابة الوطنية لعمال السكك الحديدية والبحرية والنقل RMT عن تنفيذ إضراب عن العمل لـ24 ساعة في مترو لندن في 21 يونيو، بعد يوم إضراب، الأسبوع الماضي، عوّق بشكل كبير حركة النقل في العاصمة البريطانية، وفي أيام أخرى في مارس (آذار) الماضي.
ومن المحتمل أن تعرقل الحركات الاحتجاجية للنقابات المعنية عدة نشاطات رياضية وثقافية واسعة النطاق، مثل مهرجان الموسيقى في غلاستونبوري. وأكّدت النقابة الوطنية لعمال السكك الحديدية والبحرية والنقل، في بيان، نشر مساء الثلاثاء، أن «أكثر من 50 ألف موظف في السكك الحديدية سيُضربون عن العمل في إطار 3 أيام من الإضراب الوطني في وقت لاحق من الشهر الحالي، في أكبر نزاع في القطاع منذ 1989» حين تمّت خصخصته. ولفتت إلى أن الاحتجاج في 21 و23 و25 يونيو مرتبط بـ«عجز أرباب العمل عن التوصل إلى حلّ وسط، يتم التفاوض عليه مع النقابة». وشددت النقابة على أن الشركة المشغلة لمعظم السكك الحديدية في بريطانيا «نيتوورك ريل» Network Rail تنوي إلغاء 2500 وظيفة على الأقلّ في صيانة السكك، في إطار خطة لتوفير ملياري جنيه إسترليني. وقالت: «فرضت (نيتوورك ريل) وشركات النقل بالسكك الحديدية تجميداً على أجور موظفيها عدة سنوات، وتخطط لإلغاء آلاف الوظائف، ما سيقضي على أمن السكك الحديدية».
وقال الأمين العام للنقابة مايك لينش: «لدينا أزمة في تكاليف المعيشة، ومن غير المقبول أن يخسر عمال السكك الحديدية وظائفهم، أو أن يواجهوا عاماً جديداً من تجميد الأجور» في ظلّ تضخّم متزايد.
وحذّر وزير الصحة البريطاني ساجد جاويد، عبر قناة سكاي نيوز، الأربعاء، من تأثير الإضراب عن العمل على الاقتصاد الذي يحاول التعافي بعد جائحة «كوفيد 19». وقال: «لسنا طبعاً مؤيدين لقرار النقابات. إذا حصلت هذه الإضرابات، فلن يلحق ذلك الضرر بالمسافرين فحسب، بل أيضاً على ما أعتقد بالعاملين، لأننا نحتج إلى قطاع مستدام».
وذكّر بأن قطاع السكك الحديدية تلقى مساعدة من القطاع العام بقيمة 16 مليار جنيه إسترليني خلال جائحة «كوفيد 19» لمواصلة عمله، داعياً جميع الأطراف إلى الحوار لمحاولة «إيجاد مخرج».
وعلى الجانب الآخر من بحر المانش، أو القنال الإنجليزي، أُلغيت نحو 25 في المائة من الرحلات الجوية المقررة صباح الخميس في مطار شارل ديغول في باريس بسبب إضراب لعمّال المطار الذين يطالبون برفع أجورهم، بحسب الشركة التي تدير مطارات باريس.
وطلبت المديرية العامة للطيران المدني من شركات الطيران تخفيف عدد رحلاتها الجوية بين الساعة 7:00 والساعة 14:00 الخميس، فيما واجهت عدة مطارات أوروبية مؤخراً صعوبات كبيرة في إدارة حركة المسافرين بسبب نقص في الموظفين. وأعلنت شركة «إير فرانس»، وهي الشركة الأساسية العاملة في مطار باريس - شارل ديغول، إلغاء 85 رحلة قصيرة المسافة ومتوسطة المسافة، الخميس، لتلبية متطلّبات المديرية العامة للطيران المدني.
كما توقعت الشركة إجراء «تعديلات في جداول رحلات المسافات الطويلة»، لافتة إلى أنه «سيتم الاتصال بالزبائن المعنيين بشكل مباشر». وتدعو جميع نقابات «مطار رواسي» كل الموظفين إلى المطالبة بزيادة الرواتب بمقدار 300 يورو «للجميع ودون قيد أو شرط». وقالت النقابات، في بيان مشترك: «رغم استئناف حركة السفر والأرباح التي تم تحقيقها، لا يتمّ دفع الأجور كما يجب... كل شيء يزيد إلا أجورنا».
واعتبرت إحدى النقابات أن «الفوضى التي يعاني منها الموظفون منذ عدة أسابيع في كثير من المطارات في فرنسا وأوروبا لا تحتمل». وتقدّر النقابة أن عدد الوظائف التي فُقدت في قطاع الطيران بلغت 15 ألف وظيفة خلال عامين بسبب جائحة «كوفيد 19»، ما أدّى إلى «ضغط على الموظفين».
وفيما يخص القارة الأوروبية أيضاً، وفي نهاية شهر مايو (أيار) الماضي، ذكرت وكالة الأنباء البلجيكية أن إضراباً عاماً أصاب مناطق كبيرة بالشلل. وأفادت الوكالة أن وسائل النقل المحلية والدولية تضررت بصورة خاصة. كما تم إلغاء خدمة القطارات بين بروكسل وفرانكفورت.
وكانت نقابة العمال الاشتراكية البلجيكية قد دعت لإضراب عام لتنضم لنقابات أخرى دعت للإضراب في عدة قطاعات عمل. ويأتي الإضراب بعدما قررت عدة نقابات عامة تنظيم إضرابات للإعراب عن عدم رضاها العام تجاه ظروف العمل في القطاع العام البلجيكي.
كما يفاقم الغضب بين العاملين في القطاع العام، بسبب ارتفاع معدل التضخم وتكاليف المعيشة، من الاحتجاجات، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء البلجيكية. كما تطالب النقابات بزيادة الاستثمارات في المعاشات. وتم إلغاء خدمة القطارات والحافلات ومترو الأنفاق في أنحاء البلاد، أو تم تشغيلها بسعة محدودة. كما توقف ما لا يقل عن 75 سفينة في ميناء فلاندر بشمال البلاد بسبب إغلاق الموانئ. كما تضررت خدمات البريد والسجون والإدارة العامة.
وفي أقصى شرق الكرة الأرضية، بدأ آلاف من سائقي الشاحنات في كوريا الجنوبية إضراباً في الموانئ الرئيسية ومستودعات الحاويات، في أحدث تهديد لسلاسل التوريد العالمية المتعثرة.
ونقلت وكالة «بلومبرغ» عن الاتحاد الدولي لعمال النقل أن نقابة سائقي الشاحنات، التي تسعى إلى منع تغيير لوائح الأجور، تنظم احتجاجات في 16 موقعاً على مستوى البلاد.
وأفاد الاتحاد، يوم الأربعاء، بأن حركة النقل إلى ميناء بوسان الجديد وميناء بيونجتايك ومستودع حاويات أويوانغ في مقاطعة جيونجي قد تباطأت أو توقفت.
ويأتي الإضراب بينما تسعى سلاسل التوريد العالمية جاهدة للتعافي من تداعيات عمليات الإغلاق في المدن الصينية والغزو الروسي لأوكرانيا. ووفقاً لوسائل إعلام محلية، فإنه رغم عدم مشاركة جميع السائقين في البلاد في الاحتجاجات، فإن المسيرات تهدد بإبطاء حركة جميع صادرات كوريا الجنوبية، من الصلب إلى البلاستيك حتى السلع الاستهلاكية، إذا استمرت لأسابيع.
ويشار إلى أن بوسان هو سابع أكبر ميناء في العالم؛ حيث شهد التعامل مع 23 مليون صندوق حاويات العام الماضي، وفقاً لوزارة المحيطات والمصائد السمكية الكورية الجنوبية. وأفادت النقابة، في تحديث على موقعها على الإنترنت، يوم الأربعاء، بأن جميع أنشطة النقل بالشاحنات تقريباً في مجمعات البتروكيماويات في أولسان ويوسو ودايسان قد توقفت.
ومطلع الشهر الحالي، شهدت الهند بدورها أزمة كبرى، حين شارك أكثر من 2000 عامل بمصنع فورد للسيارات في بلدة شيناي الهندية في إضراب للمطالبة بتعويضات مالية أفضل، بحسب ما نقلته وكالة «برس تراست أوف إنديا» عن مسؤول نقابي.
وأفاد التقرير بتوقف عمليات الإنتاج بالمصنع عدة أيام. وأشار متحدث باسم «فورد» إلى مناقشات جارية مع ممثلي نقابة عمال الشركة. ونقلت وكالة الأنباء الهندية الآسيوية عن المسؤول النقابي قوله: «يواصل العمال إضرابهم داخل وخارج المصنع. هناك نحو 750 عاملاً داخل المصنع الآن، ونحو 1200 عامل خارج بواباته». وأوضح أن مسؤولاً من وزارة العمل حضر للمصنع حيث جرت مباحثات ثلاثية. وأضاف المسؤول أنه رغم أنه كان من المتوقع أن تقدم إدارة شركة «فورد إنديا» حزمة تعويضات أفضل، فلم يحدث ذلك. ولدى «فورد إنديا» 4 مصانع في البلاد، وهي مصانع لإنتاج السيارات والمحركات في شيناي وساناند.


مقالات ذات صلة

الذهب والفضة... من القمم التاريخية إلى الانهيار

الاقتصاد صائغ يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)

الذهب والفضة... من القمم التاريخية إلى الانهيار

مطلع العام الحالي، شهدت الأسواق العالمية فصلاً جديداً من فصول التذبذب العنيف، حيث قفز الذهب والفضة إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعارات لعدد من شركات التكنولوجيا (أ.ب)

ذكاء اصطناعي أم استنزاف مالي؟ المستثمرون يحاكمون عمالقة التكنولوجيا

هذا الأسبوع، وجّه المستثمرون رسالة صارمة لعمالقة التكنولوجيا: لم يعد الإنفاق الملياري وحده كافياً، بل يجب أن يقترن بنمو حقيقي وملموس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد منشآت مصفاة تابعة لشركة النفط الفنزويلية الحكومية (رويترز)

برنت يخترق حاجز 70 دولاراً للبرميل للمرة الأولى منذ سبتمبر

بلغت العقود الآجلة لخام برنت 70 دولاراً للبرميل لأول مرة منذ سبتمبر الماضي، بعد تحذير واشنطن لإيران بضرورة إبرام اتفاق نووي أو مواجهة ضربات عسكرية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد محطة طاقة عائمة في خليج هافانا (رويترز)

النفط يرتفع 1.5% بفعل تزايد مخاوف الهجوم الإيراني

ارتفعت أسعار النفط أكثر من 1.5 في المائة في تعاملات آسيا، مما مدّد مكاسب لليوم الثالث يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد زبائن يتأملون مجوهرات الذهب في متجر للذهب بمدينة هانغتشو، شرق الصين (أ.ف.ب)

الذهب يقترب من 5600 دولار... والفضة تستهدف 120 دولاراً

مدّد الذهب ارتفاعه الحاد يوم الخميس ليسجل رقماً قياسياً خجولاً من 5600 دولار للأونصة في وقت يسعى المستثمرون إلى تحقيق الأمان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذهب والفضة... من القمم التاريخية إلى الانهيار

صائغ يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
صائغ يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
TT

الذهب والفضة... من القمم التاريخية إلى الانهيار

صائغ يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
صائغ يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)

مطلع العام الحالي، شهدت الأسواق العالمية فصلاً جديداً من فصول التذبذب العنيف، حيث قفز الذهب والفضة إلى مستويات قياسية غير مسبوقة في تاريخ البشرية، قبل أن يصطدما بجدار «الواقع السياسي» الجديد في واشنطن. وبينما تجاوز الذهب حاجز الـ 5500 دولار للأوقية، حققت الفضة قفزات مذهلة فاقت أداء الذهب، ليعيش المستثمرون أسبوعاً من الجنون السعري انتهى بـ«جمعة دامية» أعادت ترتيب أوراق الملاذات الآمنة.

لماذا هرب العالم نحو الذهب؟

لم يكن الارتفاع القياسي للذهب والفضة بمحض الصدفة، بل كان نتيجة تضافر ثلاثة عوامل استراتيجية:

1- ضبابية «ترمب» والحروب التجارية:

أدت تهديدات الرئيس دونالد ترمب بفرض تعريفات جمركية جديدة على دول أوروبية وكندا والصين إلى زعزعة الثقة في النظام التجاري العالمي. وقد ساهمت التوترات حول غرينلاند والتهديدات التجارية ضد ثماني دول أوروبية في دفع المستثمرين للفرار من الدولار نحو الذهب بوصف أنه درع واقٍ من تقلبات السياسة الخارجية الأميركية.

مجوهرات ذهبية معروضة على منصة في معرض فالينزا الدولي للمجوهرات في فالينزا - شمال إيطاليا (رويترز)

2- المخاطر الجيوسياسية المشتعلة:

استمرار الحروب في أوكرانيا وغزة، بالإضافة إلى أحداث درامية، مثل احتجاز الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، خلق مناخاً من عدم اليقين السياسي المطلق. وفي هذا «العالم الفوضوي»، فعل الذهب ما يفعله دائماً؛ حيث قفز على أنه ملاذ آمن وحيد عندما يشعر العالم بالخطر.

3- حمى شراء البنوك المركزية والمستثمرين الجدد:

اتجهت البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الصين، نحو زيادة احتياطياتها من الذهب لتقليل الاعتماد على الدولار (De-dollarization)، خوفاً من تجميد الأصول، كما حدث مع روسيا. ولم يقتصر الأمر على المؤسسات، بل دخل لاعبون جدد مثل شركة «تيثير» للعملات الرقمية، التي اشترت كميات هائلة من الذهب جعلت احتياطاتها تفوق احتياطات دول بأكملها.

لماذا سرقت «الفضة» الأضواء؟

بينما ارتفع الذهب بنسبة 30 في المائة، حققت الفضة طفرة مذهلة بنسبة 60 في المائة في شهر واحد، لتصل إلى 120 دولاراً للأوقية. ويرجع ذلك إلى «الشخصية المزدوجة» للفضة؛ فهي ملاذ آمن، ولكنها أيضاً مادة صناعية حيوية للذكاء الاصطناعي، والألواح الشمسية (التي تستهلك 30 في المائة من الطلب العالمي)، والسيارات الكهربائية. وبسبب العجز في الإمدادات لخمس سنوات متتالية، أصبحت الفضة هدفاً للمضاربات العنيفة من قبل صغار المستثمرين عبر تطبيقات التداول مثل «CommSec».

صائغ يثبّت فصاً داخل تاج فضي في ورشة لصناعة المجوهرات في مومباي بالهند (رويترز)

كيفن وورش... السبب الوحيد وراء الانهيار

بينما كان الذهب يحلق فوق الـ5500 دولار، جاءت الأنباء من واشنطن لتقلب الطاولة. فبمجرد ظهور تقارير تشير إلى ترشيح كيفن وورش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، تراجعت الأسعار بشكل حاد.

لماذا؟ لأن الأسواق كانت تخشى تعيين شخص «ينصاع» لضغوط ترمب لخفض الفائدة بشكل مفرط، مما يسبب تضخماً هائلاً. لكن وورش يُنظر إليه على أنه خيار «آمن ونظامي» مقارنة بمرشحين آخرين، مما أعاد الثقة جزئياً في استقرار الدولار، والسياسة النقدية، فباع المستثمرون «الخبر» وجنوا أرباحهم، ليهبط الذهب إلى مستويات دون 5 آلاف دولار، والفضة إلى ما دون الـ75 دولاراً في جلسة واحدة.

عُرض ملصقٌ يُصوّر سبائك ذهبية استثمارية على واجهة أحد تجار الذهب في مدريد (أ.ف.ب)

رغم التراجع الأخير، لا تزال المعادن الثمينة أعلى بكثير من مستوياتها في العام الماضي. ويحذر الأكاديميون والمحللون المستثمرين الأفراد من «مطاردة الزخم»؛ فالذهب والفضة أصول لا تدر عائداً، أو توزيعات أرباح، وقيمتها تعتمد فقط على إعادة البيع بسعر أعلى. ويوصي الخبراء بألا تتجاوز نسبة المعادن الثمينة في المحفظة الاستثمارية ما بين 5 إلى 15 في المائة فقط، لضمان التنويع في عالم يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.


«انقلاب أبيض» في «الفيدرالي»... كيفن وورش يقود «ثورة» ترمب النقدية

وورش يتحدث في مؤتمر في نيويورك عام 2017 (رويترز)
وورش يتحدث في مؤتمر في نيويورك عام 2017 (رويترز)
TT

«انقلاب أبيض» في «الفيدرالي»... كيفن وورش يقود «ثورة» ترمب النقدية

وورش يتحدث في مؤتمر في نيويورك عام 2017 (رويترز)
وورش يتحدث في مؤتمر في نيويورك عام 2017 (رويترز)

في خطوة وُصفت بأنها «إعادة ضبط» شاملة لمنظومة المال الأميركية، أعلن الرئيس دونالد ترمب ترشيح كيفن وورش لتولي رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلفاً لجيروم باول الذي تنتهي ولايته في مايو (أيار) المقبل. هذا الاختيار لا يمثل مجرد تغيير في الأسماء، بل يؤشر على «انقلاب أبيض» في العقيدة الاقتصادية لـ«المركزي الأميركي»؛ حيث يأتي وورش، المعروف بانتقاداته اللاذعة للنهج الحالي، ليكون المهندس الجديد لسياسة نقدية تتماشى مع رؤية «ترمب 2.0» القائمة على النمو المتسارع وتخفيض تكاليف الاقتراض.

من «صقر» التضخم إلى «حمامة» الفائدة

يُعد كيفن وورش (55 عاماً) وجهاً مألوفاً في أروقة الاحتياطي الفيدرالي ومراقبي الأسواق، لكن مسيرته شهدت تحولاً لافتاً. فبينما عُرف كـ«صقر» ينادي برفع الفائدة خلال فترة عضويته في مجلس المحافظين (2006-2011)، أصبح في السنوات الأخيرة من أشد الداعمين لخفض تكاليف الاقتراض. هذا التحول يضعه في تناغم تام مع ضغوط ترمب المستمرة لخفض الفائدة لتحفيز الاقتصاد، وهو ما فشل باول في تحقيقه بالشكل الذي يرضي البيت الأبيض.

واجهة مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

الذكاء الاصطناعي كمحرك للنمو

يرتكز موقف وورش المؤيد لخفض الفائدة على رؤية اقتصادية حديثة؛ فهو يجادل بأن الولايات المتحدة تشهد طفرة إنتاجية ناتجة عن ثورة «الذكاء الاصطناعي» وابتكارات وادي السيليكون. ويرى وورش أن هذه الثورة تسمح للاقتصاد الأميركي بالنمو بوتيرة أسرع من الاقتصادات المتقدمة الأخرى دون التسبب في اشتعال التضخم، وهو ما يسمح لصناع السياسة بخفض الفائدة لدعم الأسر والشركات الصغيرة والمتوسطة، بدلاً من التمسك بنماذج اقتصادية «بالية» تعزو التضخم لزيادة إنفاق المستهلكين أو ارتفاع الأجور.

ثورة الميزانية العمومية

أحد أكثر جوانب رؤية وورش راديكالية هو موقفه من الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي والبالغة 6.6 تريليون دولار. يصف وورش هذه الميزانية بـ«المتضخمة» التي صُممت لدعم الشركات الكبرى في حقبة أزمات مضت. ويطالب بتقليصها بشكل كبير، معتبراً أن هذه الأموال يجب أن «تُعاد تعبئتها» في صورة أسعار فائدة منخفضة تدعم المواطن البسيط.

كما يدعو إلى «اتفاقية جديدة» بين وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي على غرار اتفاقية عام 1951، وذلك لضمان عدم عمل البنك في اتجاهات تعاكس سياسات الخزانة، وهو ما يراه البعض تهديداً لاستقلالية البنك التاريخية. إذ يدعو وورش إلى نسخة عصرية من اتفاقية عام 1951 التاريخية؛ حيث تهدف إلى إيجاد آلية تنسيق رسمية ومباشرة بين وزارة الخزانة والبنك الفيدرالي بشأن حجم الميزانية العمومية وكيفية إدارة الديون السيادية الضخمة للولايات المتحدة.

هجوم على النماذج التقليدية

يتبنى وورش نهجاً نقدياً يضع اللوم في التضخم على الإنفاق الحكومي المفرط وطباعة النقد، وليس على المستهلك الأميركي. وفي تصريحاته، دعا صراحة إلى «تغيير النظام» داخل الاحتياطي الفيدرالي، مهاجماً النماذج الماكرو-اقتصادية التي يستخدمها البنك حالياً. ويقول بوضوح: «البنك المركزي يعتقد أن التضخم سببه ارتفاع الأجور وإنفاق المستهلكين، وأنا أختلف جذرياً؛ التضخم ينشأ عندما تنفق الحكومة الكثير وتطبع الكثير».

رئيس الاحتياطي الفيدرالي الحالي في مؤتمر صحافي (رويترز)

عقبات سياسية وتحقيقات قضائية

رغم أن الجمهوريين يتمتعون بأغلبية في مجلس الشيوخ (53-47)، فإن طريق وورش قد لا يكون مفروشاً بالورود. يواجه الترشيح تعقيدات قانونية مرتبطة بتحقيق وزارة العدل حول شهادة جيروم باول بشأن ترميم مقر الفيدرالي، وهو ما دفع بعض السيناتورات، مثل توم تيليس، للتلويح بمعارضة أي ترشيح للفيدرالي حتى يُحسم التحقيق. كما تلاحق وورش انتقادات من زملائه السابقين الذين يرون في هجومه اللاذع على البنك «تحولاً عن الاستقلالية» لإرضاء طموحاته السياسية.

أصغر محافظ في تاريخ البنك

وصف ترمب وورش بأنه شخصية من «وسط الممثلين» (Central Casting) لوسامته وحضوره. بدأ وورش مسيرته في البيت الأبيض في عهد بوش، قبل أن يصبح في سن الـ35 أصغر عضو في مجلس محافظي الفيدرالي. لعب دوراً محورياً كهمزة وصل بين «وول ستريت» والبنك المركزي خلال أزمة 2008، مما جعله «الرجل الذي لا غنى عنه» في تلك الحقبة. واليوم، وهو في الخامسة والخمسين، يجد نفسه أمام فرصة العمر لتنفيذ رؤيته التي صقلها على مدار عقود كمراقب ومنتقد من الخارج.

وورش يتحدث إلى وسائل الإعلام عن تقريره حول الشفافية في بنك إنجلترا عام 2014 (أ.ب)

تأهب في الأسواق العالمية

تستعد الأسواق المالية العالمية لافتتاح أسبوعي يوصف بـ«المضطرب»، حيث ترك هذا القرار المستثمرين في حالة من التحليل المكثف:

- العقود الآجلة والدولار: من المتوقع أن ترحب الأسواق بوورش كونه صوتاً ينادي بخفض الفائدة، إلا أن الدولار قد يواجه ضغوطاً نزولية نتيجة توجهاته التيسيرية وتناغمه مع رغبة ترمب في دولار «غير مبالغ في قوته».

- سوق السندات: تسود حالة قلق لدى «صقور السندات» من أن تؤدي «الاتفاقية المقترحة بين وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي إلى فقدان البنك المركزي استقلاليته، مما قد يرفع «علاوة المخاطر» ويؤدي لتذبذب في العوائد. ويرى هؤلاء أن «التنسيق» هو مجرد اسم مغلف لـ«التبعية»؛ أي أن الحكومة قد تملي على البنك المركزي إبقاء الفائدة منخفضة فقط لتتمكن من تمويل عجزها المالي الضخم بتكلفة رخيصة. كما يعتبرون أنه إذا فقد الاحتياطي الفيدرالي قدرته على اتخاذ قرارات «مؤلمة» (مثل رفع الفائدة) بسبب التزامه باتفاقية مع الخزانة، فإن التضخم قد يخرج عن السيطرة، مما يؤدي إلى انهيار قيمة السندات طويلة الأجل. ويخشى المستثمرون أن تصبح ميزانية الاحتياطي الفيدرالي أداة لتمويل الأجندات السياسية بدلاً من الحفاظ على استقرار الأسعار.

- الأصول الرقمية: يأتي الترشيح والبتكوين ينزف بنسبة 7 في المائة (82800 دولار). وبينما يرفع خفض الفائدة من شهية المخاطرة، يراقب المستثمرون ما إذا كان عهد وورش سينهي ظاهرة «بيع الخبر» التي طالما أحبطت مستثمري العملات المشفرة في 2025.

- الذهب والتقنية: يترقب الذهب «تغيير النظام» كملاذ آمن، بينما تعد رؤية وورش حول «ثورة الإنتاجية» بمثابة «موسيقى» لآذان شركات وادي السيليكون التي قد تشهد انتعاشاً في تقييماتها.

متداولان في بورصة نيويورك (رويترز)

يمثل ترشيح كيفن وورش نهاية حقبة «الاستمرارية» التي بدأت منذ عصر آلان غرينسبان. فإذا تم تثبيته، فإن العالم أمام بنك مركزي جديد تماماً؛ بنك يتحالف مع الخزانة، ويتبنى التكنولوجيا، ويضرب بالنماذج التقليدية عرض الحائط، ليحقق حلم ترمب في اقتصاد «فائق السرعة» ومنخفض التكلفة.


نائبة رئيس «الفيدرالي»: تثبيت الفائدة مؤقت وهدفي خفضها 3 مرات هذا العام

بومان خلال مشاركتها في مؤتمر «المراجعة المتكاملة لإطار رأس المال للبنوك الكبيرة» (أرشيفية - رويترز)
بومان خلال مشاركتها في مؤتمر «المراجعة المتكاملة لإطار رأس المال للبنوك الكبيرة» (أرشيفية - رويترز)
TT

نائبة رئيس «الفيدرالي»: تثبيت الفائدة مؤقت وهدفي خفضها 3 مرات هذا العام

بومان خلال مشاركتها في مؤتمر «المراجعة المتكاملة لإطار رأس المال للبنوك الكبيرة» (أرشيفية - رويترز)
بومان خلال مشاركتها في مؤتمر «المراجعة المتكاملة لإطار رأس المال للبنوك الكبيرة» (أرشيفية - رويترز)

قالت نائبة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي للإشراف المصرفي، ميشيل بومان، يوم الجمعة، إنها لا تزال ترى ضرورة لخفض أسعار الفائدة، موضحة أن تصويتها لصالح تثبيت السياسة النقدية في اجتماع هذا الأسبوع، كان يهدف فقط لجمع مزيد من البيانات قبل المضي قدماً في التخفيض التالي لتكاليف الاقتراض.

وأشارت بومان إلى أنها تتوقع الحاجة لخفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية لثلاث مرات خلال هذا العام. وأكدت أن القرار الذي أعقب اجتماع السياسة النقدية الذي استمر يومين وانتهى يوم الأربعاء، كان يتعلق فقط بـ«توقيت التحرك المقبل»، وليس بالتوجه العام للسياسة.

المفاضلة بين الوتيرة والوقت

بعد تقليص أسعار الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس خلال الاجتماعات الثلاثة الأخيرة من عام 2025، قالت بومان في فعالية مصرفية في هاواي: «السؤال في هذا الاجتماع كان حول الجدول الزمني للتنفيذ... والمفاضلة بين الاستمرار في إزالة القيود النقدية للوصول إلى السعر المحايد بحلول اجتماع أبريل (نيسان)، أو التحرك نحو هذا السعر بوتيرة أكثر توازناً طوال العام الحالي».

سوق العمل والبيانات المفقودة

من المقرر عقد اجتماع «الفيدرالي» المقبل في 17 - 18 مارس (آذار). وأوضحت بومان أن تحليلها للمخاطر الاقتصادية لم يتغير؛ حيث ترى أن التضخم يتجه نحو مستهدف 2 في المائة، بينما لا تزال سوق العمل «هشة»، وهو ما يستدعي سياسة نقدية أكثر تيسيراً.

ومع ذلك، وافقت بومان على أن سوق العمل أظهرت بعض علامات الاستقرار. ونظراً لوجود «فجوات في البيانات» ناتجة عن الإغلاق الحكومي الأميركي في الخريف الماضي، رأت أنه من الأنسب الانتظار حتى الاجتماع المقبل للنظر في خفض الفائدة من نطاقها الحالي البالغ 3.50 في المائة - 3.75 في المائة.

الحفاظ على «الذخيرة» لفترة قصيرة

وقالت بومان: «يمكننا تحمل الانتظار لبعض الوقت والاحتفاظ بـ(ذخيرة السياسة جافة) لتقييم كيفية تأثير خفض القيود النقدية السابق على الظروف المالية العامة وتقوية سوق العمل». لكنها شددت في الوقت ذاته على أن أي توقف مؤقت لخفض الفائدة يجب أن يكون «وجيزاً»، محذرة من إعطاء انطباع بأن «الفيدرالي» يعتزم الإبقاء على السياسة الحالية لفترة ممتدة.

يُذكر أن «الفيدرالي» صوت بـ10 أصوات مقابل صوتين لتثبيت الفائدة يوم الأربعاء الماضي، في حين عارض كل من كريستوفر والر وستيفن ميران القرار لصالح خفض الفائدة.