تشرشل... سيرة جديدة تناقض كتب التاريخ والصحافة الشعبية

طارق علي يكتب سردية صادمة عن بطل بريطانيا القومي

ونستون تشرشل
ونستون تشرشل
TT

تشرشل... سيرة جديدة تناقض كتب التاريخ والصحافة الشعبية

ونستون تشرشل
ونستون تشرشل

بإضافة كلمة «جرائمه» إلى عنوان أحدث سيرة صدرت عن السير ونستون تشرشل، يَعِدُ طارق علي، المفكر اليساري البريطاني من أصل باكستاني، القارئ بـ«سرديّة تخالف تلك السائدة في كتب التاريخ المدرسي والصحافة الشعبيّة البريطانيّة» التي لطالما قدمت رئيس وزراء بريطانيا خلال الحرب العالميّة الثانية كأفضل زعيم بريطاني على الإطلاق، وتوّجته بطلاً قومياً لها. والواقع أن تلك مهمّة صعبة تولاها علي، ليس لقلّة المواد أو غياب الوثائق، فهذه، في الحالة التشرشليّة تحديداً، متوفرة بكثافة، وهناك أرشيف ضخم عن دور الرجل وحياته المهنيّة ومساهماته تحتفظ به الدّولة البريطانيّة بأشكال متعددة، كما وثائق مجتمعات كثيرة من الهند إلى مصر إلى كينيا تعاطى معها في إطار المهمات السياسيّة المتعاقبة التي تولاها ضمن هيكليّة النظام البريطانيّ.
لكن الصعوبة متأتية من أمرين أولهما تعمّق سرديّة تشرشل كبطل قومي في المخيال الشعبي البريطانيّ، وتبني المؤسسة لها، وتماهي كثير من السياسيين البريطانيين معها –لا سيّما في حزب المحافظين الحاكم وحزب تشرشل تاريخياً– بمن فيهم رئيس الوزراء الحالي، بوريس جونسون، الذي وضع كتاباً تمجيدياً عنه، ويعده ملهمه وشيخه الأكبر. وثمّة بالإنجليزية، يقول عليّ، أكثر من 1600 كتاب أُلفت في مراحل مختلفة ومن زوايا نظر متفاوتة عن تشرشل تتوفر للعموم للاختيار منها، لكن لا يكاد أي منها يخرج عن الخطوط العريضة للسرديّة الرسميّة، اللهمّ ربّما في تفاصيل فنيّة لا تفسد للصورة السائدة قضيّة.
أما مصدر الصعوبة الآخر فلا شكّ هو بعد الشقّة زمنياً، إذ إن رئيس الوزراء العتيد رحل عن عالمنا منذ عقود، ومضت مرحلة الحرب العالمية الثانية التي تُوِّج نجماً لها بشكل كبير من حيّز الذاكرة الحيّة في أذهان من عاشوا تلك المرحلة إلى فضاء التاريخ البارد المحض بعدما فارق أغلبهم الحياة أو كادوا، فيما تبدو الأجيال الجديدة وقد فقدت بشكل عام الاهتمام بها، حتى إن استطلاعاً حديثاً للرأي يقول إن واحداً من كل خمسة مراهقين بريطانيين يعتقد جازماً بكون وينستون تشرشل شخصيّة خيالية من فضاء الروايات الأدبيّة أو مجلات الكوميكس.
في «وينستون تشرشل... أوقاته وجرائمه»، وفق علي، لن تجد إجزال الثناء المعهود على «رجل الدّولة»، أو التهويلات من نوعيّة «أفضل بريطاني في التاريخ»، ولا المزاعم بشأن «عبقريّة القيادة في الخطاب الشهير عن القتال على الشواطئ»، ولا حتى ما يشير إلى ذلك «القائد العنيد الذي أنقذ بريطانيا والعالم من النازية والفاشيست»، وبدلاً من ذلك، تجد قصة سياسي يميني متعصّب عرقيّاً، متطرف في المنافحة عن الاستعمار حد ارتكاب جرائم حرب، متحمّس لشن الحروب وإرسال الجنود إلى حتفهم بعكس نصائح كل رجاله، وأنموذج عريق في ممارسة القمع السياسي محلياً كما في مستعمرات الإمبراطوريّة التي كانت ذات يوم لا تغيب عنها الشمس –شمس للقهر لا للنّور.
وإذا كان أمر المختص بشؤون التاريخ سهلاً لناحية الأخذ بأيٍّ من هاتين الصورتين المتناقضتين بالكليّة، فإن التساؤل الذي لا شكّ يتبادر لذهن القارئ العادي بدايةً من تعبير «جرائمه» في عنوان الكتاب إلى خاتمته هو «أين الحقيقة إذن؟»، أيدع المرء 1600 كتاب من الإشادة بالرجل إلى كتاب واحد من الهجاء (السياسي)، لا سيّما وإن علمنا أن كاتب السيرة البديلة هذه ينتمي إلى تيار فكري يتناقض بالضرورة مع توجهات اليمين -وبالتبعيّة أبطاله المُطوّبين؟ لعله من الأهميّة بمكان هنا الارتكان إلى الإطار الكلي للأحداث التي شكلت المعالم الرئيس للتشرشليّة، ومن ثم السعي الصبور لتأسيس معالم سيرة الرجل من خلال رسم مواقفه الموثقة في خضم تلك الأحداث كأنها نقاط مرجعيّة على ورقة بيضاء خالية، ليقرر القارئ بنفسه، مع تقدّم النصّ وتعدد النقاط المثبتة، صورة تشرشل التي شرعت بالتشكل أمامه.

لقد كان تشرشل حتماً، بحكم الولادة والنشأة، ودون اختيار منه، ابناً طبيعياً للإمبراطوريّة البريطانيّة بنخبويتها المفرطة، وعنصريتها الممنهجة، وجرأتها على شن الحروب على الأمم الأضعف. فقد وُلد في قصر منيف سليلاً لعائلة أرستقراطية -ابن عم دوق مارلبورو السياسي البريطاني المعروف- ولذلك فإن تشكل وعيه السياسي كان محكوماً بتوجهات طبقته اليمينيّة وأشواقها، ولم يكن سجلّه الأكاديمي الضعيف في مدرسة هارو ليقف عائقاً أمام تطوّر حياته المهنيّة كصحافي وتالياً كسياسي ورجل دولة، مأخوذاً دائماً بالصراع والحرب وهالة مجد بريطانيا العظمى. فعندما بلغ سن الرشد، كانت بريطانيا في ذروة الصراع الإمبريالي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولم يكن لمن هم مثله نقص في الفرص، فانخرط في حرب السودان (1898) وحرب البوير بجنوب أفريقيا في مطلع القرن العشرين. وعند قامت الحرب العالميّة الأولى (1914) كان واحداً من أقوى السياسيين في مجلس الوزراء، ومسؤولاً عن أكبر بحرية في العالم.
وتُظهر السّجلات من تلك الفترة دوراً أساسياً له في الدّفع نحو الحرب، سواء في النقاشات داخل الحكومة، أو إجراءات أحاديّة اتخذها لوضع البحرية البريطانيّة في حال التأهب قبل أسبوع كامل من غزو بلجيكا، ومن ثمّ إعلان الحرب على ألمانيا التي كلّفت بلاده والعالم ملايين الأرواح. على أن اندفاع تشرشل للعدوان والصراعات الحربيّة لم يكن نتاج عبقريّة عسكريّة بأي شكل، إذ لا يمكن تجاهل قراره الأحمق محاولة الاستيلاء على البحر الأسود رغم كل نصائح قادة الجيش بعكس ذلك، وهي معركة ذهبت في التاريخ كإحدى أهم الهزائم التي تعرضت لها الأمّة البريطانية وراح ضحيتها بلا طائل 45 ألف جندي بمن فيهم أُستراليون ونيوزلنديون وهنود، وأُجبر على أثرها على ترك منصبه في الأميراليّة.
سجلّ تشرشل الذي يورده علي لا يقتصر على تلك الهزيمة المجلجلة على شاطئ الدردنيل، بل يمتد في سياق مشين من خلال دوره كوزير حرب خلال قمع حرب الاستقلال الآيرلنديّة وتقسيم آيرلندا المستمر إلى الآن، كما القرار باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد أكراد العراق بعد الحرب العالمية الأولى، وإذكاء الحرب الأهلية في روسيا بعد الثورة البلشفيّة عام 1917 والحرب ضد الشيوعيين اليونانيين عام 1945، والانقلاب ضد حكومة مصدق في إيران عام 1953، وفظائع اضطهاد الكينيين خلال حرب الاستقلال هناك في الخمسينات، ناهيك بمسؤوليته المباشرة عن الإجراءات التي أدت إلى حدوث مجاعة البنغال التي قضى فيها عدة ملايين من البشر جوعاً دون داعٍ.
وحتى فيما يتعلّق بدوره كبطل للحرب العالميّة الثانية، فإن علي يورد حقائق تشير إلى أن المحافظين واليمين البريطاني بعمومه كان يميل إلى تجنّب الحرب وغير جاد في التحضير لها ومستعداً بشكل أو آخر لقبول توازن مع ألمانيا الصاعدة، وأن تشرشل الذي كان قد تولى رئاسة الوزراء بعد تشمبرلين كان وراء توريط بريطانيا في الحرب، ولذهول المراقبين وقتها بدعم من مقاعد حزب العمال المعارض ولذلك حكم بالائتلاف معهم، وأرسل ملايين البريطانيين ليقتلوا ويُقتلوا، وساهم بذلك في دمار أوروبا، وتهاوي مكانة بلاده لمصلحة صعود القطبين الأميركي والسوفياتي.
وحسب علي دائماً، فإن تاريخ تشرشل محلياً لم يكن بحال أفضل من سجله الدموي عالميّاً. لقد أمر بإطلاق النار على العمال المضربين في تونيباندي (1910) وقمع الإضراب العمالي الأكبر في تاريخ بريطانيا (1926) بمحض القوة، وكان شخصياً وراء حادثة شارع سيدني التي أدت إلى مقتل اثنين من اليهود الأناركيين حرقاً. وهو يورد كل هذه السيرة ترافقاً مع رسمه للتحيزات الطبقيّة والعنصريّة لتشرشل، بما فيها مقته العميق للعمال وعنصريته المعلنة ضد شعوب المستعمرات، وضد اليهود أيضاً.
أهميّة كتاب علي في تفكيكه سيرة تشرشل لا تتعلق أساساً بتأريخ الأحداث التي كان الرجل جزءاً منها رغم الجهد الملحوظ في تسجيل بعض محطاتها، وإنما في كشفه عن خطورة أن يصمّ مجتمع متقدّم مثل بريطانيا -تعد دولته من الأكثر ثراءً في العالم وأوسعها تأثيراً ثقافياً- أذنيه عن الحقائق بشأن أحد أهم سياسييها في التاريخ، فيُشيّد حوله جداراً من وهمٍ بعلو 1600 كتاب أدمن عليه، منتظراً ابن مهاجر باكستاني كي يكتب له حكايته النقيضة.

* Tariq Ali, «Winston Churchill: His Times, His Crimes”, Verso, 2022



الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».