تشرشل... سيرة جديدة تناقض كتب التاريخ والصحافة الشعبية

طارق علي يكتب سردية صادمة عن بطل بريطانيا القومي

ونستون تشرشل
ونستون تشرشل
TT

تشرشل... سيرة جديدة تناقض كتب التاريخ والصحافة الشعبية

ونستون تشرشل
ونستون تشرشل

بإضافة كلمة «جرائمه» إلى عنوان أحدث سيرة صدرت عن السير ونستون تشرشل، يَعِدُ طارق علي، المفكر اليساري البريطاني من أصل باكستاني، القارئ بـ«سرديّة تخالف تلك السائدة في كتب التاريخ المدرسي والصحافة الشعبيّة البريطانيّة» التي لطالما قدمت رئيس وزراء بريطانيا خلال الحرب العالميّة الثانية كأفضل زعيم بريطاني على الإطلاق، وتوّجته بطلاً قومياً لها. والواقع أن تلك مهمّة صعبة تولاها علي، ليس لقلّة المواد أو غياب الوثائق، فهذه، في الحالة التشرشليّة تحديداً، متوفرة بكثافة، وهناك أرشيف ضخم عن دور الرجل وحياته المهنيّة ومساهماته تحتفظ به الدّولة البريطانيّة بأشكال متعددة، كما وثائق مجتمعات كثيرة من الهند إلى مصر إلى كينيا تعاطى معها في إطار المهمات السياسيّة المتعاقبة التي تولاها ضمن هيكليّة النظام البريطانيّ.
لكن الصعوبة متأتية من أمرين أولهما تعمّق سرديّة تشرشل كبطل قومي في المخيال الشعبي البريطانيّ، وتبني المؤسسة لها، وتماهي كثير من السياسيين البريطانيين معها –لا سيّما في حزب المحافظين الحاكم وحزب تشرشل تاريخياً– بمن فيهم رئيس الوزراء الحالي، بوريس جونسون، الذي وضع كتاباً تمجيدياً عنه، ويعده ملهمه وشيخه الأكبر. وثمّة بالإنجليزية، يقول عليّ، أكثر من 1600 كتاب أُلفت في مراحل مختلفة ومن زوايا نظر متفاوتة عن تشرشل تتوفر للعموم للاختيار منها، لكن لا يكاد أي منها يخرج عن الخطوط العريضة للسرديّة الرسميّة، اللهمّ ربّما في تفاصيل فنيّة لا تفسد للصورة السائدة قضيّة.
أما مصدر الصعوبة الآخر فلا شكّ هو بعد الشقّة زمنياً، إذ إن رئيس الوزراء العتيد رحل عن عالمنا منذ عقود، ومضت مرحلة الحرب العالمية الثانية التي تُوِّج نجماً لها بشكل كبير من حيّز الذاكرة الحيّة في أذهان من عاشوا تلك المرحلة إلى فضاء التاريخ البارد المحض بعدما فارق أغلبهم الحياة أو كادوا، فيما تبدو الأجيال الجديدة وقد فقدت بشكل عام الاهتمام بها، حتى إن استطلاعاً حديثاً للرأي يقول إن واحداً من كل خمسة مراهقين بريطانيين يعتقد جازماً بكون وينستون تشرشل شخصيّة خيالية من فضاء الروايات الأدبيّة أو مجلات الكوميكس.
في «وينستون تشرشل... أوقاته وجرائمه»، وفق علي، لن تجد إجزال الثناء المعهود على «رجل الدّولة»، أو التهويلات من نوعيّة «أفضل بريطاني في التاريخ»، ولا المزاعم بشأن «عبقريّة القيادة في الخطاب الشهير عن القتال على الشواطئ»، ولا حتى ما يشير إلى ذلك «القائد العنيد الذي أنقذ بريطانيا والعالم من النازية والفاشيست»، وبدلاً من ذلك، تجد قصة سياسي يميني متعصّب عرقيّاً، متطرف في المنافحة عن الاستعمار حد ارتكاب جرائم حرب، متحمّس لشن الحروب وإرسال الجنود إلى حتفهم بعكس نصائح كل رجاله، وأنموذج عريق في ممارسة القمع السياسي محلياً كما في مستعمرات الإمبراطوريّة التي كانت ذات يوم لا تغيب عنها الشمس –شمس للقهر لا للنّور.
وإذا كان أمر المختص بشؤون التاريخ سهلاً لناحية الأخذ بأيٍّ من هاتين الصورتين المتناقضتين بالكليّة، فإن التساؤل الذي لا شكّ يتبادر لذهن القارئ العادي بدايةً من تعبير «جرائمه» في عنوان الكتاب إلى خاتمته هو «أين الحقيقة إذن؟»، أيدع المرء 1600 كتاب من الإشادة بالرجل إلى كتاب واحد من الهجاء (السياسي)، لا سيّما وإن علمنا أن كاتب السيرة البديلة هذه ينتمي إلى تيار فكري يتناقض بالضرورة مع توجهات اليمين -وبالتبعيّة أبطاله المُطوّبين؟ لعله من الأهميّة بمكان هنا الارتكان إلى الإطار الكلي للأحداث التي شكلت المعالم الرئيس للتشرشليّة، ومن ثم السعي الصبور لتأسيس معالم سيرة الرجل من خلال رسم مواقفه الموثقة في خضم تلك الأحداث كأنها نقاط مرجعيّة على ورقة بيضاء خالية، ليقرر القارئ بنفسه، مع تقدّم النصّ وتعدد النقاط المثبتة، صورة تشرشل التي شرعت بالتشكل أمامه.

لقد كان تشرشل حتماً، بحكم الولادة والنشأة، ودون اختيار منه، ابناً طبيعياً للإمبراطوريّة البريطانيّة بنخبويتها المفرطة، وعنصريتها الممنهجة، وجرأتها على شن الحروب على الأمم الأضعف. فقد وُلد في قصر منيف سليلاً لعائلة أرستقراطية -ابن عم دوق مارلبورو السياسي البريطاني المعروف- ولذلك فإن تشكل وعيه السياسي كان محكوماً بتوجهات طبقته اليمينيّة وأشواقها، ولم يكن سجلّه الأكاديمي الضعيف في مدرسة هارو ليقف عائقاً أمام تطوّر حياته المهنيّة كصحافي وتالياً كسياسي ورجل دولة، مأخوذاً دائماً بالصراع والحرب وهالة مجد بريطانيا العظمى. فعندما بلغ سن الرشد، كانت بريطانيا في ذروة الصراع الإمبريالي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولم يكن لمن هم مثله نقص في الفرص، فانخرط في حرب السودان (1898) وحرب البوير بجنوب أفريقيا في مطلع القرن العشرين. وعند قامت الحرب العالميّة الأولى (1914) كان واحداً من أقوى السياسيين في مجلس الوزراء، ومسؤولاً عن أكبر بحرية في العالم.
وتُظهر السّجلات من تلك الفترة دوراً أساسياً له في الدّفع نحو الحرب، سواء في النقاشات داخل الحكومة، أو إجراءات أحاديّة اتخذها لوضع البحرية البريطانيّة في حال التأهب قبل أسبوع كامل من غزو بلجيكا، ومن ثمّ إعلان الحرب على ألمانيا التي كلّفت بلاده والعالم ملايين الأرواح. على أن اندفاع تشرشل للعدوان والصراعات الحربيّة لم يكن نتاج عبقريّة عسكريّة بأي شكل، إذ لا يمكن تجاهل قراره الأحمق محاولة الاستيلاء على البحر الأسود رغم كل نصائح قادة الجيش بعكس ذلك، وهي معركة ذهبت في التاريخ كإحدى أهم الهزائم التي تعرضت لها الأمّة البريطانية وراح ضحيتها بلا طائل 45 ألف جندي بمن فيهم أُستراليون ونيوزلنديون وهنود، وأُجبر على أثرها على ترك منصبه في الأميراليّة.
سجلّ تشرشل الذي يورده علي لا يقتصر على تلك الهزيمة المجلجلة على شاطئ الدردنيل، بل يمتد في سياق مشين من خلال دوره كوزير حرب خلال قمع حرب الاستقلال الآيرلنديّة وتقسيم آيرلندا المستمر إلى الآن، كما القرار باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد أكراد العراق بعد الحرب العالمية الأولى، وإذكاء الحرب الأهلية في روسيا بعد الثورة البلشفيّة عام 1917 والحرب ضد الشيوعيين اليونانيين عام 1945، والانقلاب ضد حكومة مصدق في إيران عام 1953، وفظائع اضطهاد الكينيين خلال حرب الاستقلال هناك في الخمسينات، ناهيك بمسؤوليته المباشرة عن الإجراءات التي أدت إلى حدوث مجاعة البنغال التي قضى فيها عدة ملايين من البشر جوعاً دون داعٍ.
وحتى فيما يتعلّق بدوره كبطل للحرب العالميّة الثانية، فإن علي يورد حقائق تشير إلى أن المحافظين واليمين البريطاني بعمومه كان يميل إلى تجنّب الحرب وغير جاد في التحضير لها ومستعداً بشكل أو آخر لقبول توازن مع ألمانيا الصاعدة، وأن تشرشل الذي كان قد تولى رئاسة الوزراء بعد تشمبرلين كان وراء توريط بريطانيا في الحرب، ولذهول المراقبين وقتها بدعم من مقاعد حزب العمال المعارض ولذلك حكم بالائتلاف معهم، وأرسل ملايين البريطانيين ليقتلوا ويُقتلوا، وساهم بذلك في دمار أوروبا، وتهاوي مكانة بلاده لمصلحة صعود القطبين الأميركي والسوفياتي.
وحسب علي دائماً، فإن تاريخ تشرشل محلياً لم يكن بحال أفضل من سجله الدموي عالميّاً. لقد أمر بإطلاق النار على العمال المضربين في تونيباندي (1910) وقمع الإضراب العمالي الأكبر في تاريخ بريطانيا (1926) بمحض القوة، وكان شخصياً وراء حادثة شارع سيدني التي أدت إلى مقتل اثنين من اليهود الأناركيين حرقاً. وهو يورد كل هذه السيرة ترافقاً مع رسمه للتحيزات الطبقيّة والعنصريّة لتشرشل، بما فيها مقته العميق للعمال وعنصريته المعلنة ضد شعوب المستعمرات، وضد اليهود أيضاً.
أهميّة كتاب علي في تفكيكه سيرة تشرشل لا تتعلق أساساً بتأريخ الأحداث التي كان الرجل جزءاً منها رغم الجهد الملحوظ في تسجيل بعض محطاتها، وإنما في كشفه عن خطورة أن يصمّ مجتمع متقدّم مثل بريطانيا -تعد دولته من الأكثر ثراءً في العالم وأوسعها تأثيراً ثقافياً- أذنيه عن الحقائق بشأن أحد أهم سياسييها في التاريخ، فيُشيّد حوله جداراً من وهمٍ بعلو 1600 كتاب أدمن عليه، منتظراً ابن مهاجر باكستاني كي يكتب له حكايته النقيضة.

* Tariq Ali, «Winston Churchill: His Times, His Crimes”, Verso, 2022



ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ
TT

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟». وهو عبارة عن سلسلة حوارات بين الفيلسوف الشهير ريمي براغ والباحث المطلع جيداً على موضوع الأصولية والأصوليين: بيير كونيزا. الأول هو أحد الفلاسفة المعدودين في فرنسا حالياً. وهو أحد المثقفين النادرين الذين يعلنون إيمانهم المسيحي الكاثوليكي صراحة. وهذا شيء نادر جداً في الساحة الباريسية. فمعلوم أن معظم مثقفي فرنسا يعلنون على الملأ إلحادهم كلياً. بل ويعدّونه تحصيل حاصل غير قابل للمناقشة. هذا ما يفعله ميشيل أونفري يومياً ويصفعك به صفعاً. ولكن المرجلة ليست أن تعلن إلحادك في باريس في وقتنا الراهن. المرجلة أو البطولة هي أن تعلن إلحادك في باريس قبل مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة عندما كانت الأصولية المسيحية جبارة تخنق الأنفاس خنقاً. وعندما كان الإلحاد يؤدي إلى قطع الرؤوس بكل بساطة. أما الآن؟... على سبيل النكتة المعبرة قال لي أحدهم مؤخراً: يا أخي العالم عجيب غريب. إنه مليء بالتناقضات. قلت له: كيف؟ قال لي في فرنسا أو العالم الغربي ككل لا أحد يتجرأ على الإعلان عن إيمانه.

غلاف «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟»

إنهم يضحكون عليه أو يستهزئون به فوراً ويعدّونه مجرد شخص رجعي متخلف عفّى عليه الزمن. وأما في العالم الشرقي أو الإسلامي فلا أحد يتجرأ على القول إنه ملحد أو حتى علماني. كيف يمكن ردم هذه الفجوة الكبيرة بين العرب والغرب؟ قلت له: هذه مسألة تفاوت تاريخي ليس إلا...

وحده البروفسور ريمي براغ يتجرأ على إعلان إيمانه على رؤوس الأشهاد ولكن مع التقيد بالعقلانية الفلسفية الحداثية الصارمة. بمعنى أنه إيمان ما بعد الحداثة لا ما قبلها. لماذا يرفض هذا الفيلسوف الإلحاد رفضاً قاطعاً؟ لأنه يؤدي في نظره إلى العدمية والقلق الوجودي وانهيار القيم. ومن ثمّ فالإيمان بالله أو بالقدرة العُلوية التي تتجاوزنا وتتخطانا شرط أساسي لتحقيق الطمأنينة والسكينة للإنسان على هذه الأرض. وقد وصل الأمر بفيكتور هيغو إلى حد القول: «أومن بوجود الله أكثر من إيماني بوجودي الشخصي». بمعنى: أومن بإله الحق والعدل، إله الخير والجمال. بل وأومن بوجود عناية إلهية تطل على العالم، ترفرف فوقه، تسهر عليه وتحميه. وهي تعرف مصلحتنا وتحرص علينا أكثر من حرصنا على أنفسنا. وبالتالي فنحن محميون من فوق دون أن ندري. بمعنى آخر: أومن بأن الشر مهزوم والظلام مهزوم مهما طال الزمن. وهنا يكمن عزاؤنا الوحيد في هذه الظروف المدلهمات.

هل نعلم أن القيم الميتافيزيقية العليا هي التي تدعمنا نفسياً وترفع معنوياتنا وبخاصة في أوقات الشدة والضيق؟ وبالتالي فينبغي أن ننسى تلك المقولات السطحية التي تهاجم الميتافيزيقا وتعدّها مجرد ضبابيات وأوهام. هذا ليس صحيحاً على الاطلاق. الميتافيزيقا هي البنية التحتية أو الفوقية الساندة أو المساندة للوجود البشري. من دونها لا يمكن أن نتماسك. نحن بحاجة إلى الميتافيزيقا أكثر من حاجتنا إلى الخبز. ولهذا السبب يقول لنا ريمي براغ إن الحضارة المادية الإلحادية المهيمنة على الغرب حالياً حبلها قصير. وقد استنفدت طاقتها وأصبحت عالة على البشرية. بل وغرقت في المثليات والشذوذيات والمخدرات وأصبحت كئيبة جداً ومسببة للأمراض النفسية والعقلية المتفاقمة. والحل في رأيه هو أن يعود الغرب إلى الإيمان الروحاني والأخلاقي العالي المتعالي. بعد أن شبع الغرب من الماديات آن له أن يعود إلى الروحانيات والمثاليات العليا. ولكن حذارِ ثم حذارِ. هذا لا يعني العودة إلى إيمان القرون الوسطى التكفيري الأصولي القديم. هذا لا يعني العودة إلى المجازر الطائفية ومحاكم التفتيش. أوروبا لن تعود إلى الوراء. أوروبا لن تعود إلى الحروب المذهبية الطاحنة التي مزقتها سابقاً وطحنتها طحناً. أوروبا لن تعود إلى تدين ما قبل التنوير. هذا من رابع المستحيلات. المسألة كلها هي مسألة المصالحة بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والنقل، كما فعل ابن رشد في كتابه الشهير: فصل المقال... فالتدين الأعمى بلا عقل خراب للروح والفكر بل ودمار للحضارات. وهو الذي دمر حضارتنا منذ أفول عصر المأمون والدخول في عصر الانحطاط. وقد رأينا إلى أي الكوارث أوصلنا هذا التدين الأصولي منذ «11 سبتمبر» وحتى الآن. ورأينا أيضاً كيف ابتلينا بالخميني وظلامياته المكفهرة منذ نصف قرن ولا نزال. ولا نعرف متى نخلص، متى يزول عنا الكابوس. فالقرون الوسطى الإسلامية لا تزال ترفض أن تلفظ أنفاسها الأخيرة كما حصل للقرون الوسطى المسيحية في أوروبا.

ثم تقول لنا كتب ريمي براغ ما معناه: إن الجرائم والتفجيرات الناتجة عن الأصولية المتطرفة تدفعنا دفعاً إلى طرح السؤال التالي: هل دخلنا في مرحلة التطرف الراديكالي للأديان؟ هل حقاً تخلع الأديان المشروعية الإلهية على الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والتفجيرات؟ أم أنها على العكس تقدم للإنسان كل بشائر الأمل والخلاص في الدنيا والآخرة؟ هذه التساؤلات أصبحت تشغل مثقفي العالم كله وليس فقط المثقفين العرب والمسلمين المتذمرين من فظائع «داعش» وأشباهه. ولكن ينبغي أن يعلم الجميع أن الدين ليس هو المشكلة. وحده الفهم الخاطئ للدين، أي الفهم المنحرف الضال، هو المشكلة العظمى والبلية البلياء. الإسلام كله سلام ووئام ولا ينتج عنه إلا الخير العميم للبشرية إذا ما فهمناه على حقيقته. وقد نتجت عنه أجمل الحضارات في الماضي إبان العصر الذهبي. وسوف تنتج عنه أعظم الحضارات قريباً عندما ينتصر إسلام الأنوار على إسلام الظلمات.


«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج
TT

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يقدّم الكاتب والروائي القطري، الدكتور خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد والفهم العميق والمساءلة الجريئة.

تتميّز الرواية بقدرتها على استبقاء أثرها في الذاكرة، ليس لاستعادتها فقط مرحلة حساسة من تاريخ الخليج والجزيرة العربية، بل لاقترابها منها من زاوية غير مطروقة؛ زاوية «العين التي جاءت من بعيد»، قبل أن تجد نفسها أسيرة المكان الذي سعت لاكتشافه، فإذا به يعيد تشكيل رؤيتها للعالم ولذاتها.

بهذه المقاربة، تفتح الرواية ملفات تاريخية واجتماعية ظلت على الهامش أو في غياهب النسيان، مقدّمة سرداً يمزج بين صلابة الوثيقة ورهافة الخيال، في صيغة أدبية تسعى إلى إعادة قراءة إرث الماضي واستنطاق طبقاته الخفية، عبر استكشاف التقاطعات بين الشرق والغرب وصراع الأنا والآخر.

من الوثيقة إلى الأثر

تأتي «الإرساليّة» امتداداً طبيعياً لمشروع أدبي وبحثي أوسع لدى المؤلف، يسعى إلى قراءة التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية في منطقة الخليج العربي من زاوية إنسانية تُنصف المنسيّ والمجهول. في هذا السياق، لا يُستدعى الأرشيف على هيئة إسنادٍ تاريخي محض، بل باعتباره مدخلاً جمالياً وأخلاقياً: أوراقاً ورسائل ومذكّرات وتقارير تُستعاد من عتمة الإهمال، فتتحوّل في الرواية إلى نبضٍ جديدٍ يُمنح حقَّه في الكلام بعد طول صمت.

ما يميّز هذا النص أنه لا يُقدّم نفسه منذ الصفحة الأولى بوصفه سرديّة منمّقة، بل يدخل إلى القارئ من بابٍ مألوف: حكاية ممرضة أميركية جاءت ضمن إرساليات تبشيرية إلى الخليج. غير أن هذا المدخل «المطمئن» لا يلبث أن ينقلب تدريجياً إلى طبقات أعمق؛ إذ تتحوّل الحكاية إلى اختبارٍ معرفي، ويغدو السفر الخارجي مرآةً لسفرٍ داخلي أشد قسوة: انتقالٌ من يقينٍ مؤسسي إلى قلقٍ إنساني، ومن «الرسالة» كفعلٍ ديني إلى «الرسالة» كمعيارٍ أخلاقي يواجه صاحبه بأسئلة المعنى والكرامة والحدود.

ومن حيث الخلفية التاريخية، تستثمر الرواية مناخ حركة الإرساليات الأجنبية في الخليج، وهي حركة بدأت في أواخر القرن التاسع عشر. حيث تشير المصادر الأرشيفية إلى تأسيس «الإرسالية العربية» (Arabian Mission) تقريباً عام 1889 تحت رعاية الكنيسة الإصلاحية الأميركية، ضمن سياق تبشيري وتعليمي وطبي امتدّ لاحقاً إلى مناطق متعددة على سواحل الخليج والجزيرة العربية. هذا الإطار التاريخي لا يرد في الرواية بوصفه معلومة خام، بل كفضاءٍ تتشابك فيه الدوافع الدينية مع أسئلة النفوذ والمعرفة والخدمة الطبية، وتتعقّد فيه العلاقة بين الزائر والمكان، بين النوايا المعلنة والنتائج التي لم تكن في الحسبان.

ومن هنا، تبتعد الرواية عن نوستالجيا التزيين؛ فلا تُقدّم الماضي بوصفه صورةً جميلة تُعلّق على الجدار، بل بوصفه مسؤولية سردية. الماضي، في «الإرساليّة» ليس زينةً ولا حنيناً مجانياً، بل امتحان؛ هل نملك الشجاعة لنرى هشاشتنا القديمة كما هي؟ وهل نستطيع أن نقرأ الألم بعيداً عن الأحكام الجاهزة؟ وهل نقدر أن نفهم التحوّلات الكبرى من خلال الممرات الضيقة للحياة اليومية؟

بين الشرق والغرب

تتخذ الرواية من رسائل الممرضة الأميركية ماري مجدولين سميث محوراً سردياً. هذه الشابة التي عبرت البحار، لا لتغيير الجغرافيا وحدها، بل لتجربة زمنٍ آخر بطيء الإيقاع شديد القسوة، تتحرك في مدن ومرافئ الخليج: البحرين وقطر ومسقط والكويت وأبوظبي، قبل أن تمتد خطوط الرحلة إلى القطيف والأحساء والعراق. ومع كل انتقال، تتكشف طبقات المكان: عادات البيوت، جغرافيا السوق، إيقاع الميناء، طبيعة العلاقات الاجتماعية، مؤشرات التحول مع بدايات اقتصاد النفط.

في الرسائل، تتجاور اليوميات البسيطة مع التوترات العميقة: فرحٌ صغير يُسجَّل، وخوفٌ يتكرر، ودهشةٌ من اختلاف العالم، وإحساسٌ متنامٍ بأن الإنسان في كل مكان يحمل جرحه الخاص وإن اختلفت لغته. غير أن القيمة الأبرز في مسار ماري ليست في كونها «شاهدة» على المكان فحسب، بل في كونها كائناً يتغير تحت ضغط التجربة. الرواية تقترح بذكاءٍ سردي أن ماري لا تبقى داخل تعريفها الأول: «ممرضة ومبشّرة». الاحتكاك الطويل بالمرض وبحياة الناس وبفوارق السلطة والعوز، يدفعها إلى تجاوز الإطار الضيق، لتصبح شخصيةً قادرة على رؤية البشر خارج بطاقات الهوية.

وفي المحصّلة، لا تُقاس «الإرساليّة» بمسافةٍ تقطعها سفينة في عرض البحر، ولا بزاوية النظر التي تلتقط بها عينٌ أجنبية مشهد الخليج؛ بل تُقاس بما يُحدثه الاحتكاك الطويل بالعالم داخل الإنسان نفسه، حيث تتصدّع المعارف الموروثة، ويُعاد النظر فيما كان يبدو يقيناً نهائياً، لتنكشف الهوية بوصفها بناءً قابلاً لإعادة التشكل، لا معطًى مكتملاً. وفي هذا السياق، لا تظلّ ماري أسيرة تعريفها الأول بوصفها «مبشّرة»، ولا تختزلها المؤسسة التي جاءت باسمها، إذ تعيد التجربة صياغتها من الداخل عبر مواجهةٍ يومية مع الواقع، فتتحوّل من ذاتٍ مؤطرة بآيديولوجيا محددة إلى شخصيةٍ إنسانية أوسع، تتجاوز حدود الدور والانتماء، وتنفتح على أفقٍ كونيّ أكثر رحابة.

في رواية «الإرساليّة»، يمنحنا د. خالد الجابر رواية تستحق القراءة المتأنية، ليس لأنها تحكي قصةً مشوقة فحسب، بل لأنها تُعيد فتح نقاشٍ حول معنى الإنسانية في زمن كانت فيه الحدود متباعدة، والهويات أشد صلابة، والأسئلة رغم ذلك أعمق وأقسى.

وتظهر بصمةُ د. الجابر المهنية والأكاديمية في هذه الرواية؛ فخبرته البحثية ووعيه بسياقات منطقة الخليج والعلاقات الدولية والاتصال السياسي ينعكسان في دقة التقاط التفاصيل التاريخية والاجتماعية. اللغة تبقى أدبية، والخيال حاضر، لكن تحتها يقظة معرفية تمنح النص قدرته على خلق توازنٍ نادر: أن يكون جذاباً حكائياً، ومتيناً في إحالاته، ومقنعاً في رسم بيئةٍ ثقافية معقدة.

د. خالد الجابر هو أستاذ الاتصال السياسي في برنامج دراسات الخليج، بجامعة قطر، وقد انطبعت الخبرة التاريخية للمؤلف في هذه الرواية، كما في مجمل أعماله الروائية، بدءاً من روايته الأولى «مَلَكَوينا»، حيث استلهم فيها تاريخ العرب في الأندلس، بإضاءة سردية معاصرة. تلتها رواية «راهب بيت قطرايا»، يوظف فيها دراسته لتاريخ الجزيرة العربية في كتابة رواية ذات جذور تاريخية تتناول واحداً من الحضارات القديمة التي استوطنت الجزيرة العربية، وتركز على نحو خاص بالديانات السماوية التي سبقت الإسلام في هذه المنطقة، ومنها المسيحية.

كما أصدر رواية أخرى بعنوان «سفرطاس»، وهي تتناول أعماق النفس البشرية عبر طرح أسئلة وجودية حول الهُوية، والصراع الداخلي، وقدرة الإنسان على التكيف مع التغيرات المجتمعية.


«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع
TT

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع، وهو ثمرة متابعات ومواكبات ولقاءات مع أصحاب القرار ورحلات إلى سوريا ورؤية عن قرب للحظة التحولات السياسية التي حصلت في دمشق وسائر بلاد الشام منذ عام 2011 بداية الثورة السورية إلى لحظة سقوط نظام الأسد، وسيطرة النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع، وتشابك سوريا الجغرافي مع العالم من أنقرة إلى موسكو وواشنطن والرياض والدوحة.

جاء في تعريف الكتاب:

سقط الأسد، ولم يكن سقوطه مجرد حدث سياسي، بل لحظة نفسية أيضاً، لحظة كسر صورة بدت لسنوات عصية على الانهيار. لم يكن ذلك وليد أسبوع أو شهر.

هذا الكتاب، لا يكتفي بالسرد التقريري، فما حدث أعقد من صورة نهائية. هناك عوامل داخلية تراكمت، تحولات إقليمية، تبدل في أولويات القوى الكبرى.

اعتمد الكاتب على شهادات من أشخاص كانوا في قلب القرار، أو في قلب المعركة، للكشف كيف كان يدار نظام الأسد، وكيف بدأ يتفكك من داخله ويتآكل. سقوط بهذا الحجم لا يُختصر في أيامه الأخيرة.

هذا الكتاب يرصد خفايا سقوط الأسد، وينقل رؤية الرئيس أحمد الشرع لسوريا، بناءً على لقاءات به، وببعض الشخصيات من فريق عمله المقرّب، كما يرصد نقاط القوة في سوريا فهي ليست فقيرة، سواء لناحية الموقع الجغرافي الذي يربط بين عدة طرق وممرات (يرى النظام الجديد أن سوريا الجديدة / محور ربط تجاري بين الشرق والغرب)، أو لناحية الموارد فيها غاز وفوسفات وأراضٍ خصبة. مواردها لم تكن هائلة مقارنة بدول أخرى، لكنها كانت كافية لتشكل قاعدة اقتصادية. والقوة الحقيقية لم تكن في الموارد وحدها، بل في البشر. في سوريا تنوع سكاني تركيبة معقّدة، ليست سهلة الإدارة وحدها، لكنها غنية بالتجارب والتقاليد.

ويقارب الكتاب مجموعة قضايا معقدة من النفط إلى الاقتصاد والعلاقات مع دول العالم إلى الصدام مع إسرائيل إلى تحديات بناء الدولة، وصولاً إلى رؤية النظام الجديدة لعلاقة ندية مع لبنان، على عكس النظام السابق الذي كرس التبعية.

المؤلف منير الربيع، صحافي لبناني، مستشار سابق في رئاسة مجلس الوزراء، ورئيس تحرير «المدن» الإلكترونية. كاتب في جريدة «الأوريان لوجور». صدر له عن رياض الريس في عام 2023 كتاب «العرب في قطار النظام العالمي خرائط مهددة أو عولمة متجددة».