نافورة الماء التي يدل عملها - تقليديا - على وجود الرئيس اللبناني في القصر طال توقفها لعام هذه المرة، من دون بروز ما يؤشر لعودتها إلى العمل قريبا. أما في الوزارات والمؤسسات الحكومية اللبنانية فقد اختفت صورة رئيس الجمهورية التي تتصدر عادة كل القاعات المهمة في المؤسسات الرسمية، تاركة خلفها مسامير وحيدة تنتظر أن تلعب دورها مجددا بحمل صورة الرئيس اللبناني «وهو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن»، وفقا للدستور.
اكتملت سنة الشغور في سدّة الرئاسة الأولى، لتتزايد الخشية، في ظل النظرية الشائعة بأنه من دون رئيس «الأمور ماشية»، علما بأن للرئاسة بعدين، أحدهما مؤسساتي والآخر طائفي. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل يستطيع البلد السير من دون رئيس للجمهورية يكون رئيسا للمؤسسات؟.. وهل يستطيع البلد السير من دون مشاركة المكون المسيحي الميثاقي الأساسي؟
عدة تجارب مرّ بها لبنان في تاريخه الحديث، أبرزها تجربة الشغور بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل، ويومها كان دستور عام 1943 ساريا، مما يعني تمتع الرئيس بصلاحية ملء الشغور لحين الانتخاب، ورغم ذلك كانت النتيجة بلوغ الأزمة ذروتها. وهناك تجربتا الشغور بعد انتهاء ولاية الرئيس العماد إميل لحود، ومن ثم الرئيس العماد ميشال سليمان، بحيث وُضع نص في دستور الطائف يلحظ هذه الحالة عبر إناطة صلاحيات رئيس الجمهورية بمجلس الوزراء مجتمعا.
تختلف ظروف الفراغ في موقع الرئاسة الأولى بين عهود الرؤساء أمين الجميل وإميل لحود وميشال سليمان، وإن كان القاسم المشترك بين التجارب الثلاث «تغييب» رئيس الجمهورية، فالفراغ عام 1988 حصل قبل اتفاق الطائف، في حين حصل فراغ عامي 2007 و2014 بعد تطبيق هذا الاتفاق.
في عهد الرئيس الجميّل وبعد تعذر انتخاب رئيس للجمهورية، استعمل رئيس الجمهورية الصلاحيات التي كانت له في تشكيل الحكومة بموجب مرسوم، فاختار المجلس العسكري الذي كان مشكلا من 6 أعضاء مناصفة بين المسيحيين والمسلمين والذي كان يرأسه العماد ميشال عون بصفته قائدا للجيش. وبصرف النظر عن الملابسات التي رافقت تشكيل حكومة عسكريين - وليست حكومة عسكرية - وردود الفعل عليه، لا سيما استمرار الحكومة التي كان يرأسها الرئيس سليم الحص وما نتج عن ذلك من «واقعين حكوميين»، فإن البلاد عاشت تجربة قاسية أمنيا وسياسيا شغلت الرأي العام في حينه، عن مفاعيل الفراغ الرئاسي شكلا ومضمونا، لا سيما أن القصر الجمهوري لم يكن شاغرا أو خاليا، ففي ظل حكومة عون كان قصر بعبدا مثل خلية النحل. في بادئ الأمر كانت كل النشاطات الرسمية منصبة فيه، وكذلك العسكرية، لأن العماد عون احتفظ بقيادة الجيش، فكانت المسائل المتصلة بالجيش تتم في القصر، وإن كانت دوائر القصر الإدارية غير معنية بها بطبيعة الحال، لكنها تصبح معنية عندما كان الأمر يتطلب مراسيم أو قرارات من وزير الدفاع، الذي كان العماد عون نفسه أيضا.
كان العمل في دوائر القصر منتظما رغم الظروف القاسية التي مرت بها البلاد، وكان حضور الموظفين يتم بانتظام إلا عندما يتعذر الانتقال على الطرق، فكان العاملون في القصر من المدنيين ينامون في مكاتبهم أو في قاعات للنوم استحدثت في الطابق السفلي للقصر. أما الذي كان مكتبه آمنا فكان ينام فيه فيتحول ليلا إلى غرفة نوم وفي اليوم التالي إلى مكتب للعمل.
وفي حالة ثانية، لم يتمكن مجلس النواب من انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلفا للرئيس إميل لحود. وفي منتصف ليل 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2007 كان الرئيس لحود يغادر القصر بعد تأدية مراسم التكريم للمرة الأخيرة كرئيس للجمهورية. وفي اليوم التالي بدأ الفراغ في القصر لا سيما أن اتفاق الطائف الذي تحول لدستور في معظم بنوده، لم يعطِ رئيس الجمهورية وحده صلاحية تشكيل حكومة كما حصل مع الرئيس الجميل، والصلاحيات الرئاسية بعد الطائف تبدلت لا سيما في ما يخص آلية تشكيل الحكومات.
هذه المرة اختلف المشهد عما حصل بعد انتهاء ولاية الرئيس الجميل، فالجناح الرئاسي أقفل كليا، والرواق الذي يؤدي إليه أقفل هو الآخر. مكتب الرئيس بات هو الآخر مقفلا كليا. المدخل الرئيسي للبهو الكبير الذي يؤدي إلى مكتب الرئيس والصالونات وقاعة الطعام أقفلت أبوابه الزجاجية الكبيرة، وصار رجال الحرس الجمهوري يحرسونه من الخارج وليس من الداخل كما هي العادة. قاعة «22 تشرين» أقفلت هي أيضا، وكذلك قاعة السفراء، وقاعة «25 أيار» التي كانت تستعمل كقاعة طعام وكمكان للاحتفالات الكبرى نظرا لاتساعها. أما الجناح المنزلي الرئاسي فقد أقفل بعدما أجريت جردة مفصلة بالمحتويات، وتم تصوير كل الغرف والقاعات والصالونات والمكتب وغرف النوم، فبات الجناح الرئاسي من قصر بعبدا مثل قصور الأشباح لا حركة فيه ولا حياة.
خارج الجناح الرئاسي كل شيء كان طبيعيا. صحيح أنه لا رئيس للجمهورية، إلا أن دوائر الرئاسة تعمل بصورة طبيعية، والمديرين العامين ورؤساء الدوائر والأقسام يحضرون كالعادة إلى مكاتبهم يتابعون الأعمال الإدارية ويجمعون الملفات وقرارات الحكومة والمراسيم التي تصدرها، لا سيما بعد توليها وكالة صلاحيات رئيس الجمهورية، وذلك لقناعة أنه ذات يوم سينتخب الرئيس الجديد ولا بد من أن تكون كل الملفات مكتملة وتوضع تحت تصرفه لأن شؤون الدولة لا تتوقف. ولما بدا أن الفراغ الرئاسي سيطول كان لا بد من اعتماد إجراءات لتأمين استمرارية عطاء الموظفين وانضباطيتهم، فتم تنظيم دورات تدريبية في مجالات إدارية وتقنية ولوجيستية.
10:32 دقيقه
نافورة مياه القصر متوقفة.. وصور رئيس الجمهورية اختفت من المؤسسات الرسمية
https://aawsat.com/home/article/368556/%D9%86%D8%A7%D9%81%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%B1-%D9%85%D8%AA%D9%88%D9%82%D9%81%D8%A9-%D9%88%D8%B5%D9%88%D8%B1-%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D9%87%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D9%81%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B3%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%A9
نافورة مياه القصر متوقفة.. وصور رئيس الجمهورية اختفت من المؤسسات الرسمية
مديريات الرئاسة تعمل خلال فترة الفراغ وتنجز ما هو مطلوب منها
نافورة مياه القصر متوقفة.. وصور رئيس الجمهورية اختفت من المؤسسات الرسمية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





