وزير الإعلام والثقافة الليبي: المتطرفون استولوا على البنية التحتية للإذاعة والتلفزيون

عمر القويري كشف لـ «الشرق الأوسط» عن مشروعات لبناء منظومة إعلامية جديدة وإصدار صحف تابعة للدولة

عمر القويري («الشرق الأوسط»)
عمر القويري («الشرق الأوسط»)
TT

وزير الإعلام والثقافة الليبي: المتطرفون استولوا على البنية التحتية للإذاعة والتلفزيون

عمر القويري («الشرق الأوسط»)
عمر القويري («الشرق الأوسط»)

أكد وزير الإعلام والثقافة الليبي، عمر القويري، استيلاء الجماعات المتطرفة في بلاده على البنية التحتية للإذاعة والتلفزيون والصحف وغيرها من الوسائل الإعلامية التي كانت تابعة للدولة الليبية قبل سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، إلا أنه قال إن هذه القنوات وقنوات أخرى تروج للمتطرفين من الخارج، فقدت مصداقيتها أمام الجمهور الليبي إلى حد كبير.
وكشف القويري في حوار مع «الشرق الأوسط» عن مشروعات لبناء منظومة إعلامية جديدة تابعة للدولة تتضمن بث قنوات تلفزيون وترددات إذاعية وإصدار صحف تابعة للدولة، وقانون لتنظيم العمل الإعلامي وحظر التمويل الأجنبي للإعلام إلا من خلال القنوات الشرعية، مشيرا إلى أن بعض الإذاعات في المدن التي سيطر عليها المتطرفون، تقوم بنقل خطب الخليفة المزعوم أبو بكر البغدادي، مباشرة، من مكان ما من العراق.
وبينما أشار إلى وجود نحو 40 قناة تلفزيونية ليبية من توجهات مختلفة في البلاد، تطرق القويري إلى قضية أخرى قال إنها تمس الأمن القومي للدولة، وتتعلق باستخدام إذاعات أجنبية لمُرسلات (لا سلكية) مركبة في أبراج داخل ليبيا، للبث الداخلي، بعيدا عن سلطة الدولة. وقال إن الجيش متخوف من استخدام الميليشيات الإرهابية لهذه «المُرسلات» الإذاعية، ومن الممكن أن يتخذ قرارا بإغلاقها في الفترة المقبلة.
وأضاف الوزير الليبي، أن نحو 1300 موظف في الصحف الليبية التابعة لما كان يعرف بـ«هيئة دعم وتشجيع الصحافة»، يرفضون الانخراط في الجسم الجديد الذي أصبح يحمل بعد «الثورة» اسم «المؤسسة الوطنية للصحافة»، وقال إنه رفض التدخل في هذا الصراع، وقام بإصدار صحف تابعة للدولة مثل «ليبيا الرسمية» التي تصدر ثلاث مرات في الأسبوع. وإلى أهم ما جاء في الحوار..
*تبدو الآلة الإعلامية التي تحت أيدي المتطرفين في ليبيا كبيرة ومتشعبة.. كيف هذا؟
- للأسف، هم امتلكوا البنية التحتية الموجودة في العاصمة طرابلس بعد أن استولت عليها الميليشيات العام الماضي. جميع القنوات التلفزيونية التي كانت تابعة للدولة، وجميع مقراتها واستوديوهاتها وأطقمها الفنية، جرى الاستيلاء عليها من جانب المتطرفين، ويقومون بتشغيلها بنفس الاسم، وأضافوا أسماء جديدة مثل «قناة فبراير»، و«قناة التناصح»، وغيرهما. أصبحت كلها قنوات مضادة لشرعية الدولة، وتمثل التيار الإخواني والميليشيات. الإذاعات نفس الشيء.
*يقال أيضا إن بعض الإذاعات في عدة مدن ليبية تبث خطب الخليفة المزعوم أبو بكر البغدادي؟
- نعم.. هذا صحيح في المدن التي سيطر عليها المتطرفون. لقد أصبحوا يستخدمون ما فيها من إذاعات في نقل خطب البغدادي، مباشرة، (من مكان ما في العراق)، وكذا خطب أبو محمد الفرجاني (قيادي في داعش ليبيا)، وغيره. هذه الخطب الإرهابية تبث عبر القنوات التي يسيطرون عليها. لكن على أي حال الإذاعة قانونا الآن تتبع وزارة الحكم المحلي. وبالتالي كل مدينة إذا أرادت أن تنشئ راديو، في الأحوال الطبيعية، تتجه للبلدية التي تصدر قرارا بإنشائها، ثم تحصل على موافقة أخرى بالطيف الترددي من وزارة الاتصالات. وأخيرا يصدر قرار بتكليف أحد الأشخاص لإدارة هذه الإذاعة ويصرف عليها من وزارة الحكم المحلي.
*موجات الكثير من الإذاعات الأجنبية في ليبيا تبدو قوية جدا في معظم مناطق البلاد.. ما السر؟
- هذه مشكلة أخرى في ليبيا تمس أمنها القومي، وقد تطرح للمرة الأولى على وسائل الإعلام، وهي أن لدينا إذاعات غير ليبية تبث في داخل ليبيا. بمعنى أن لها مقرات في الخارج، لكن المُرسلات (اللاسلكية) مركبة في أبراج داخل ليبيا، مثل «راديو الآن»، وهو يبث منذ أيام الثورة (2011)، وإذاعة الـ«بي بي سي»، و«راديو الوسط» الذي يبث من مصر وهو يتبع وزير إعلام ليبي سابقا. واستخدام المرسلات هذا للأسف يجري بعيدا عن سلطة الدولة الشرعية. هذا موضوع خطير. والآن.. الجيش متخوف من استخدام الميليشيات الإرهابية لهذه «المُرسلات» الإذاعية، ومن الممكن أن يتخذ قرارا بإغلاقها في المستقبل.
*طبعا، هناك الكثير من الوسائل الإعلامية التي تبث من الداخل والخارج طيلة السنوات الأربع الأخيرة، ومحسوبة على قوى التطرف. كيف تقيِّم مستواها اليوم وهي خصم للدولة؟
- تراجعت مصداقية هذا النوع من الوسائل الإعلامية بشكل كبير. على سبيل المثال، ومنذ أيام الثورة (في 2011) وحتى اليوم لم أتواصل مع قناة مثل قناة «الجزيرة» أبدا، ولم أعمل معها أي مقابلة. حتى بعد أن تسلمت وظيفتي كوزير في الحكومة، حاولت هذه القناة أن تجري لقاءات معي، لكنني رفضت، وإن كان البعض يرى أنه لا بد من الوجود في جميع القنوات الإعلامية بما فيها «الجزيرة» لتوصيل الرسالة التي أريدها.. وتوجد قناة أخرى مثل «الجزيرة»، وهي مخصصة لليبيا وموجودة في طرابلس، واسمها «قناة النبأ».
*وماذا عن الإذاعات وقنوات التلفزيون التابعة للدولة والسلطة الشرعية الحالية؟
- أنا حين تسلمت عملي لم يكن للحكومة قناة رغم أنه كان قد مضى نحو شهرين على وجود هذه الحكومة في مدينة البيضاء. لم يكن لديها أي قناة ولا أي وسيلة إعلامية. ولم يكن لديهم حتى الترددات الخاصة بالبث التلفزيوني. في اليوم التالي لتسلمي وظيفتي اشتريت ترددا بما قيمته 140 ألف يورو لمدة ستة أشهر. وأطلقنا أول قناة للحكومة، اسمها قناة «ليبيا الرسمية». والآن لديّ قناة رسمية تمثل صوت ليبيا وفيها شريط إخباري باللغتين العربية والإنجليزية، وهذا أمر يحدث لأول مرة في ليبيا خلال الخمسين سنة الأخيرة. فلم يكن لدى نظام القذافي نشرة أخبار أو شريط إخباري على الشاشة باللغة الإنجليزية، رغم قلة الإمكانيات والموارد. وكذلك أسسنا إذاعة باسم «راديو ليبيا الرسمية» انطلق من بنغازي، وجارٍ تركيب المُرسلات في أهم عشر مدن ليبية تحت سيطرة الحكومة، منها البيضاء وطبرق والمرج وشحات وسوسة والكفرة وإجدابيا.. بالإضافة إلى الزنتان ومرزق وسبها وقطرون والواحات. وسوف تستفيد من هذا البث الإذاعي أيضا المدن المجاورة لمواقع البث الرئيسية بالمدن التي ذكرتها. ولدينا أيضا موقع «الرسمية» على الإنترنت. وجارٍ الإعداد لإصدار مجلة ثقافية شهرية تابعة لنفس هذه المؤسسة الإعلامية. هذا نشاط إعلامي انطلقنا فيه من الصفر. وعلى مستوى الإعلام الإلكتروني أستطيع أن أقول لك إننا أصبحنا متفوقين على خصومنا من الميليشيات المدعومة من تركيا وجيوشها الإلكترونية، ومدعومة من قطر وقناة «الجزيرة» ومدعومة من عدة أطراف أخرى إقليمية ودولية.
*ومن أين تبث قناة «ليبيا الرسمية»؟
- مقرها في عمان بالأردن.. وتبث من هناك. لا تنسَ أن لدينا مشكلات داخل ليبيا حالت دون البث من الداخل، على رأسها مشكلة انقطاع الكهرباء في عموم البلاد. يتراوح انقطاع الكهرباء بين 12 ساعة ويومين وثلاثة أيام. وبالتالي لا يمكن أن تعتمد على ذلك في تشغيل قناة تلفزيونية. وإن كان بعض الناشطين وبعض الناس يعترضون ويقولون كيف لقناة ليبية رسمية أن تبث من الخارج. مسألة البث من الداخل أمر غير ممكن واقعيا في ظل مثل هذه الظروف. لدينا أيضا قناة «ليبيا الوطنية» وهي تابعة للدولة وتبث من داخل طبرق ومقرها كذلك في طبرق وتواجه إرباكات كبيرة، لكن العمل فيها يسير رغم كل شيء.
*يبدو مصير البنية التحتية للصحافة الورقية التي كانت تصدر أيام القذافي، غامضًا.. ما رأيك؟
- الصحافة الليبية كانت تندرج تحت اسم واحد هو «هيئة دعم وتشجيع الصحافة»، وحين قامت الثورة في 2011، وفي عهد المجلس الوطني الانتقالي، صدر قرار بإنشاء «المؤسسة الوطنية للصحافة». هذه المؤسسة هي الوريث الشرعي لـ«هيئة دعم وتشجيع الصحافة». لكن أنت تعلم أن هيئة دعم وتشجيع الصحافة فيها 1300 موظف. وهي إلى الآن جسم قائم ورافض أن يتغير إلى الجسم الجديد، أي إلى «المؤسسة الوطنية للصحافة». أنا لم أدخل في صراع لا مع هذا ولا مع ذاك. وأصدرت صحفا مثل «ليبيا الرسمية» التي تصدر في أيام الأحد والثلاثاء والخميس، وتطبع في مدينة بنغازي. ولدينا حاليا تعاون مع الجانب المصري بحيث يمكن أن نطبع منها في القاهرة للتوزيع للمتابعين للشأن الليبي وللجالية الليبية داخل مصر. كما ستصدر قريبا صحيفة «ليبيا الوطنية». كل هذا بعيدا عن تلك التجاذبات، إلى أن يقوم مجلس النواب أو جهة تشريعية كبرى بحلها. الآن هناك مساعٍ من البعض بضم «هيئة دعم وتشجيع الصحافة» إلى مجلس النواب، بحيث يجري فصلها عن وزارة الإعلام، أو أن تتبع الرئيس مباشرة. أنا بعيد عن هذه المشكلة.
*هل أنت راضٍ عن الأداء الإعلامي الحكومي في ظل الظروف التي تمر بها البلاد حاليا؟
- منذ تسلمي مهام هذه الوظيفة، وضعت برنامجا من ثلاثة محاور. المحور الأول فيه التشريعات المفترض أن تنظم العمل الإعلامي، والمحور الثاني يخص الإعلام البديل، والمحور الثالث الإعلام الخارجي. بالنسبة لمحور التشريعات قدمنا مسودة قانون أطلقنا عليها مسودة تنظيم العمل الإعلامي. مثل هذه المسودة لم تكن موجود طوال 42 عاما من حكم القذافي. ولم تكن موجودة أيضا طوال الأربع سنوات التي انقضت من عمر ثورة 2011. نحن تقدمنا بها بعد شهرين من تسلمنا لهذه الوظيفة. الكرة الآن في ملعب مجلس النواب بأن يسن لنا قوانين تنظيم هذه الفوضى الإعلامية.
*ما هي أهم النقاط في مسودة تنظيم العمل الإعلامي؟
- لعل أهم نقطة أنا حرصت عليها هي حظر استخدام اسم «ليبيا» في الأسماء التي تطلقها القنوات الخاصة على نفسها. لا يصح أن تنشئ قناة خاصة وتطلق عليها «ليبيا الأحرار»، أو «ليبيا الحرة» أو غيرها. «ليبيا» اسم سيادي لا يجوز استخدامه إلا للدولة فقط، لأن المواطن الليبي والمشاهد العام أصبح أمام حالة من الارتباك ولا يعرف من هي القناة التابعة للدولة ومن هي التابعة للقطاع الخاص، ومن مع من ومن ضد من. الآن لدينا نحو 40 قناة تلفزيونية في ليبيا. ولا يصح أن تكون هناك قناة ممولة من مخابرات إحدى الدول العربية أو الأجنبية، وتقرن اسمها باسم «ليبيا». التمويل الخارجي بشكل عام أمر مرفوض، وغير مقبول، ويجب أن يمر عبر قنوات الدولة الرسمية. لا يصح، حتى لو كنت صديقا، أن تجتمع مع مجموعة من الليبيين وتقول أريد أن أدعمهم. هذا مرفوض. ليبيا دولة ذات سيادة، وليست حديقة تدخلها لكي تتنزه وتخرج.
*تقصد أن مشروع القانون هذا سيعمل أيضًا على مراقبة منظومة تمويل الإعلام؟
- ليس هذا فقط.. بل إن المشروع المقترح سوف يضمن التعويض عن الضرر للمواطنين الذين يتعرضون للتشهير بهم في وسائل الإعلام. أو قيام إحدى القنوات بسرقة الحقوق الفكرية لشخص من الأشخاص.. ما هي العقوبة. وكيف يحصل على حقه. إذا أردت أن تقاضي مؤسسة إعلامية أو مؤسسة إنتاجية، ماذا تفعل. لا يوجد ما ينظم هذا الأمر، لا في السابق، ولا في الوقت الحالي. نحن في حاجة لحزمة من التشريعات بهذا الخصوص.. في حاجة إلى قانون ينظم العمل الإعلامي.



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».