«الأوروبي» لإرساء قواعد السياسة الدفاعية المشتركة

أورسولا فون دير لاين وشارل ميشال بعد انتهاء مؤتمر صحافي في بروكسل 31 مايو (أ.ف.ب)
أورسولا فون دير لاين وشارل ميشال بعد انتهاء مؤتمر صحافي في بروكسل 31 مايو (أ.ف.ب)
TT

«الأوروبي» لإرساء قواعد السياسة الدفاعية المشتركة

أورسولا فون دير لاين وشارل ميشال بعد انتهاء مؤتمر صحافي في بروكسل 31 مايو (أ.ف.ب)
أورسولا فون دير لاين وشارل ميشال بعد انتهاء مؤتمر صحافي في بروكسل 31 مايو (أ.ف.ب)

بينما كانت الأضواء الكاشفة مسلّطة مساء الثلاثاء الماضي على الاتفاق الذي توصّلت إليه القمة الأوروبية الاستثنائية لوقف استيراد النفط الروسي، جزئياً وبصورة تدريجية، غاب عن المشهد الإعلامي العام اتفاق القادة الأوروبيين على خطوة تاريخية نحو إرساء قواعد السياسة الدفاعية المشتركة التي يتطلّع إليها منذ سنوات أنصار أوروبا الموحّدة، كقطب استراتيجي وازن سياسياً وعسكرياً على الساحة الدولية.
ويأتي هذا الاتفاق الذي يقضي بتعزيز القدرات الصناعية الحربية في دول الاتحاد، بالتزامن مع الاستفتاء الدنماركي حول الانضمام إلى السياسة الدفاعية الأوروبية المشتركة، تحت وطأة الخوف من التهديد الروسي الذي كان قد دفع السويد وفنلندا إلى طلب الانضمام إلى الحلف الأطلسي، وعشيّة إعلان واشنطن قرارها تزويد أوكرانيا بصواريخ متطورة لمواجهة القوات الروسية.
وينصّ هذا الاتفاق الذي أرادته باريس بقوة، على تكليف المفوضية وضع خطة للإسراع في التنسيق المشترك لترميم المخزونات الدفاعية الأوروبية التي تضاءلت طوال السنوات التي تلت نهاية الحرب الباردة، وبلغت أدنى مستوياتها مؤخراً بعد المساعدات العسكرية التي قدمتها الدول الأعضاء في الاتحاد إلى أوكرانيا. ومن التدابير التي تضمّنها الاتفاق، إنشاء منصّة تشرف عليها المفوضية للمشتريات العسكرية المشتركة، على غرار مشتريات الغاز واللقاحات ضد «كوفيد-19»، إضافة إلى برنامج أوروبي للاستثمار المشترك في الصناعات الدفاعية ليكون الإطار المالي العام لإعادة التسلّح في البلدان الأوروبية.
كما اتفق القادة الأوروبيون على إعطاء البنك الأوروبي للاستثمار دوراً أساسياً في دعم خطة الأمن والدفاع المشتركة، مع احتمال إعفاء مشروعات الدفاع الأوروبية ذات المنفعة المشتركة من ضريبة القيمة المضافة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه التدابير غير المسبوقة في القمة التي فرضت الحرب الدائرة في أوكرانيا كل البنود التي كانت مدرجة على جدول أعمالها، تعكس المناخ السائد في أرجاء القارة الأوروبية بعد الاجتياح الروسي لأوكرانيا، وتهديد موسكو بتوسيع دائرة الحرب واستخدام أسلحة غير تقليدية. وتشكّل نقطة انطلاق المشروع الأوروبي في مسار لا عودة عنه نحو السياسة الدفاعية المشتركة التي كانت دائماً من الملفات المحظورة على طاولة الاتحاد.
وقد ساهمت هذه القمة في تفعيل عدد من الملفات الحساسة، مثل الأمن الغذائي الذي يثير قلقاً عميقاً في الأوساط الأوروبية، من حيث تداعياته المحتملة على تدفقات الهجرة من البلدان الأفريقية، وتمويل الدولة الأوكرانية بما يمكّنها من دفع رواتب الموظفين ومعاشاتهم التقاعدية؛ حيث خصصت لهذا الغرض 10 مليارات دولار، والمساهمة في إعمار البلد بعد نهاية الحرب، فضلاً عن حزمة جديدة من العقوبات ضد رجال أعمال مقرّبين من الكرملين.
المسؤول الأوروبي عن السياسة الخارجية جوزيب بورّيل، عبّر بوضوح عن هذا التوجّه الذي كان يدفع باتجاهه منذ أن تولّى مهامه، ويصطدم بمعارضة شديدة من الدول الأعضاء؛ حيث قال: «علّمتنا الحرب في أوكرانيا أن التجارة وحدها لا تكفي، ولا سيادة القانون، ولا أن تكون أوروبا قوة مدنية رائدة، علينا أن نكون أيضاً قوة عسكرية». وأضاف بورّيل الذي ناضل سنوات في صفوف الحركات السلمية التي كانت تنادي بخروج إسبانيا من الحلف الأطلسي عندما كان يتولّى مناصب قيادية في الحزب الاشتراكي الذي أصبح فيما بعد أمينه العام: «يجب أن نزيد إنفاقنا العسكري المشترك؛ لكن ذلك لن يكون سهلاً؛ لأن الجيوش والقدرات العسكرية هي أساس السيادة الوطنية».
وليس من باب الصدف أن يتزامن هذا الاتفاق التاريخي حول إعادة التسلح الأوروبي مع إعلان المستشار الألماني أولاف شولتس أنه حصل على موافقة البرلمان على تخصيص 100 مليار يورو للإنفاق العسكري، بما يسمح لألمانيا برفع موازنتها الدفاعية إلى ما يعادل 2 في المائة من إجمالي الناتج القومي، بينما تعهدت الدول الأعضاء الأخرى بتخصيص 200 مليار يورو إضافية خلال السنوات المقبلة، كما أفادت المفوضية.
وكان رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، قد علّق على الاتفاق بقوله: «إنها خطوة تاريخية ولدت من اقتناعنا المشترك بضرورة زيادة الاستثمارات في القطاع الدفاعي، وتنسيقها بصورة أفضل، عن طريق الشراء المشترك وتعزيز القاعدة الصناعية المشتركة».
لكن رغم التوافق الأوروبي حول هذه الخطوة، ثمّة من أعرب عن مخاوفه من انعكاساتها على العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي، وعلى نقل الصلاحيات من الدول الأعضاء إلى المفوضية التي هي الذراع التنفيذية للاتحاد. ومن الأسئلة التي يطرحها الذين أعربوا عن هذه المخاوف: هل بإمكان الدول الغربية إنتاج الكميات الكافية من الأسلحة التي تحتاجها أوكرانيا، بعد أن تنفذ مخزونات الدول التي تزوّدها بالمساعدات؟ هل بوسع الاتحاد الأوروبي تعويض الأسلحة التي تقدمها الولايات المتحدة إلى أوكرانيا حالياً، إذا خسر جو بايدن الأكثرية في الكونغرس بعد الانتخابات المقبلة في نوفمبر (تشرين الثاني)؟
ويميل المشككون في نجاعة هذه الخطوة إلى توقّع فشلها حتى قبل المباشرة بتنفيذها «على غرار ما حصل مع برنامج (كوفاكس) لشراء اللقاحات ضد (كوفيد) وتوزيعها: توقعات عالية من أطراف ثالثة لا تصل إلى خواتيمها، وشعور جماعي بالفشل»، كما يقول دبلوماسي أوروبي رفيع. لكن الرياح الأوروبية تهبّ بقوة باتجاه التسلّح، كما يتبيّن من التقرير الذي أعدته المفوضية، وجاء فيه: «على الدول الأعضاء الإسراع في استعادة جهوزية القتال الدفاعي في ضوء الوضع الأمني العام والمساعدات العسكرية التي قدمتها لأوكرانيا». ويشير التقرير إلى أن الإنفاق العسكري الإجمالي في دول الاتحاد بين عام 1999 والعام الماضي ازداد بنسبة 19.7 في المائة، مقابل 65.7 في المائة في الولايات المتحدة، و292 في المائة في روسيا، و592 في المائة في الصين.
ويذكر أن الخطوة العملية الأولى نحو هذا الاتفاق انطلقت من «قمة فرساي» التي انعقدت بعد أيام من بداية الحرب في أوكرانيا؛ حيث تعهد أعضاء الاتحاد «تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة لمواجهة العدوان الروسي، وتكليف المفوضية بالتعاون مع وكالة الدفاع الأوروبية وضع تحليل مفصّل لمواطن النقص في الاستثمارات الدفاعية، واقتراح التدابير اللازمة لتوطيد القاعدة الصناعية والتكنولوجية في قطاع الدفاع الأوروبي».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: 2000 مُسيّرة روسية استهدفت منشآت طاقة وبنية تحتية أوكرانية خلال أسبوع

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: 2000 مُسيّرة روسية استهدفت منشآت طاقة وبنية تحتية أوكرانية خلال أسبوع

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (الأحد)، إن روسيا أطلقت أكثر من 2000 طائرة مُسيّرة و116 صاروخاً على أوكرانيا خلال الأسبوع الماضي فقط.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية) p-circle

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

أعلنت روسيا، الأحد، أن الرجل الذي يشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».